Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:78–93
9:78Page 199
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨
Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?
(ألم يعلموا) أي المنافقون (إن الله يعلم سرهم ونجواهم) أي جميع ما يسرونه من النفاق وما يتناجون به فيما بينهم من الطعن على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وعلى دين الإسلام (وأن الله علام الغيوب) أي ما غاب عن العيان فلا يخفى عليه شيء من الأشياء المغيبة كائناً ما كان، ومن جملة ذلك ما يصدر عن المنافقين.
9:79Page 199
ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩
Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.
(الذين يلمزون) أي يعيبون وقال قتادة يطعنون (المطوّعين) أي المتطوعين والتطوع التبرع والتنفل بما ليس بواجب (من المؤمنين في الصدقات) والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوعوا بشيء من أموالهم وأخرجوه للصدقة فكانوا يقولون ما أغنى الله عن هذا ويقولون ما فعلوا هذا إلا رياء ولم يكن لله خالصاً.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء، وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا فنزلت هذه الآية، وفي الباب روايات كثيرة.
(والذين لا يجدون إلا جهدهم) بالضم الطاقة وهي لغة أهل الحجاز وبالفتح لغيرهم وهي المشقة، وقيل هما لغتان ومعناهما واحد، وفي القرطبي: الجهد شيء يسير يعيش به المقل، وقد تقدم بيان ذلك، والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل عن كفايتهم.
(فيسخرون منهم) أي يستهزئون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقل وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه، يقال سخرت منه سخراً من باب تعب هزئت به، والسخري بالكسر اسم منه وبالضم لغة فيه، والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم أو جارية أو دابة بلا أجر ولا ثمن، والسخري بالضم بمعناه وسخرته في العمل بالتثقيل استعملته مجاناً، وسخر الله الإبل ذللها وسهلها ومنه سخر لنا هذا وما كنا لَهُ مقرنين.
(سخر الله منهم) أي جازاهم على ما فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك فسخر الله منهم بأن أهانهم وأذلهم وعذبهم، والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره، وقيل هو دعاء عليهم بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمسلمين (ولهم عذاب أليم) أي ثابت مستمر شديد الألم في الآخرة.
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
9:80Page 200
ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠
Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء، فهذا كلام خرج مخرج الأمر ومعناه الخبر، وذلك لأنهم ليسوا بأهل الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم ولا للمغفرة من الله سبحانه فهو كقوله تعالى (قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم) وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه للمنافقين وإن أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لهم. وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولاً كما في سائر مفاهيم الأعداد، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفاراً بالغاً في الكثرة غاية المبالغ.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه، ويدل لذلك ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة أن عبد الله ابن أبيَّ قال: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل (ليخرجن الأعز منها الأذل) فأنزل الله واستغفر لهم أو لا تستغفر (لهم) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) وعن مجاهد وابن عباس نحوه.
قال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين، لعل الله أن يغفر لهم فأنزل الله (سواء عليهم) الآية، يعني فبين له حسم المغفرة.
ومعلوم أنه لم يخف عليه ذلك وإنما أراد بما قال إظهار كمال رحمته ورأفته بمن بعث إليهم، وفيه لطف بأمته وحث على المراحم وشفقة بعضهم على بعض، وهذا دأب الأنبياء كما قال إبراهيم (ومن عصاني فإنك غفور رحيم).
وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً وليس بشيء فقال أن السبعة عدد شريف لأنها عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة لأن الحسنة بعشرة أمثالها.
وقيل خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه وسلم كبر على عمه حمزة سبعين تكبيرة فكأنه قال أن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة وهذا كالذي قبله.
ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله: (ذلك) الامتناع ليس لعدم الاعتداد باستغفارك بل (بأنهم كفروا بالله ورسوله) ولفظ الكرخي ذلك اليأس من الغفران لهم بسبب أنهم كفروا لا ببخل منا أو قصور فيك، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنه. اهـ.
(والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي المتمردين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها، والمراد هنا الهداية الموصلة إلى المطلوب لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق.
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من قبائح المنافقين فقال
9:81Page 200
فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١
Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.
(فرح المخلفون) وهم المتروكون وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك أو الذين خلفهم الله وثبطهم أو الشيطان أو نفاقهم أو كسلهم أو المؤمنون (بمقعدهم) أي بقعودهم، يقال قعد قعوداً ومقعداً أي جلس وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهري (خلاف رسول الله) فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه منصوب على المصدر أي تخلفوا خلاف رسول الله والثاني: أنه مفعول من أجله أي فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبري والزجاج، ويؤيده قراءة خلف بضم الخاء وسكون اللام والثالث أن ينتصب على الظرف أي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقال أقام زيد خلاف القوم أي تخلف بعد ذهابهم، وخلاف أن يكون ظرفاً، وإليه ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمر.
قال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف، وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف، وقال قطرب: معنى خلاف رسول الله مخالفة الرسول. حين سار إلى تبوك وأقاموا أي قعدوا لأجل المخالفة أو مخالفين له (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) لكمال شحهم بالأموال والأنفس، وعد وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص، ووجود الصارف عن ذلك وهو ما هم فيه من النفاق، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لوجود الداعي معهم وانتفاء الصارف عنهم، وفي الخازن وكرهوا الخروج إلى الجهاد، وذلك أن الإنسان يميل بطبعه إلى إيثار الراحة والقعود مع الأهل والولد ويكره إتلاف النفس والمال.
(وقالوا) أي قال المنافقون لإخوانهم (لا تنفروا في الحر) تثبيطاً لهم وكسراً لنشاطهم وتواصياً بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، وكانت غزوة تبوك في شدة الحر والقحط، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: (قل نار جهنم أشد حراً) المعنى أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا الحر اليسير، ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبداً أشد حراً مما فررتم منه، فإنكم إنما فررتم من حر يسير في زمن قصير، ووقعتم في حر كثير في زمن كبير، بل غير متناه أبد الآبدين ودهر الداهرين.
(لو كانوا يفقهون) أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا، وهذا اعتراض تذييلي من جهته تعالى غير داخل تحت القول المأمور به مؤكد لمضمونه.
9:82Page 200
فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢
So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.
(فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً) هذان الأمران معناهما الخبر والمعنى فسيضحك هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قليلاً بالنسبة للبكاء في الآخرة وإن كان كثيراً في نفسه لأن الدنيا فانية والآخرة باقية، والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل، ويبكون كثيراً، وإنما جيء بهما على لفظ الأمر للدلالة على أن ذلك أمر محتوم لا يكون غيره، والتقدير ضحكاً قليلاً وبكاء كثيراً أو زماناً قليلاً وزماناً كثيراً.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً " [[البخاري كتاب الكسوف باب 2.]] أخرجه البخاري.
(جزاء بما كانوا يكسبون) من المعاصي، والمعنى يجزون جزاء، أو سبب الأمر بقلة الضحك وكثرة البكاء جزاؤهم بعملهم.
فإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
9:83Page 200
فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣
If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."
(فإن رجعك الله) الرجع متعد كالرد والرجوع لازم واللازم من باب جلس والمتعدي من باب قطع وفي الكرخي معنى الرجوع تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال رجعته رجعاً كقولك رددته رداً والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها.
وإنما قال (إلى طائفة منهم) لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك.
وقيل إنما قال: (إلى طائفة) لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف، وفي البيضاوي أن المتخلفين كانوا اثني عشر رجلاً.
(فاستأذنوك للخروج) معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه (فقل) لهم إخراجاً لهم عن ديوان الغزاة وإبعاداً لمحلهم عن محفل صحبتك (لن تخرجوا معي أبداً) إلى غزوة ولا إلى سفر، وهذا إخبار في معنى النهي للمبالغة (ولن تقاتلوا معي عدوا) أي قل لهم ذلك عقوبة لهم ولما في استصحابهم من المفاسد كما تقدم في قوله (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً).
(إنكم رضيتم بالقعود) تعليل أي لن تخرجوا معي ولن تقاتلوا لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف (أول مرة) وهي غزوة تبوك، والفاء في (فاقعدوا مع الخالفين) لتفريع ما بعدها على ما قبلها، والخالفين جمع خالف كأنهم اخلفوا الخارجين، والمراد بهم من تخلف عن الخروج بعد القوم، وقيل المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، من قولهم فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسداً فيهم.
ومن ذلك خلف اللبن أي فسد بطول المكث في السقاء، ذكر معناه الأصمعي وقرئ مع الخلفين، قال الفراء: معناه المخالفين، قيل المراد بهم النساء والصبيان والرجال العاجزون، فلذلك جاز جمعه للتغليب.
وقال قتادة: الخالفون النساء وهو مردود لأجل الجمع، قال ابن عباس: الخالفين هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو بغير عذر، وفي الآية دليل على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه وخداع وبدعة يجب الانقطاع عنه وترك مصاحبته.
9:84Page 200
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤
And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.
(ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً) يعني صلاة الجنازة (ولا تقم على قبره) قال الزجاج: معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع هاهنا منه، وقيل معناه لا تقم بمهمات إصلاح قبره. ولا تتول دفنه، ولما نزلت هذه الآية ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق ولا قام على قبره بعدها.
(إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) تعليل للنهي عن الصلاة والقيام على قبره، وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه بأن يؤدي الأمانة، ولا يضمر لأحد سوءاً، وقد يكون خبيثاً في نفسه كثير الكذب والمكر والنفاق والخداع والجبن وإضمار السوء للغير والخبث وهي مستقبحة في كل دين عند كل أحد.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول أتى ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين فقال: " إن الله خيرني وقال (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) وسأزيد على السبعين، فقال إنه منافق فصلى عليه فأنزل الله (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) الآية فترك الصلاة عليهم [[مسلم 2400 - البخاري 675.]]، والحديث له ألفاظ في الصحاح والسنن.
وكان ابن أبيّ رئيس الخزرج وينسب لأبيه وأمه فأبوه أبيّ وأمه سلول وكان اسمه عبد الله.
9:85Page 200
وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥
And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.
(ولا تعجبك) نهى رسوله أن تعجبه (أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) هذا تكرير لما سبق في هذه السورة وتقرير لمضمونه وإرادة أن يكون المخاطب به على بال ولا ينساه، وإن يعتقد أن العمل به مهم، وقيل أن الآية المتقدمة في قوم وهذه في آخرين، وقيل هذه في اليهود والأولى في المنافقين وقيل غير ذلك.
وقد تقدم في الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية، وذكر في الخازن ما حصل من التفاوت في الألفاظ في هاتين الآيتين ولا يأتي بكثير فائدة.
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين فقال:
9:86Page 200
وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦
And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."
(وإذا أنزلت سورة) أي طائفة من القرآن، ويجوز أن يراد بعض السورة وأن يراد تمامها وقيل هي هذه السورة (أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله) الخطاب للمنافقين أي أخلصوا في إيمانكم وجهادكم، وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان.
(استأذنك أولوا الطول منهم) أي ذوو الفضل والسعة والقدرة وأهل الغنى والثروة، من طال عليه طولاً، كذا قال ابن عباس والحسن، وقال الأصم: هم الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصهم بالذكر. لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود، ولأن العاجز عن السفر والجهاد لا يحتاج إلى الاستئذان.
(وقالوا) عطف تفسيري (ذرنا) أي اتركنا (نكن مع القاعدين) أي المتخلفين عن الغزو من المعذورين كالضعفاء والزَّمْنَى.
9:87Page 201
رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧
They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.
(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) استئناف لبيان سوء صنيعهم، والخوالف جمع خالفة ولذا قيل الخوالف النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت، وجوز بعضهم أن يكون جمع خالف وهو من لا خير فيه وهو مردود، فإن فواعل لا يكون جمعاً لفاعل وصفاً لعاقل إلا ما شذ من نحو فوارس ونواكس وهوالك، وقال النحاس: يجوز أن تكون من صفة الرجال بمعنى أنها جمع خالفة يقال رجل خالفة أي لا خير فيه، فعلى هذا يكون جمعاً للذكور باعتبار لفظه.
(وطبع على قلوبهم) كقوله ختم الله على قلوبهم وقد مر تفسيره (فهم لا يفقهون) شيئاً مما فيه نفعهم وضرهم بل هم كالأنعام أي لا يفهمون الخير الذي في الجهاد ولا الشر الذي في التخلف.
9:88Page 201
لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨
But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.
(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) المقصود من الاستدراك الإشعار بأن تخلف هؤلاء غير ضائر فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو خير منهم وأخلص نية كما في قولة: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين) وقد تقدم بيان الجهاد بالأموال والأنفس.
ثم ذكر منافع الجهاد فقال: (وأولئك لهم الخيرات) جمع خير فيشمل منافع الدنيا والدين من النصر والغنيمة والجنة والكرامة، وقيل المراد بها النساء الحسان أي الحور، قاله الحسن كقوله تعالى: (فيهن خيرات حسان) ومفرده خيرة بالتشديد ثم خففت مثل هينة وهينة (وأولئك هم المفلحون) قد تقدم معنى الفلاح والمراد بهم هنا الفائزون بالمطلوب وتكرير اسم الإشارة لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم.
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
9:89Page 201
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩
Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.
(أعد الله لهم) استئناف لبيان كونهم مفلحين (جنات) أي بساتين (تجري من تحتها الأنهار) قد تقدم بيان جري الأنهار من تحتها (خالدين فيها) قد سبق بيان الخلود والفوز الآتي أيضا (ذلك) أي ما تقدم من الخيرات والفلاح ونيل الكرامة العظمى وإعداد الجنات الموصوفة بتلك الصفة (الفوز العظيم) ووصف الفوز بكونه عظيماً يدل على أنه الفرد الكامل من أنواع الفوز.
9:90Page 201
وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠
And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.
(وجاء المعذرون من الأعراب) قرئ بالتخفيف من أعذر، وكان ابن عباس يقرؤها مخففة ويقول والله هكذا أنزلت، قال النحاس: إلا أن مدارها على الكلبي يقال أعذر إذا بالغ في العذر، ومنه من أنذر فقد أعذر.
وقرأ الجمهور بالتشديد وفيه وجهان (أحدهما) أن يكون أصله المعتذرون وهم الذين لهم عذر فالمعذرون على هذا هم المحقون في اعتذارهم، وقد روي هذا عن الفراء والزجاج وابن الأنباري وأبي عبيد والأخفش وأبي حاتم، وقيل هو من عذر وهو الذي يعتذر ولا عذر له يقال عذر في الأمر إذا قصر فيه واعتذر بما ليس بعذر، ذكره الجوهري وصاحب الكشاف.
فالمعذرون على هذا هم المبطلون لأنهم اعتذروا بأعذار كاذبة باطلة لا أصل لها، والمعنى أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاءوا به من الأعذار بحق أو بباطل على كلا التفسيرين، قال الضحاك: هم رهط عامر، وقيل من أسد وغطفان، وقال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بعذر.
وهذا شروع في بيان أحوال منافقي الأعراب إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة والأعراب سكان البادية وهم أخص من العرب إذ العربي من تكلم باللغة العربية سواء كان يسكن البادية أو الحاضرة، وقد اختلف في أنهم كانوا معتذرين بالتصنع أو بالصحة.
(ليؤذن لهم) أي لأجل أن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتخلف عن الغزو (وقعد) طائفة أخرى لم يعتذروا بل قعدوا عن الغزو بغير عذر وهم منافقو الأعراب (الذين كذبوا الله ورسوله) بالتخفيف أي كذبوا في ادعاء إيمانهم وبالتشديد أي لم يؤمنوا ولا صدقوا ما جاء به الرسول عن ربه ولا امتثلوا أمره.
قال أبو إسحاق: ذكر لي أنهم نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا، منهم خفاف بن إيماء، وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا معك أغارت أعراب طي على أهالينا ومواشينا، وقيل منافقو الأعراب قسمان: قسم جاءوا واعتذروا بالأعذار الكاذبة وقسم لم يجىء ولم يعتذر.
ثم توعدهم سبحانه فقال: (سيصيب الذين كفروا منهم) أي من الأعراب وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة والذين لم يعتذروا بل كذبوا الله ورسوله. وأتى بمن التبعيضية، لأن منهم من أسلم فلم يصبه العذاب (عذاب أليم) أي كثير الألم فيصدق على عذاب الدنيا بالقتل والأسر، وعذاب الآخرة بالنار المؤبدة.
9:91Page 201
لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١
There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.
(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
ولما ذكر سبحانه المعذرين ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو، وبدأ بالعذر في أصل الخلقة فقال: (ليس على الضعفاء) وهم أرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ونحو ذلك كالشيوخ والصبيان والنساء ومن خلق في أصل الخلقة ضعيفاً نحيفاً، والضعفاء جمع ضعيف، وهو الصحيح في بدنه العاجز عن الغزو.
ئم ذكر العذر العارض فقال: (ولا على المرضى) المراد بالمرض كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعاً، وقيل أنه يدخل في المرضى الأعمى والأعرج ونحوهما. ثم ذكر العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن فقال: (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد لفقرهم، كجهينة ومزينة وبني عذرة، فنفى سبحانه عن هؤلاء الثلاثة الحرج، وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم مقيداً بقوله: (إذا نصحوا لله ورسوله) في حال قعودهم بالطاعة وعدم الأرجاف والتثبيط، وأصل النصح إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح.
قال نفطويه: نصح الشيء إذا خلص ونصح له القول أي أخلصه له، والنصح لله الإيمان به والعمل بشريعته وترك ما يخالفها كائناً ما كان، ويدخل تحته دخولاً أولياً نصح عباده ومحبة المجاهدين في سبيله وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه، ونصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم التصديق بنبوته وبما جاء به، وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهي عنه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، ومحبته وتعظيم سنته وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة.
وقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الدين النصيحة " ثلاثاً، قالوا لمن؟ " قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " [[مسلم 55.]]. وفي الخازن: النصح أن يقيموا في البلد ويحترزوا عن إفشاء الأراجيف وإثارة الفتن ويسمعوا في إيصال الخير إلى أهل الجهاد ويقوموا بمصالح بيوتهم.
(ما على المحسنين من سبيل) جملة مقررة لمضمون ما سبق، أى ليس على المعذورين الناصحين طريق عقاب ومؤاخذة، ومن مزيدة للتأكيد، وعلى هذا فيكون لفظ المحسنين موضوعاً في موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقاً، وأتى بالظاهر للدلالة على انتظامهم بنصحهم في سلك المحسنين، أو يكون المراد ما على جنس المحسنين من سبيل، وهؤلاء المذكورون سابقاً من جملتهم، فتكون الجملة تعليلية، وقولهم لا سبيل عليه معناه لا حرج ولا عتاب، وأنه بمعنى لا عاتب يمر عليه فضلاً عن العتاب، وإذا تعدى بإلى كقوله:
ألا ليت شعري هل إلى أم سالم ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبر
فبمعنى الوصول كما قال:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
ونحوه، فتنبه لمواطن استعماله فإنه من مهمات الفصاحة (والله غفور رحيم) لهم أو للمسيء فكيف للمحسن، والجملة تذييلية.
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وقوله (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج).
وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذر الله عنه مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه، ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد، وأصله في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد تركتم بعدكم قوماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلا وهم فيه " قالوا يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال " حبسهم العذر " [[البخاري كتاب الجهاد باب 35.]].
وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر [[مسلم 1911.]] عن قتادة قال: أنزلت هذه الآية في عائد بن عمر المزني، وقال الضحاك: عذرهم وجعل لهم من العذر ما جعل للمجاهدين.
قال الرازي: ليس في الآية أنه يحرم عليهم الخروج، لأن الواحد لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم، بشرط أن لا يجعل نفسه كلاًّ ووبالاً عليهم لكان ذلك طاعة مقبولة.
9:92Page 201
وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢
Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].
(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ)
ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) العطف على جملة ما على المحسنين أو على الضعفاء أى لا عليهم حرج، والمعنى أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبون عليه في الغزو فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك قيل هم سبعة من الأنصار وقيل بنو مقرن، وقيل المعنى إذا ما أتوك قائلاً لا أجد وقيل غير ذلك وهذا أولى.
وفي إيثار هذا التعبير على " ليس عندي " لطف في الكلام وتطييب لقلوب السائلين كأنه قال أنا أطلب ما تسألونه وأفتش عنه فلا أجده فأنا معذور، وعن أنس في الآية قال: الماء والزاد. وعن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحملان فقالوا ما سألناه إلا الحملان على النعال.
وعن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه في الآية قال: ما سألوه الدواب، ما سألوه إلا النعال. وعن الحسن بن صالح قال استحملوه النعال.
(تولوا) أى انصرفوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه (وأعينهم تفيض) أي تسيل (من الدمع) أي حال كونهم باكين، ومن للبيان، وفي الشهاب أن الفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، يعني أن الفيض مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية فإن الثاني سبب للأول، فالمجاز في المسند والدمع هو ذلك الماء أو الفيض على حقيقته، والتجوز في إسناده إلى العين للمبالغة كجرى النهر. ومن التعليل:
(حزناً ألا يجدوا) قال الفراء: أى ليس يجدوا، وقيل حزناً على أن لا يجدوا وقيل المعنى حزناً أنهم لا يجدوا، وقيل لأجل أن لا يجدوا (ما ينفقون) في الجهاد لا عند أنفسهم ولا عندك.
عن محمد بن كعب قال: هم سبعة نفر من بني عمرو بن عوف: سالم ابن عمير ومن بني واقف حرمى بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ومن بني المعلى سلمان بن صخر؛ ومن بني حارثة عبد الرحمن ابن زيد أبو غيلة، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله ابن عمرو المزني، من ثَمَّ [[بفتح الثاء أي ومن هنا.]] قيل لهم البكاءون فحمل العباس منهم اثنين وعثمان ثلاثة زيادة على الجيش الذي جهزه وهو ألف. وحمل يامين بن عمرو النضرى اثنين، كذا في مختصر سيرة الحلبى.
وقد اتفق الرواة على بعض هؤلاء السبعة واختلفوا في البعض ولا يأتي التطويل في مثل ذلك بكثير فائدة.
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
ثم ذكر الله سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين فقال
9:93Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
(إنما السبيل) أى طريق العقوبة والمؤاخذة وهي الأعمال السيئة، وأتى بإنما للمبالغة في التوكيد لا للحصر، قال السفاقسي: وليس ثَمَّ ما يمنع أن تكون للحصر.
(على الذين يستأذنوك) في التخلف عن الغزو (وهم) أي والحال أنهم (أغنياء) يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) وهم النساء والصبيان، والجملة مستأنفة كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء، فقيل رضوا أي بالدناءة والضعة والانتظام فيهم وإليه مال الزمخشري وقيل أنه في محل نصب على الحال وقد مقدرة. قاله الكرخي.
(وطبع على قلوبهم) معطوفه على رضوا أي سبب الاستئذان مع الغنى أمران (أحدهما) الرضا بالصفقة الخاسرة وهي أن يكونوا مع الخوالف (والثاني) الطبع من الله على قلوبهم (فهم) وبسبب هذا الطبع (لا يعلمون) ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر. عن مجاهد قال: هي في المنافقين، قال السيوطي؛ ؤقد تقدم مثله اهـ.
قال في الجمل: لكن مع نوع اختلاف في الألفاظ كما لا يخفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences