Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
At-Tahrim 66:10–12
66:10Page 561
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠
Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قد تقدم غير مرة أن المثل قد يراد به إيراد حالة غريبة تعرف بها حالة أخرى مماثلة لها في الغرابة، أي جعل الله مثلاً لحال هؤلاء الكفار في أنهم يعاقبون لكفرهم، وأنه لا يغني أحد عن أحد (امرأة نوح) واسمها واهلة، وقيل: والهة (وامرأة لوط) واسمها واعلة، وقيل: والعة، وهذا هو المفعول الأول، (ومثلاً) المفعول الثاني حسبما قدمنا تحقيقه، وإنما أخر ليتصل به ما هو تفسير له وإيضاح لمعناه، وترسم (امرأت) في هذه المواضع الثلاثة (وابنت) بالتاء المجرورة، ويوقف عليهم بالهاء والتاء.
(كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) وهما نوح ولوط عليهما السلام، أي كانتا في عصمة نكاحهما، وهذه جملة مستأنفة كأنها مفسرة لضرب المثل، ولم يؤت بضميرهما فيقال: تحتهما لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة وفي ذلك مبالغة في المعنى المقصود وهو أن الإنسان لا ينفعه عادة إلا صلاح نفسه لا صلاح غيره، وإن كان ذلك الغير في أعلى مراتب الصلاح والقرب من الله تعالى (فَخَانَتَاهُمَا) أي فوقعت منهما الخيانة لهما.
" قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط "، ورواه ابن عساكر مرفوعاً.
" عنه قال: مازنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط، فكانت تدل على الضيف فتلك خيانتهما ".
وقال عكرمة والضحاك: بالكفر، وقد وقعت الأدلة الإجماعية على أنها ما زنت امرأة نبي قط، وقيل: كانت خيانتهما النفاق وقيل: خانتاهما بالنميمة.
(فلم يغنيا عنهما من الله شيئاًً) أي فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئاًً من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله مع كرامتهما على الله، ونبوتهما شيئاًً من الدفع، وفيه تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة (وقيل) أي ويقال لهما في الآخرة أو عند موتهما:
(ادخلا النار مع الداخلين) لها من أهل الكفر والمعاصي، وقال يحيى ابن سلام: ضرب الله مثلاً للذين كفروا يحذر به عائشة، وحفصة من المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين تظاهرتا عليه، وما أحسن ما قال، فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئاًً، وقد عصمهما الله سبحانه عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة.
66:11Page 561
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١
And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."
(وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون) هي آسية بنت مزاحم قيل: إنها إسرائيلية وإنها عمة موسى، وقيل: إنها ابنة عم فرعون، وإنها من العمالقة، وكانت ذات فراسة صادقة آمنت بموسى عليه السلام فعذّبها فرعون بالأوتاد الأربعة، والكلام في هذا كالكلام في المثل الذي قبله، أي جعل الله حال امرأة فرعون مثلاً لحال المؤمنين ترغيباً لهم في الثبات على الطاعة، والتمسك بالدين، والصبر في الشدة، وأن وصلة الكفر لا تضرهم، كما لم تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين، وصارت بإيمانها بالله في جنات النعيم، وفيه دليل على أن وصلة الكفرة لا تضر مع الإيمان.
(إذ) ظرف لمثلاً أو لضرب (قالت رب ابن لي عندك) حال من ضمير المتكلم أو من (بيتاً) لتقدمه عليه وقوله: (في الجنة) بدل أو عطف بيان لقوله: عندك، أو متعلق بقوله: ابن، وقدم عندك هنا للإشارة إلى قولهم: الجار قبل الدار، ومعناه بيتاً قريباً من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين منك، أو في مكان لا يتصرف فيه إلا بإذنك وهو الجنة.
(ونجني من فرعون وعمله) أي من ذاته الخبيثة وشركه، وما يصدر عنه من أعمال الشر، وقال ابن عباس: عمله يعني جماعة، وعن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة، وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة اوتاد، وأضجعها، وجعل على صدرها رحى، واستقبل بها عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء فقال: رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة إلى قوله: (ونجني من القوم الظالمين) ففرج الله لها عن بيتها في الجنة فرأته، وقبض الله روحها، قال الكلبي هم أهل مصر، وقال مقاتل: هم القبط، قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرم نجاة، ورفعها إلى الجنة، فهي تأكل وتشرب، وفيه دليل على أن الإستعاذة بالله والإلتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين، وديدن المؤمنين بيوم الدين.
66:12Page 561
وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢
And [the example of] Mary, the daughter of ʿImrān, who guarded her chastity, so We blew into [her garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and she believed in the words of her Lord and His scriptures and was of the devoutly obedient.
(و) ضرب الله مثلاً للذين آمنوا (مريم ابن عمران) أي حالها وصفتها فمثل حال المؤمنين بامرأتين، كما مثل حال الكفار بامرأتين، وقيل: التقدير اذكر مريم والمقصود من ذكرها أن الله سبحانه جمع لها بين كرامتي الدنيا والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين مع كونها بين قوم كافرين (التي أحصنت) حفظت (فرجها) عن الفواحش وعن الرجال فلم يصل إليها رجل لا بنكاح ولا بزنا، والمحصنة العفيفة، وقد تقدم تفسير هذا في سورة النساء، قال المفسرون: المراد بالفرج هنا الجيب لقوله: (فنفخنا فيه من روحنا) المخلوقة لنا، وذلك أن جبريل نفخ في جيب درعها أي طوق قميصها، فحملت بعيسى عقب النفخ، فالنفخ والحمل والوضع في ساعة واحدة، والإسناد في نفخنا مجازي، أي فأسند إلى الله من حيث أنه الخالق والموجد، وقيل المراد بالروح روح عيسى التي صار بها حياً فوصلت إلى فرجها بواسطة نفخ جبريل، وإضافة الروح إلى الله إضافة مخلوق لخالقه للتشريف.
(وصدقت بكلمات ربها) يعني بشرائعه التي شرعها الله لعباده، وقيل: المراد بالكلمات عيسى وقيل صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، قرأ الجمهور صدقت بالتشديد، وقرىء بالجمع والمراد على الأول الجنس، فيكون في معنى الجمع وهي الكتب المنزلة على الأنبياء كإبراهيم وموسى وابنها عيسى.
(وكانت من القانتين) قال قتادة من القوم المطيعين لربهم، وقال عطاء: من المصلين كانت تصلي بين المغرب والعشاء، ويجوز أن يراد بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت منهم، وكانوا مطيعين أهل بيت صلاح وطاعة، ولا كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين غلب ذكوره على إناثه، وفيه إشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم، ومن للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام.
" عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، ما قص الله علينا من خبرها في القرآن قالت رب ابن لي عندك الآية [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد والطبراني والحاكم، وفي الصحيحين وغيرهما: " من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " [[رواه مسلم.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences