Al-QinnawjiAn‑Naba · 78:32–40

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

An-Naba 78:32–40

78:32Page 583

حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا ٣٢

Gardens and grapevines

(حدائق وأعناباً) وانتصابهما على أنهما بدل اشتمال من (مفازاً) أو بدل كل من كل على طرق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازاً، ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني وإذا كان مفازاً بمعنى الفوز فيقدر مضاف أي فوز حدائق، وهي جمع حديقة وهي البستان المحوط عليه فيه أنواع الشجر المثمر، والأعناب جمع عنب أي كروم أعناب، والتكرير يدل على تعظيم ذلك العنب.

قال المحلي (وأعناباً) عطف على مفاز أي ذكرت بعد الحدائق تنويهاً لعظم شأنها وإلا فهي من جملة الحدائق، قال القاري وهذا بعيد جداً والظاهر عطفه على حدائق وكذا كواعب وكأساً انتهى.

78:33Page 583

وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا ٣٣

And young women [companions] of equal age.

(وكواعب أتراباً) الكواعب جمع كاعبة وهي الناهدة قال ابن عباس أي نواهد، يقال كعبت الجارية تكعب تكعيباً وكعوباً، ونهدت تنهد نهوداً، والمراد أن لهم نساء كواعب تكعبت ثديهن وتفلكت حتى صارت كالكعب في صدورهن، أي استدارت مع ارتفاع يسير، قال الضحاك الكواعب العذارى، والأتراب الأقران في السن، وقد تقدم تحقيقه في سورة البقرة، وقال ابن عباس أي لدات مستويات.

78:34Page 583

وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا ٣٤

And a full cup.1

(وكأساً دهاقاً) قال الحسن وقتادة وابن زيد: أي مترعة مملوءة، يقال أدهقت الكأس أي ملأتها، وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد (دهاقاً) متتابعة يتبع بعضها بعضاً، وقال زيد بن أسلم: دهاقاً صافية، قال ابن عباس: دهاقاً ممتلئاً، وعنه قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول يا غلام إسقنا وأدهق لنا. وعنه قال (دهاقاً) دراكاً، وعنه قال إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم تكن فيها خمر فليس بكأس.

78:35Page 583

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥

No ill speech will they hear therein or any falsehood -

(لا يسمعون) حال من المتقين (فيها) أي في الجنة عند شرب الخمر وغيره من الأحوال (لغواً) وهو الباطل منِ الكلام (ولا كذاباً) أي لا يكذب بعضهم بعضاً قرأ الجمهور كذاباً مشدداً وقرأ الكسائي هنا مخففاً، ووافق الجماعة على التشديد في الآية المتقدمة للتصريح بفعله المشدد هناك، وقد قدمنا الخلاف في كذاباً هل هو من مصادر التفعيل أو من مصادر المفاعلة.

78:36Page 583

جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦

[As] reward from your Lord, [a generous] gift [made due by] account,1

(جزاء من ربك) أي جازاهم بما تقدم ذكره جزاء، قال الزجاج: المعنى جزاهم جزاء أي بمقتضى وعده وكذا (عطاء) أي وأعطاهم عطاء تفضلاً منه، إذ لا يجب عليه شيء، وقيل عطاء بدل من جزاء أي بدل كل من كل، وفي إبداله منه نكتة لطيفة، وهي الدلالة على أن بيان كونه عطاء وتفضلاً منه هو المقصود وبيان كونه جزاء وسيلة له.

(حساباً) قال أبو عبيدة كافياً فهو مصدر أقيم مقام الوصف أو باق على مصدريته مبالغة أو هو على حذف مضاف، وقال ابن قتيبة كثيراً، يقال أحسبت فلاناً أي أكثرت له العطاء. قال الزجاج حساباً أي ما يكفيهم قال الأخفش يقال أحسبني كذا أي كفاني.

قال الكلبي حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشراً وقال مجاهد حساباً لما عملوه، فالحساب بمعنى القدر أي بقدر ما وجب له. في وعد الرب سبحانه فإنه وعد للحسنة عشراً، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار كقوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).

وقرأ أبو هاشم حساباً بفتح الحاء وتشديد السين أي كفافاً قال الأصمعي تقول العرب حسبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، وفي القاموس حسبك درهم كفاك، وشيء حساب كاف ومنه (عطاء حساباً) وأحسبه كفاه وقرأ ابن عباس حساناً بالنون.

78:37Page 583

رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا ٣٧

[From] the Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Most Merciful. They possess not from Him [authority for] speech.1

(رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن) قرىء بخفض رب والرحمن على أن رب بدل من ربك والرحمن صفة له، وقرىء برفعهما على أن رب مبتدأ والرحمن خبره أو الرحمن صفته ولا يملكون خبره أو على أن رب خبر مبتدأ مقدر أي هو رب، والرحمن صفته، أو على أن رب مبتدأ والرحمن مبتدأ ثان ولا يملكون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.

وقرأ ابن عباس وحمزة والكسائي بخفض الأول ورفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وقال هذه أعدلها فخفض رب لقربه من ربك فيكون نعتاً له، ورفع الرحمن لبعده منه على الاستئناف، وخبره قوله:

(لا يملكون) أي الخلق (منه) تعالى أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه (خطاباً) بالشفاعة إلا بإذنه، وقيل الخطاب الكلام أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه خوفاً إلا بإذنه، دليله (لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقيل أراد الكفار وأما المؤمنون فيشفعون، والجملة مستأنفة مقررة لما تفيده الربوبية العامة من العظمة والكبرياء.

78:38Page 583

يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا ٣٨

The Day that the Spirit [i.e., Gabriel] and the angels will stand in rows, they will not speak except for one whom the Most Merciful permits, and he will say what is correct.

(يوم يقوم الروح والملائكة) الظرف منتصب بلا يملكون أو بلا يتكلمون وقوله (صفاً) منتصب على الحال أي مصطفين أو على المصدرية أي يصفون صفاً، والجملة حالية أو مستأنفة لتقرير ما قبله.

واختلف في الروح على أقوال ثمانية فقيل أنه ملك من الملائكة أعظم من السموات السبع ومن الأرضين السبع ومن الجبال، وقيل هو جبريل، قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة قاله أبو صالح ومجاهد، وعن ابن عباس مثله مرفوعاً وزاد لهم رؤوس وأيد وأرجل ثم قرأ هذه الآية، وقال هؤلاء جند وهؤلاء جند، أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، وقيل هم أشراف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان، وقيل هم حفظة على الملائكة قاله ابن أبي نجيح.

وقيل هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة، وقيل هم أرواح بني آدم تقوم صفاً وتقوم الملائكة صفاً وذلك بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجسام، قاله عطية العوفي، وقيل إنه القرآن قاله زيد بن أسلم، وقال ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً.

وعن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً واحداً [[ذكره السيوطي في " الدر " 6/ 309 من رواية ابن أبي حاتم وأبي الشيخ في " العظمة " وابن مردويه عن ابن عباس، والله أعلم بصحة سنده. وقد ذكر ابن كثير هذا المعنى عن ابن عباس موقوفاً عليه، وذكره ابن كثير والشوكاني عن مجاهد وأبي صالح، ولعله مما تلقاه ابن عباس من الإسرائيليات. والله أعلم.]]، أخرجه ابن جرير، وعن ابن عباس قال: (إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله يقول سبحانك لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب، أما سمعت قول الله:

(يوم يقوم الروح والملائكة صفاً) [[روى هذا المعنى ابن جرير الطبري في " تفسيره " 30/ 22 عن ابن مسعود قال ابن كثير: وهذا قول غريب جداً.]] أخرجه أبو الشيخ، وعنه قال

يقول حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الروح إلى الأجساد، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات.

(لا يتكلمون) أي الخلائق ثم خوفاً وإجلالاً لعظمة الله جل جلاله من هول ذلك اليوم ولا يشفعون لأحد (إلا من أذن له الرحمن) بالشفاعة أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن.

(و) كان ذلك الشخص ممن (قال صواباً) قال الضحاك ومجاهد: صواباً يعني حقاً وقال أبو صالح: لا إله إلا الله، وبه قال ابن عباس، وأصل الصواب السداد من القول والفعل، قيل لا يتكلمون يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفاً هيبة وإجلالاً إلا من أذن له الرحمن منهم في الشفاعة، وهم قد قالوا صواباً، قال الحسن: إن الروح يقول يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلا بالروح، ولا النار إلا بالعمل.

قال الواحدي: فهم لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمن وهم المؤمنون والملائكة، وقال في الدنيا صواباً أي شهد بالتوحيد.

قال البيضاوي: قوله لا يتكلمون الخ تقرير وتأكيد لقوله: (لا يملكون) فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذ لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم.

والإشارة بقوله:

78:39Page 583

ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩

That is the True [i.e., certain] Day; so he who wills may take to his Lord a [way of] return.1

(ذلك) إلى يوم قيامهم على تلك الصفة وهو مبتدأ وخبره (اليوم الحق) أي الكائن الواقع المتحقق الثابت وقوعه (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) أي مرجعاً يرجع إليه بالعمل الصالح لأنه إذا عمل خيراً قربه إلى الله، وإذا عمل شراً باعده منه، قال قتادة مآباً سبيلاً.

قال أبو السعود: الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف، وقوله: (إلى ربه) أي إلى ثوابه، وهو متعلق بمآباً كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعاً إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالإيمان والطاعة، وتعلق الجار به لما فيه من معنى الإفضاء والإيصال انتهى.

ثم زاد سبحانه في تخويف الكفار فقال:

78:40Page 583

إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا ٤٠

Indeed, We have warned you of an impending punishment on the Day when a man will observe what his hands have put forth1 and the disbeliever will say, "Oh, I wish that I were dust!"

(إنا أنذرناكم) يا كفار مكة (عذاباً قريباً) يعني العذاب في الآخرة وكل ما هو آت فهو قريب، ومثله قوله: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) كذا قال الكلبي وغيره، وقال قتادة هو عذاب الدنيا لأنه أقرب العذابين، قال مقاتل هو قتل قريش ببدر، والأول أولى لقوله:

(يوم ينظر المرء) أي كل امرىء مسلماً كان أو كافراً (ما قدمت يداه) أي يشاهد كل ما قدمه من خير أو شر لقوله: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) وتخصيص الأيدي لأن أكثر الأعمال يقع بها، وإن احتمل أن لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام، و " ما " موصولة أو استفهامية قال الحسن والمرء هنا هو المؤمن أي يجد لنفسه عملاً، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملاً فيتمنى أن يكون تراباً، وقيل المراد به الكافر على العموم، وقيل أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط، والأول أولى لقوله:

(ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً) فإن الكافر واقع في مقابلة المرء. والمراد جنس الكافر يتمنى أن يكون تراباً لما يشاهده مما قد أعده الله له من أنواع العذاب. والمعنى أنه يتمنى أنه كان تراباً في الدنيا فلم يخلق ولم يكلف، أو تراباً يوم القيامة فلم يبعث، وقيل المراد بالكافر أبو جهل، وقيل أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل إبليس، والأول أولى اعتباراً بعموم اللفظ ولا ينافيه خصوص السبب كما تقدم غير مرة، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة الذم.

عن أبي هريرة: " قال يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عذاب الله أن يؤخذ للجمَّاء من القرناء ثم يقول كوني تراباً فذلك حين يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً " أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور.

وأما الجن فقال أبو الزناد يعودون تراباً أيضاًً. وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهما مؤمنو الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، والذي عليه الأكثرون أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون، فالمؤمن يدخل الجنة، والكافر يدخل النار كبني آدم، ذكره الخطيب والله أعلم بالصواب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском