Al-QinnawjiAn‑Najm · 53:22–39

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:22–39

53:22Page 526

تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ٢٢

That, then, is an unjust division.1

(تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) قرىء بياء ساكنة بغير همزة، وبهمزة ساكنة والمعنى أنها قسمة خارجة عن الصواب، جائرة عن العدل، مائلة عن الحق، قال الأخفش: يقال: ضاز في الحكم أي جار وضازه حقه يضيزه ضيزاً أي نقصه وبخسه، قال: وقد يهمز، وقال الكسائي: ضاز يضيز ضيزى، وضاز يضوز ضوزاً إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص. قال الفراء: وبعض العرب يقول ضئزاً بالهمز، وعن أبي زيد أنه سمع العرب تهمز ضيزي، قال البغوي: ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما تكون في الأسماء مثل ذكرى وشعرى، قال المؤرج: كرهوا ضم الضاد في ضيزى، وخافوا انقلاب الياء واواً، وهي من بنات الواو، فكسروا الضاد لهذه العلة، كما قالوا في جمع الأبيض بيض، وكذا قال الزجاج، وقيل: هي مصدر كذكرى فيكون المعنى قسمة ذات جور وظلم، قال ابن عباس: ضيزى جائرة لا حق فيها وقيل: عوجاء غير معتدلة ثم رد سبحانه عليهم بقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)

53:23Page 526

إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣

They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.

(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ) أي ما الأوثان أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من كونها آلهة إلا أسماء محضة، ليس فيها شيء من معنى الألوهية التي تدعونها لأنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ولا تفهم ولا تضر ولا تنفع فليست إلا مجرد أسماء، وقيل إن قوله: (هي) راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة والأول أولى.

(سميتموها أنتم وآباؤكم) قلد فيها الآخر الأول وتبع في ذلك الأبناء الآباء، وفي هذا من التحقير لشأنها ما لا يخفى كما تقول في تحقير رجل ما هو إلا إسم إذا لم يكن مشتملاً على صفة معتبرة ومثل هذه الآية قوله تعالى (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) يقال سميته زيداً وسميته يزيد فقوله (سميتموها) صفة لأسماء والضمير يرجع إلى الأسماء لا إلى الأصنام أي جعلتموها أسماء لا جعلتم لها أسماء ليشير الكلام أن هناك أسماء مجردة لا مسميات لها قطعاً (ما أنزل الله بها من سلطان) أي من حجة ولا برهان، قال مقاتل: لم ينزل لنا كتاباً لكم فيه حجة كما تقولون إنها آلهة ثم أخبر عنهم بقوله:

(إن يتبعون) بالتحتية وقرىء بالفوقية أي ما تتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها وفيه التفات إلى الغيبة للإيذان بأن تعداد قبائحهم إقتضى الأعراض عنهم وحكاية جناياتهم إلى غيرهم (إلا الظن الذي) لا يغني من الحق شيئاًً وهو ظن أنها تستحق العبادة وبهذا تبين أن العطف في قوله (وما تهوى الأنفس) للمغايرة أي ما تميل إليه وتشتهيه من غير التفات إلى ما هو الحق الذي يجب اتباعه ومن اتبع ظنه وما تشتهيه نفسه، بعد ما جاءه الهدى والبيان الشافي لا يعد إنساناً ولا يعتد به.

(ولقد جاءهم من ربهم الهدى) أي البيان الواضح الظاهر بالكتاب المنزل، والنبي المرسل، بأنها ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار، والجملة اعتراض أو حال من فاعل يتبعون، وأياً ما كان ففيها تأكيد لبطلان اتباع الظن وهوى النفس، وزيادة تقبيح لحالهم فإن اتباعهما من أي شخص كان - قبيح، وممن هداه الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب أقبح.

53:24Page 526

أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤

Or is there for man whatever he wishes?

(أم للإنسان ما تمنى) أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة التي للإنكار، فأضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم، وعن اتباعهم هوى النفس وما تميل إليه، وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم، وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي، وقيل قوله: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله:

53:25Page 526

فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥

Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].

(فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) أي إن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله عز وجل، فليس لهم معه أمر من الأمور، ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة وأطماعهم الفارغة، ثم أكد ذلك وزاد في إبطال ما يتمنونه فقال:

53:26Page 526

۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦

And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.

(وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاًً) كم هنا هي الخبرية المفيدة للتكثير، ولهذا جمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك، فلفظها مفرد، ومعناها جمع، والمعنى الإقناط مما علقوا به والتوبيخ لهم بما يتمنونه. ويطمعون فيه من شفاعة الأصنام مع كون الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتها على الله، لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له فكيف بهذه الجمادات الفاقدة للعقل والفهم، وهو معنى قوله:

(إلا من بعد أن يأذن الله) لهم بالشفاعة (لمن يشاء) أن يشفعوا له (ويرضى) بالشفاعة لكونه من أهل التوحيد وليس للمشركين في ذلك حظ ولا يأذن الله بالشفاعة لهم ولا يرضاها لكونهم ليسوا من المستحقين لها

53:27Page 527

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧

Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,

(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث وما بعده من الدار الآخرة، على الوجه الذي بينته الرسل وهم الكفار يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء، وجهالة جهلاء، وهي أنهم (ليسمون الملائكة) المنزهين عن كل نقص (تسمية الأنثى) وذلك أنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث، وصح عندهم أن يقال: سجدت الملائكة فزعموا أنها بنات الله، فجعلوهم إناثاً وسموهم بنات.

53:28Page 527

وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨

And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.

(وما لهم به من علم) أي والحال أنهم غير عالمين بما يقولون، فإنهم لم يعرفوهم ولا شاهدوهم، ولا بلغ إليهم ذلك من طريق من الطرق التي يخبر المخبرون عنها بل قالوا ذلك جهلاً وضلالة وجرأة، وقرىء وما لهم بها أي بالملائكة أو التسمية، ومن زائدة في المبتدأ المؤخر (إن يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون في هذه المقالة إلا مجرد الظن والتوهم، وقال النسفي: هو تقليد الآباء، ثم أخبر سبحانه عن الظن وحكمه فقال:

(وإن الظن لا يغني من الحق شيئاًً) أي: إن جنس الظن لا يغني عن العلم شيئاًً من الإغناء، ومن بمعنى عن، والحق هنا العلم، وفيه دليل على أن مجرد الظن لا يقوم مقام العلم، وإن الظان غير عالم، وهذا في الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية لا فيما يكتفي فيه بالظن، وهي المسائل العملية، وقد قدمنا تحقيق هذا، ولا بد من هذا التخصيص، فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن وقد وجب علينا العمل في هذه الأمور، فكانت أدلة وجوب العمل به فيها مخصصة لهذا العموم، وما ورد في معناه من الذم لمن عمل بالظن والنهي عن اتباعه. وفي الكرخي الظن لا اعتبار له في العارف الحقيقية، وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها كمسائل علم الفقه، وقال ابن الخطيب: المراد منه أن الظن لا يغني في الاعتقادات شيئاًً وأما في الأفعال العرفية أو الشرعية فإن الظن فيها يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين.

53:29Page 527

فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩

So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.

(فأعرض عمن تولى) أي أعرض (عن ذكرنا) المراد بالذكر هنا القرآن، أو ذكر الآخرة أو ذكر الله على العموم، وقيل: المراد به هنا الإيمان والمعنى اترك مجادلتهم فقد بلغت إليهم ما أمرت به، وليس عليك إلا البلاغ وهذا منسوخ بآية السيف، قال الرازي: وأكثر المفسرين يقولون: إن كل ما في القرآن من قوله فأعرض منسوخ بآية القتال وهو باطل لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال، فكيف ينسخ بها والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة (ولم يرد إلا الحياة الدنيا) أي لم يرد سواها ولا طلب غيرها، بل قصر نظره عليها فإنه غير متأهل للخير، ولا مستحق للإعتناء بشأنه ثم صغر سبحانه شأنهم وحقر أمرهم فقال:

53:30Page 527

ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠

That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.

(ذلك) أي التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا (هو مبلغهم من العلم) ليس لهم علم غيره، ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين، قال الفراء: أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة؛ وقيل: الإشارة بقوله ذلك إلى جعلهم الملائكة بنات الله وتسميتهم لهم تسمية الأنثى والأول أولى والمراد بالعلم هنا مطلق الإدراك الذي يندرج تحته الظن الفاسد والجملة مستأنفة لتقرير جهلهم واتباعهم مجرد الظن؛ وقيل معترضة بين المعلل والعلة وهي قوله:

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) فإن هذا تعليل للأمر بالإعراض، والمعنى أنه سبحانه وتعالى أعلم بمن حاد عن الحق وأعرض عنه ولم يهتد إليه وأعلم بمن اهتدى فقبل الحق، وأقبل إليه وعمل به فهو مجاز كل عامل بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له بأنه لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة وسبقت له الشقاوة، فإن الله قد علم حال هذا الفريق الضال، كما علم حال الفريق الراشد وتكرير قوله هو أعلم لزيادة التقرير وللإيذان بكمال تباين المعلومين ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته وعظيم ملكه فقال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42)

53:31Page 527

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -

(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي هو المالك لذلك والمتصرف فيه لا يشاركه فيه أحد (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا) من الشرك وغيره اللام متعلقة بما دل عليه الكلام، كأنه قال: هو مالك ذلك يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ليجزي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه، وقيل: إن قوله ولله ما في السموات الخ جملة معترضة، والمعنى: هو أعلم بمن ضل، وهو أعلم بمن اهتدى، ليجزي، وقيل: هي لام العاقبة لا التعليل، أي: وعاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء أن يجزي الله كلاً منهما بعمله، وبه صرح الواحدي والزمخشري، وقال مكي: إن اللام متعلقة بقوله لا تغني شفاعتهم وهو بعيد من حيث اللفظ ومن حيث المعنى قرىء ليجزي بالتحتية وبالنون.

(ويجزي الذين أحسنوا) بالتوحيد وغيره من الطاعات (بالحسنى) أي: بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب أعمالهم الحسنى، وتكرير الفعل لإبراز كمال الإعتناء بأمر الجزاء، وللتنبيه على تباين الجزائين، ثم وصف هؤلاء المحسنين فقال:

53:32Page 527

ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢

Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.

(الذين) أي: هم الذين (يجتنبون كبائر الإثم) قرأ الكبائر على الجمع وكبير على الإفراد، والكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار أو ما عين له حداً أو ذم فاعله ذماً شديداً، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل، وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها:

(والفواحش) جمع فاحشة، وهي ما فحش من كبائر الذنوب، كالزنا ونحوه، وهو من عطف الخاص على العام، قال مقاتل: كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد وقيل: الكبائر الشرك والفواحش الزنا، وقد قدمنا في سورة النساء ما هو أبسط من هذا وأكثر فائدة، وقال ابن عباس: الكبائر ما سمى الله فيه النار، والفواحش ما كان فيه حد الدنيا (إِلَّا اللَّمَمَ) أي إلا ما قل وصغر من الذنوب والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش، قال السمين: وهذا هو المشهور، ويجوز أن يكون متصلاً عند من يفسر اللمم بغير الصغائر، وأصل اللمم في اللغة ما قل وصغر، ومنه ألم بالمكان قل لبثه فيه؛ وألم بالطعام قل أكله منه.

قال المبرد: أصل اللمم أن يلم بالشيء من غير أن يرتكبه يقال: ألم بكذا إذا قاربه، ولم يخالطه، قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب، قال الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه، ولا يقيم عليه، يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ويقال ما فعلته إلا لماماً وإلماماً، أي: الحين بعد الحين ومنه إلمام الخيال قال في الصحاح ألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة.

وقد اختلف أقوال أهل العلم في تفسير هذا المذكور في الآية فالجمهور على أنه صغائر الذنوب، وقيل: هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة وكالكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر والإشراف على بيوت الناس وهجر المسلم فوق ثلاث والضحك في الصلاة المفروضة والنياحة وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناساً بهنم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة المسجد إذا كان يغلب تنجيسهم له واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة ونحو ذلك ذكره الخطيب وغيره، وقيل: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب أو يقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة وابن عباس وبه قال مجاهد والحسن والزهري ومنه:

إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما

واختار هذا القول الزجاج والنحاس وقيل: هو ذنوب الجاهلية فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام، وله قال زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم وقال نفطويه: هو أن يأتي بذنب لم يكن له به عادة، قال والعرب تقول: ما تأتينا إلا إلماماً أي في الحين قال: ولا يكون أن يهم ولا يفعل لأن العرب لا تقول: ألم بنا إلا إذا فعل لا أذاهم ولم يفعل الراجح الأولى.

أخرج البخاري ومسلم " عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاًً أشبه باللمم " [[رواه البخاري ومسلم.]] مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ".

وعن ابن مسعود في قوله إلا اللمم قال: زنا العين النظر وزنا الشفتين التقبيل وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين المشي ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه فإن تقدم بفرجه كان زانياً وإلا فهو اللمم.

وعن أبي هريرة أنه سئل عن قوله: إلا اللمم قال هي النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وهو قول ابن مسعود ومسروق والشعبي. وعن ابن عباس فيه قال: إلا اللمم إلا ما قد سلف، وعنه قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها، وعن أبي هريرة قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب، ولا يعود، فذلك الإلمام، وعن ابن عباس أيضاًً قال: اللمم كل شيء بين الحدين، حد الدنيا وحد الآخرة، تكفره الصلاة، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم دون الشرك.

(إن ربك واسع المغفرة) حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، قال الكرخي: عقب به ما سبق لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته، ولئلا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى، وقال غيره: الجملة تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس لخلوه عن كونه ذنباً يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاح إلى رحمته، بل لسعة المغفرة الربانية، وقيل: إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه وأناب، وعن عمر وابن عباس قالا لا كبيرة في الإسلام، يعني مع التوبة، ولا صغيرة مع الإصرار، قلت: وفي كون الإصرار على الصغيرة كبيرة اختلاف بين أهل العلم، قال النووي في المنهاج: وشرط العدالة اجتناب الكبائر، والإصرار على صغيرة قال في تحفة المحتاج: قبل: عطف الإصرار من عطف الخاص على العام. وفيه نظر، لأن الإصرار لا يصير الصغيرة كبيرة حقيقة: وإنما يلحقها في الحكم ولا ينافي هذا قول كثيرين كابن عباس، ونسب للمحققين كالأشعري. وابن فورك، والإسناد أبي إسحاق أهـ.

وفي الزواجر عن اقتراف الكبائر نقلاً عن الرافعي: أما الصغائر فلا يشترط تجنبها بالكلية، لكن الشرط أن لا يصر عليها، فإن أصر كان الإصرار كارتكاب الكبيرة انتهى، والحاصل أن المعتمد وفاقاً لكثير من المتأخرين كالأذرعي والبلقيني والزركشي وابن العماد وغيرهم أنهم لا تضر المداومة على نوع من الصغائر. ولا على أنواع، سواء كان مقيماً على الصغيرة أو الصغائر أو مكثراً من فعل ذلك، حيث غلب الطاعات المعاصي، وإلا ضر، ثم رأيت ابن العماد قال ما نقله الإسنوي عن الرافعي: من أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ليس كذلك، ولم يذكر الرافعي هذه العبارة، قال البلقيني: المراد عدم غلبة الصغائر على الطاعة، وفسر القاضيان الماوردي والطبري الإصرار في قوله تعالى: (ولم يصروا) بأن لم يعزموا على أن لا يعودوا إليه، وقضيته حصول الإصرار بالعزم على العود، بترك العزم على عدم العود، ويوافقه قول ابن الصلاح: الإصرار التلبس بضد التوبة، باستمرار العزم على المعاودة، واستدامة الفعل بحيث يدخل به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرة، وليس لزمن ذلك وعدده حصر.

وقال ابن عبد السلام: الإصرار أن تتكرر منه الصغيرة تكراراً يشعر بقلة مبالاته بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر انتهى.

والصواب في هذا الباب ما ذكره القاضي محمد بن علي الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ونصه: قد قيل: إن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هي مقالة لبعض الصوفية، فإنه قال: لا صغيرة مع الإصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ، وجعله حديثاً، ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه، والإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة انتهى.

ويفهم من ذلك أيضاً أن الإصرار على الكبيرة ليس كفراً، ثم التوبة عن الكبيرة وإن كانت واجبة عيناً فوراً بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، لكن قد يغفرها الله تعالى من غير توبة أيضاًً، كما دلت عليه السنة المطهرة واختاره محققو أهل الحديث، ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده فقال:

(هو أعلم بكم) أي: بأحوالكم، وتفاصيل أموركم (إذ) حين (أنشأكم من الأرض) أي: خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم، وحين ما صوركم في الأرحام، وقيل: المراد آدم فإنه خلقه من طين (وإذا أنتم أجنة) أي هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة، وهي جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي ذلك لاجتنابه، أي لاستتاره في بطن أمه، ولهذا قال: (في بطون أمهاتكم) فلا يسمى من خرج عن البطن جنيناً، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها.

" عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا: هو صديق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد، فأنزل الله عند ذلك هذه الآية " أخرجه الطبراني وغيره.

(فلا تزكوا أنفسكم) أي لا تمدحوها، ولا تثنوا عليها خيراً، ولا تنسبوها إلى زكاء العمل، وزيادة الخير والطاعات، وحسن الأعمال، واهضموها فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع، قال ابن عباس: لا تمدحوها، وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة فلا تبرؤوها من الآثام، ولا تمدحوها بحسن الأعمال، وقيل لا تزكوها رياء، وخيلاء، ولا تقولوا لمن لم تعرفوا حقيقته أنا خير منك، وأنا أزكى منك، أو أتقى منك، فإن العلم عند الله، وفيه إشارة إلى وجوب خوف العاقبة فإن الله يعلم عاقبة من هو على التقوى.

وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود " عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب " [[رواه أحمد ومسلم.]]. وقال المحلي في الآية: وهذا النهي على سبيل الإعجاب، وأما على سبيل الإعتراف بالنعمة فحسن، ولذا قيل: المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر، لقوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث).

(هو أعلم بمن اتقى) مستأنفة مقررة للنهي، أي فإنه يعلم المتقي منكم وغيره قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم، فمن جاهد نفسه، وخلصت منه التقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين، فكيف بمن صارت له التقوى وصفاً ثابتاً، وهو الذي ينتفع بها ويثاب عليها، وقيل: نزلت في ناس كانوا يعملون أعمالاً حسنة؛ ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا ثم لما بين الله سبحانه وتعالى جهالة المشركين على العموم، خص بالذم بعضهم فقال:

53:33Page 527

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣

Have you seen the one who turned away

(أفرأيت الذي تولى)؟ عن الخير وأعرض عن اتباع الحق

53:34Page 527

وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤

And gave a little and [then] refrained?

(وأعطى قليلاً) أي أعطى عطاء قليلاً؛ أو شيئاًً قليلاً من المال المسمى.

(وأكدى) منع الباقي وقطع ذلك، وأمسك عنه، مأخوذ من الكدية وهي الصلابة، يقال لمن حفر بئراً بلغ فيها إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب: لمن أعطى فلم يتم ولمن طلب شيئاًً فلم يبلغ آخره قال الكسائي وأبو زيد ويقال: كديت أصابعه إذا محلت من الحفر، وكدت يده إذا كلت، ولم تعمل شيئاًً، وكدت الأرض إذا قل نباتها، وأكديت الرجل عن الشيء رددته، وأكدى الرجل إذا قل خيره، قال الفراء: معنى الآية أمسك عن العطية وقطع، وقال المبرد: منع منعاً شديداً.

وقال مجاهد وابن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين فترك ورجع إلى شركه قال مقاتل: كان الوليد يمدح القرآن، ثم أمسك عنه فأعطى قليلاً من لسانه من الخير ثم قطعه وقال الضحاك: نزلت في النضر بن الحرث وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل، قال ابن عباس: أكدى قطع نزلت في العاص بن وائل، وعنه قال: أطاع قليلاً انقطع.

53:35Page 527

أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥

Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1

(أعنده علم الغيب فهو يرى) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والمعنى أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب فهو يعلم ذلك قال مقاتل: وهو الوليد بن المغيرة وعليه الأكثر وقال السدي: إنه العاص بن وائل السهمي أو أبو جهل، كما قاله محمد بن كعب وهذا الخلاف فيمن تولى وأعطى وأكدى وأما الذي عيره وضمن له أن يحمل عنه العذاب فلم يذكروا هنا تعيينه.

53:36Page 527

أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses

(أم لم ينبأ) أي: ألم يخبر ولم يحدث (بما صحف موسى) يعني أسفاره وهي التوراة. أو صحف قبلها (و) بما في صحف (إبراهيم الذي وفى) أي: تمم وأكمل ما أمر به قال المفسرون: أي بلغ قومه ما أمر به وأداه وقيل: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه.

" عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما قوله

53:37Page 527

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

(وإبراهيم الذي وفى) قالوا الله ورسوله أعلم قال وفى عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهن وزعم أنها صلاة الضحى " أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وغيرهم: قال السيوطي: ضعيف: وفي إسناده جعفر بن الزبير وهو ضعيف.

" وعن سهل بن معاذ ابن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفىّ أنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى آخر الآية "، أخرجه ابن أبي حاتم وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وعن ابن عباس قال: سهام الإسلام ثلاثون سهماً لم يتممها أحد قبل إبراهيم؛ قال الله: وإبراهيم الذي وفىّ، وعنه قال: يقول: إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه؛ حين رأى الرؤيا؛ وإنما خص هذين النبيين بالذكر؛ لأنه كان قبل إبراهيم وموسى يؤخذ الرجل بجريرة غيره، فأول من خالفهم إبراهيم ثم بين سبحانه ما في صحفهما فقال:

53:38Page 527

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

(ألا تزر وازرة وزر أخرى) أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى، ومعناه لا تؤخذ نفس بذنب غيرها. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان إبراهيم، فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى ألا تزر الخ، وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام.

53:39Page 527

وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

And that there is not for man except that [good] for which he strives

(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وهذا أيضاًً من جملة ما في صحف موسى وإبراهيم، والمعنى ليس له إلا أجر سعيه، وجزاء عمله، ولا ينفع أحداً عمل أحد، وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه: (وألحقنا بهم ذريتهم)، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات، ونحو ذلك، ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور، فإن الخاص لا ينسخ العام، بل يخصصه، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه، كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم، وتعقب أيضاًً بأنها خبر، ولا نسخ في الأخبار، وبأنها على ظاهرها والدعاء من الولد دعاء من الوالد من حيث اكتسابه للولد، وبأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى، لأنها حكاية لما في صحفهم، وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي وما سعى لها غيرها، لما صح أن لكل نبي وصالح شفاعة، وهو انتفاع بعمل الغير، ولغير ذلك.

ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وحينئذ فالظاهر ما قلنا أن الآية عامة قد خصصت بأمور كثيرة، قال ابن عباس في الآية: فأنزل الله بعد ذلك: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم) الآية، ْفأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية إسترجع واستكان، وقيل: أراد بالإنسان الكافر، والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا، بأن يوسع عليه في رزقه، ويعافى في بدنه. حتى لا يبقى له في الآخرة خير، وقيل: هو من باب العدل، وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وكرمه، وقيل: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم.

قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية [[غفر الله لشيخ الإسلام، فقد خالف الآية على خلاف عادته، وعلى القارىء أن يراجع الملحق الذي نشرناه في آخر سورة يس (ج 8 ص 57) ففيه رد صاحب المنار على كل ما سيذكره ابن تيمية وابن القيم.]] رحمه الله: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة:

أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير.

ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها.

ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير.

رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير.

خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم.

سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير.

سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين (وكان أبوهما صالحاً) فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما.

ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير.

تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير.

عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور، يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير.

حادي عشرها: المدين قد امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من عمل الغير.

ثاني عشرها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " فقد حصل له فضل الجماعة بعمل الغير.

ثالث عشرها: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه، وذلك انتفاع بعمل الغير.

رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير.

خامس عشرها: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والمات، كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير.

سادس عشرها: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم يكن منهم، ولم يجلس لذلك لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره.

سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره.

ثامن عشرها: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذلك الجماعة بكثرة العدد، وهو انتفاع للبعض بالبعض.

تاسع عشرها: أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) وقال تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) الخ. وقال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) الخ فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير.

عشروها: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره، ممن يمونه الرجل فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له فيها.

حادي عشريها: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك، ولا سعي له، ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟ انتهى كلامه رحمه الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском