Al-QinnawjiAt‑Tawbah · 9:25–29

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:25–29

9:25Page 190

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.

(لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) تذكير للمؤمنين بنعمه عليهم والمواطن جمع موطن، وفي المصباح الوطن مكان الإنسان ومقره، والجمع أوطان مثل سبب وأسباب، والموطن مثل الوطن والجمع مواطن كمسجد ومساجد، والموطن أيضاً المشهد من مشاهد الحرب، والمواطن التي نصر الله المسلمين فيها هي يوم بدر وقريظة والنضير وكانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه " قاتل في ثمان منهن " ويقال أن جميع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون وقيل ثمانون.

(و) نصركم أيضاً (يوم حنين) وهو واد بين مكة والطائف بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلاً كما في الخازن وانصرف على أنه اسم مكان، ومن العرب من يمنعه على أنه اسم للبقعة.

قال قتادة: قاتل بها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو، وذلك في شوال سنة ثمان عقيب رمضان الذي وقع فيه الفتح، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير.

(إذ أعجبتكم كثرتكم) وإنما أعجب من أعجب من المسلمين بكثرتهم لأنهم كانوا أحد عشر ألفاً، وقيل اثني عشر ألفاً، وقيل ستة عشر ألفاً، والكفار أربعة آلاف، قاله السيوطي، والذي في شرح المواهب أنهم كانوا أكثر من عشرين ألفاً، وقتل من المسلمين أربعة ومن المشركين أكثر من سبعين انتهى.

وبالجملة قال بعضهم لن نُغلب اليوم من قلة فوكلوا إلى هذه الكلمة (فلم تغن) أي لم تدفع الكثرة (عنكم شيئاً) بل انهزمتم وثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثبت معه طائفة يسيرة منهم عمه العباس، وكان آخذاً بلجام البغلة، وأبو سفيان آخذ بركابه وهو ابن عمه إذ هو ابن الحرث ابن عبد المطلب وقد أسلم هو والعباس يوم الفتح، ثم تراجع المسلمون فكان النصر والظفر.

وفي سيرة الشامي أن الذين ثبتوا معه في حنين مائة وثلاثة وثلاثون من المهاجرين، وسبعة وستون من الأنصار، والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم يعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم.

(وضاقت عليكم الأرض بما رحبت) الرحب بضم الراء السعة، والرحب بفتحها المكان الواسع والباء بمعنى مع، وما مصدرية والمعنى أن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت عليهم بسبب ما حل بهم من الخوف والوجل، وقيل إن الباء بمعنى على أي على رحبها.

(ثم وليتم) أي انهزمتم حال كونكم (مدبرين) أي مولين أدباركم جاعلين لها إلى جهة عدوكم.

أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: لا اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا: الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب: إليّ فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية فناداهم: يا أنصار الله وأنصار رسوله إليَّ عباد الله أنا رسول الله، فجثوا يبكون وقالوا: يا رسول الله ورب الكعبة إليك والله فنكسوا، رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليهم.

وقيل ناداهم العباس بإذنه، وكان صيتاً يسمع صوته من نحو ثمانية أميال، فقاتلوا، ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها فلا نطول بذلك.

9:26Page 190

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦

Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

(ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) أي أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت لم يفر، والمراد بالمؤمنين هم الذين لم ينهزموا وقيل الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا.

(وأنزل جنوداً لم تروها) هم الملائكة، واختلف في عددهم على أقوال، قيل كانوا خمسة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، وقيل ستة عشر ألفاً، وقيل غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضاً هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا، وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين وإدخال الرعب في قلوب المشركين وإن كانوا لا يرونهم، وقيل أن الكفار كانت تراهم.

عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد [[بجاد بالكسر كليم مخطط. إهـ صراح.]] الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة للقوم.

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً، ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل عليهم السكينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدماً فقال: ناولني كفاً من تراب فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً وولى المشركون أدبارهم [[المستدرك كتاب الجهاد 2/ 117.]].

(وعذب الذين كفروا) بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، وقال السدي: قتلهم بالسيف، قيل أسر ستة آلاف من نسائهم وصبيانهم، ولم تقع غنيمة أعظم من غنيمتهم فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر ألفاً ومن الغنم ما لا يحمى عداً ومن الأسرى ما سمعته وكان فيها غير ذلك.

(وذلك) التعذيب المفهوم من عذب (جزاء الكافرين) سمي ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف، بل لا بد من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم وتعظيماً له.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

9:27Page 191

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧

Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.

(ثم يتوب الله من بعد ذلك) التعذيب (على من يشاء) ممن هداه منهم إلى الإسلام (والله غفور) يغفر لمن أذنب فتاب (رحيم) بعباده متفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه.

9:28Page 191

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.

(يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) أي ذوو نجاسة لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، والنجس مصدر لا يثنى ولا يجمع، يقال رجل نجس، وامرأة نجس، ورجلان نجس، وامرأتان نجدس، ورجال نجس، ونساء نجس، ويقال نجس ونجس بكسر الجيم وضمها، ويقال نجس بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف من المحرك، قيل لا يستعمل إلا إذا قيل معه رجس، وقيل ذلك أكثري لا كلي.

والمشركون مبتدأ وخبره المصدر، وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة والقذر لخبث باطنهم مبالغة في وصفهم بها. قال ابن عباس؛ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وقال قتادة ومعمر وغيرهما: إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، قيل أراد بالمشركين عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار، وقيل بل جميع أصنافهم من اليهود والنصارى وغيرهم.

وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية وروي عن الحسن البصري وهو محكي عن ابن عباس، وقال الحسن ابن صالح: من مس مشركاً فليتوضأ، ويروى هذا عن الزيدية، وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات لأن الله سبحانه أحل طعامهم، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم، فأكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها وأنزلهم في مسجده وهو الحق، وعن جابر بن عبد الله في هذه الآية قال: إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة.

(فلا يقربوا المسجد الحرام) الفاء للتفريع فعدم قربانهم للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم، وإنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن يقربوا راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، قاله أبو السعود فهو من باب قولهم لا أرينك هاهنا، والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، روي ذلك عن عطاء فيمنعون عنده من جميع الحرم، ويؤيد هذا قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام) أراد به الحرم لأنه أسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيت أم هانئ.

وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه فلا يمنع المشرك من دخول سائر الحرم، وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد، فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد، وقال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد.

قال ابن العربي وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة، ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود يربطه صلى الله عليه وسلم لثمامة بن أثال في مسجده وإنزال وفد ثقيف فيه.

وروي عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد من غير حاجة، وقيده الشافعي بالحاجة، وقال قتادة أنه يجوز ذلك للذمي دون المشرك.

والحاصل أن بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أنواع (أحدها) الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال، ذمياً كان أو مستأمناً لظاهر هذه الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك: وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم، بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم.

والثاني الحجاز وحَّده ما بين يمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة، قيل نصفها تهامي ونصفها حجازي، وقيل كلها حجازي، وقال ابن الكلبى: حد الحجاز ما بين جبل طي وطريق العراق.

قال الحربي: وتبوك من الحجاز فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالإذن ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام لأحاديث صحيحة في هذا الباب. منها ما روي عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً "، وأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن قدم منهم تاجراً ثلاثة، وجزيرة العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.

والثالث سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد أو أمان وذمة لكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة.

(بعد عامهم هذا) فيه قولان (أحدهما) أنه سنة تسع وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم وهو عام نزول السورة (الثاني) أنه سنة عشر، قاله قتادة. قال ابن العربي: وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ.

وإن من العجب أن يقال أنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان، ولو دخل غلام رجل داره يوماً فقال له مولاه: لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه اهـ.

ويجاب عنه بأن الذي يعطيه مقتضى اللفظ هو خلاف ما زعمه، فإن الإشارة بقوله: بعد عامهم هذا إلى العام المذكور قبل اسم الإشارة وهو عام النداء، وهكذا في المثال الذي ذكره، المراد النهي عن دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب، والأمر طاهر لا يخفى، ولعله أراد تفسير (بعد) المضاف إلى عامهم ولا شك أنه عام عشر.

وأما تفسير العام المشار إليه بهذا فلا شك ولا ريب أنه عام تسع، وعلى هذا يحمل قول قتادة، وقذ استدل من قال بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد بهذا القيد، أعني قوله: (بعد عامهم هذا) قائلاً: إن النهي مختص بوقت الحج والعمرة، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط، لا عن مطلق الدخول، ويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام يفيد المنع من القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده، وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج إلى نحصص.

(وإن خفتم عيلة) بالفتح الفقر، يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر، وقرأ علقمة وغيره عائلة، وهو مصدر كالقائلة، والعافية والعاقبة، وقيل معناه خصلة شاقة، يقال عالني الأمر يعولني أي شق عليّ واشتد. وحكى ابن جرير الطبري أنه يقال عال يعول إذا افتقر، وعيال الرجل من يعولهم، وواحد العيال عيل كجيد والجمع عيائل كجيائد، وأعال الرجل كثرت عياله فهو معيل، والمرأة معيلة قال الأخفش: أي صار ذا عيال.

وكأن المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون إليه الأطعمة والتجارات قذف في قلوبهم الشيطان الخوف من الفقر بانقطاع تجارتهم عنهم وقالوا من أين نعيش، فوعدهم الله أن يغنيهم وقال: (فسوف يغنيكم الله من فضله) قال الضحاك: ففتح الله عليهم باب الحرب من أهل الذمة بقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) الآية.

وقال عكرمة: أغناهم بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض وأسلمت العرب فحملوا إلى مكة ما أغناهم الله به، وقيل أغناهم بالفيء، قال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون، وقال الضحاك وقتادة عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها.

(إن شاء) فائدة التقييد بالمشيئة التعليم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع ويعلموا أن الغنى الموعود به يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام (إن الله عليم) بأحوالكم (حكيم) في إعطائه ومنعه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ

9:29Page 191

قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩

Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.

(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف الآتية، ولما فرغ من الكلام على مشركي العرب بقوله: (براءة من الله) إلى هنا أخذ يتكلم على أهل الكتابين وهو نص في أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله تعالى فاليهود كفروا لأنهم ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه بصفات كماله، وفرقوا بين الإيمان بالله ورسوله، وغلوا في عزير فقالوا هو ابن الله، والنصارى كفروا لأنهم غلوا في المسيح وقالوا هو ثالث ثلاثة.

قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر محمد وأصحابه بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين.

(و) نص الله تعالى في الآية بأنهم (لا) يؤمنون (باليوم الآخر) فإن قلت إنهم قد قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وإثبات الجنة والنار فرع إثبات اليوم الآخر.

قلت: لما كان إثباتهم إياه بغير صفاته ودعوى كاذبة بأنهم أهل الجنة لا غير وأنهم يعذبون أياماً معينة، كان إثباته بهذه الصفة نفياً له فإنه إيمان باطل، وإلا لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل أنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجسام ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون، ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن.

(ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) مما ثبت في كتبهم بأن الله حرم الشحوم فأذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها وحرم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها، قال سعيد ابن جبير في الآية: يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله وما حرم الله من الخمر والخنزير، وقيل معناه لا يحرمون ما حرم الله في القرآن ولا ما حرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة، والأول أولى وقيل لا يعلمون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم وقلدوا أحبارهم ورهبانهم واتخذوهم أرباباً من دون الله.

(ولا يدينون دين الحق) أي دين الإسلام الثابت الناسخ لسائر الأديان وقيل دين أهل الحق وهم المسلمون، وقيل دين الله، والمعنى واحد وفيه أن دينهم بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - قد صار ديناً باطلاً.

ثم أنه تعالى لما وصل إليهم بهذه الصلات الأربع بينهم بقوله: (من الذين أوتوا الكتاب) فكلمة من بيانية كما في قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) وإنما أبهم أولاً ثم بين ثانياً زيادة في تمكن العلم في قلب السامع فيعلم المأمور به علمين، علماً إجمالياً ثم علماً تفصيلياً فيكون زيادة في تمكن الخبر عنده، ولما في ذلك من تشويق النفس إلى البيان بعد الإبهام.

فهذا بيان لاسم المبهم الموصول مع ما في حيزه وهم اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل بالاتفاق، ويدل له قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل) فإذا أتى لفظ أهل الكتاب فالمراد به الفريقان وإذا قيل بنو إسرائيل فالمراد بهم اليهود وإذا قيل النصارى فهم الذين أنزل إليهم الإنجيل، والمجوس ليسوا من أهل الكتاب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أخرجه البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف.

ويدل له أيض قوله تعالى: (أن يقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) وهذا صريح في أنهم ليسوا منهم.

قال أبو الوفاء بن عقيل في الآية: أن قوله قاتلوا أمر بالعقوبة ثم قال (لا يؤمنون بالله) فبين الذنب الذي يوجب العقوبة ثم قال: (واليوم الأخر) فأكد الذنب الذي في جانب الاعتقاد ثم قال: (ولا يحرمون) وفيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال ثم قال: (ولا يدينون) وفيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام ثم قال: (من الذين أوتوا الكتاب) تأكيداً للحجة عليهم لأنهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ثم قال: (حتى يعطوا الجزية) فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة أهـ.

والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافى عما أسدي إليه وكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن، وقيل سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، وهي في الشرع ما يعطيه المعاهد على عهده وهو الخراج المضروب على رقابهم كل عام إذلالاً وصغاراً.

قال أحمد بن تيمية رحمه الله: والأول أصح وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة فهي غاية للقتال، والمراد بإعطائها التزامها بالعقد وإن لم يجيء وقت دفعها (عن يد) في موضع النصب على الحال أي يعطوها أذلاء مقهورين عن يد متوانية غير ممتنعة، هذا إن أريد به المعطي، وإن أريد به الآخذ فالمراد عن يد قاهرة مستولية وقيل معناه يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحداً، وقيل المعنى نقداً غير نسيئة، وقيل عن إنعام منكم عليهم لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم، قاله في الكشاف، وقيل معناه مذمومون.

وفي زاده " اليد " قد تجعل كناية عن الانقياد أعطى فلان بيده إذا أسلم وانقاد لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد كأنه قيل قاتلهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد، دون أن يكرهوا عليه فإذا احتيج في أخذها منهم إلى الإكراه لا يبقى عقد الذمة أهـ.

وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو ثور إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، وقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائناً من كان ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس، قال ابن المنذر لا أعلم خلافاً في أن الجزية تؤخذ منهم.

قال علي بن أبي طالب: أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه. الحديث ولكن ضعفه جماعة من الحفاظ كما قاله ابن القيم، ويدل له ما في البخاري أن عمر توقف في أخذ الجزية من المجوس. حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوس هجر.

وفي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان هو - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل البحرين وأمرّ عليهم العلاء بن الحضرمي.

وذكر أبو عبيدة في كتاب الأموال عن الزهري قال: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوساً، فالجزية تؤخذ من هذه الطوائف الثلاث اتفاقاً، فاليهود والنصارى تؤخذ منهم بنص القرآن، والمجوس تأخذ منهم بنص السنة لقوله صلى الله عليه وسلم: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أخرجه البخاري.

ثم اختلف أهل العلم في مقدار الجزية فقال عطاء: لا مقدار لها، وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه، وبه قال يحى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال: أقلها دينار وأكثرها لا حد له، وقال الشافعي: دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، وبه قال أبو ثور، وقال الشافعي: وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم.

وقال مالك: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الورق الغني والفقير سواء ولو كان مجوسياً لا تزيد ولا تنقص، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: اثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية وأربعون ولا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة، وهو اتفاق.

وفي كتابه صلى الله عليه وسلم لمعاذ إلى أهل اليمن أنه يأخذ من كل حالم ديناراً فخص الحالم دون المرأة والصبي، وقد روي في ذلك حالمة، قال الأئمة من المحدثين: أن هذه الزيادة غير محفوظة، ولأن عمر بن الخطاب لما فتح الأمصار لم يأخذ الجزية إلا من الرجال دون النساء وأقره الصحابة واستمروا علية.

وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله: تلزم الجزية الأنثى لقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية) ولا شك أن الدين لازم النساء كلزومه للرجال، ولم يأت نص بالفرق بينهما في الجزية، ثم ساق حديث معاذ بلفظ حالم وحالمة، وأسنده إلى ابن جريج وساق حديثاً مرسلاً مثله، ولا يخفى ضعف ما ذهب إليه.

وأما العبد فإن كان سيده مسلماً فلا جزية عليه بالاتفاق، ومن اليهود السامرية وأنهم فرق كثيرة وقد فتح الصحابة الأمصار وأقروهم على تسليم الجزية وكذلك الأئمة والخلفاء بعدهم.

وأما الصابئة فقال ابن القيم: إنهم أمة كثيرة وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة، ثم ذكر أنها تؤخذ منهم الجزية فإنهم أحسن حالاً من المجوس، فأخذها من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بالطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم ديناً ومذهباً، ثم ساق مذاهبهم.

وأما بنو تغلب وهم فرقة انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فهم من النصارى كانت لها شوكة وقوة، وجاء الإسلام وهم كذلك وأنفوا من الجزية فضوعفت عليهم الصدقة عوضاً عن الجزية، فهذه الطوائف التي تؤخذ منها الجزية أو ما صولحوا عليه.

ويهود خيبر وغيرهم داخلون في عموم الآية، ولم يأت لهم مخصص، وإنما لم يأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يهود المدينة ولا من يهود خيبر لأنه أجلى يهود المدينة، وقاتل من قاتل منهم قبل نزولها، وأما أهل خيبر فإنه صالحهم قبل نزول فريضة الجزية ولم ينزل فرضها إلا في التاسعة من الهجرة.

واختلف الناس في أخذ الجزية ممن عدا من ذكرناه بعد الاتفاق على أخذها من أهل الكتابين والمجوس، فقالت الحنفية: تؤخذ أيضاً من عبدة الأوثان من العجم، ولا تؤخذ من عبدة الأوثان من العرب، واستدلوا بالحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس مرفوعاً قال: " أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي الجزية بها إليهم العجم " [[الإمام أحمد 1/ 227.]] وذهب مالك وأبو يوسف إلى أنها تقبل الجزية من العربي الوثني مستدلين بحديث بريدة الذي أخرجه مسلم، وهو حديث طويل شريف فيه وصايا لأمراء السرايا، وفيه " إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال وفيه: فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم " فدل على أن الجزية تؤخذ من كل كافر [[مسلم 1731.]].

هذا ظاهر الحديث ولم يستثن منهم كافراً دون كافر، ولا يقال هذا خاص بأهل الكتاب فإن اللفظ يأبى اختصاصه بهم، وأيضاً سرايا رسول الله لمجيمّ وجيوشه أكثر ما كانت تقاتل عبدة الأوثان من العرب، فيؤخذ من عموم الكفار بالسنة، ومن أهل الكتاب بالقرآن، وقد أخذها صلى الله عليه وسلم من المجوس عباد النار. ولا فرق بينهم وبين عباد الأوثان.

فإن قيل إنه لم يأخذها من أحد من عباد الأوثان مع كثرة قتاله لهم، قلنا آية الجزية إنما نزلت عام تبوك في التاسعة بعد إسلام من كان في جزيرة العرب، ولم يبق بها أحد من عبَّاد الأوثان.

قال الحافظ بن القيم: والمسألة مبنية على حرف واحد، وهو أن الجزية هل وضعت عاصمة للدم أو مظهرة لصغار الكفر وإذلال أهله، والثاني راجح، وقد جاز استرقاق العربي الوثني، فإنه صح ذلك بلا مرية، ويبقى على كفره، والمقصود أنه لا فرق بين الكفار في أخذ الجزية والاسترقاق، وأطال في هذا واختاره.

وأما تقدير الجزية كما تقدم فيرد على الجميع أنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً يقبض ديناراً من كل حالم، وجعله صنفاً واحداً لا ثلاثة أصناف، وأول من جعلهم ثلاثة عمر بن الخطاب.

وقد اختلف الجواب عن حديث. معاذ.

ثم اعلم أنه لا يتعين في الجزية ذهب ولا فضة بل يجوز أخذها مما تيسر من أموالهم من ثياب وسلاح يعملونه وحديد ونحاس ومواش وحبوب وغير ذلك وهذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أخرج أحمد بسند جيد عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً [[الإمام أحمد 5/ 247.]]، ورواه أهل السنن وقال الترمذي حسن. وكذلك أهل نجران لم يأخذ في جزيتهم ذهباً ولا فضة، انما أخذ الحلل والسلاح.

وإذا عرف هذا فقد تبين أن الجزية غير مقدرة بالشرع تقديراً لا يقبل الزيادة والنقصان، ولا معينة في جنس من الأجناس.

وأما وقت قبض الجزية فإنها تجب في آخر الحول ولا يطالبون بها قبل ذلك وبه قال أحمد والشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب بأول الحول ويؤخذ منه كل شهر بقسطه، وقال غيرهم وهم الأكثرون: أنه صلى الله عليه وسلم لما ضرب الجزية على أهل الكتاب والمجوس لم يطالبهم بها حين ضربها، ولا ألزمهم بأدائها في الحال وقت نزول الآية بل صالحهم عليها، وكان يبعث رسله وسعاته فيأتون بالجزية والصدقة عند محلها، واستمرت على ذلك سيرة خلفائه من بعده.

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: وهذا مقتضى قواعد الشريعة وأصولها، فإن الأموال التي تتكرر بتكرر الأعوام إنما تجب في آخر العام لا في أوله.

وأما قوله: (حتى يعطوا الجزية) فليس المراد به العطاء الأول بل العطاء المستمر المتكرر. وهذه كانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم.

وقال أصحاب الشافعي: تجب بأول السنة دفعة واحدة، ولكن يستقر جزء بعد جزء، وقال بعضهم: إنما يدخل وقت وجوبها عند انقضاء السنة، وتسقط الجزية بالإسلام ولو اجتمعت عليه جزية سنين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " ليس على مسلم جزية " [[الترمذي، كتاب الزكاة، باب 11.]].

(وهم صاغرون) أي يعطي الذمي الجزية حال كونه صاغراً والصغار الذل واختلف العلماء في المراد من الصغار فقال عكرمة أن يدفعها وهو قائم، والآخذ جالس، وقيل أن يأتي بها بنفسه ماشياً لا راكباً، ويطال وقوفه عند إتيانه بها ويجر إلى الموضع الذي فيه الآخذ ثم تجر يده ويمتهن.

وفي الكشاف أنه يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلابيبه ويقال له أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج في قفاه انتهى. وقال ابن عباس: يمشون بها متلتلين، وعنه قال: يلكزون، وقال الكلبى: إذا أعطى يصفع قفاه، وقيل هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه، ويقال له: أد حق الله يا عدو الله وقال سلمان: معنى صاغرين غير محمودين وقيل غير ذلك مما لم يدل عليه دليل.

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، قال: والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله تعالى عليهم وإعطاء الجزية، فإن ذلك هو الصغار، وبه قال الشافعي.

قلت: ومن الصغار ما أخذه عمر رضي الله عنه في العهد العمري وهو ما أخرجه عبد الله بن أحمد عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه.

أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلابة ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونه، ولا يؤووا جاسوساً ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركاً ولا يمنعوا ذوي قراباتهم الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجاً ولا يتقلدوا سيفاً ولا يبيعوا الخمور، وإن يخروا مقادم راويتهم وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا على أوساطهم ولا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرفي المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعابين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين، فإن خالفوا في شيء مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين ما يحل من ذوي المعاندة والشقاق.

قال الحافظ ابن القيم: وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها. انتهى.

قلت: الدير للنصارى خاصة يبنونه للرهبان خارج البلد يجتمعون فيه للرهبانية وينفردون عن الناس، وأما القلابة بقاف مكسورة وباء موحدة فيبنيها رهبانهم مرتفعة كالمنارة والفرق بينها وبين الدير أن الدير يجتمعون فيه، والقلابة لا تكون إلا لواحد ينفرد بها بنفسه ولا يكون لها باب بل فيها طاقة يتناول منها شرابه وطعامه وما يحتاج إليه، وأما الصومعة فهي كالقلابة تكون للراهب وحده، والبيع جمع بيعة وهي متعبد النصارى.

وعن ابن عباس: أنها مساجد اليهود، والكنائس جمع كنيسة وهي لأهل الكتابين.

ثم اعلم أنه لا يحل تكليفهم بما لا يقدرون عليه ولا حبسهم ولا تعذيبهم على أداء الجزية ولا ضربهم لما أخرج أبو عبيد أن هشام بن حكيم مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين فقال هشام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا " [[مسلم، 2613.]]، وعن عياض بن غنم مثله رواه الزهري عن عروة بن الزبير.

وقد أخرج عن جبير بن نفير عن أبيه أنه أتى عمر بن الخطاب بمال كثير أحسبه قال: الجزية فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفواً، قال: بلا سوط ولا نوط قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني.

وعن علي بن أبي طالب أنه استعمل رجلاً على عكبرى فقال له: لا تبيعن لهم في خراجهم حماراً ولا بقرة ولا كسوة شيئاً ولا صنفاً وارفق بهم، وكان رضي الله عنه يأخذ من صاحب الإبر إبراً، ومن صاحب الحبال حبالاً ونحوه من الأمتعة.

قال أبو عبيد إنما كان يأخذ منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم التي كانت عليهم من جزية رؤوسهم، ولا يحملهم على بيعها إرادة الرفق بهم والتخفيف عليهم ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً بأخذ معافر عدلاً عن الدينار، وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل الذمة لا يباع عليهم من متاعهم شيء، ولكن يؤخذ مما سهل عليهم في القيمة، والكلام في الجزية مقرر في مواطنه، والحق أن هذه الأقوال ما قد قرره الشوكاني في شرحه للمنتقى وفي غيره من مؤلفاته، وفي الباب كتاب إفادة الأمة في أحكام أهل الذمة للسيد محمد بن إسماعيل الأمير اليمني وهو حافل جداً.

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском