Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:66–75
39:66Page 465
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) وفي هذا رد على المشركين حيث أمروه بعبادة الأصنام ووجه الرد ما يفيده التقديم من القصر، قال الزجاج، لفظ اسم الله منصوب بأعبد قال ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين، وقال الفراء هو منصوب بإضمار فعل، وعن الكسائي مثله، والأول أولى.
قال الزجاج: والفاء في فاعبد للمجازاة، وقال الأخفش زائدة قال عطاء ومقاتل. معنى فاعبد وَحِّد لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده (وكن من الشاكرين) لإنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد والدعاء إلى دينه، واختصك به من الرسالة.
39:67Page 465
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
(وما قدروا الله حق قدره) أي ما عرفوه حق معرفته، وقال المبرد أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، من قولك فلان عظيم القدر. وإنما وصفهم بهذا لأنهم عبدوا غير الله، وأمروا رسوله بأن يكون مثلهم في الشرك، وقرىء قدروا بالتشديد.
(والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك فأخبر سبحانه عن عظيم قدرته بأن الأرض كلها مع عظمتها وكثافتها في مقدوره، كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه كما يقولون هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه.
والمراد بالأرض الأرضون السبع، يشهد لذلك قوله (جميعاً) وقوله الآتي (وَالسَّمَاوَاتُ) لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع، ولأن الموضع موضع تعظيم، فهو مقتض للمبالغة، والمعنى الأرضون جميعاً ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة، وقدم الأرض على السموات لمباشرتهم بها ومعرفتهم بحقيقتها.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السموات يوم القيامة على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) " وإنما خص يوم القيامة بالذكر -وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا أيضاً- لأن الدعاوي تنقطع في ذلك اليوم، كما قال. (والأمر يومئذ لله) وقال (مالك يوم الدين) ولذلك قال في الحديث " ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ".
(والسموات مطويات بيمينه) ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه، والطي ضد النشر واليمين في كلام العرب قد يكون بمعنى القدرة والملك. قال الأخفش بيمينه يقول في قدرته نحو قوله (أو ما ملكت أيمانكم) أي ما كانت لكم قدرة عليه، وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر الجسد، ومنه قوله سبحانه (لأخذنا منه باليمين) أي بالقوة والقدرة، وليس يريد به طياً بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب، يقال قد انطوى عنا ما كنا فيه، وجاءنا غيره، وانطوى عنا، وهو بمعنى المضي والذهاب قال الخازن اليمين ليس عندنا بمعنى الجارحة، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب؛ والأخبار المأثورة الصحيحة؛ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه اهـ.
ومعنى الآية ما عظموه حق تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة، والمقصود الإشارة إلى أن المتولي لإبقاء السموات والأرض في هذه الدار هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة، وذلك يدل على قدرته التامة على الإِيجاد والإعدام، وأنه غني على الإطلاق فإنه إذا حاول تخريب الأرض يقبضها ويزيلها وتخريب السموات يجمعها كالسجل المطوي.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض " [[صحيح الجامع/7981.]]؟
وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون أين ملوك الأرض "، أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف لتأويل، ولا تعسف بقال وقيل، ثم نزه سبحانه نفسه فقال:
(سبحانه وتعالى عما يشركون) به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة العظيمة - والحكمة الباهرة.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)
39:68Page 466
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) هذه هي النفخة الأولى، والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وقد تقدم غير مرة، وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن صاحبي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان النظر حتى يؤمران " أخرجه ابن ماجة، وفي أبي داود عنه قال: " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الصور وقال: عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل، ذكره القرطبي.
ومعنى صعق زالت عقولهم، فخروا مغشياً عليهم، وقيل: ماتوا: قال الواحدي: قال المفسرون: مات من الفزع وشدة الصوت أهل السموات والأرض، قرأ الجمهور الصور بسكون الواو وقرىء بفتحها جمع صورة:
(إلا من شاء الله) والاستثناء متصل والمستثنى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل: رضوان وحملة العرش وخزنة الجنة والحور العين والنار، وقياد: الباري تعالى وحده قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله من في السموات ومن في الأرض. فإنه لا يتحيزه فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً وقيل الزبانية وقيل عقارب أهل النار وحياتها.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: " قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه وقال أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قال الله ونفخ في الصور إلى قوله: ينظرون فأكون أول من يرفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي! أو كان ممن استثنى الله ".
وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " إلا من شاء الله " قال: " هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة " الحديث أخرجه أبو يعلى والدارقطني في الأفراد وابن المنذر والحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في البعث وأخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد من قول أبي هريرة.
وعن أنس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله (إلا من شاء الله) " فقال جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل وحملة العرش " أخرجه الفريابي وابن جرير وأبو نصر السجزي في الابانة، وابن مردويه.
وأخرج ابن المنذر عن جابر قال هو موسى لأنه كان صعق قبل، وههنا إشكال أورده بعض السلف وهو أن نص القرآن يدل على أن هذا الاستثناء بعد نفخة الصعق وهي النفخة الأولى التي مات فيها من بقي على وجه الأرض والحديث المتقدم يدل على أنها نفخة البعث. وما قيل إنه يحتمل أن موسى ممن لم يمت من الأنبياء باطل لصحة موته، وقال القاضي عياض يحتمل أن تكون هذه صعقة فزع بعد النشر حين تنشق الأرض والسموات فتتوافق الآيات والأحاديث.
قال القرطبي: ويرده ما مر في الحديث من أخذ موسى بقائمة العرش، فإنه إنما هو عند نفخة البعث، وأيضاً تكون النفخات أربعاً ولم ينقله الثقات قال الشهاب: فمن حمل الصعق على غشى يكون من نفخة بعد نفخة البعث للإرهاب والإرعاب فكلامه مردود بما عرفت، ومن الغريب أن بعضهم جعلها بحديث أبي هريرة خمساً، وقد سمعنا بمن زاد في الطنبور نغمة، ولم نسمع بمن زاد في الصور نفخة.
قال القرطبي: والذي يزيح الإشكال ما قاله بعض مشايخنا أن الموت ليس بعدم محض بالنسبة إلى الأنبياء والشهداء فإنهم موجودون أحياء، وإن لم نرهم، فإذا نفخت نفخة الصعق صعق كل من في السموات والأرض وصعق غير الأنبياء موت وصعقهم غشي، فإذا كانت نفخة البعث حيى من مات، وأفاق من غشي عليه، ولذا وقع في الصحيحين فأكون أول من يفيق، والأحاديث الواردة في كيفية نفخ الصور كثيرة، وقد ذكر سليمان الجمل في هذا المقام عن ابن الوردي وغيره ما جاء في صورة الصور وهيئته وتعداد نفخاته، ولا تعلق له بالتفسير.
(ثم نفخ فيه) نفخة (أخرى فإذا هم) يعني الخلق كلهم (قيام) على أرجلهم (ينظرون) ما يقال لهم، أو ينتظرون ذلك، والاستثناء ملاحظ في هذا أيضاًً لأن من لم يمت كالحور فلا يقال له ذلك، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بين النفختين أربعون: قالوا أربعون يوماً؟ قال أبو هريرة أبيت، قالوا أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا أربعون سنة؟ قال: أبيت، ثم ينزل الله عز وجل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة " [[سبق ذكره.]] أخرجه الشيخان.
ودلت الآية على أن النفخة اثنتان الأولى للموت، والثانية للبعث، والجمهور على أنها ثلاث، الأولى للفزع كما قال: ونفخ في الصور ففزع، والثانية للموت، والثالثة للإِعادة.
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)
39:69Page 466
وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩
And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.
(وأشرقت الأرض) الإشراق الإِضاءة، يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت، وشرقت إذا طلعت، وأراد بالأرض عرصات القيامة، أي الأرض الجديدة التي يوجدها الله في ذلك الوقت، ليحشر الناس عليها، وليس المراد بها أرض الدنيا.
(بنور ربها) أي بعدل ربها قاله الحسن وغيره، وقال الضحاك: بحكم ربها. والمعنى أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق فيهم، فالعدل نور، والظلم ظلمات. وقيل: ذلك حين يتجلى الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين خلقه، فما يضارون في نوره كما لا يضارون في الشمس في يوم الصحو.
وقيل: إن الله سبحانه يخلق نوراً يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي، فإن الله سبحانه هو (نور السموات والأرض) قرأ الجمهور: أشرقت مبنياً للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول.
(ووضع الكتاب) قيل: هو اللوح المحفوظ، وقال قتادة يعني الكتب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وكذا قال مقاتل: وقيل هو من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أي وضع الكتاب للحساب (وجىء بالنبيين) إلى الموقف فسئلوا عما أجابتهم به أممهم.
(والشهداء) الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما في قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) وقيل المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله. قاله السدي وقيل هم الحفظة كما قال تعالى: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) قاله ابن زيد قال ابن عباس النبيون الرسل والشهداء الذين يشهدون لهم بالبلاغ ليس فيهم طعان ولا لعان يشهدون بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم.
ولما بين سبحانه أنه يوصل لكل ذي حق حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات أولاها قوله (وقضى بينهم بالحق) أي قضى بين العباد بالعدل والصدق، والثانية (وهم لا يظلمون) أي والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل، والثالثة
39:70Page 466
وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠
And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.
(ووفيت كل نفس ما عملت)، من خير وشر أي جزاءه والرابعة (وهو أعلم بما يفعلون) في الدنيا لا يحتاج إلى كاتب ولا حاسب ولا شاهد، لأنه عالم بمقادير أفعالهم وبكيفياتها. فامتنع دخول الخطأ عليه، قاله الكرخي، وقال القرطبي ومع ذلك فتشهد الكتب والشهود وإلزاماً للحجة انتهى. يعني إنما وضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء لتكميل الحجة وقطع المعذرة.
ثم ذكر سبحانه تفصيل ما ذكره من توفية كل نفس ما كسبت فقال:
39:71Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١
And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."
(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) أي سيق الكافرون سوقاً عنيفاً إلى النار حال كونهم جماعات متفرقة بعضها يتلو بعضاً، قال أبو عبيدة والأخفش زمراً جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، واحدتها زمرة واشتقاقه من الزمر، وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه غالباً (حتى) هي التي تحكي الجمل بعدها (إذا جاؤوها فتحت أبوابها) أي أبواب النار ليدخلوها، وهي سبعة أبواب. وكانت قبل ذلك مغلقة. وقد مضى بيان ذلك في سورة الحجر.
(وقال لهم خزنتها) جمع خازن نحو سدنة وسادن: (ألم يأتكم رسل منكم) أي من أنفسكم ومن جنسكم (يتلون عليكم آيات ربكم) التي أنزلها عليكم (وينذرونكم لقاء يومكم هذا)؟ أي يخوفونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم فيه، والمراد به وقت الشدة لا يوم القيامة جميعه، قال الزمخشري: وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضاً في أوقات الشدة، قالوا لهم هذا القول تقريعاً وتوبيخاً، فأجابوا بالاعتراف، ولم يقدروا على الجدل الذي كانوا يتعللون به في الدنيا، لانكشاف الأمر وظهوره ولهذا (قالوا بلى) أي قد أتتنا الرسل بآيات الله وأنذرونا بما سنلقاه.
(ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) وهي (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) جيء بالظاهر مقام المضمر لبيان سبب استحقاقهم العذاب وهو كفرهم، فلما اعترفوا هذا الاعتراف
39:72Page 466
قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢
[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
(قيل) لهم من قبل الملائكة الموكلين لعذابهم.
(ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) التي قد فتحت لكم لتدخلوها (خَالِدِينَ) أي مقدرين الخلود (فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) جهنم، واللام فيه للجنس، وجيء بالظاهر لبيان سبب كفرهم الذي استحقوا به العذاب، وقد تقدم تحقيق المثوى في غير موضع، ولما ذكر فيما تقدم حال الذين كفروا وسوقهم إلى جهنم زمراً ذكر هنا حال المتقين، وسوقهم إلى الجنة فقال: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)
39:73Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣
But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1
(وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) أي ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان، كما يفعل بمن يكرم من الوافدين على بعض الملوك والمراد بالسوق المتقدم طردهم إلى العذاب بالهوان كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو القتل، فشتان ما بين السوقين.
وهذا من بدائع أنواع البديع، وهو أن يأتي سبحانه وتعالى بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم وعقابهم، ويأتى بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم، فسبحان من أنزله معجز المباني، متمكن المعاني، عذب الموارد والمثاني قيل الكلام على حذف مضاف، أي: سيقت مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين وقد سبق معنى الزمر أي جماعات أهل الصلاة على حدة، وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك.
(حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها) جواب إذا محذوف، قال المبرد: تقديره سعدوا وفتحت، وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير حتى إذا جاؤها كانت هذه الأشياء التي ذكرت دخلوها فالجواب دخلوها وحذف لأن في الكلام دليلاً عليه. وقال الأخفش والكوفيون: الجواب فتحت والواو زائدة وهو خطأ عند البصريين لأن الواو من حروف المعاني فلا تزاد.
وقيل إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله والتقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتحة بدليل قوله (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) وحذفت الواو في قصة أهل النار لأنهم وقفوا على النار، وفتحت بعد وقوفهم إذلالاً وترويعاً. ذكر معناه النحاس منسوباً إلى بعض أهل العلم قال: ولا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وعلى هذا القول تكون الواو واو الحال بتقدير قد، أي: جاؤوها وقد فتحت لهم الأبواب. وقيل: إنها واو الثمانية، وذلك أن من عادة العرب أنهم كانوا يقولون في العدد خمسة ستة سبعة وثمانية، وقد مضى القول في هذا في سورة براءة مستوفى، وفي سورة الكهف أيضاًً.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة " [[صحيح الجامع الصغير/2562.]] وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى باب الريان، لا يدخله إلا الصائمون "، وقد ورد في كون أبواب الجنة ثمانية أحاديث في الصحيحين وغيرهما، وكتابنا (مثير ساكن الغرام، إلى روضات دار السلام) هو أحسن ما جمع في أحوال الجنة فليرجع إليه وليعول عليه، ثم أخبر سبحانه أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين فقال:
(وقال لهم خزنتها سلام عليكم) أي سلامة لكم من كل آفة، لا يعتريكم بعده مكروه (طبتم) وطهرتم في الدنيا، فلم تتدنسوا بالشرك والمعاصي. قال مجاهد طبتم بطاعة الله، وقيل بالعمل الصالح، والمعنى واحد وقيل طاب لكم المقام وقيل طابت حالكم وحسنت وجعل دخول الجنة مسبباً عن الطيب والطهارة لأنها دار الطيبين، ومثوى الطاهرين، وقد طهرها الله من كل دنس وطيبها من كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها، موصوف بصفتها.
قال مقاتل إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فتقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم، حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه سلام عليكم الآية، وقد أخرج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري وهو طويل جداً (فادخلوها) أي الجنة (خالدين) أي مقدرين الخلود.
39:74Page 466
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."
(وقالوا) أي فعند ذلك قال أهل الجنة (الحمد لله الذي صدقنا وعده) بالبعث والثواب بالجنة في قوله: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً) (وأورثنا الأرض) أي أرض الجنة قاله قتادة وأبو العالية، كأنها صارت من غيرهم إليهم، فملكوها وتصرفوا فيها تصرف الوارث فيما يرثه، ففي الكلام تجوز. وقيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين، قاله أكثر المفسرين، وقيل: إنها أرض الدنيا وفي الكلام تقديم وتأخير.
(نتبوأ من الجنة حيث نشاء) أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء حيث نشاء فلا يختار أحد مكان غيره، وقيل: يتخير كل واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأين ينزل تكرمة له، وإن كان لا يختار إلا ما قسم له، وأما بقية الأمم فيدخلون بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فينزلون فيما فضل عنهم، وفي الكرخي الجنة نوعان: الجنات الجسمانية، وهي لا تحتمل المشاركة، والجنات الروحانية، وحصولها لواحد لا يمنع من حصولها لآخرين (فنعم أجر العاملين) في الدنيا أي الجنة وهذا من تمام قول أهل الجنة، وقيل هو من قول الله سبحانه.
39:75Page 467
وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥
And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."
(وترى) يا محمد (الملائكة حافين) أي محيطين ومحدقين قائمين بجميع ما عليهم من الحقوق (من حول العرش) أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتمجيد والتقديس، وإدخال (من) يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله لا يملأون حوله، وهذا أولى من قول البيضاوي: إن (من) مزيدة، وبه قال الأخفش: أو للابتداء أي ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله.
والمعنى أن الرائي يراهم بهذه الصفة في ذلك اليوم، والحافين جمع حاف قاله الأخفش، وهو المحدق بالشيء من حففت بالشيء إذا أحطت به، وهو مأخوذ من الحفاف وهو الجانب، وقال الفراء وتبعه الزمخشري لا واحد له من لفظه إذ لا يقع لهم هذا الاسم إلا مجتمعين.
(يسبحون بحمد ربهم) أي حال كونهم مسبحين لله متلبسين بحمده أي يقولون سبحان الله وبحمده وقيل معنى يسبحون يصلون حول العرش شكراً لربهم، وهذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى، اللهم أرزقنا.
(وقضي بينهم) أي بين جميع العباد والخلائق (بالحق) أي بالعدل بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار، وقيل بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء، وبين أممهم، وقيل بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم والأول أولى.
(وقيل الحمد لله رب العالمين) القائلون هم المؤمنون، حمدوا الله على قضائه بينهم وبين أهل النار بالحق كما قال: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)، وقيل القائلون هم الملائكة حمدوا الله تعالى على عدله في الحكم وقضائه بين عباده بالحق، وبدأ سبحانه هذه الآية بالحمد، وختمها بالحمد، للتنبيه على تحميده في بداية كل أمر ونهايته، والحمد الأول على صدق الوعد وإيراث الجنة، وهذا على القضاء بالحق، فلا تكرار فيه، وروي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر آخر الزمر فتحرك المنبر مرتين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences