Al-QinnawjiGhafir · 40:17–36

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:17–36

40:17Page 469

ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧

This Day every soul will be recompensed for what it earned. No injustice today! Indeed, Allāh is swift in account.

(اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) هذا من تمام الجواب على القول بأن المجيب هو الله سبحانه، وأما على القول بأن المجيب هم العباد كلهم، أو بعضهم، فهو مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه بعد جوابهم، أي اليوم تجزى كل نفس بما عملت في الدنيا من خير وشر (لا ظلم اليوم) على أحد منهم بنقص من ثوابه، أو بزيادة في عقابه.

(إن الله سريع الحساب) أي سريع حسابه، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى تفكر في ذلك كما يحتاجه غيره لإحاطة علمه بكل شيء (فلا يعزب عنه مثقال ذرة) قيل: يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لأنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب، يحاسب الخلق في وقت واحد، الحديث ورد بذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال: " يجمع الله الخلق كلهم يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأول ما يتكلم أن ينادي مناد: لمن الملك اليوم إلى قوله: " الحساب " أخرجه عبد بن حميد، قال: ما يبدأ به من الخصومات الدماء، وقال ابن عباس ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار الآية.

وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث والديلمي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ثم أمر الله سبحانه رسول بإنذار عباده فقال:

40:18Page 469

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨

And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.

(وأنذرهم يوم الآزفة) أي يوم القيامة، سميت بذلك لقربها، يقال: أزف فلان أو الرحيل أي قرب، يأزف أزفاً من باب تعب، وأزوفاً دنا وقرب، ومنه قوله تعالى (أزفت الآزفة) أي قربت الساعة ودنت القيامة، وقيل: إن يوم الآزفة هو يوم حضور الموت، والأول أولى. قال الزجاج: وقيل لها آزفة لأنها قريبة، وإن استبعد الناس أمرها، وما هو كائن فهو قريب.

(إذ القلوب لدى الحناجر) وذلك أنها تزول عن مواضعها، وترتفع عن أماكنها من الخوف، حتى تصير إلى الحنجرة وتلصق بحلوقهم، فلا تعود فيستريحوا بالنفس ولا تخرج فيستريحوا بالموت كقوله (وبلغت القلوب الحناجر) وهي جمع حنجور كحلقوم وزناً ومعنى، أو جمع حنجرة وهي الحلقوم و (كاظمين) بمعنى مغمومين مكروبين ممتلئين غماً، قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم، قال قتادة وقعت قلوبهم في الحناجر من المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها.

وقيل: هو إخبار عن نهاية الجزع، وإنما قال: كاظمين باعتبار أهل القلوب، لأن المعنى إذ قلوب الناس لدى حناجرهم، فيكون حالاً منهم. وقيل: حالاً من القلوب، وجمع الحال منها جمع العقلاء، لأنه أسند إليها ما يسند إلى العقلاء، فجمعت جمعه.

ثم بين سبحانه أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد فقال: (ما للظالمين من حميم) أي قريب ومحب ينفعهم وحميمك قريبك الذي تهتم لأمره (ولا شفيع يطاع) في شفاعته لهم، قال الكرخي: حقيقة الإطاعة لا تتأتى هنا لأن المطاع يكون فوق المطيع رتبة، فمقتضاه أن الشافع يكون فوق المشفوع عنده، وهذا محال هنا لأن الله تعالى لا شيء فوقه، فحينئذ هو مجاز، ومعناه ولا شفيع يشفع، أي يؤذن له في الشفاعة، أو تقبل شفاعته. وقال المحلي: لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلاً، أي لا مطاع ولا غيره ثم وصف سبحانه شمول علمه بكل شيء وإن كان في غاية الخفاء فقال: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22)

40:19Page 469

يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩

He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.

(يعلم خائنة الأعين) وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل له النظر إليه، والخائنة مصدر كالعافية والكاذبة، أي يعلم خيانة الأعين، والجملة خبر آخر لقوله: هو الذي يريكم، أو خبر رابع عن المبتدأ الذي أخبر برفيع وما بعده عنه، والأول هو الظاهر، وقيل غير ذلك، قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة. وقيل: الإضافة على معنى من، أي: الخائنة من الأعين، قال قتادة: خائنة الأعين الهمز بالعين فيما لا يحب الله، وقال الضحاك: هو قول الإنسان: ما رأيت، وقد رأى، ورأيت، وما رأى. وقال السدي: إنه الرمز بالعين، وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة، وبه قال الفراء والأول أولى، وبه قال مجاهد قال ابن عباس في الآية: " الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، وإذا غضوا نظر إليها، وإذا نظروا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أن ينظر إلى عورتها " أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عنه في الآية قال: " إذا نظر إليها يريد الخيانة أم لا؟ وما تخفي الصدور، قال: إذا قدر عليها أيزني لها أم لا؟ ألا أخبركم بالتي تليها؟ والله يقضي بالحق، قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة.

وأخرج أبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد قال لما كان يوم فتح مكة أمن النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به فقال: " يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى بيعته ثم بايعه، ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله، فقالوا ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك؟ هلا أومأت إلينا بعينك فقال إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".

(وما تخفي الصدور) أي القلوب من الضمائر، وتستره وتكنه، وتضمره عن معاصي الله أو من أمانة وخيانة أو النظرة الأولى، أو هل يزني بها لو خلا بها أو لا؟

40:20Page 469

وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٢٠

And Allāh judges with truth, while those they invoke1 besides Him judge not with anything. Indeed, Allāh - He is the Hearing, the Seeing.

(والله يقضي بالحق) فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر.

(والذين يدعون من دونه) أي يعبدونهم من دون الله، قرأ الجمهور بالتحتية يعني الظالمين، وقرىء بالفوقية على الخطاب لهم، وهما سبعيتان (لا يقضون بشيء) لأنهم لا يعلمون شيئاًً ولا يقدرون على شيء. فكيف يكونون شركاء لله، وهذا تهكم بهم لأن ما لا يوصف بالقدرة كالجماد لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي.

(إن الله هو السميع البصير) فلا يخفى عليه من المسموعات والمبصرات خافية؛ تقرير لقوله: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ولقضائه بالحق، ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون، ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه. وتعريض بما يدعون من دونه وأنها لا تسمع ولا تبصر.

ولما خوفهم سبحانه بأحوال الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال:

40:21Page 469

۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.

(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم) لأن العاقل من اعتبر بحال غيره، أي اغفلوا ولم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، كعاد وثمود وأضرابهم، أو العاقبة بمعنى الصفة أو بمعنى المآل أرشدهم الله سبحانه إلى الاعتبار بغيرهم، فإن الذين مضوا من الكفار (كانوا هم أشد منهم قوة) أي من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وهذا بيان للتفاوت بين حال هؤلاء وأولئك، وفي قراءة منكم أي التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب، وقع ضمير الفصل هنا بين معرفة ونكرة، مع أنه لا يقع إلا بين معرفتين لكون النكرة هنا مشابهة للمعرفة من حيث امتناع دخول أل عليها، لأن افعل التفضيل المقرون بمن لا تدخل عليه أل.

(وآثاراً في الأرض) بما عمروا فيها من الحصون المتينة، والمصانع الحصينة، والقصور المشيدة وبما لهم من العدد والعدة (فأخذهم الله بذنوبهم) أي عاقبهم، وأهلكهم بسبب ذنوبهم، وتكذيبهم رسلهم (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) أي دافع يدفع عنهم العذاب ويقيهم، وقد مر تفسير هذه الآية في مواضع.

40:22Page 469

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢

That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.

(ذلك) أي ما تقدم من الأخذ (بأنهم) أي بسبب أنهم (كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحة والمعجزات الظاهرة (فكفروا) بما جاؤوهم به (فأخذهم الله إنه قوي) يفعل كل ما يريده لا يعجزه شيء (شديد العقاب) لمن عصاه ولم يرجع إليه، ثم ذكر سبحانه قصة موسى ليعتبروا فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)

40:23Page 469

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1

(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) أي متلبساً بها وهي التسع التي تقدم ذكرها في غير موضع (وسلطان مبين) أي حجة بينة واضحة وهي التوراة، وقيل المراد به إما الآيات نفسها والعطف لتغاير العنوانين، وإما بعضها أي المشهورة منها كاليد والعصا. وأفردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات اعتناء بها.

40:24Page 469

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤

To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."

(إلى فرعون وهامان وقارون) خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم لأنهم رؤساء المكذبين بموسى، ففرعون الملك وهامان الوزير، وقارون صاحب الأموال والكنوز (فقالوا ساحر كذاب) فيما جاءهم به، والقائل فرعون وقومه، وأما قارون فلم يقل ذلك ففي الكلام تغليب، وكذا يقال في قوله قالوا اقتلوا، وقال الخطيب كان هذا قول قارون وإن لم يقل بالفعل. فإنه طبع على الكفر ففعله آخراً.

40:25Page 469

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥

And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.

(فلما جاءهم) موسى (بالحق من عندنا) وهي معجزاته الظاهرة الواضحة (قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه) قال قتادة هذا قتل غير القتل الأول لأن فرعون قد كان أمسك وكف عن قتل الولدان وقت ولادة موسى فلما بعث الله موسى وأحس بأنه قد وقع ما وقع، أعاد القتل على بني إسرائيل غيظاً وحنقاً فكان يأمر بقتل المذكور وترك الإناث، ومثل هذا قول فرعون.

(سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم) والمعنى أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه أولاً، زعماً منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرته، ظناً منهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر فأغرقهم الله تعالى.

(واستحيوا) أي استبقوا (نساءهم) للخدمة (وما كيد الكافرين إلا في ضلال) أي في خسران وضياع ووبال، لأنه يذهب باطلاً ولا يغني عنهم شيئاًً، ويحييق بهم ما يريده الله عز وجل وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا، بل ينفذ عليهم لا محالة القدر المقدور، والقضاء المحتم واللام إما للعهد والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر والإشعار بعلة الحكم، أو للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، والجملة اعتراض جيء بها في تضاعيف ما حكي عنهم من الأباطيل، للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه، واضمحلالاً بالمرة.

40:26Page 470

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦

And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."

(وقال فرعون ذروني أقتل موسى) أي اتركوني أن أقتله، والظاهر من حال اللعين أنه قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به حق، ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، وإنما قال ذلك تمويهاً وإيهاماً أنهم هم المانعون له من قتله، ولولاهم لقتله، مع أنه ما منعه إلا ما في نفسه من الفزع الهائل.

وقوله (وليدع ربه) تجلد منه، وإظهار لعدم المبالاة ولكنه أخوف الناس منه، وفي منعه من قتله وجوه ذكرها الخطيب، أي ليدع الذي يزعم أنه أرسله إلينا، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك، أي لا يهولنكم ذلك فإنه لا رب له حقيقة، بل أنا ربكم الأعلى، ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن يقتله فقال:

(إني أخاف) إن لم أقتله (أن يبدل دينكم) الذي أنتم عليه من عبادة غير الله ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة الله وحده (أو أن يظهر في الأرض الفساد) أي يوقع بين الناس الخلاف والفتنة، جعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى وانتشاره في الأرض واهتداء الناس إليه فساد، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ومن تابعه، والمعنى أنه لا بد من وقوع أحد الأمرين أو وقوع الأمرين جميعاً.

40:27Page 470

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧

But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."

(وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) لما هدده فرعون بالقتل لم يأت في دفع شدة اللعين إلا بأن استعاذ بالله عز وجل من كل متعظم عن الإيمان بالله، غير مؤمن بالبعث والنشور، واعتمد عليه فلا جرم صانه الله من كل بلية ويدخل فرعون في هذا العموم دخولاً أولياً، ولم يسم فرعون بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة لتعميم الاستعاذة، والإشعار بعلة القساوة والجرأة على الله تعالى.

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31)

40:28Page 470

وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨

And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.

(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) قال الحسن ومقاتل والسدي: كان قبطياً وهو ابن عم فرعون، وهو الذي نجا مع موسى، وهو المراد بقوله (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) وقيل: كان من بني إسرائيل ولم يكن من آل فرعون وهو خلاف ما في الآية وقد تمحل لذلك بأن في الآية تقديماً وتأخيراً، والتقدير وقال رجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون، قال القشيري: ومن جعله إسرائيلياً ففيه بعد لأنه يقال: كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه كما قال سبحانه:

(ولا يكتمون الله حديثاً) وأيضاًً ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول وقد اختلف في اسم هذا الرجل فقيل: حبيب، وقيل: شمعون، وهو الأصح كما في مبهمات القرآن وقيل: حزقيل وبه قال ابن عباس وأكثر العلماء، وقال وهب كان اسمه جبريل، وقيل غير ذلك قال ابن عباس: لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى، الذي قال: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) قال ابن المنذر: أخبرت أنه حزقيل، وعن أبي إسحق قال: اسمه حبيب، قرأ الجمهور رجل بضم الجيم وقرىء بسكونها وهي لغة تميم ونجد، والأولى هي الفصيحة، وقرىء بكسر الجيم.

(أتقتلون رجلاً) الاستفهام للإنكار (أن يقول) أي لأن يقول أو كراهة أن يقول، وقال الزمخشري: أي وقت أن يقول، ورد ذلك لنص النحاة على خلافه، وقال الإمام تاج الدين ابن مكتوم: أجاز ابن جني ذلك والأول أولى (ربي الله) وهو ربكم أيضاًً لا ربه وحده، وهو إشارة إلى التوحيد، وهذا إنكار منه عظيم، كأنه قيل: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة من غير روية وتأمل في أمره واطلاع على سبب يوجب قتله؟ وما لكم علة في ارتكابه إلا كلمة الحق وهو قوله ربي الله.

(وقد جاءكم بالبينات من ربكم) أي والحال أن قد جاءكم بالمعجزات الواضحات. والدلالات الظاهرات على نبوته، وصحة رسالته، والمعنى أنه لم يحضر لتصحيح قوله ببينة واحدة ولكن ببينات من عند من نسبت إليه الربوبية، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به.

أخرج البخاري وغيره من طريق عروة قال: قيل لعبد الله بن عمرو ابن العاص " أخبرنا بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خناقاً شديداً فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ)؟

وأخرج البزار وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي ابن أبي طالب أنه قال: يا أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه ولكن أخبروني عن أشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم فمن؟ قال: أبو بكر، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يجنبه وهذا يتلتله وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً قال فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، يجىء هذا ويتلتل هذا، وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم دفع بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال أنشدكم أمؤمن آل فرعون خير؟ أم أبو بكر؟ فسكت القوم فقال ألا تجيبون؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن من آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه ".

ثم تلطف الرجل المؤمن لهم في الدفع عن موسى واحتج عليهم بطريق التقسيم فقال:

(وإن يك كاذباً فعليه كذبه) أي ضرر كذبه (وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم) هذا كلام صادر عن غاية الإنصاف، وعدم التعصب ولذلك قدم من شقي الترديد كونه كاذباً، وإنما خوفهم به اقتصاراً على ما هو أظهر احتمالاً عندهم، ولم يكن قوله هذا لشك منه فإنه كان مؤمناً كما وصفه الله، ولا يشك المؤمن.

والمعنى إذا لم يصبكم كله فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، لا سيما إن تعرضتم له بسوء. وقال أبو عبيدة وأبو الهيثم. بعض هنا بمعنى كل، أي يصيبكم كل الذي يعدكم، والبعض قد يستعمل في لغة العرب بمعنى الكل، قال النسفي: وتفسير البعض بالكل مزيف انتهى نعم ولا ضرورة تلجىء إلى حمل ما في الآية على ذلك لأنه أراد التنزل معهم وإيهامهم أنه لا يعتقد صحة نبوته كما يفيده قوله (يكتم إيمانه).

قال أهل المعاني وهذا على المظاهرة في الحجاج، كأنه قال لهم: أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم، فكأن الحاصل بالبعض هو الحاصل بالكل. وقال الليث: بعض ههنا صلة يريد بصيبكم الذي يعدكم، وقيل يصيبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا، وهو بعض ما يتوعدكم به من العذاب. وقيل إنه وعدهم بالثواب والعقاب فإذا كفروا أصابهم العذاب، وهو بعض ما وعدهم به وحذفت النون من يكن في الموضعين تخفيفاً لكثرة الاستعمال كما قال سيبويه.

(إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) هذا من تمام كلام الرجل المؤمن، وهو احتجاج آخر ذو وجهين، أحدهما أنه لو كان موسى مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات، ولا أيده بالمعجزات، وثانيهما أنه إذا كان كذلك خذله الله وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله، والمسرف المقيم على المعاصي المستكثر منها، والكذاب المفتري.

40:29Page 470

يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."

(يا قوم لكم الملك اليوم) ذكرهم ذلك الرجل المؤمن ما هم فيه من الملك ليشكروا الله ولا يتمادوا في كفرهم، ومعنى (ظاهرين) الظهور على الناس، والغلبة لهم، والاستعلاء عليهم (في الأرض) أي أرض مصر.

(فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) أي من يمنعنا من عذابه ويحول بيننا وبينه عند مجيئه، وفي هذا تحذير منه لهم من نقمة الله بهم، وإنزال عذابه عليهم، وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض لهم خاصة، ونظم نفسه في سلكهم فيما يهمهم من مجيء بأس الله تطييباً لقلوبهم، وإيذاناً بأنه مناصح ساع في تحصيل ما يجديهم، ودفع ما يرديهم، ليتأثروا بنصحه؛ فلما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح الصحيح جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكاً يكون فيه جلب النفع لهم، ودفع الضر عنهم ولهذا.

(قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى) أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي، قاله ابن زيد، وهذا تفسير لمآل المعنى، والتفسير المطابق لجوهر اللفظ ما قال الضحاك ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، وهو قتل موسى والرؤية هنا هي القلبية الاعتقادية، لا البصرية العينية، فتعدى لمفعولين ثانيهما إلا ما أرى.

(وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) أي ما أهديكم ولا أدعوكم بهذا الرأي إلا إلى طريق الحق والهدى، قرأ الجمهور بتخفيف الشين، وقرأ معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - بتشديدها على أنها صيغة مبالغة كضراب، قال النحاس: هي لحن ولا وجه لذلك. ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم فقال الله حاكياً عنه:

40:30Page 470

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

(وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب) أي مثل يوم عذاب الأمم الماضية الذين تحزبوا على أنبيائهم، وأفرد اليوم لأن جمع الأحزاب قد أغنى عن جمعه، والأحزاب لم ينزل بها العذاب في يوم واحد، بل نزل بها في الدنيا في أيام مختلفة مترتبة ثم فسر الأحزاب فقال:

40:31Page 470

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

(مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم) أي مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب، أو مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب.

(وما الله يريد ظلماً للعباد) أي لا يعذبهم ولا يعاقبهم بغير ذنب، ولا يترك الظالم منهم بغير انتقام، أو لا يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب أو لا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم، ونفي الإرادة للظلم يستلزم نفي الظلم بفحوى الخطاب وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعبد، لأن أهل اللغة قالوا إذا قال الرجل لآخر لا أريد ظلماً لك، معناه لا أريد أن أظلمك ثم زاد الرجل المؤمن في الوعظ والتذكير فقال: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36)

40:32Page 470

وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢

And O my people, indeed I fear for you the Day of Calling1 -

(وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) قرأ الجمهور بتخفيف الدال وحذف الياء، والأصل التنادي، وهو التفاعل من النداء، يقال تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً وقرىء بإثبات الياء على الأصل وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة بتشديد الدال، قال بعض أهل اللغة: هو لحن لأنه من ند يند إذا مر على وجهه هارباً، قال النحاس: وهذا غلط والقراءة حسنة على معنى التنافي قال الضحاك: في معناه أنهم إذا سمعوا بزفير جهنم ندوا هرباً فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفاً من

الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله يوم التناد وعلى قراءة الجمهور المعنى يوم ينادي بعضهم بعضاً، أو ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار أو يوم ينادي فيه (كل أناس بإمامهم) ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وهو ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف:

(ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار)، (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة) (ونادى أصحاب الأعراف) وقيل: ينادي مناد إلا إن فلاناً سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وألا إن فلاناً شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبداً وينادي حين يذبح الموت يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت. وقيل ينادي المؤمن (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) وينادي الكافر: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ).

40:33Page 470

يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

The Day you will turn your backs fleeing; there is not for you from Allāh any protector. And whoever Allāh sends astray - there is not for him any guide.

(يوم تولون مدبرين) أي منصرفين عن الموقف إلى النار أو فارين عنها غير معجزين، قال قتادة ومقاتل: المعنى إلى النار بعد الحساب (ما لكم من الله من عاصم)، يعصمكم من عذاب الله ويمنعكم منه (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) يهديه إلى طريق الرشاد، قرىء هاد بإثبات الياء وحذفها في الوقف، وبحذفها في الوصل مع حذفها خطاً.

40:34Page 471

وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤

And Joseph had already come to you before with clear proofs, but you remained in doubt of that which he brought to you, until when he died, you said, 'Never will Allāh send a messenger after him.' Thus does Allāh leave astray he who is a transgressor and skeptic."

(ولقد جاءكم يوسف) هذا من تمام وعظ مؤمن آل فرعون، ذكرهم قديم عتوهم على الأنبياء وقيل: إن هذا من قول موسى عليه السلام والأول أولى (من قبل) أي قبل موسى وهو يوسف بن يعقوب، في قول عمر إلى زمن موسى، قاله المحلي، أي عاش واستمر يوسف ابن يعقوب إلى زمن موسى الكليم، قال سليمان الجمل: وهذا القول لم يقله غيره من المفسرين وإنما غاية ما وجد بعد التفتيش ما نقله الشهاب بقوله وفي بعض التواريخ أن وفاة يوسف قبل مولد موسى بأربع وستين سنة، قال القاري: والصحيح أن المعمر هو فرعون موسى: أدرك يوسف وعاش إلى أن أرسل إليه موسى، وعمره أربعمائة سنة وأربعين سنة انتهى.

وقال السيوطي في التحبير: وعاش يوسف بن يعقوب مائة وعشرين سنة، وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة انتهى وقيل: هو فرعون آخر.

(بالبينات) أي أنه جاءهم بالمعجرات الظاهرات، والآيات الواضحات من قبل مجيء موسى إليهم، أي جاء إلى آبائكم، فجعل المجيء إلى الآباء مجيئاً إلى الأبناء، وقال ابن جريج: المراد بالبينات رؤيا يوسف، وقيل: المراد بها قوله: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)؟ وقيل: المراد بيوسف يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وكان أقام فيهم أي في القبط نبياً عشرين سنة، وحكى النقاش عن الضحاك أن الله بعثه إليهم رسولاً من الجن يقال له: يوسف قال الشوكاني رحمه الله: والأول أولى (فما زلتم) أي ما زال أسلافكم (في شك مما جاءكم به) من البينات ولم تؤمنوا به.

(حتى إذا هلك) يوسف (قلتم) أي قال أسلافكم: (لن يبعث الله من بعده رسولاً) فكفروا به في حياته وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته، وظنوا أن الله لا يجدد عليهم الحجة، وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان، ليكون لهم أساس في تكذيب الرسل الذين يأتون بعده، وهذا ليس إقراراً منهم برسالته، بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته، والتكذيب برسالة من بعده، أفاده الخطيب والخازن.

(كذلك) الضلال الواضح (يضل الله من هو مسرف) في معاصي الله مستكثر منها أو مشرك (مرتاب) في دين الله شاك في وحدانيته ووعده ووعيده، وقوله:

40:35Page 471

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥

Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.

(الذين يجادلون في آيات الله) بدل (مَنْ)، والجمع باعتبار معناها، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، أو بيان لها، أو صفة، أو في محل نصب بإضمار أعني، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين، أو مبتدأ وخبره يطبع، والأول أولى. قال ابن جريج: الذين يجادلون يهود، قيل: هذا من كلام الرجل المؤمن أيضاًً، وقيل: إنه ابتداء كلام من الله سبحانه.

(بغير سلطان) أي بغير حجة واضحة، وبرهان ساطع (أتاهم) صفة لسلطان (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا) يحتمل أن يراد به التعجب والاستعظام وأن يراد به الذم كبئس، وفاعل كبر ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من: يجادلون، قال المحلي: كبر خبر المبتدأ انتهى، وهذا أولى وأحسن الأعاريب العشرة التي ذكرها السمين. وإليه نحا أبو حيان.

(كَذَلِكَ) الطبع المحكم البليغ (يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) مستأنف قرأ الجمهور بإضافة قلب إلى متكبر واختارها أبو حاتم وأبو عبيدة وفي الكلام حذف والتقدير كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فحذف كل الثانية لدلالة الأولى عليها، والمعنى أنه سبحانه يطبع على قلوب جميع المتكبرين الجبارين.

وقرىء بتنوين قلب على أن متكبراً صفة له فيكون القلب مراداً به الجملة، لأن القلب هو محل التكبر، وسائر الأعضاء تبع له في ذلك، وهما سبعيتان، وقرأ ابن مسعود على قلب كل متكبر، وتقديره عند الزمخشري على كل ذي قلب متكبر، قال الشيخ ولا ضرورة تدعو إلى اعتبار الحذف، قلت بل ثم ضرورة إلى ذلك، وهي توافق القراءتين.

ثم لما سمع فرعون هذا رجع إلى تكبره وتجبره، معرضاً عن الموعظة نافراً عن قبولها.

40:36Page 471

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦

And Pharaoh said, "O Hāmān, construct for me a tower that I might reach the ways1 -

(وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً) أي قصراً مشيداً كما تقدم بيان تفسيره في سورة القصص، وقيل صرحاً أي بناء ظاهراً لا يخفى على الناظرين وإن بعد، ومنه يقال صرح الشيء إذا ظهر، وفي المصباح الصرح بيت واحد يبنى مفرداً طولاً ضخماً، وفي السمين الصرح القصر، أو صحن الدار، أو بلاط يتخذ من زجاج، وأصله من التصريح وهو الكشف (لعلي أبلغ الأسباب) أي الطرق من السماء إلى السماء، قال قتادة والزهري والسدي والأخفش هي الأبواب أي أبوابها الموصلة إليها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском