Al-QinnawjiMaryam · 19:79–98

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:79–98

19:79Page 311

كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩

No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.

(كلا) في القرآن في النصف الثاني فقط، وذكرت في خمس عشرة سورة منه كلها مكية، وجملة ما ذكرت ثلاثة وثلاثون مرة، ترجع إلى أقسام ثلاثة، قسم يجوز الوقف عليها، وعلى ما قبلها فيبتدأ بها وهذا باتفاق.

وقسم اختلف فيه هل يجوز الوقف عليها أو يتعين على ما قبلها.

وقسم لا يجوز الوقف عليها باتفاق.

فالقسم الأول: خمسة مواضع اللتان في هذه السورة، واللتان في سورة الشعراء وواحدة في سورة سبأ.

والقسم الثاني: تسعة، واحدة في سورة المؤمنين واثنتان في سورة سأل سائل واثنتان في سورة المدثر. الأولى والثالثة والأولى في سورة القيامة؛ والثانية في سورة ويل للمطففين، والأولى في سورة الفجر والتي في سورة ويل لكل.

والقسم الثالث: هو التسع عشرة الباقية ذكره عز بن جماعة.

(سنكتب) أي سنحفظ عليه (ما يقول) فنجازيه به في الآخرة أو سنظهر له ما يقول ونعلمه أو سننتقم منه انتقام من كتبت معصيته (ونمد له من العذاب مداً) أي نزيده عذاباً فوق عذابه مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد، أو نطول له من العذاب ما يستحقه، وهو عذاب من جمع بين الكفر والاستهزاء

19:80Page 311

وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠

And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.

(ونرثه ما يقول) أي نميته فنرثه المال والولد الذي يقول إنه يؤتاه والمعنى مسمى ما يقول ومصداقه، قاله أبو السعود، وقيل المعنى نحرمه ما تمناه في الآخرة ونعطيه غيره من المسلمين قاله القرطبي.

(ويأتينا) يوم القيامة (فرداً) لا مال له ولا ولد ولا عشيرة، بل نسلبه ذلك فكيف يطمع في أن نعطيه، وقيل المراد بما يقول نفس القول لا مسماه والمعنى إنما يقول هذا القول ما دام حياً، فإذا أَمَتْنَاه حُلْنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضاً له، منفرداً عنه، والأول أولى.

19:81Page 311

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١

And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.

(واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً) حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء الكفار الذين تمنوا ما لا يستحقون وَتَأَلَّوْا على الله سبحانه من اتخاذهم الآلهة من دون الله لأجل أن يتعززوا بذلك.

وقال أبو السعود: حكاية لجناية عامة للكل مستتبعة لضد ما يرجون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة الكافر المعهود واستتباعها لنقيض مضمونها. وقال الهروي: معناه ليكونوا لهم أعواناً. وقال الفراء؛ ليكونوا لهم شفعاء عند الله في الآخرة، وقيل معناه ليتعززوا بهم من عذاب الله ويمتنعوا بها.

19:82Page 311

كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢

No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].

(كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً) أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا؛ والضمير في الفعل إما للآلهة، أي ستجحد هذه الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها الله سبحانه لأنها عند أن عبدوها جمادات لا تعقل ذلك، وإما للمشركين، أي سيجحد المشركون أنهم عبدوا الأصنام. ويدل على الوجه الأول قوله تعالى: (ما كانوا إيانا يعبدون) وقوله: (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) ويدل على الوجه الثاني قوله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين).

قرئ كُلاًّ بضم الكاف والتنوين، وهي بمعنى جميعاً، وبالفتح مصدر أي كل هذا الرأي كلا والأصوب أنها حرف ردع وزجر والمعنى تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزاً لهم ضداً عليهم، أي ضداً للعز، وضد العز الذل، هذا على الوجه الأول. وأما على الوجه الثاني فيكون المشركون للآلهة ضداً وأعداء يكفرون بها بعد أن كانوا يعبدونها ويحبونها ويؤمنون بها.

قال ابن عباس: عليهم ضداً أعواناً وحسرة، وإنما وحد الضد وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين إما لأنه مصدر في الأصل، والمصادر موحدة مذكرة، وإما لأنه مفرد في معنى الجمع.

19:83Page 311

أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣

Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?

(ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين) ذكر الزجاج في معنى هذا وجهين: أحدهما أن معناه خلينا بين الكافرين وبين الشياطين فلم نعصمهم منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) الوجه الثاني: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً) فمعنى الإرسال هنا التسليط، ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك).

ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية وهو قوله: (تؤزهم أزاً) فإن الأز والأزيز والهز والهزيز والاستفزاز أخوات معناها التحريك والتهييج وشدة الإزعاج فأخبر الله سبحانه أن الشياطين تحرك الكافرين وتهيجهم وتغريهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، وذلك هو التسليط لها عليهم.

وقيل معنى الأز الاستعجال وهو مقارب لما ذكرنا لأن الاستعجال تحريك وتهييج واستفزاز وإزعاج، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حالهم وللتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم، والجملة حالية من الشياطين، أو من الكافرين أو منهما أو مستأنفة، كأنه قيل ماذا تفعل الشياطين بهم؟.

قال ابن عباس: تؤزهم أزاً تغويهم إغواء، وتحرض المشركين على محمد وأصحابه وقال: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله، وفي الآية دليل على أن الله مدبر لجميع الكائنات

19:84Page 311

فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤

So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1

(فلا تعجل عليهم) بأن تطلب من الله إهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر وعنادهم للحق وتمردهم عن داعي الله سبحانه حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم وتطهر الأرض من فسادهم.

ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: (إنما نعد لهم عداً) يعني نعد الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم فلا نهمل ما بقع منهم بل نضبطه عليهم حتى نؤاخذهم به، وقيل نعد أنفاسهم وقيل خطواتهم وقيل لحظاتهم وقيل الساعات.

وقال قطرب: نعد أعمالهم، وقيل المعنى لا تعجل عليهم إنما نؤخرهم ليزدادوا إثماً. قال الشهاب: أن العد كناية عن القلة، ولا ينافي هذا ما مر من أنه يمد لمن كان في الضلالة لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند العد. ثم لما قرر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين حينئذ فقال:

19:85Page 311

يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥

On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation

(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) أي اذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم يوم إلخ. ومعنى الحشر إلى الرحمن حشرهم إلى جنته ودار كرامته، كقوله: إني ذاهب إلى ربي، والوفد جمع وافد كالركب جمع راكب والصحب جمع صاحب يقال وفد يفد وفداً إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير. كذا قال الجوهري. وعن ابن عباس قال: وفداً ركباناً.

وعن أبي هريرة قال: على الإبل. وعن علي قال: على نوق. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق، راغبين وراهبين، اثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا " والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً [[مسلم 2861 - البخاري 2450.]].

وقيل يركبون من أول خروجهم من القبور. وهو ظاهر الآية. وقيل من منصرفهم من الموقف، وعلى كلا القولين فيستمرون راكبين، حتى يقرعون باب الجنة.

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)

19:86Page 311

وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦

And will drive the criminals to Hell in thirst

(ونسوق المجرمين) أي الكافرين بكفرهم كما تساق البهائم (إلى جهنم ورداً) مشاة عطاشاً، والسوق الحث على السير، والورد العطاش، قاله الأخفش وغيره وبه قال ابن عباس وأبو هريرة. وقال الفراء وابن الأعرابي: هم المشاة. وقال الأزهري: هم المشاة العطاش كالإبل ترد الماء. وقيل ورداً أي للورد، كقولك جئتك إكراماً أي للإكرام. وقيل أفراداً. قيل ولا تناقض بين هذه الأقوال فهم يساقون مشاة عطاشاً أفراداً. وأصل الورد الجماعة التي ترد الماء من طير أو إبل أو قوم أو غير ذلك، والورد الماء الذي يورد، وقيل يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نَعَمٌ عطاش تساق إلى الماء.

19:87Page 311

لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧

None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1

(لا يملكون الشفاعة) جملة مستأنفة لبيان بعض ما يكون في ذلك اليوم من الأمور؛ والضمير راجع إلى الفريقين. وقيل للمتقين خاصة وقيل للمجرمين خاصة والأول أولى، والمعنى أنهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم. وقيل لا يملك غيرهم أن يشفع لهم. والأول أولى.

(إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً) هذا الاستثناء متصل على الوجه الأول، أي لا يملك الفريقان المذكوران الشفاعة إلا من تحلى واستأهل واستعد لذلك بما يصير به من جملة الشافعين لغيرهم، بأن يكون مؤمناً متقياً، فهذا معنى اتخاذ العهد عند الله.

وقيل معناه أن الله أمره بذلك، كقولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله ويبرأ من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله. وعنه قال: " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة " وقيل غير ذلك.

وأما على الوجه الثاني فالاستثناء منقطع لأن التقدير لا يملك المجرمون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً، وهم المسلمون والأول أوجه، وبه جزم البيضاوي كالكشاف. وقيل متصل على هذا الوجه أيضاً، والتقدير لا يملك المجرمون الشفاعة إلا من كان منهم مسلماً، ودلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار، إن الله لا يخلف الميعاد ".

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال، قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) " من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً، جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منها شيئاً فليس له عند الله عهد إن شاء رحمه وإن شاء عذبه ".

19:88Page 311

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨

And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."

(وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) قرئ بفتح الواو وضمها كما تقدم، والجملة مستأنفة لبيان قول اليهود والنصارى. ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله

19:89Page 311

لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩

You have done an atrocious thing.

(لقد جئتم شيئاً إدًّا) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وفيه رد لهذه المقالة الشنعاء، والإد كما قال الجوهري: الداهية والأمر الفظيع، وكذلك الإدة، وجمع الإِدةَّ إدَد؛ يقال أدت فلاناً الداهية تَؤُدُّه بالضم وتئده بالكسرِ وَتأده بالفتح إذا دهته وقرئ بالفتح، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرئ آداً مثل ماداً، وهي مأخوذة من الثقل، يقال آده الحمل يؤوده إذا أثقله.

قال الواحدي: إدّاً أي عظيماً في قول الجميع، وبه قال ابن عباس. والمعنى قلتم قولاً منكراً عظيماً، وقيل الِأدُّ العجب والِأدَّة الشدة والمعنى متقارب. والتركيب يدور على الشدة والثقل.

19:90Page 311

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠

The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation

(تكاد السماوات يتفطرن منه) قرئ بالتحتية وبالفوقية، وقرئ يتفطرون من الانفطار، واختاره أبو عبيد لقوله: (إذا السماء انفطرت) وقوله: (السماء منفطر به) وقرأ ابن مسعود يتصدعن؛ والانفطار والتفطر التشقق.

(وتنشق الأرض) كرر الفعل للتأكيد لأن يتفطرن وتنشق معناهما واحد أي تخسف بهم.

(وتخر) أي تسقط وتنهدم (الجبال هداً) قال ابن عباس: هداً هدماً. لأن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت تزول منه لعظمة الله سبحانه، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين. وانتصاب (هداً) على أنه مصدر مؤكد لأن الخُرُور في معناه، أو هو مصدر لفعل مقدر، أي وَتنهدّ هداً أو على الحال أي مهدودة أو على أنه مفعول له أي لأنها تنهد.

قال الهروي: هدني الأمر وهد ركني أي كسرني وبلغ مني، قال الجوهري: هد البناء يهده هداً كسره وضعضعه؛ وَهَدَّته المصيبة أوهنت ركنه، وانْهَدَّ الجبل أي انكسر، والْهَدُ صوت وَقْعِ الحائط كما قال ابن الأعرابي.

19:91Page 311

أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١

That they attribute to the Most Merciful a son.

(أن) أي لأن (دعوا) أو من أجل أن جعلوا (للرحمن ولداً) وقال الكسائي: هو بتقدير الخافض، وقيل في محل رفع على أنه فاعل هداً، أي هدها دعاء الولد، والدعاء بمعنى التسمية، أي سموا للرحمن ولداً، أو بمعنى النسبة، أي نسبوا له ولداً

19:92Page 311

وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢

And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.

(و) الحال أنه (ما ينبغي) أو لا يصلح (للرحمن) ولا يليق به (أن يتخذ ولداً) لاستحالة ذلك عليه لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث.

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

19:93Page 311

إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣

There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.

(إن كل من في السماوات والأرض) أي ما كل من فيهما (إلا) وهو (آتي الرحمن) وَجَّد آتي وآتيه الأتي حملاً على لفظ (كل) وهو اسم فاعل مَن أتى وهو مستقبل، أي يأتيه يوم القيامة (عبداً) مقراً بالعبودية خاضعاً ذليلاً منهم عزير وعيسى، كما قال (وكل أتوه داخرين) أي صاغرين، والمعنى أن الخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ولداً له؟ وقرئ آت على الأصل

19:94Page 311

لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤

He has enumerated them and counted them a [full] counting.

(لقد أحصاهم) أي حصرهم بعلمه، وَعَلِمَ عَدَدَهم وأحاط بهم (وعدهم عداً) أي عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم وأيامهم وآثارهم بعد أن حضرهم، فلا يخفى عليه أحد منهم ولا شيء من أمورهم.

19:95Page 311

وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥

And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.

(وكلهم) أي كل واحد منهم تحت قهره وقدرته وتدبيره (آتيه يوم القيامة فرداً) أي وحيداً ولا ناصراً له ولا مال معه، كما قال سبحانه (يوم لا ينفع مال ولا بنون). ثم ذكر الله سبحانه من أحوال المؤمنين بعض ما خصهم به بعد ذكره لقبائح الكافرين فقال:

19:96Page 312

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1

(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) الجمهور من السبعة وغيرهم على ضم الواو، وقرئ بكسرها وفتحها، أي حباً في قلوب عباده يجعله لهم من دون أن يطلبوه بالأسباب التي توجب ذلك، كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب، وهذا الجعل في الدنيا، والسين للدلالة على أن ذلك لم يكن من قبل وأنه مجعول من بعد نزول الآية، لأن المؤمنين كانوا بمكة حال نزول هذه الآية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم الله تعالى بذلك إذا ظهر الإسلام فألف الله تعالى بين قلوب المؤمنين، ووضع فيها المحبة، أو في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل.

وعن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب، والمعنى محبة في قلوب المؤمنين. وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: " قل اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي عندك وداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودة " فأنزل الله الآية في عليّ. أخرجه ابن مردويه والديلمي.

وعن ابن عباس قال: محبة في الناس في الدنيا، وعن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية ما هو؟ قال: " المحبة الصادقة في صدور المؤمنين ".

وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أحب الله عبداً نادى جبريل أني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادى في السماء، ثم ينزل المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل أني قد أبغضت فلاناً، فينادي في أهل السماء ثم ينزل البغضاء في الأرض " والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة [[مسلم 2637 - البخاري 1515.]].

ثم ذكر سبحانه تعظيم القرآن، خصوصاً هذه السورة لاشتمالها على التوحيد والنبوة وبيان حال المعاندين فقال:

19:97Page 312

فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧

So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.

(فإنما يسرناه) أي القرآن بإنزالنا له (بلسانك) أي على لغتك العربية؛ وفصلناه وسهلناه والباء بمعنى على والفاء لتعليل كلام يساق فإليه النظم الكريم كأنه قيل بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر به فإنما يسرناه، الآية، ثم علل ما ذكره من التيسير فقال: (لتبشر به المتقين) أي المتلبسين بالتقوى المتصفين بها (وتنذر به قوماً لدّاً) ولو أنزلناه بغيرها لم يتيسر التبشير ولا الإنذار لعدم فهم المخاطبين لغير العربية، واللُّدّ جمع الألد وهو الشديد الخصومة، ومنه قوله تعالى (ألد الخصام) وقال أبو عبيدة: الألد الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل، وقيل اللُّدُّ الصُّمُّ وقيل الظَّلَمَة، وقال ابن عباس: لُدَّاً فجاراً، وعن الحسن قال: صماً يعني عن الحق.

19:98Page 312

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨

And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?

(وكم أهلكنا قبلهم من قرن) أي أمة وجماعة من الناس؛ وفي هذا وعد لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بهلاك الكافرين ووعيد لهم وتخويف وإنذار.

(هل تحس منهم من أحد) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي هل تشعر بأحد من القرون أو تراه أو تجد أو تعلم، والإحساس الإدراك بالحاسة والحواس خمس والحس والحسيس الصوت الخفي (أو تسمع لهم ركزاً) الركز: الخفاء والصوت الخفي ومنه ركز الرمح، إذا غيب طرفه في الأرض وقال اليزيدي وأبو عبيدة: الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة، وقال سعيد ابن جبير: هل ترى منهم من أحد ركزاً صوتاً، وبه قال ابن عباس.

والمعنى لما أتاهم عذابنا لم يبق شخص يُرى ولا صوت يسمع، يعني هلكوا كلهم، قال الحسن: بادواء جميعاً فلم يبق منهم عين ولا أثر، يعني هكذا هؤلاء إن أعرضوا عن تدبر ما أنزل عليك فعاقبتهم الهلاك، فَلْيَهُنْ عليك أمرهم، والله أعلم بالصواب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском