Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:69–85
12:69Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩
And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."
(ولما دخلوا على يوسف) أي في محل حكمه (آوى) ضم (إليه أخاه) بنيامين، قيل أنه أمر بإنزال كل اثنين في منزل، فبقي أخوه منفرداً فضمه إليه (وقال إني أنا أخوك) يوسف قال له ذلك سراً من دون أن يطلع عليه إخوته.
(فلا تبتئس) أي فلا تحزن، والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس والضر والشدة (بما كانوا يعملون) إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها: وقيل أنه لم يخبره بأنه يوسف عليه السلام بل قال له إني أنا أخوك مكان أخيك يوسف عليه السلام فلا تحزن بما كنت تلقاه منهم من الجفاء حسداً وبغياً.
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
وقيل أنه أخبره بما سيدبره معهم من جعل السقاية في رحله فقال لا أبالي فدس الصاع في رحله وهو المراد بالسقاية في قوله
12:70Page 244
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠
So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."
(فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية) وأصلها المشربة التي كان الملك يشرب بها جعلت صاعاً يكال به. وقيل كانت تسقى بها الدواب ويكال بها الحب، وقيل كانت من فضة، وقيل من ذهب، وقيل من زبرجد، وقيل مرصعة بالجوهر؛ وقيل غير ذلك، وقد تقدم تفسير الجهاز والرحل.
وعبر بالفاء هنا إشارة إلى طلب سرعة سيرهم وذهابهم لبلادهم لأن الغرض منه قد حصل، وقد عرفت حالهم بخلاف المرة الأولى كان المطلوب طول مدة إقامتهم ليتعرف الملك حالهم.
والمعنى أنه جعل السقاية التي هي الصواع (في رحل أخيه) الذي هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر (ثم) بعد ذلك (أذن) نادى (مؤذن) منادٍ وأعلم معلم، والأذان في اللغة الإعلام، وكان ذلك النداء مع رفع الصوت مراراً كثيرة بدليل التفعيل بعد انفصالهم عن مجلس يوسف عليه السلام حتى انطلقوا وخرجوا من العمارة، ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم كما يشير له التعبير بثم التي للتراخي بل قيل أنهم وصلوا إلى بلبيس وردوا من عندها.
(أيتها العير) قال الزجاج: معناه يا أصحاب العير، أي الإبل فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة كما قاله السمين، وفي المصباح العير بالكسر اسم للإبل التي تحمل الميرة في الأصل ثم غلب على كل قافلة، انتهى.
وكل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير، قاله الهيثم، وقيل قافلة الحمير. وقال أبو عبيدة: العير الإبل المرحولة المركوبة، ثم كثر ذلك في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير لأنه يعير أي يذهب ويجيء.
(إنكم لسارقون) نسبة السرقة إليهم على حقيقتها لأن المنادي غير عالم بما دبره يوسف عليه السلام. وقيل أن المعنى أن حالكم حال السارقين من كون الصواع صار لديكم من غير رضاً من الملك، وليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف عليه السلام، وهو الأقرب إلى ظاهر الحال؛ لأنهم طلبوا السقاية فلم يجدوها ولم يكن هناك أحد غيرهم، وغلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها فقالوا ذلك بناء على غلبة ظنهم؛ وقيل غير ذلك وهذا أولى.
12:71Page 244
قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١
They said while approaching them, "What is it you are missing?"
(قالوا) أي إخوة يوسف عليه السلام (وأقبلوا عليهم) أي حال كونهم مقبلين على من نادى منهم المنادي من أصحاب الملك، أي التفتوا إليهم وخاطبوهم بقوله (ماذا تفقدون) أي ما الذي فقدتموه، والفقد غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه، يقال فقدت الشيء إذا عدمته بضياع أو نحوه، فكأنهم قالوا ماذا ضاع عليكم وما استفهامية وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة.
12:72Page 244
قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢
They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."
(قالوا) في جوابهم (نفقد صواع الملك) وقرئ بالغين المعجمة وقرئ صوع وصياع وصاع، وقال الزجاج: الصواع الصاع بعينه وهو يذكر ويؤنث وهو السقاية، قال ابن عباس: كل شيء شربت منه فهو صواع وقيل الصواع الذي يكال به وجمعه أصوع والصواع لغة فيه وجمعه صيعان وفيه قراءات كثيرة وهي ثمانية كلها لغات في هذا الحرف، والمراد هنا آلة الكيل سماها تارة كذا وتارة كذا وإنما اتخذ هذا الإناء مكيالاً لعزة ما يكال به في ذلك الوقت.
(ولمن جاء به حمل بعير) من الطعام جعلاً له لا على نية تحقيق الوعد لجزمهم بامتناع (وجود) الشرط وعزمهم على ما لا يخفى من أخذ من وجد في رحله، وهذا قول المؤذن وحده فهو الذي كفر وضمن والبعير الجمل، وفي لغة بعض العرب أنه الحمار؛ والمراد بالحمل هاهنا ما يحمله البعير من الطعام.
ثم قال المنادي (وأنا به) أىِ بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية (زعيم) كفيل، قاله ابن عباس أي بلسان أهل اليمن.
وعن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله، ولعل القائل بفقد صواع الملك هو المنادي، وإنما نسب القول إلى الجماعة لكونه واحداً منهم، ثم رجع الكلام إلى نسبة القول إلى المنادي وحده لأنه القائل بالحقيقة وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم في ذلك الزمان.
12:73Page 244
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣
They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."
(قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض) التاء بدل من واو القسم عند الجمهور، وقيل من الباء وقيل أضل بنفسها وأياً ما كان ففيه التعجب، ولا تدخل إلا على هذا الاسم الشريف دون سائر أسمائه سبحانه وقد دخل نادراً على الرب وعلى الرحمن، والكلام على هذا مستوفى في علم الإعراب.
وجعلوا المقسم عليه هو علم يوسف وأصحابه بنزاهة جانبهم وطهارة ذيلهم عن التلوث بقذر الفساد في الأرض الذي من أعظم أنواعه السرقة لأنهم قد شاهدوا منهم في قدومهم عليه المرة الأولى وهذه المرة من التعفف والزهد عما هو دون السرقة بمراحل ما يستفاد منه العلم الجازم بأنهم ليسوا ممن يتجارى على هذا النوع العظيم من أنواع الفساد، ولو لم يكن من ذلك إلا ردهم لبضاعتهم التي وجدوها في رحالهم لكفى، والمراد بالأرض هنا أرض مصر.
ثم أكدوا هذه الجملة التي اقسموا بالله عليها بقولهم: (وما كنا سارقين) لزيادة التبري مما قذفوهم به والتنزه عن هذه النقيصة الخسيسة الرذيلة الشنعاء.
12:74Page 244
قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤
They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"
(قالوا فما جزاؤه) هذه جملة مستأنفة كما تقدم غير مرة في نظائرها، والقائلون هم أصحاب يوسف عليه السلام أو المنادي منهم وحده كما مر، والضمير في جزاؤه للصواع على حذف مضاف أي فما جزاء سرقة الصواع عندكم أو الضمير للسارق.
(إن كنتم كاذبين) فيما تدعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة؛ وذلك بأن يوجد الصواع معكم.
فأجاب إخوة يوسف عليه السلام
12:75Page 244
قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥
[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."
(قالوا جزاؤء) أي جزاء سرقة الصواع أو جزاء سارق الصواع والتقدير جزاء السرقة للصواع أخذ (من وجد في رحله) واسترقاقه، وتكون جملة (فهو جزاؤه) لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها.
قال الزجاج: هو زيادة في البيان أي جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير.
قال المفسرون: وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة ثم يخلى سبيله فلذلك استفتوهم في جزائه.
(كذلك) أي مثل ذلك الجزاء الكامل (نجزي الظالمين) لغيرهم من الناس بسرقة أمتعتهم، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها إذا كانت من كلام إخوة يوسف عليه السلام، ويجوز أن تكون من كلام أصحاب يوسف أي كذلك نحن نجزي الظالمين بالسرق.
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)
ثم لما ذكروا جزاء السارق أرادوا أن يفتشوا أمتعتهم حتى يتبين الأمر فأقبل يوسف عليه السلام على ذلك
12:76Page 244
فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦
So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1
(فبدأ بأوعيتهم) يعني بتفتيش أوعية إخوته العشرة وقيل أن المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيشهم وهم الذين استخرجوا الصواع من رحل بنيامين (قبل) تفتيش (وعاء أخيه) بنيامين دفعاً للتهمة ورفعاً لما دبره من الحيلة.
(ثم استخرجها) أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث (من وعاء أخيه) فنكس إخوة يوسف عليه السلام رؤوسهم من الحياء ولاموا بنيامين فأخذوه وردوه إلى يوسف عليه السلام.
(كذلك) أي مثل ذلك الكيد العجيب (كدناه) أي دبرنا قاله القتيبي أو أردنا قاله ابن الأنباري (ليوسف) يعني علمناه إياه وأوحينا إليه واللام زائدة وإليه نحا السيوطي.
وفي أبي السعود: ما يقتضي أن اللام للتعليل أي صنعنا له ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما يتلوه والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه، وهو محمول في حق الله سبحانه على النهاية لا على البداية.
وقال ابن الأعرابي: الكيد التدبير بالباطل وبالحق، وقيل الكيد هنا جزاء الكيد يعني كما فعلوا بيوسف عليه السلام في الابتداء فعلنا بهم وقيل غير ذلك والأول أولى، وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعاً ثابتاً.
(ما كان) يوسف عليه السلام (ليأخذ أخاه) بنيامين (في دين الملك) أي ملك مصر وفي شريعته التي كان عليها بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة كما هو دين يعقوب وشريعته؛ وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفاً لدين الملك وشريعته لولا ما كاد الله له ودبره وأراده حتى وجد السبيل إليه، وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله وتدبيره.
وهذه الجملة تعليل لما صنعه الله من الكيد ليوسف عليه السلام أو تفسير له يعني أن ذلك الأمر كله كان إلهاماً من أمر الله ليوسف عليه السلام وإخوته حتى جرى الأمر على وفق المراد وهو معنى قوله (إلا أن يشاء الله) أي إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته له والاستثناء منقطع، إذ الأخذ بدين الملك لا يشمل المراد به، فالمعنى ولكن أخذه بشريعة يعقوب.
(نرفع درجات من نشاء) بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف عليه السلام بذلك؛ والآية على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات لأن الله تعالى مدح يوسف عليه السلام ورفع درجته على أخوته بالعلم، وقرئ درجات بالإضافة والتنوين وهما سبعيتان.
(وفوق كل ذي علم) ممن رفعه الله بالعلم من المخلوقين (عليم) أرفع رتبة منه وأعلى درجة لا يبلغون مداه ولا يرتقون شأوه، وقيل معنى ذلك أن فوق كل أهل العلم عليم إلى أن ينتهي العلم إلى الله وهو سبحانه فوق كل عالم.
عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فحدث بحديث؛ فقال رجل عنده وفوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت؛ الله العليم الخبير وهو فوق كل عالم.
وعن محمد بن كعب: سأل رجل علياً كرم الله وجهه عن مسئلة فقال فيها، فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا، فقال عليّ: أصبت واخطأت وفوق كل ذي علم عليم.
وعن عكرمة قال: علم الله فوق كل عالم، قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم العالم نفسه ويستشعر التواضع لمواهب ربه ولا يطمع نفسه بالغلبة لأنه لا يخلو عالم عن عالم فوقه، وفي الآية دليل على أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء. وكان يوسف عليه السلام أعلم منهم.
12:77Page 244
۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧
They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."
(قالوا إن يسرق) أي بنيامين الصواع (فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف عليه السلام وكان غرضهم من هذا الكلام إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، بل هذا وأخوه كانا على هذه الطريقة لأنهما من أم أخرى غير أمنا، وقال الخفاجي: أتوا بكلمة إن لعدم تحققهم له بمجرد خروج السقاية من رحله، وأما قولهم إن ابنك سرق فبناء على الظاهر، ويسرق لحكاية الحال الماضية.
والمعنى إن كان سرق فليس ببدع لسبق مثله من أخيه، والعرق نزاع، وقيل أنهم جزموا بذلك وإن لمجرد الشرط انتهى.
وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام، ما هي فقيل أنه كان ليوسف عليه السلام عمة هي أكبر من يعقوب وكانت عندها منطقة إسحاق لكونها أسن أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سناً من ذكر أو أنثى، وكانت قد حضنت يوسف عليه السلام وأحبته حباً شديداً، فلما ترعرع قال لها يعقوب سلمي يوسف إليّ فأشفقت من فراقه واحتالت في بقائه لديها فجعلت المنطقة تحت ثيابه وحزمته بها، ثم قالت قد سرقت منطقة إسحاق فانظروا من سرقها، فبحثوا عنها فوجدوها مع يوسف عليه السلام فأخذته عندها كما هو شرع الأنبياء في ذلك الوقت من آل إبراهيم. ذكره محمد بن إسحاق، وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة.
وقيل أن يوسف أخذ صنماً كان لجده أبي أمه فكسره، وألقاه على الطريق تغييراً للمنكر فعيره بذلك إخوته، وقد روى معناه عن ابن عباس مرفوعاً. وعن سعيد بن جبير وقتادة مثله غير مرفوع، وقد روي نحوه عن جماعة من التابعين، وحكى عن الزجاج أنه كان صنماً من ذهب، وقيل من فضة، وقال عطية سرق في صباه ميلين من ذهب.
وعن ابن عباس سرق مكحلة لخالته، وقيل كان في النزل دجاجة فأعطاها لسائل، قاله سفيان بن عيينة، وقيل كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء. قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب.
وحكى الواحدي عن الزجاج قال: الله أعلم أسرق أخ له أم لا، وحكى القرطبي في تفسيره عنه أنه قال؛ كذبوا عليه فيما نسبوه إليه.
قلت وهذا أولى فما هذه الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال أنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم، وفي البحر لابن المنير أن ما ذكر في تفسير السرقة تكلف لا يسوغ نسبة مثله إلى بيت النبوة ولا إلى أحد من الأشراف فالواجب تركه، وإليه ذهب مكي وفسره بعضهم بإن يسرق فقد سرق مثله من بني آدم، وذكر له نظائر في الحديث، قال الخفاجي وهو كلام حقيق بالقبول.
قال الزجاج وغيره الضمير في (فأسرَّها) يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل فأسر الجملة (يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) ثم فسرها بقوله (قال أنتم شر مكاناً) وقد رد أبو علي الفارسي هذا فقال: أن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل؛ وعلى هذا يكون في الكلام رجوع الضمير على متأخر لفظاً ورتبة. وفيه أيضاً إطلاق الكلمة على الكلام، والأول سائغ في مقام التفسير كما هنا. والثاني سائغ في اللغة.
وقيل الضمير عائد إلى الإجابة أي أسر يوسف عليه السلام إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر. وقيل أسر في نفسه قولهم إن يسرق الخ. وهذا هو الأولى ويكون معنى ولم يبدها لهم أنه لم يبد لهم هذه المقالة التي أسرها في نفسه بإن يذكر لهم صحتها وبطلانها.
وجملة: قال أنتم شر مكاناً مفسرة على القول الأول ومستأنفة على القولين الأخيرين كأنه قيل فماذا قال يوسف عليه السلام لما قالوا هذه المقالة، أي أنتم شر موضعاً ومنزلاً ممن نسبتموه إلى السرقة ورميتموه بها وهو بريء فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف عليه السلام في الجب والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم، ولم يكن من يوسف عليه السلام سرقة حقيقية.
ثم قال (والله أعلم بما تصفون) من الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف عليه السلام وأنه لا حقيقة لذلك. ثم أرادوا أن يستعطفوه ليطلق لهم أخاه بنيامين ويكون معهم ويرجعون به إلى أبيهم لما تقدم من أخذه الميثاق عليهم بأن يردوه إليه
12:78Page 244
قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨
They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."
(قالوا يا أيها العزيز إن له) أي لبنيامين هذا (أباً) متصفاً بكونه (شيخاً كبيراً) في السن لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه ولا يقدر على الوصول إليه، وقيل كبيراً في القدر لأنه نبي من أولاد الأنبياء وفيه بعد ظاهر، والأول أولى (فخذ أحدنا مكانه) يبقى لديك فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا، فلا يتضرر بفراق أحدنا كما يتضرر بفراق بنيامين.
ثم عللوا ذلك بقولهم (إنا نراك من المحسنين) إلى الناس كافة، وإلينا خاصة فأتم إحسانك إلينا بإجابتنا إلى هذا المطلب، فأجاب عليهم يوسف و
12:79Page 245
قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩
He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."
(قال معاذ الله) أي نعوذ بالله معاذاً فهو مصدر، والمستعيذ بالله هو المستعصم به (أن) أي من أن (نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) وهو بنيامين لأنه الذي وجد الصواع في رحله فقد حل لنا استعباده بفتواكم التي أفتيتمونا بقولكم (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) ولم يقل " من سرق " تحرزاً عن الكذب لأنه يعلم أن أخاه ليس بسارق.
وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ولا هدمت أصلاً، ولعل الله أمر يوسف عليه السلام بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب، ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر، قاله ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب. وجزم صاحب الكشاف بأن هذه الواقعة كانت بوحي كما مر مراراً (إنا إذاً) أي إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده (لظالمون) في دينكم وما تقتضيه فتواكم.
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)
12:80Page 245
فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠
So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.
(فلما استيأسوا منه) أي يئسوا من يوسف وإجابته إياهم وإسعافهم منه إلى مطلبهم الذي طلبوه، والسين والتاء للمبالغة، قاله الزمخشري والبيضاوي. قال ابن إسحاق أي أيسوا منه ورأوا شدته في أمره.
قال أبو عبيدة: استيأسوا أي استيقنوا أن الأخ لا يرد عليهم، وقيل أيسوا من أخيهم أن يرد إليهم، والأول أولى.
(خلصوا نجياً) أي انفردوا عن الناس واعتزلوا مجلسه وانحازوا على حدة حال كونهم متناجين متحدثين فيما بينهم ليس فيهم غيرهم في التشاور في أمر هذه القضية وهو مصدر يقع على الواحد والجمع كقوله (وقربناه نجياً).
قال الزجاج: معناه انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون به في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم، وقال قتادة وحدهم.
(قال كبيرهم) قيل هو روبيل لأنه الأسن وهو الذي كان نهاهم عن قتله وكان أكبر القوم في الميلاد قاله قتادة، وقيل كبيرهم في العقل والعلم لا في السن وقيل يهوذا لأنه الأوفر عقلاً.
وقيل شمعون لأنه رئيسهم (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً) أي عهدا (من الله) في حفظ ابنه ورده إليه، ومعنى كونه من الله أنه بإذنه ذكره النحاس وغيره.
(ومن قبل ما فرطتم في يوسف) أي وألم تعلموا أن تفريطكم في أمر يوسف عليه السلام كائن من قبل تفريطكم في بنيامين أو من قبل أخذكم العهد في شأنه، على أن ما مصدرية، ويجوز أن تكون زائدة والأول أولى، والمعنى قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه.
(فلن أبرح الأرض) يقال برح براحاً وبروحاً أي زال فإذا دخله النفي صار مثبتاً أي لن أبرح من أرض مصر بل ألزمها ولا أفارقها ولا أزال مقيماً فيها على أن أبرح هنا تامة (حتى يأذن لي أبي) في مفارقتها والخروج منها بالعود إليه وإنما قال ذلك لأنه يستحي من أبيه أن يأتي إليه بغير ولده الذي أخذ عليهم الميثاق بإرجاعه إليه إلا أن يحاط بهم كما تقدم.
(أو يحكم الله لي) بمفارقتها والخروج منها، وقيل المعنى أو يحكم الله لي بخلاص أخي من الأسر حتى يعود إلى أبي وأعود معه، وقيل المعنى أو يحكم الله لي بالنصر على من أخذ أخي فأجازيه وأخذ أخي منه أو أعجز فأنصرف بعد ذلك قال مجاهد: أقاتل بسيفي حتى أقتل، وعن أبي صالح نحوه (وهو خير الحاكمين) لأن أحكامه لا تجري إلا على ما يوافق الحق ويطابق الصواب ومراده بهذا الكلام الالتجاء إلى الله في إقامة عذره إلى والده يعقوب.
ثم قال كبيرهم مخاطباً لهم
12:81Page 245
ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١
Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1
(ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق) على البناء للفاعل وذلك لأنهم قد شاهدوا استخراج الصواع من وعائه؛ وقرئ على البناء للمفعول.
قال الزجاج: إن سرق يحتمل معنيين أحدهما علم منه السرق والآخر اتهم بالسرق أمرهم بهذه المقالة مبالغة في إزالة التهمة عن أنفسهم عند أبيهم لأنهم كانوا متهمين عنده بسبب وقعة يوسف عليه السلام.
(وما شهدنا إلا بما علمنا) من استخراج الصواع من وعائه، وقيل المعنى ما شهدنا عند يوسف عليه السلام بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من شريعتك وشريعة آبائك (وما كنا للغيب حافظين) حتى يتضح لنا هل الأمر على ما شاهدناه أو على خلافه فإن الغيب لا يعلمه إلا الله فلعل الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم بذلك.
وقيل المعنى ما كنا وقت أخذنا له منك ليخرج معنا إلى مصر للغيب حافظين بأنه سيقع منه السرق الذي افتضحنا به، وقيل الغيب هو الليل ومرادهم أنه سرق وهم نيام وقيل مرادهم أنه فعل ذلك وهو غائب عنهم فخفى عليهم فعله. قال عكرمة: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق وعن قتادة نحوه، وقال ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين.
12:82Page 245
وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢
And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"
(واسأل) أهل (القرية التي كنا فيها) أي قولوا لأبيكم اسأل القرية أي مصر، قاله قتادة وابن عباس، وقيل هي قرية من قرى مصر نزلوا فيها وامتاروا منها وجرى فيها حديث السرقة والتفتيش، قال المفسرون: المراد أهلها، وقيل المعنى واسأل القرية نفسها، وإن كانت جماداً فأنك نبي الله والله سبحانه سينطقها فتجيبك.
ومما يؤيد هذا أنه قال سيبويه: لا يجوز كلم هنداً وأنت تريد غلام هند؛ قيل والأول أولى لأن مثل هذا النوع من المجاز مشهور في كلام العرب، وتعقبه الحافظ ابن القيم في البدائع وقال إنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة كما إذا قيل أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس ونظائره كثيرة وليس منه قوله تعالى (واسأل القرية) وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به فإن القرية اسم للسكان في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه الشراب، والذنوب للدلو الملآن ماء والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره.
ثم لكثرة استعمالهم هذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة وعلى المسكن تارة بحسب سياق الكلام وسباقه، وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس، فلا إضمار في ذلك ولا حذف فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه انتهى.
(والعير التي أقبلنا فيها) أي أصحابها وكانوا قوماً معروفين من جيران يعقوب من كنعان، حمل العير هنا إلى الدواب نفسها وهذا هو المعنى الحقيقي لها فاحتاج إلى تقدير المضاف وفيما سبق على المعنى المجازي وهو نفس أصحابها فاستغنى عن تقدير المضاف.
(وإنا لصادقون) فيما قلنا، جاءوا بهذه الجملة مؤكدة هذا التأكيد لأن ما قد تقدم منهم مع أبيهم يعقوب يوجب كمال الريبة في خبرهم هذا عند السامع، وهذا آخر الكلام الذي علمه لهم أخوهم الكبير.
فلما قالوا هذا ليعقوب
12:83Page 245
قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣
[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."
(قال بل سولت) زينت أو خيلت (لكم أنفسكم أمراً) لا أصل له، والأمر هنا قولهم (إن ابنك سرق) وما سرق في الحقيقة وقيل المراد بالأمر إخراجهم بنيامين والمضي به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد ذلك بالمضرة، وقيل هذا الأمر فتياهم بأن السارق يؤخذ بسرقته، والإضراب هنا هو باعتبار ما أثبتوه من البراءة لأنفسهم لا باعتبار أصل الكلام فإنه صحيح والجملة مستأنفة مبنية على سؤال مقدر كغيرها.
(فصبر جميل) أي فأمري صبر أو فصبر جميل أجمل بي وأولى لي، والصبر الجميل هو الذي لا يبوح صاحبه بالشكوى بل يفوض أمره إلى الله ويسترجع، وقد ورد أن الصبر عند أول الصدمة.
(عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً) أي بيوسف عليه السلام وأخيه بنيامين، والأخ الثالث الباقي بمصر وهو كبيرهم كما تقدم، وإنما قال هكذا على سبيل حسن الظن بالله عز وجل لأنه قد كان عنده أن يوسف عليه السلام لم يمت وأنه باق على الحياة وإن غاب عنه خبره، وإذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج قال تعالى (سيجعل الله بعد عسر يسراً) (إنه هو العليم) بحالي (الحكيم) فيما يقضي به.
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
12:84Page 245
وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤
And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2
(وتولى) أي أعرض (عنهم) وقطع الكلام معهم حين بلغوه خبر بنيامين (و) لما ساء حزنه واشتد بلاؤه وبلغ جهده وهاج غمه (قال يا أسفا على يوسف) قال الزجاج الأصل يا أسفي فأبدل من الياء ألفا لخفة الفتحة، والأسف شدة الجزع، وقيل شدة الحزن.
عن ابن عباس أي يا حزناً، وعن قتادة مثله، وعن مجاهد يا جزعاً.
قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف عليه السلام وانضمام فراقه لأخيه بنيامين وبلوغ ما بلغه من كونه أسيراً عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير.
وقد روي عن سعيد بن جبير أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع والصبر على المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال يا أسفاً على يوسف عليه السلام يعني إن الاسترجاع خاص بهذه الأمة، ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره كأنه قال تعال يا أسفي وأقبل عَليّ وفيه شكوى إلى الله لا منه.
(وابيضت عيناه من الحزن) أي انقلب سواد عينه بياضاً من كثرة البكاء قيل أنه زال إدراكه بحاسة البصر بالمرة، قال مقاتل: لم يبصر شيئاً ست سنين، والتزمه بعضهم بناء على جواز مثل هذا على الأنبياء بعد التبليغ.
وقيل كان يدرك إدراكاً ضعيفاً، قال بعض أهل اللغة الحزن بالضم والسكون البكاء وبفتحتين ضد الفرح، وقال أكثر أهل اللغة هما لغتان بمعنى، والبكاء بالمد رفع الصوت وبالقصر نزول الدمع من غير صوت وهو المناسب هنا وهو أحد قولين والذي جرى عليه المصباح والقاموس أنه لا فرق بينهما في أن كُلاًّ يستعمل في كليهما.
وقد قيل في توجيه ما وقع من يعقوب عليه السلام من هذا الحزن العظيم المفضي إلى ذهاب بصره كُلاًّ أو بعضاً أنه إنما وقع منه ذلك لأنه علم أن يوسف عليه السلام حيّ فخاف على دينه مع كونه بأرض مصر وأهلها حيئنذ كفار، وقيل أن مجرد الحزن ليس بمحرم وإنما المحرم ما يفضي منه إلى الوله وشق الثياب والتكلم بما لا ينبغي.
قال أبو السعود: وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند النوائب فإن الكف من ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون انتهى.
ويؤيد هذا قوله (فهو كظيم) أي مكظوم فإن معناه أنه مملوء من الحزن ممسك له لا يبثه ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه من كظم السقاء إذا سده على ما فيه والكظم بالفتح مخرج النفس، يقال أخذ بأكظامه، وقيل الكظيم بمعنى الكاظم أي المشتمل على حزنه الممسك له ومنه والكاظمين الغيظ.
وقال الزجاج: معنى كظيم محزون، وعن ابن عباس قال: كظيم حزين، وعن قتادة قال؛ كظم على الحزن وحزنه في جوفه فلم يقل إلا خيراً، وعن عطاء الخراساني، قال مكروب، وعن عكرمة مثله، وعن الضحاك الكظيم الكمد، وعن مجاهد نحوه.
قال الحسن: كان بين خروج يوسف عليه السلام من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة ولم تجف فيها عينا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه والله أعلم.
12:85Page 245
قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥
They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."
(قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف) أي لا تفتؤ فحذف حرف النفي لعدم اللبس قال الفراء: أن لا مضمرة، قال النحاس: والذي قاله صحيح، وعن الخليل وسيبويه مثل قول الفراء، قال الكسائي: فتأت وفتيت أفعل كذا أي مازلت، وعن ابن عباس تفتأ أي لا تزال تذكر يوسف عليه السلام ولا تفتر عن حبه.
(حتى تكون حرضاً) أي دنفاً من المرض، قاله ابن عباس، وقال قتادة: هرماً، والحرض مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والصفة المشبهة حرض بكسر الراء كدنف ودنف، وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، حكى ذلك عن أبي عبيدة وغيره، وقيل الحرض ما دون الموت، وقيل الحارض البالي الدائر، وقال الفراء: الحارض الفاسد الجسم والعقل وكذا الحرض.
وقال المؤرج: هو الذائب من الهم، ويقال رجل محرض، قال النحاس: وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق، وقال الأخفش الحارض الذاهب، وقال ابن الأنباري: هو الهالك، وفي المصباح حرض حرضاً من باب تعب أشرف على الهلاك.
والأولى تفسير الحرض هنا بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة لقوله (أو تكون من الهالكين) أي من الميتين، قاله مجاهد، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن والأسف شفقة عليه وإن كانوا هم سبب أحزانه ومنشأ همومه وغمومه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences