Al-QinnawjiMuhammad · 47:16–34

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:16–34

47:16Page 508

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦

And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.

(ومنهم) أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام (من يستمع إليك) وهم المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظة (من) وجمع في قوله: (حتى إذا خرجوا من عندك) باعتبار معناها، والمعنى أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواطن خطبه التي يمليها على المسلمين يوم الجمعة، وحينئذ تكون هذه الآية مدنية، بل وكذا ما بعدها من الآيات الآتية فتكون مستثناة من القول بأن السورة مكية، والمعنى: حتى إذا خرجوا من عنده.

(قالوا للذين أوتوا العلم) وهم علماء الصحابة، وقيل: عبد الله بن عباس وقيل عبد الله بن مسعود، وقيل: أبو الدرداء والأول أولى، أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم على طريقة الاستهزاء: (ماذا) أي أَيُّ شيء (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم، (آنفاً)؟ بالمد والقصر أي الساعة، وبها فسره الزمخشري وقال: إنه ظرف حالي كالآن، وقال ابن عطية والمفسرون: معناه الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى، والمعنى أنا لم نلتفت إلى قوله ولم نرجع إليه، ومنه أمر أنف أي مستأنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد، وانتصابه على الظرفية أي وقتاً مؤتنفاً أو حال من الضمير في قال، قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته.

وأصله مأخوذ من أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة قال ابن عباس: كنت فيمن يسأل، وعنه قال: أنا منهم، وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذ ذاك صبياً فإن النبي صلى الله عليه وسلم، مات وهو في سن البلوغ، فسؤال الناس له عن معاني القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم [[وهو ترجمان هذه الأمة.]]، ووصف الله سبحانه للمسؤولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم من أعظم الأدلة على سعة علمه، ومزيد فقهه في كتاب الله وسنة رسوله، مع كون أترابه وأهل سنه إذ ذاك يلعبون مع الصبيان.

وعن عكرمة قال: " كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس: ماذا قال آنفاً فيقول كذا وكذا وكان ابن عباس أصغر القوم فأنزل الله الآية ". فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم، وعن ابن بريده قال: هو ابن مسعود، وعن ابن عباس قال: هو ابن مسعود والإشارة بقوله: (أولئك) إلى المذكورين من المنافقين، وهو مبتدأ وخبره (الذين طبع الله على قلوبهم) أي بالكفر فلم يؤمنوا، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير.

(واتبعوا أهواءهم) في الكفر والعناد، ثم ذكر حال أضدادهم فقال:

47:17Page 508

وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧

And those who are guided - He increases them in guidance and gives them their righteousness.1

(والذين اهتدوا) إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به (زادهم هدى) بالتوفيق، وقيل: زادهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: زادهم القرآن، وقال الفراء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى، وعلى كل تقدير فالمراد إنه زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين، قال ابن عباس في الآية: لما أنزل القرآن آمنوا به، وكان هدى، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى.

(وآتاهم تقواهم) أي ألهمهم إياها، وأعانهم عليها بمعنى خلق التقوى فيهم أو أعطاهم ثواب تقواهم وجزاءها، والأول أولى وأوفق لتأليف النظم لما سبق أن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيه التقابل، فقوبل الطبع بزيادة الهدى، لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوبل اتباع الهوى بإيتاء التقوى فيحمل على كمال التقوى، وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشر أشره، وهو التقي الحقيقي المعني بقوله: (اتقوا الله حق تقاته)، فإن المزيد على مزيد الهدى، مزيد، لا مزيد عليه، وقال الربيع: التقوى هي الخشية، وقال السدي: هي ثواب الآخرة، وقال مقاتل: هي التوفيق للعمل بما يرضاه، وقيل: العمل بالناسخ وترك المنسوخ، وقيل: ترك الرخص والأخذ بالعزائم.

47:18Page 508

فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨

Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?

(فهل ينظرون)، أي ما ينتظر كفار مكة (إلا الساعة) أي القيامة (أن تأتيهم) بدل اشتمال من الساعة أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم (بغتة) أي فجأة، وفي هذا وعيد للكفار شديد.

وعن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بادروا بالأعمال سبعاً فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً؛ أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مقعداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر " [[رواه الترمذي.]] أخرجه الترمذي وحسنه (فقد جاء أشراطها) تعليل لمفاجأتها أو لإتيانها من حيث هو، أو هذا كالعلة للفعل باعتبار تعلقه بالبدل، لأن ظهور أشراط الشيء موجب لانتظاره، ومعنى أشراطها أماراتها وعلاماتها، وكانوا قد قرأوا في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم، آخر الأنبياء فبعثته من أشراطها قاله الحسن والضحاك، والأشراط جمع شرط بسكون الراء وفتحها، وهو العلامة، وقيل: المراد بأشراطها هنا أسبابها التي هي دون معظمها، وقيل: أراد بعلامات الساعة انشقاق القمر والدخان كذا قال الحسن، وقال الكلبي: كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام، قلت: كما يشاهد الآن في هذا الزمان والله المستعان.

قال ابن عباس في الآية: أول الساعات. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما " من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة " [[البخاري ومسلم.]]، ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد، وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة وبيان ما قد وقع منها، وما لم يكن قد وقع وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها، وفي هذا الباب كتاب الاشاعة لأشراط الساعة، وهو نفيس جداً.

(فأنى لهم إذا جاءتهم)؟ الساعة بغتة (ذكراهم) أي: فمن أين لهم التذكر والإتعاظ والتوبة والخلاص، كقوله: (يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى)؟.

47:19Page 508

فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩

So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.

(فاعلم أنه لا إله إلا الله) أي إذا علمت أن مدار الخير هو التوحيد والطاعة، ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله، فاعلم أنه لا إله غيره، ولا رب سواه والمعنى أثبت على ذلك واستمر عليه ودم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة، لأنه صلى الله عليه وسلم، قد كان عالماً بأنه لا إله إلا الله قبل هذا.

ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " [[رواه مسلم في صحيحه.]] رواه مسلم، وقيل: ما علمته استدلالاً فاعلمه خبراً يقينياً، وقيل: المعنى: فاذكر أنه لا إله إلا الله فعبر عن الذكر بالعلم، وقيل: الفاآت في هذه الآيات لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.

(واستغفر لذنبك) أي: استغفر الله أن يقع منك ذنب أو استغفر الله ليعصمك، أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأولى، قال القاضي عياض: إن المراد به الفترات والغفلات من الذكر الذي كان شأنه صلى الله عليه وسلم الدوام عليه، فإذا فتر وغفل عد ذلك ذنباً واستغفر منه، وقيل: يحتمل أن يكون استغفاره شكراً ويأباه قوله لذنبك، وقيل: استغفر لذنوب أهل بيتك، وهذا تكلف بلا موجب، وقيل: لتستن به أمته وليقتدوا به في ذلك، وقيل: الخطاب له والمراد الأمة ويأبى هذا قوله (وللمؤمنين والمؤمنات) فإن المراد به استغفاره لذنوب أمته، بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم، وهذا إكرام من الله عز وجل لهذه الأمة، حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المجاب فيهم إن شاء الله تعالى.

" عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار، ثم قرأ فاعلم أنه لا إله إلا الله الآية " [[صحيح الجامع الصغير.]] رواه الطبراني وابن مردويه والديلمي.

" وعن أبي هريرة في قوله (واستغفر لذنبك) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " [[ضعيف الجامع الصغير.]]، رواه عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، وأصله في البخاري وشي رواية أكثر من سبعين.

" وعن عبد الله بن سرجس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكلت معه من طعام فقلت: غفر الله لك يا رسول الله قال ولك، فقيل استغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم ولكم، وقرأ: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات [[مسلم وأحمد.]] أخرجه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، وروى مسلم عن الأغر المزني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم مائة مرة " [[مسلم والبخاري.]] وللعلماء في هذا الغين كلام طويل لا يسعه هذا الموضع، وقد وردت أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأمته وترغيبه في الاستغفار.

(والله يعلم متقلبكم) في الدنيا في أعمالكم ومعايشكم ومتاجركم (ومثواكم) في الدار الآخرة، قاله ابن عباس، وقيل: متقلبكم في أعمالكم نهاراً، ومثواكم في ليلكم نياماً، وقيل: متقلبكم في أصلاب آبائكم إلى أرحام أمهاتكم، ومثواكم في الأرض أي: مقامكم فيها، قال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن في الدنيا، ومثواكم في القبور، وقيل: منصرفكم في أعمالكم، ومثواكم أي مصيركم إلى الجنة أو النار، والمعنى أنه عالم بجميع أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها، وإن دق وخفى، ومثله حقيق بأن يتقي ويخشى، وأن يستغفر، وسأل المؤمنون ربهم عز وجل أن ينزل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم سورة يأمرهم فيها بقتال الكفار، حرصاً منهم على الجهاد، ونيل ما أعده الله للمجاهدين من جزيل الثواب فحكى الله عنهم ذلك بقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)

47:20Page 509

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠

Those who believe say, "Why has a sūrah1 not been sent down?" But when a precise sūrah is revealed and battle is mentioned therein, you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them2 [would have been]

(ويقول الذين آمنوا) من هنا إلى آخر السورة لا يظهر إلا كونه مدنياً إذ القتال لم يشرع إلا بالمدينة، وكذلك النفاق لم يظهر إلا بها فيحمل القول فيما تقدم بأنها مكية على أغلبها، وأكثرها، وكذا يحمل القول بأنها مدنية على البعض منها (لولا) هلا (نزلت سورة) فيها ذكر القتال، والأمر بالجهاد، والتحريض عليه (فإذا أنزلت سورة) في معنى الجهاد (محكمة) أي غير منسوخة (وذكر فيها القتال) أي فرض الجهاد وطلبه، قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة، وقرأ ابن مسعود: فإذا نزلت سورة محدثة، أي محدثة النزول وقرأ الجمهور أنزلت وذكر على بناء الفعلين للمفعول وقرىء نزلت، وذكر على بنائهما للفاعل، ونصب القتال.

(رأيت الذين في قلوبهم مرض) أي شك، وهم المنافقون، أو ضعف في الدين، وأصل المرض الفتور، فمرض القلوب فتورها عن قبول الحق، والأول هو الأظهر الموافق لسياق النظم الكريم (ينظرون إليك) يعني شزراً وكراهية منهم (نظر المغشي عليه من الموت) أي نظراً مثل نظر من شخص نظره وبصره عند الموت، لجبنهم عن القتال، وميلهم إلى الكفار، كدأب من أصابته غشية الموت، وقال ابن قتيبة والزجاج: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون إليك نظراً شديداً كما ينظر الشاخص بصره عند الموت.

(فأولى لهم) قال الجوهري: أولا لك تهديد ووعيد، وكذا قال مقاتل والكلبي وقتادة، قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره. وهو فعل ماض، قال ثعلب: ولم يقل في أولى أحسن مما قاله الأصمعي، وقال المبرد: يقال لمن همّ بالغضب ثم أفلت أولى لك أي قاربت الغضب، وقال الجرجاني: هو مأخوذ من الويل، أي: فويل لهم وكذا قال في الكشاف. قال قتادة أيضاًً: كأنه قال العقاب أولى لهم، وعلى هذا يكون إسماً لا فعلاً وعليه الأكثر، وفي إعرابه أوجه ذكرها السمين.

47:21Page 509

طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١

Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allāh, it would have been better for them.

(طاعة وقول معروف) كلام مستأنف أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لكم، قال الخليل وسيبويه إن التقدير طاعة وقول معروف أحسن وأمثل بكم من غيرهما، وقدره مكي منا طاعة فقدره مقدماً، وقيل: إن طاعة خبر أولى أي: الأولى بهم أن يطيعوك ويخاطبوك بالقول الحسن الخالي عن الأذية، وقيل: إن طاعة صفة لسورة، أي فإذا أنزلت سورة محكمة طاعة، أي ذات طاعة أو مطاعة، ذكره مكي وأبو البقاء، وفيه بعد لكثرة الفواصل، وقيل إن (لهم) خبر مقدم، وطاعة مبتدأ مؤخر، والأول أولى.

(في عزم الأمر) عزم الأمر، جد الأمر، أي جد القتال ووجب وفرض، وأسند الأمر إلى العزم -وهو لأصحابه- مجازاً، وجواب إذا قيل هو قوله الآتي: (فلو صدقوا الله)، وقيل: محذوف تقديره كرهوه، قال المفسرون: معناه إذا جد الأمر ولزم فرض القتال، خالفوا وتخلفوا، فلو صدقوا الله في إظهار الإيمان والطاعة (لكان خيراً لهم) من المعصية والمخالفة.

47:22Page 509

فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢

So would you perhaps, if you turned away,1 cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?

(فهل عسيتم) يقال عسيت أن أفعل كذا، وعسيت بالفتح والكسر لغتان، ذكره الجوهري وهما سبعيتان، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع أي فهل يتوقع منكم (إن توليتم) أي أعرضتم عن الإيمان الذي تلبستم به ظاهراً.

(أن تفسدوا في الأرض) بأنواع الفساد، قال الكلبي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا فيها بالظلم، وقال كعب: أن يقتل بعضكم بعضاً وقال قتادة: إن توليتم عن طاعة كتاب الله عز وجل أن تفسدوا فيها بسفك الدماء وقال ابن جريج: إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي، وقبل أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه، فتعودوا إلى جاهليتكم، أو توليتم الحكم فجعلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض، بأخذ الرشا، قرأ الجمهور: توليتم مبنياً للفاعل، وقرىء مبنياً للمفعول فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرون أن يخرجوا عليكم في الفتنة وتحاربوهم.

(وتقطعوا أرحامكم) بالبغي والظلم والقتل، قرأ الجمهور تقطعوا بالتشديد على التكثير، وقرىء بالتخفيف من القطع.

" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحِقْوِ الرحمن فقال: مه؟ قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك؟ وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقرأوا إن شئتم فهل عسيتم الآية " [[البخاري ومسلم.]] أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، والأحاديث في صلة الرحم كثيرة.

47:23Page 509

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣

Those [who do so] are the ones that Allāh has cursed, so He deafened them and blinded their vision.

(أولئك) المفسدون يدل عليه ما تقدم وفي الإشارة التفات للإيذان بأن ذكر جناياتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم (الذين لعنهم الله) أي أبعدهم من رحمته، وطردهم عنها، (فأصمهم) عن استماع الحق (وأعمى أبصارهم) أي عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل فأصم آذانهم، كما قال (وأعمى أبصارهم) ولم يقل وأعماهم لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع، فلم يتعرض لها، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبصار.

47:24Page 509

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤

Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?

(أفلا يتدبرون القرآن) أصل التدبر التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الهم، وقت تلاوته ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف، وخلوص النية، قاله الخازن، والاستفهام للإنكار، والمعنى أفلا يتفهمونه فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة؟ والحجج الظاهرة؟ والبراهين القاطعة الباهرة؟ التي تكفي من له فهم وعقل، وتزجره عن الكفر بالله والاشراك به والعمل بمعاصيه؟ وقيل: المراد به التأسي، وقيل: هذه الآية محققة للآية المتقدمة، ومهيجة لهم على ترك ما هم فيه من الكفر، الذي استحقوا بسببه اللعنة، أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على الكفر.

(أم) هي المنقطعة بمعنى بل، والهمزة التي للانتقال من توبيخ إلى توبيخ أي بل أ (على قلوب أقفالها) فهم لا يفهمون ولا يعقلون قال مقاتل: يعني الطبع على القلوب، والتنكير إما لتهويل حالها أو تفظيع شأنها. كأنه قيل على قلوب منكرة لا يعرف حالها. وإما لأن المراد بها قلوب بعضهم وهم المنافقون والأقفال إستعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، أو أنها أقفال مخصوصة بها، مناسبة لها.

ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والشرك، لأن الله سبحانه قد طبع عليها قرىء أقفالها بالجمع، وإقفالها بكسر الهمزة على أنه مصدر، كالإقبال، والآية بعمومها تشمل كل من لا يتدبر القرآن، ولا يتأسى به، ويدخل فيه من نزلت فيه دخولاً أولياً، وأما المقلدة التاركة للتدبر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم الذين على قلوبهم أقفالها.

47:25Page 509

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥

Indeed, those who reverted back [to disbelief] after guidance had become clear to them - Satan enticed them and prolonged hope for them.

(إن الذين ارتدوا على أدبارهم) أي رجعوا كفاراً كما كانوا، قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم وبه قال ابن جريج وقال ابن عباس: هم أهل النفاق وقال الضحاك والسدي: هم المنافقون قعدوا عن القتال وهذا أولى لأن السياق في المنافقين.

(من بعد ما تبيّن لهم الهدى) بما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرة والآيات القاهرة والدلائل الواضحة، والبراهين الباهرة (الشيطان سول لهم) أي زين لهم خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها، وإقتراف الكبائر، والجملة خبر إن.

(وأملى لهم) أي مد لهم في الآمال والأماني ووعدهم طول العمر وقيل: إن الذي أملى لهم هو الله عز وجل على معنى أنه لم يعاجلهم بالعقوبة، قرأ الجمهور أملى على البناء للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول، أي أمهلوا ومد في عمرهم، واختار القول بأن الفاعل هو الله الفراء والمفضل والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدم ذكره قريباً.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)

47:26Page 509

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦

That is because they said to those who disliked what Allāh sent down,1 "We will obey you in part of the matter." And Allāh knows what they conceal.

(ذلك) أي ما تقدم من ارتدادهم أو التسويل والإملاء والأول أولى (بأنهم) أي بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على أدبارهم (قالوا للذين كرهوا ما نزل الله) وهم المشركون (سنطيعكم في بعض الأمر) وهذا البعض هو عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة ما جاء به، وقيل المعنى أن المنافقين قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر كالقعود عن الجهاد، والموافقة في الخروج معهم إن خرجوا والتظافر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إن القائلين اليهود والذين كرهوا المنافقون ويؤيد كون القائلين المنافقين والكارهين اليهود قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما أنزل الله بطريقة السر بينهم قال الله سبحانه:

(والله يعلم إسرارهم) بكسر الهمزة على المصدر، أي إخفاءهم، وبها قرأ الكوفيون وقرأ الجمهور بفتحها على أنه جمع سر

47:27Page 509

فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧

Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?

(فكيف إذا توفتهم الملائكة) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها وكيف في محل رفع على أنها خبر مقدم، والتقدير فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي فكيف يصنعون؟ أو خبر لكان مقدرة، أي فكيف يكونون والظرف معمول للمقدر، قرأ الجمهور: توفتهم، وقرىء توفاهم وقوله:

(يضربون وجوههم وأدبارهم) في محل نصب على الحال من فاعل توفتهم، أو من مفعوله أي ضاربين وجوههم، وضاربين أدبارهم وفي الكلام تخويف وتشديد، والمعنى أنه إذا تأخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه، قيل: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب الملائكة في وجهه ودبره، وقيل: ذلك عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله، وقيل ذلك يوم القيامة والأول أولى.

47:28Page 509

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨

That is because they followed what angered Allāh and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.

(ذلك) أي التوفي المذكور على الصفة المذكورة (بأنهم اتبعوا ما أسخط الله) أي بسبب اتباعهم ما بسخط الله من الكفر والمعاصي، وقيل: كتمانهم ما في التوراة من نعت نبينا صلى الله عليه وسلم، والأول أولى، لما في الصيغة من العموم (وكرهوا رضوانه) أي ما يرضاه الله من الإيمان والتوحيد والطاعة (فأحبط أعمالهم) بهذا السبب والمراد الأعمال التي صورتها صورة الطاعة، وإلا فلا عمل لكافر أو ما كانوا قد عملوا قبل الردة من الخير.

47:29Page 509

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩

Or do those in whose hearts is disease think that Allāh would never expose their [feelings of] hatred?

(أم) أي: بل أ (حسب الذين في قلوبهم مرض) يعني المنافقين الذين فصلت أحوالهم الشنيعة، ووصفوا بوصفهم السابق، بكونه المدار في النعي عليهم بقوله (أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) والمعنى: أن ذلك مما لا يكاد أن يدخل تحت الاحتمال، والإخراج بمعنى الإظهار، والأضغان جمع ضغن، وهو ما يضمر من المكروه، واختلف في معناه فقيل: هو الغش، وقيل: الحسد، وقيل: الحقد، قال الجوهري: الضغن والضغينة الحقد قال قطرب: هو في الآية العداوة، وأن هي المخففة من الثقيلة، وإسمها ضمير شأن مقدر، قال ابن عباس: أضغانهم أعمالهم، خبثهم والحسد الذي في (الله مولى الذين آمنوا) أي ناصرهم ووليهم (وأن الكافرين لا مولى لهم) أي لا ناصر يدفع عنهم كما يؤخذ من مقابله، وهذا لا يخالف قوله (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق)، فإن المولى فيه بمعنى المالك لا بمعنى الناصر، قال قتادة: نزلت يوم أحد، وقرأ ابن مسعود (وَلِيُّ الَّذِينَ).

(إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) قد تقدم تفسير الآية في غير موضع، وتقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات، والجملة مسوقة لبيان ولاية الله للمؤمنين وثمرتها الأخروية (والذين كفروا يتمتعون) بمتاع الدنيا أياماً قلائل، وينتفعون به غير متفكرين في العاقبة.

(ويأكلون كما تأكل الأنعام) في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، والمعنى كأنهم أنعام ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة لا هون بما هم فيه، لا يلتفتون إلى الآخرة (والنار مثوى لهم) أي مقام يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرون فيه، ومصير يصيرون إليه، والجملة في محل نصب على الحال أو مستأنفة.

ثم خوف الله سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال:

(وكأين من قرية) قد قدمنا أن كأين مركبة من الكاف وأي، وأنها بمعنى كم الخبرية أي وكم من قرية، والمعنى كم من أهل قرية كذبت رسلها (هي) أي هم (أشد قوة من) أهل (قريتك التي أخرجتك) أي أخرجوك منها (أهلكناهم) فكذلك نفعل بأهل قريتك فاصبر كما صبر رسل أهل هؤلاء القرى قال مقاتل: أي أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسلهم.

(فلا ناصر لهم) فبالأولى من هو أضعف منهم، وهم قريش الذين إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)

47:30Page 510

وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠

And if We willed, We could show them to you, and you would know them by their mark; but you will surely know them by the tone of [their] speech. And Allāh knows your deeds.

No commentary for this ayah

47:31Page 510

وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١

And We will surely test you until We make evident those who strive among you [for the cause of Allāh] and the patient, and We will test your affairs.

No commentary for this ayah

47:32Page 510

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢

Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and opposed the Messenger after guidance had become clear to them - never will they harm Allāh at all, and He will render worthless their deeds.

(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) المراد بهؤلاء المنافقون، وقيل: أهل الكتاب، وقيل: هم المطعمون يوم بدر من المشركين، وقيل: نزلت في قريظة والنضير، ومعنى صدهم منعهم للناس عن الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم (وشاقوا الرسول) أي عادوه وخالفوه (من بعد ما تبين لهم الهدى) أي علموا أنه صلى الله عليه وسلم نبي من عند الله سبحانه وتعالى، بما شاهدوا من المعجزات الواضحة، والحجج القاطعة (لن يضروا الله) ورسوله (شيئاًً) بتركهم الإيمان، وإصرارهم على الكفر، وما ضروا إلا أنفسهم.

(وسيحبط أعمالهم) أي يبطلها، والمراد بهذه الأعمال ما صورته صورة أعمال الخير، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من الأصل، لأن الكفر مانع، وقيل: المراد بالأعمال المكايد التي نصبوها لإبطال دين الله والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال:

47:33Page 510

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣

O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and do not invalidate your deeds.

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فيما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهاهم عن أن يبطلوا أعمالهم كما أبطلت الكفار أعمالهم بالإصرار على الكفر، فقال:

(ولا تبطلوا أعمالكم) قال الحسن: أي لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي، وقال الزهري: بالكبائر وهو الأولى، وقال الكلبي وابن جريج: بالرياء والسمعة، وقال مقاتل: بالمن، وقال عطاء: بالنفاق والشرك، قلت: والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال، كائناً ما كان، من غير تخصيص بنوع معين، عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل، وفي لفظ فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم.

" وعن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت هذه الآية فلما نزلت قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاًً منها قلنا قد هلك حتى نزلت هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاًً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاًً رجوناه [[انظر زاد المسير.]].

واستدل بهذه الآية من لا يرى إبطال النوافل، حتى لو دخل في صلاة تطوع، أو صوم تطوع، لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال الشافعي بخلافه، ولا دليل لهم في الآية، ولا حجة، لأن السنة مبينة للكتاب.

وقد ثبت في الصحيحين: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائماً فلما رجع إلى البيت وجد حيساً، فقال لعائشة: قربيه فلقد أصبحت صائماً، فأكل " [[صحيح البخاري.]] وهذا معنى الحديث، وليس بلفظه، فليس في هذه الآية دليل كما ظنه الزمخشري على إحباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة والخوارج، فجمهورهم على أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات، حتى إن من عبد الله طول عمره، ثم شرب جرعة خمر فهو كمن لم يعبده قط، ثم بيّن سبحانه أنه لا يغفر للمصرين على الكفر والصد عن سبيل الله فقال:

47:34Page 510

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤

Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and then died while they were disbelievers - never will Allāh forgive them.

(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) فقيّد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر، لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حياً، وظاهر الآية العموم، وإن كان السبب خاصاً، نزلت في أصحاب القليب، قاله المحلي، لكن حكمها عام في كل كافر مات على كفره، ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف فقال:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском