Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
الحجرات
Al-Hujurat
The Rooms · Medinan · 18 ayahs
49:1Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١
O you who have believed, do not put [yourselves] before Allāh and His Messenger1 but fear Allāh. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الحجرات
(ثماني عشرة آية وهي مدنية)
قال القرطبي: بالإجماع قال ابن عباس وابن الزبير: إنها نزلت بالمدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ذكر هذا اللفظ في هذه السورة خمس مرات، والمخاطب فيه المؤمنون، والمخاطب به أمر أو نهي، وذكر فيها يا أيها الناس مرة والخطاب فيها يعم المؤمنين والكافرين، كما أن المخاطب به وهو قوله إنا خلقناكم من ذكر وأنثى يعمهما، فناسب فيها ذكر الناس (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) قرأ الجمهور بتشديد الدال مكسورة وفيه وجهان:
أحدهما: أنه متعد، وحذف مفعوله لقصد التعميم، أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل كقولهم: هو يعطي ويمنع.
والثاني: أنه لازم، نحو وجه وتوجه، ويعضده قراءة تقدموا بفتح التاء والقاف والدال، قال الواحدي: قدم ههنا بمعنى تقدم وهو لازم، قال أبو عبيدة العرب تقول: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجل بالأمر دونه، والنهي لأن المعنى لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين يدي الإمام عبارة عن الأمام لا بين يدي الإنسان، وقرىء بضم التاء وكسر الدال من أقدم أي لا تقدموا على شيء ومعنى الآية لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله ولا تعجلوا به.
وقيل: معنى بين يدي فلان بحضرته، لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه وقيل: لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة، وهو الأظهر والأشمل وجرت هذه العبارة أي بين يدي الله ورسوله هنا على سنن من المجاز وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلاً أي استعارة تمثيلية، والغرض تصوير كمال الهجنة وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله أو المراد بين يدي رسول الله وذكر لفظاً لله تعظيماً للرسول وإشعاراً بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله وعلى هذا فلا استعارة، وإليه يميل كلام المحلي.
وقال الشهاب: في هذا الكلام تجوزان، أحدهما في: بين اليدين، فإن حقيقته ما بين العضوين، فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين لليمين والشمال القريبتين منه، بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما، فهو من المجاز المرسل، ثم استعيرت الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن تلزمه متابعته، والمعنى كما قال الخازن: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله، أو قبل أن يفعل، وفي البيضاوي، المعنى: لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكم الله ورسوله به انتهى؛ وقطع الأمر الجزم به، والجرأة على ارتكابه من غير إذن من له الإذن.
(واتقوا الله) في كل أموركم ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي الله ورسوله دخولاً أولياً، ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله: (إن الله سميع) لكل مسموع (عليم) بكل معلوم.
عن عبد الله بن الزبير قال: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، حتى انقضت الآية " [[البخاري 8/ 454.]]، أخرجه البخاري وغيره قال ابن عباس نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، وهذا يشمل معارضة السنة والكتاب بالرأي، والتقليد أيضاًً.
وعن عائشة قالت: " لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم " [[السيوطي في الدر 6/ 84.]].
وأخرج البخاري في تاريخه عنها قالت: " كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوماً أو يومين فأنزل الله هذه الآية " ..
49:2Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢
O you who have believed, do not raise your voices above the voice of the Prophet or be loud to him in speech like the loudness of some of you to others, lest your deeds become worthless while you perceive not.
(يا أيها الذين آمنوا) في إعادة النداء فوائد، منها أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كقول لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله)، لأن النداء تنبيه للمنادى، ليقبل على استماع الكلام، ويجعل باله منه، فإعادته تفيد تجدد ذلك، ومنها أن لا يتوهم أن المخاطب ثانياً غير المخاطب أولاً، ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود، وليس الثاني تأكيداً للأول.
(لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت، لأن ذلك يدل على قلة الإحتشام، وترك الاحترام، لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوقير، ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام، ومزيد اللغط، والأول أولى، والمعنى: لا ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت النبي صلى الله عليه وسلم، قال المفسرون: المراد من الآية تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضاً وهذا نهي عن قول، كما أن قوله: (لا تقدموا) نهي عن فعل.
عن أبي بكر الصديق قال: " لما أنزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار " وفي سنده حصين بن عمر وهو ضعيف، ولكنه يؤيده.
ما روي عن أبي هريرة قال: " لما أنزلت:
49:3Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣
Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allāh - they are the ones whose hearts Allāh has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.
(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله ".
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن أنس قال: " لما نزلت هذه الآية إلى قوله: (وأنتم لا تشعرون) وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار وجلس في بيته حزيناً ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا: فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر له بالقول، حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك، فقال: لا بل هو من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة قتل "، وفي الباب أحاديث بمعناه وعن ابن مسعود قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس [[البخاري 8/ 452.]].
(ولا تجهروا له بالقول) إذا كلمتموه (كجهر بعضكم لبعض) أي كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضاً، قال الزجاج: أمرهم الله سبحانه بتجليل نبيه صلى الله عليه وسلم. وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار. وقيل: المراد بقوله: ولا تجهروا له بالقول لا تقولوا: يا محمد، يا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيراً له، وليس المراد برفع الصوت وبالجهر بالقول هو ما يقع على طريقة الإستخفاف، فإن ذلك كفر، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره، والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور:
الأول: عن التقديم بين يديه، بما لم يأذن به من الكلام.
والثاني: عن رفع الصوت البالغ إلى حد يكون فوق صوته سواء كان في خطابه أو خطاب غيره.
والثالث: ترك الجفا في مخاطبته، ولزوم الأدب في محاورته، لأن المقاولة المجهورة إنما تكون بين الأكفاء، الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب إحترامه وتوقيره.
ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله: (أن تحبط أعمالكم) قال الزجاج: أي لأن تحبط يعني فتحبط، فاللام المقدرة لام الصيرورة، وهذه العلة تصح أن تكون علة للنهي، أي: نهاكم الله عن الجهر خشية أو كراهة أن تحبط، أو علة للمنهي أي: لا تفعلوا الجهر، فإنه يؤدي إلى الحبوط، فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الأول وجملة:
(وأنتم لا تشعرون) في محل نصب على الحال، وفيه تحذير شديد. ووعيد عظيم، قال الزجاج: وليس المراد قوله: وأنتم لا تشعرون يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر كافراً من حيث لا يعلمه.
ثم رغب الله سبحانه في امتثال أمره فقال:
49:4Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤
Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.
(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) إجلالاً له وتعظيماً، وأصل الغض النقص من كل شيء، ومنه نقص الصوت (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم) قال الفراء: أخلص قلوبهم (للتقوى) كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه، ويسقط خبيثه، وبه قال مقاتل ومجاهد وقتادة، وقال الأخفش: اختصها للتقوى، وقال الواحدي: تقدير الكلام امتحن الله قلوبهم فأخلصها للتقوى، فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه، وهذا الوجه أنسب لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة، الكرام، أو في التعريض بمن ليسوا على وصفهم، ومن ثم قال في فاصلة الآية السابقة: (وأنتم لا تشعرون) وفي فاصلة اللاحقة: (أكثرهم لا يعقلون)، وقيل: طهرها من كل قبيح، وقيل وسعها وشرحها من محنت الأديم إذا وسعته وقال أبو عمر: وكل شيء جهدته فقد محنته، واللام متعلقة بمحذوف أي: صالحة للتقوى، كقولك: أنت صالح لكذا، أو للتعليل كقولك: جئت لأداء الواجب أي: ليكون مجيئي سبباً لأدائه.
(لهم مغفرة وأجر عظيم) خبر آخر لأولئك أو مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم في الآخرة، وهو الظاهر.
(إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) هم جفاة بني تميم، كما سيأتي بيانه، ووراء الحجرات خارجها وخلفها، أو قدامها، والحجرات جمع حجرة كالغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة، وقيل جمع حجر والحجر جمع حجرة فهو جمع الجمع، والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وهي فعلة بمعنى مفعولة، قرأ الجمهور الحجرات بضم الجيم، وقرىء بفتحها تخفيفاً وقرىء بإسكانها، وهي لغات ومناداتهم من وراء الحجرات إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له، فنادى كل واحد على حجرة و (من) في (من وراء) لابتداء الغاية، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى.
(أكثرهم لا يعقلون) لغلبة الجهل عليهم، وكثرة الجفاء في طباعهم، والمراد بالأكثر الكل، لأن العرب قد تفعل هكذا.
عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد أخرج إلينا فلم يجبه فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال: ذلك الله، فأنزل الله (إن الذين) الخ " [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد وابن جرير والبغوي والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي بسند صحيح، قال ابن منيع: لا أعلم روى الأقرع مسنداً غير هذا.
وعن البراء بن عازب في الآية، قال: جاء رجل فقال يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك الله أخرجه الترمذي وحسنه.
وعن زيد بن أرقم قال: " اجتمع ناس من العرب فقالوا: انطلقوا إلى هذا الرجل، فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه: يا محمد فأنزل الله هذه الآية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدني وجعل يقول لقد صدق الله قولك يا زيد " أخرجه ابن راهويه؛ ومسدد وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه قال السيوطي: بإسناد حسن، وفي الباب أحاديث.
قال النسفي: وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها التسجيل على الصائحين به السفه والجهل ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته، ومقيله مع بعض نسائه ومنها التعريف باللام دون الإضافة.
ولو تأمل متأمل من أول هذه السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر. كأن الأول بساط للثاني، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو أطم، وهجنته أتم، من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته من وراء الجدر كما يصاح بأهون الناس قدراً لينبه على فظاعة ما جسروا عليه لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغاً انتهى.
49:5Page 516
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.
(ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم) أي: لو انتظروا خروجك، ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتبجيل، وقيل: إنهم جاؤوا شفعاء في أسارى فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفهم، وفادى نصفهم، ولو صبروا لأعتق الجميع ذكر معناه مقاتل. وقيل: يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولا لأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم (والله غفور رحيم) كثير المغفرة والرحمة بليغهما، لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب إن تابوا وأنابوا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)
49:6Page 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦
O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) قرأ الجمهور من التبين وقرىء فتثبتوا من التثبت، والمراد من التبين التعرف والتفحص ومن التثبت الإفادة وعدم العجلة، والتبصر بالأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر، وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأي نبأ فتوقفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا على قول الفساق لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه والفسوق الخروج من الشيء يقال فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه فقست البيضة إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها من بياضها وصفرتها؛ ومن مقلوبه أيضاًً فقست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصباً له، عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر قال المفسرون إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه.
(أن) أي كراهة أن أو لئلا (تصيبوا) بالقتل والأسر (قوماً بجهالة) لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب، وهو جهالة، لأنه لم يصدر عن علم والمعنى متلبسين بجهالة بحالهم (فتصبحوا على ما فعلتم) بهم من إصابتهم بالخطأ (نادمين) على ذلك مغتمين له، مهتمين به، وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد العدل، لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة.
عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: " قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولاً إبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت فظن الحارث أن قد حدث فيه سخط من الله ورسوله، فدعا سروات قومه فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله، ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزلت (يا أيها الذين آمنوا) إلى قوله: (حكيم) " [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده وابن مردويه، قال السيوطي: بسند جيد قال ابن كثير هذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية.
وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص ثم وعظهم الله سبحانه فقال:
49:7Page 516
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧
And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.
(واعلموا أن فيكم رسول الله) فلا تقولوا قولاً باطلاً ولا تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين، فإن الله يخبره فينهتك ستر الكاذب، أو فارجعوا إليه واطلبوا رأيه، ثم قال مستأنفاً: (لو يطيعكم في كثير من الأمر) أي: مما تخبرونه به من الأخبار الباطلة، وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب (لعنتم) أي: لوقعتم في العنت وهو التعب والجهد والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه.
عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية وقال: " هذا نبيكم يُوحى إليه، وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فكيف بكم اليوم؟ " أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح غريب.
(ولكن الله حبب إليكم الإيمان) أي جعله أحب الأشياء إليكم أو محبوباً لديكم، فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة، وترك التسرع في الأخبار وعدم التثبت فيها قيل: والمراد بهؤلاء من عدا الأولين لبيان براءتهم عن أوصاف الأولين، والظاهر إنه تذكير للكل بما يقتضيه الإيمان، وتوجيه محبته التي جعلها الله في قلوبهم.
(وزينَّه) أي حسنه بتوفيقه وقربه منكم وأدخله (في قلوبكم) حتى جريتم على ما يقتضيه في الأقوال والأفعال (وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان) أي: جعل كل ما هو من جنس هذه الثلاثة مكروهاً عندكم وأصل الفسق الخروج عن الطاعة، والعصيان جنس ما يعصى الله به، وقيل: أراد بذلك الكذب خاصة والأول أولى وفي هذه الآية لطيفة وهو أن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الثلاثة الأشياء في مقابلة الإيمان الكامل وهو ما اجتمع فيه ثلاثة أمور، إقرار باللسان، وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، فكراهة الكفر في مقابلة محبة الإيمان وتزيينه في القلوب هو التصديق بالجنان، والفسوق وهو الكذب، في مقابلة الإقرار باللسان، والعصيان في مقابلة العمل بالأركان.
(أولئك) الموصوفون بما ذكر (هم الراشدون) يعني أصابوا طرق الحق، ولم يميلوا عن الاستقامة، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب، من الرشادة وهي الصخرة وفيه التفات عن الخطاب
49:8Page 516
فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨
[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.
(فضلاً من الله ونعمة) أي لأجل فضله وإنعامه والمعنى إنه حبب إليكم ما حبب وكره إليكم ما كره لأجل فضله وإنعامه أو جعلكم راشدين لأجل ذلك، وقيل التقدير تبتغون فضلاً ونعمة (والله عليم) بكل معلوم (حكيم) في صنعه وفي كل ما يقضي به بين عباده ويقدره لهم.
49:9Page 516
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩
And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.
(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) قرأ الجمهور بالجمع باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين كقوله: (هذان خصمان اختصموا) وقال النسفي: حملاً على المعنى، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس وثنى في قوله: (فأصلحوا بينهما) نظراً إلى اللفظ.
عن أنس قال: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله ابن أبيّ فانطلق إليه وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل منهما أصحابه، وكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فنزلت (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) " الآية [[رواه البخاري.]] أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وقد روي نحو هذا من وجوه أخر، قال ابن عباس كان قتال بالنعال والعصي، فأمرهم أن يصلحوا بينهما وعن عائشة قالت: ما رأيت مثل ما رغبت عنه هذه الأمة في هذه الآية، وقيل المراد من الطائفتين الأوس والخزرج.
(فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) البغي التعدي بغير حق، والامتناع من الصلح الموافق للصواب، والاستطالة والظلم، والفيء الرجوع، وقد سمي به الظل والغنيمة، لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس، والغنيمة ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، والمعنى أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله. فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، ولم تتأثر بالنصيحة وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه وكتابه، وقيل: إلى طاعته في الصلح الذي أمر به، وحتى للغاية، وقيل بمعنى كي، فتكون للتعليل، والأول كما قال بعضهم هو الظاهر المناسب لسياق الآية.
عن ابن عباس في الآية قال: " إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم عن بعض، فإذا أجابوا حكم فيهم بكتاب الله حتى ينصف المظلوم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، وحق على الإمام أن يقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقروا بحكم الله "، وعن ابن عمر قال ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. والحاصل أن حكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت، فإذا كفت وقبضت عن الحرب أيديها تركت، والمراد بأمر الله الصلح وزوال الشحناء.
(فإن فاءت) أي فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها إلى الحق، وأجابت الدعوات إلى كتاب الله وحكمه والرضا بما فيه (فأصلحوا بينهما بالعدل) أي بالنصح والدعاء إلى حكم الله، ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر، يعني فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله. ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم. وتؤدي ما يجب عليها للأخرى. ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المتقاتلين فقال:
(وأقسطوا) أي: اعدلوا وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين والقسط الجور، والقسط العدل، والفعل منه أقسط الرباعي وهمزته للسلب أي أزال القسط، وهو الجور بخلاف قسط الثلاثي فمعناه الجور، يقال: قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل، وهذا هو المشمهور خلافاً للزجاج في جعلهما سواء (إن الله يحب المقسطين) أي: العادلين، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء.
وجملة
49:10Page 516
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠
The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.
(إنما المؤمنون إخوة) مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإصلاح، والمعنى: أنهم راجعون إلى أصل واحد، وهو الإيمان، قال الزجاج: الدين يجمعهم فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، قال بعضهم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
ولنعم ما قيل:
القوم إخوان صدق بينهم سبب ... من المودة لم يعدل به نسب
وذلك أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الأخوة لم ينقص عنها ثم قد جرت العادة على أنه إذا نشأ مثل ذلك بين الأخوين ولاداً لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما، فالأخوة في الدين أحق بذلك.
(فأصلحوا بين أخويكم) يعني بين كل مسلمين تخاصما وتقاتلا، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر مضافاً إلى المأمورين بالإصلاح، للمبالغة في التقرير والفاء للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح أو تخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فرقهما بطريق الأولى لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين، قرأ الجمهور على التثنية، قال أبو علي الفارسي في توجيهها: أراد بالأخوين الطائفتين، لأن لفظ التثنية قد يرد ويراد به الكثرة، وقال أبو عبيدة: أي أصلحوا بين كل أخوين، وقرىء إخوانكم بالجمع وقرىء أخوتكم بالفوقية على الجمع أيضاًً.
(واتقوا الله) في كل أموركم (لعلكم ترحمون) بسبب التقوى، والترجي باعتبار المخاطبين أي راجين أن يرحموا، أو لعل من الله في هذا المقام إطماع من الكريم الرحيم إذ لإطماع فعل ما يطمع فيه لا محالة وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم " قتال المسلم كفر " فإن المراد بهذا الحديث وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ، قال ابن جرير، لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل، لما أقيم حق ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبباً إلى استحلال كل ما حرم الله من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم، ويكف المسلمون أيديهم عنهم وذلك مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم " خذوا على أيدي سفهائكم " [[رواه مسلم.]].
قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين وعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " تقتل عمار الفئة الباغية " وقوله صلى الله عليه وسلم في شأن الخوارج " يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق " والآية تدل أيضاً على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنه سماهم مؤمنين مع وجود البغي.
وعن علي وقد سئل عن أهل الجمل، وصفين، أمشركون؟ قال: لا، إنهم من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ قال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً قيل: فما حالهم؟ قال إخواننا بغوا علينا، وهو رضي الله تعالى عنه قدوة في قتال أهل البغي، وعنه أنه سمع رجلاً يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا لله فقال: كلمة حق أراد بها باطل لكم، علينا ثلاثة: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences