Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
التحريم
At-Tahrim
The Prohibition · Medinan · 12 ayahs
66:1Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١
O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.
سورة التحريم
(وقال القرطبي: وتسمى سورة النبي صلى الله عليه وسلم، اثنتا عشرة آية)
وهي مدنية قال القرطبي في قول الجميع قال ابن عباس: نزلت بالمدينة وعن ابن الزبير نحوه.
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) المراد بالتحريم هنا الامتناع من الاستمتاع لا اعتقاد كونه حراماً بعد ما أحله الله له، فإن هذا الاعتقاد لا يصدر منه صلى الله عليه وسلم، لأنه كفر قاله الخطيب (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) استئناف أو تفسير لقوله: تحرم أو حال، والمرضاة اسم مصدر وهو الرضا، وأصله مرضوة، وهو مضاف إلى المفعول أي أن ترضي أزواجك أو إلى الفاعل، أي أن يرضين هن، والمعنى لا ينبغي منك أن تشتغل بما يرضي الخلق بل اللائق أن أزواجك وسائر الخلق تسعى في رضاك، وتتفرغ أنت لما يوحى إليك من ربك، قال الخطيب: وفيه تنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي، وقيل: كان ذلك ذنباً من الصغائر، فلذا عاتبه الله عليه، وقيل: إنها معاتبة على ترك الأولى، وقال النسفي: كان هذا زلة منه.
(والله غفور رحيم) أي بليغ المغفرة، والرحمة لما فرط منك من تحريم ما أحل الله لك، واختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال، الأول قول أكثر المفسرين: قال الواحدي: قال المفسرون: كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية القبطية في بيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجه حفصة الغيرة والكآبة، قال لها: لا تخبري عائشة، ولك علي أن لا أقربها أبداً، فأخبرت حفصة عائشة، وكانتا متصافيتين فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقرب مارية فأنزل الله هذه السورة [[ضعيف الجامع - 1704.]]، وبه قال المحلي، وقال القرطبي: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة، وذكر القصة وقال أبو السعود والنسفي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة. فقال لها اكتمي علي فقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي، فأخبرت به عائشة وكانتا متصافيتين انتهى.
" عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً، فأنزل الله هذه الآية " أخرجه النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه.
" وعن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب. من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن مارية القبطية أم إبراهيم، أصابها النبي صلى الله عليه في بيت حفصة في يومها فوجدت حفصة فقالت: يا رسول الله لقد جئت إلي بشيء ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي، وفي دوري على فراشي، قال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها ابداً؟ قالت: بلى، فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله (يا أيها النبي لم تحرم) الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفَّر عن يمينه وأصاب مارية " أخرجه البزار والطبراني قال السيوطي بسند صحيح.
وأخرجه ابن سعد وابن مردويه عنه بأطول من هذا وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عنه بأخصر منه، وأخرجه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عنه مختصراً بلفظ: قال حرم سريته، وجعل ذلك سبب النزول في جميع ما روي من هذه الطرق.
" وعن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة لا تحدثي أحداً، وإن أم إبراهيم عليّ حرام، قالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: فوالله لا أقربها فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله
66:2Page 560
قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.
(قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) "، أخرجه الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع.
" وعن أبي هريرة أن سبب النزول تحريم مارية كما سلف "، أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه وسنده ضعيف.
الثاني قيل: السبب أنه كان صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً، وهو الذي رواه الشيخان، والتي شرب عندها هي زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة أن يقولا له إذا دخل عليهما: إنا نجد منك ريح مغافير فحرم العسل فنزلت هذه الآية، أخرج البخاري وغيره:
" عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها لبناً أو عسلاً فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود، فنزلت (يا أيها النبي) إلى قوله (إن تتوبا إلى الله) لعائشة وحفصة، (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً) لقوله: بل شربت عسلاً ".
وقيل: هي سودة كما روي:
" عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحاً فدخل على حفصة فقالت: إني أجد منك ريحاً، فقال: أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه أبداً فأنزل الله هذه الآية " أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي: بسند صحيح، وقيل: هي أم سلمة كما روي:
" عن عبد الله بن رافع قال: سألت أم سلمة عن هذه الآية يا أيها النبي لم تحرم؟ قالت كانت عندي عكة من عسل أبيض فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلعق منها، وكان يحبه فقالت له عائشة نحلها تجرس عرفطاً فنزلت هذه الآية " أخرجه ابن سعد وذكره الخطيب والخازن، وقيل: هي حفصة فواطأت عائشة وسودة وصفية فقلن له إنا نشم منك ريح المغافير، فحرم العسل فنزلت الآية، قاله البيضاوي.
الثالث قيل: السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فالأولان سببان صحيحان لنزول الآية والجمع ممكن بوقوع القصتين، قصة مارية وقصة العسل، وأن القرآن نزل فيهما جميعاً، وفي كل واحد منهما أنه أسر الحديث إلى بعض أزواجه، وأما الثالث فقال شيخنا الشوكاني: أنه ليس في ذلك إلا ما روى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
" عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية للمرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم "، قال السيوطي: وسنده ضعيف، ويرد هذا أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل تلك الواهبة نفسها، فكيف يصح أن يقال: إنه نزل في شأنها؟ فإن من رد ما وهب له لم يصح أن يقال: أنه حرم على نفسه، وأيضاًً لا ينطبق على هذا السبب قوله: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً إلى آخر ما حكاه الله.
وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهما عائشة وحفصة ثم ذكر قصة الإيلاء كما في الحديث الطويل، فليس في هذا نفي كون السبب هو ما قدمنا من قصة العسل والسرية، لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين، وذكر فيه أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه وتهجره إحداهن من اليوم إلى الليل، وأن ذلك سبب الاعتزال، لا سبب نزول: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك؟ ويؤيد هذا ما قدمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا فأخبره بأنهما حفصة وعائشة وبينّ له أن السبب قصة مارية، هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية، ودفع الاختلاف في شأنه، فاشدد عليه يديك لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين.
(قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) أي شرع لكم تحليل أيمانكم، وبينّ لكم الخروج والخلاص منها بالكفارة، وقول النسفي: أو شرع لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها، وذلك أن يقول: إن شاء الله عقيبها حتى لا يحنث، وتحريم الحلال يمين عندنا انتهى، وتحلة أصلها تحللة فأدغمت وهي من مصادر التفعيل كالتوصية والتسمية، فكأن اليمين عند والكفارة حل لأنها تحل للحالف ما حرمه على نفسه، قال مقاتل: المعنى قد بينّ الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكفر يمينه، ويراجع وليدته، فأعتق رقبة.
وعن الحسن أنه لم يكفر لأنه صلى الله عليه وسلم مغفور له ذكره المحلي والنسفي، قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله وهذا هو الحق، إن تحريم ما أحل الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل، والمذاهب فيه كثيرة، والمقالات فيه طويلة وقد حققه الشوكاني في مؤلفاته بما يشفي، وذكر رضي الله عنه في شرحه للمنتقي خمسة عشر قولاً، واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين توجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف، وليس في الآية ما يدل على أنه يمين، لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله له، ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية حرم أولاً ثم حلف ثانياً، كما قدمنا.
عن ابن عباس قال: في الحرام يكفر، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، وعنه أنه جاءه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حراماً فقال كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا (لم تحرم ما أحل الله لك)؟ قال: عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة.
" وعن عائشة قالت لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح فأنزل الله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) فأحل يمينه، وأنفق عليه " أخرجه الحرث ابن أسامة.
(والله مولاكم) أي وليكم وناصركم، والمتولي لأموركم، وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم أنفسكم ذكره النسفي (وهو العليم) بما فيه صلاحكم وفلاحكم (الحكيم) في أقواله وأفعاله.
(وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً) قال أكثر المفسرين ومنهم النسفي والمحلي والخازن: هي حفصة كما سبق، والحديث هو تحريم مارية أو العسل أو تحريم التي وهبت نفسها له، والعامل في الظرف فعل مقدر، أي واذكر إذ أسر، وقال الكلبي: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر.
" عن عائشة في الآية قالت: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي ". وأخرج ابن عدي وأبو نعيم في الصحابة والعشاري في فضائل الصديق وابن مردويه وابن عساكر من طرق: " عن علي وابن عباس قالا: والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب.
66:3Page 560
وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣
And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."
(وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً)، قال لحفصة أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي، فإياك أن تخبري أحداً بهذا "، قال الشوكاني رحمه الله: وهذا ليس فيه أنه سبب نزول قوله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك، بل فيه أن الحديث الذي أسره النبي هو هذا فعلى فرض أن له إسناداً يصلح للاعتبار هو معارض بما سبق من تلك الروايات الصحيحة، وهي مقدمة عليه ومرجحة بالنسبة إليه.
(فلما نبأت به) أخبرت به غيرها ظناً منها أن لا حرج في ذلك فهو باجتهاد منها، وهي مأجورة فيه، وذلك لأن الاجتهاد جائز في عصره صلى الله عليه وسلم على الصحيح، كما في جمع الجوامع وأصل نبأ وأنبأ وخبر وأخبر وحدث أن تتعدى لاثنين إلى الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفاً، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في هذه الآية، فقوله: (فلما نبأت به) تعدى لاثنين حذف أولهما، والثاني مجرور بالباء، وقوله: (فلما نبأها به) ذكرهما، وقوله: (من أنبأك هذا)؟ ذكرهما وحذف الجار.
(وأظهره الله عليه) أي أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها على لسان جبريل (عرف بعضه) أي بعض ما أخبرت به وهو تحريم مارية أو العسل قرأ الجمهور: عرف مشدداً من التعريف، ومعناه عرف حفصة بعض الحديث، وأخبرها ببعض ما كان منها، وقرىء بالتخفيف أي عرف بعض الذي فعلته حفصة واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى لقوله: (وأعرض عن بعض) ولو كان مخففاً لقال في ضده: وأنكر بعضاً، والمعنى لم يعرفها إيّاه ولم يخبرها به تكرماً منه وحياء وحسن عشرة.
قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقيل: أعرض عن تعريف بعض ذلك كرامة أن ينتشر في الناس وقيل: الذي أعرض عنه هو حديث مارية، وقيل: هو أن أباها وأبا بكر يكونان خليفتين بعده وللمفسرين ههنا خلط وخبط وكل جماعة منهم ذهبوا إلى تفسير التعريف والإعراض بما يطابق بعض ما ورد في سبب النزول، وقد أوضحنا ذلك من قبل.
(فلما نبأها به) أي أخبرها بما أفشت من الحديث (قالت من أنبأك هذا)؟ أي من أخبرك به (قال نبأني العليم الخبير) أي أخبرني الذي لا تخفى عليه خافية
66:4Page 560
إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤
If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.
(إن تتوبا) الخطاب لعائشة وحفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما، وجواب الشرط محذوف أي أن تتوبا (إلى الله) فهو الواجب ودل على المحذوف قوله: (فقد صغت قلوبكما) أي زاغت وأثمت ومالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ووجد منكما ما يوجب التوبة، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إفشاء الحديث، وقيل: المعنى فقد مالت قلوبكما إلى التوبة، وقال: (قلوبكما) ولم يقل قلباكما لأن العرب تستكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد، ومجموع المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد من تمام العلقة والنسبة بينهما.
(وإن تظاهرا عليه) قرأ الجمهور بحذف إحدى التاءين، وقرىء على الأصل، وقرىء تظهر بتشديد الظاء والهاء بدون ألف، وهي سبعية والمراد بالتظاهر التعاضد والتعاون، والمعنى وإن تعاضدا وتعاونا بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره وقيل: كان التظاهر بين عائشة وحفصة في التحكم على النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة.
(فإن الله هو) ضمير متصل ضمير منفصل (مولاه) تعليل لجواب الشرط المحذوف تقديره فلا يعدم ناصراً ولا معيناً، فإن الله يتولى نصره بذاته (و) كذلك (جبريل) أيضاً وليه (وصالح المؤمنين) أي من صلح من عباده المؤمنين وقيل: من بريء من النفاق، وقيل: الصحابة، وقيل: واحد أريد به الجمع وقيل: أصله صالحو المؤمنين فحذفت الواو من الخط موافقة للفظ قال بريدة: أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وعن ابن مسعود مثله.
" وعن أبي أمامة مرفوعاً مثله " أخرجه الحاكم.
" وعن علي بسند ضعيف قال: هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ".
" وعن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وصالح المؤمنين علي بن أبي طالب " أخرجه ابن مردويه.
(والملائكة) على تكاثر عددهم (بعد ذلك) أي بعد نصر الله والمذكورين (ظهير) أي أعوان يظاهرونه، قال أبو علي الفارسي: قد جاء فعيل للكثرة كقوله: (ولا يسأل حميم حميماً)، قال الواحدي: وهذا من الواحد الذي يؤدي عن معنى الجمع كقوله: (وحسن أولئك رفيقاً) وقد تقرر في علم النحو أن مثل جريح وصبور وظهير يوصف به الواحد والمثنى والجمع، وإنما عدل عن عطف المفرد إلى عطف الجملة ليؤذن بالفرق فإن نصرة الله هي النصرة في الحقيقة، وأنه تعالى إنما ضم إليها المظاهرة بجبريل وبصالح المؤمنين وبالملائكة للتتميم، تطبيباً لقلوب المؤمنين، وتوقيراً للنبي الرسول وإظهاراً للآيات البينات، كما في يوم بدر وحنين. قال تعالى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9)
66:5Page 560
عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥
Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.
(عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ) بالتخفيف والتشديد سبعيتان، أي يعطيه بدلكن (أزواجاً خيراً) أي أفضل (منكن) وقد علم الله سبحانه أنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن وقع منه الطلاق أبدله خيراً منهن تخويفاً لهن، وهو كقوله: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم) فإنه إخبار عن القدرة، وتخويف لهم، والممتنع بمقتضى الآية إنما هو تطليق الكل، فلا ينافي أنه طلق واحدة، وأنها لم تبدل، لأن التبديل إنما هو للكل، وإنما هو مرتب على تطليق الكل، وفي الخطيب قيل: كل (عسى) في القرآن واجب الوقوع إلا هذه الآية، وقيل: هي من الواجب أيضاًً، ولكن الله علمه بشرط وهو التطليق للكل، ولم يطلقهن وفي الكرخي، قال ابن عرفة: عسى هنا للتخويف لا للوجوب.
ثم نعت سبحانه الأزواج بقوله: (مسلمات) أي قائمات بفرائض الإسلام إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص وقال سعيد بن جبير مسلمات أي مخلصات مقرات، وقيل: معناه مسلمات لأمر الله ورسوله (مؤمنات) أي مصدقات بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره (قانتات) مطيعات لله، والقنوت الطاعة، وقيل: مصليات بالليل، وقيل: داعيات، وقيل: طائعات.
(تائبات) يعني كثيرات التوبة من الذنوب، تاركات لها، راجعات إلى الله وإلى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم عن الهفوات والزلات (عابدات) لله متذللات له قال الحسن وسعيد بن جبير: كثيرات العبادة (سائحات) أي صائمات قاله ابن عباس، وقال زيد بن أسلم والحسن: مهاجرات، وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة، قال ابن قتيبة والفراء وغيرهما: وسمي الصيام سياحة لأن السائح لا زاد معه، وقيل: المعنى ذاهبات في طاعة الله من ساح الماء إذا ذهب، وأصل السياحة الجولان في الأرض، وقيل: يسحن معه حيث ساح وقد مضى الكلام على السياحة في سورة براءة.
(ثيبات وأبكاراً) أي بعضهن كذا وبعضهن كذا ووسط بينهما العاطف لتنافيهما دون سائر الصفات. والثيبات جمع ثيب لا ينقاس، لأنه اسم جنس مؤنث ووزنها فيعل من ثاب يثوب أي رجع، وهي المرأة التي قد تزوجت ثم ثابت عن زوجها فعادت كما كانت غير ذات زوج، وقيل: لأنها ثابت إلى بيت أبويها وهذا صح: لأنه ليس كل ثيب تعود إلى زوجها، والأبكار جمع بكر وهي العذراء سميت بذلك لأنها على أول حالها التي خلقت عليها، عن بريدة في الآية قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوجه بالثيب آسية امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران. ولا يقال: أي مدح في كونهن ثيبات لأن الثيب قد تمدح من جهة أنها أكثر تجربة وعقلاً، وأسرع حبلاً غالباً، والبكر تمدح من جهة أنها أطهر وأطيب وأكثر مداعبة وملاعبة غالباً،
66:6Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦
O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.
(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم) بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه أي اجعلوا لها وقاية بالتأسي به صلى الله عليه وسلم في ترك المعاصي، وفعل الطاعات (وأهليكم) من النساء والولدان، وكل من يدخل في هذا الاسم بأمرهم بطاعة الله، ونهيهم عن معاصيه، وبأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم نصحاً وتأديباً.
(ناراً وقودها الناس والحجارة) أي ناراً عظيمة، تتوقد بالناس الكفار والحجارة، كالأصنام منها، كما يتوقد قد غيرها بالحطب، وقيل: الكبريت لأنه أشد الأشياء حراً وأسرع إيقاداً، وقد تقدم بيان هذا في سورة البقرة، قال مقاتل بن سليمان: قوا أنفسكم وأهليكم بالأدب الصالح النار في الآخرة وقال قتادة ومجاهد. قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم، قال ابن جرير: فعلينا أن نعلم أولادنا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب، ومن هذا قوله: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)، وقوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، وعن علي بن أبي طالب في الآية قال: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم، وعن ابن عباس قال: اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار، وعنه قال: أدبوا أهليكم.
(عليها ملائكة) أي على النار خزنة من الملائكة يولون أمرها وتعذيب أهلها، وهم الزبانية (غلاظ) على أهل النار (شداد) عليهم لا يرحمونهم إذا استرحموهم، لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم من غضبه، وحبب إليهم تعذيب خلقه، وقيل: غلاظ الأقوال شداد الأفعال، وقيل: الغلاظ ضخام الأجسام والشداد الأقوياء، وقيل: المراد غلاظ القلوب شداد الأبدان، من غلظ القلب أي قسوته، لا من غلظ الجسم ولا من غلظ القول.
" عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكب أحدهم مسيرة مائة خريف، ليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب يضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحناً من لدن قرنه إلى قدمه " أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(لا يعصون الله ما أمرهم) أي لا يخالفونه في أمره وما موصولة، والعائد محذوف، أي لا يعصون الله الذي أمرهم به، أو مصدرية أي لا يعصون الله أمره على أن يكون ما أمرهم بدل اشتمال من الاسم الشريف، أو على تقدير نزع الخافض، أي لا يعصون الله في أمره (ويفعلون ما يؤمرون) به أي يؤدونه في وقته من غير تراخ، لا يؤخرونه عنه ولا يقدمونه، وليست الجملتان في معنى واحد إذ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه، وقيل: الثانية تأكيد للأولى، وبه قال المحلي لأن مفادها هو مفادها، وقيل: الأولى فيما مضى، والثانية فيما يستقبل، وصرح بهذا البيضاوي، والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد، وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم.
66:7Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧
O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.
(يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) يقال لهم هذا القول عند إدخالهم النار تأييساً لهم وقطعاً لأطماعهم، لأنه يوم الجزاء، وقد فات زمان الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار (إنما تجزون ما كنتم تعملون) من الأعمال في الدنيا، ومثل هذا قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)
66:8Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨
O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."
(يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً) قرأ الجمهور بفتح النون على الوصف للتوبة أي توبة بالغة في النصح، وقرىء بضمها أي توبة نصح لأنفسكم، ويجوز أن يكون جمع ناصح
وأن يكون مصدراً، تنصح صاحبها بترك العود إلى ما ناب عنه، وصفت بذلك على الإسناد المجازي، وهو في الأصل وصف للتائبين أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم بالعزم على الترك للذنب، وترك المعاودة له.
قال قتادة: التوبة النَّصوح الصادقة، وقيل: الخالصة، وقال الحسن: التوبة النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره، وقال الكلبي: التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع بالبدن، والاطمئنان على أن لا يعود وقال سعيد بن جبير: هي التوبة المقبولة، وعن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب سئل عن التوبة النصوح قال: أن يتوب الرجل من العمل السيء، ثم لا يعود إليه أبداً، وروي عن معاذ مرفوعاً هي أن لا يحتاج بعدها إلى توبة أخرى.
" وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم لا يعود إليه أبداً [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد وابن مردويه والبيهقي، وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف، والصحيح الموقوف كما أخرجه موقوفاً عليه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي وابن المنذر.
" وعن ابن مسعود قال: التوبة النصوح تكفر كل سيئة، وهو في القرآن، ثم قرأ هذه الآية " [[رواه الحاكم.]] أخرجه الحاكم وصححه.
وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال، وفي كل الأزمان، واختلف في معناها، وذكروا في تفسيرها ثلاثة وعشرين قولاً متقاربة المعنى لا يسعها هذا الموضع، وملاك الأمر فيها أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع، ولو حز بالسيف وأحرق بالنار، وهي واجبة من كل معصية كبيرة أو صغيرة على الفور، ولا يجوز تأخيرها، وتجب من جميع الذنوب، وإن تاب، من بعضها صحت توبته عما تاب منه، وبقي الذي لم يتب منه هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
وقد أخرج مسلم: " عن الأغر بن يسار المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة [[رواه مسلم.]].
" وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " [[رواه البخاري.]] أخرجه البخاري، وأخرجا:
" عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض الفلاة "، الحديث.
" وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها " رواه مسلم.
" وعن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " أخرجه الترمذي وحسنه.
(عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم) بسبب تلك التوبة (جنات تجري من تحتها الأنهار) معطوف على يكفر منصوب بناصبه، وبالنصب قرأ الجمهور، وقرىء بالجزم عطفاً على محل عيسى، كأنه قال توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم، وعسى وإن كان أصلها للإطماع فهي من الله واجبة تفضلاً وتكرماً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وليس واجباً عقلياً (يوم) أي يدخلكم يوم (لا يخزي الله النبي) أو منصوب باذكر (والذين آمنوا معه) أي صاحبوه في وصف الإيمان معطوف على النبي، وقيل: الموصول مبتدأ وخبره قوله: (نورهم يسعى بين أيديهم) يسعى (بأيمانهم) والأول أولى، وفيه تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والجملة حالية أو مستأنفة لبيان حالهم.
وقد تقدم في سورة الحديد أن النور يكون معهم حال مشيهم على الصراط والمراد بأيمانهم جهاتهم كلها والتقييد بالأمام والإيمان لا ينفي أن لهم نوراً على شمائلهم، بل لهم نور لكن لا يلتفتون إليه، لأنهم إما من السابقين فيمشون فيما هو أمامهم، وإما من أهل اليمين فيمشون فيما هو عن أيمانهم، عن ابن عباس في الآية قال: ليس أحد من الموحدين لا يعطي نوراً يوم القيامة، فأما المنافق فيطفىء نوره، وما من مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، قال ابن مسعود: يمرون على صراط على قدر أعمالهم، يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه ذكره السيوطي في البدور السافرة.
(يقولون) خبر ثان أو حال: (ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير) هذا دعاء المؤمنين حين إطفاء الله نور المنافقين كما تقدم بيانه وتفصيله.
66:9Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩
O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
(يا أيها النبي جاهد الكفار) بالسيف والرمح (والمنافقين) بالحجة والوعظ البليغ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة براءة (واغلظ عليهم) بالانتهار والزجر، والمقت والبغض، أي شدد عليهم في الدعوة والخطاب والقتال والمحاجة باللسان، واستعمل الخشونة في أمرهم بالشرائع، ولا تعاملهم باللين، وقال الحسن: أي جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود (ومأواهم جهنم) أي مصير الكفار والمنافقين إليها (وبئس الصير) أي المرجع الذي يرجعون إليه.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences