Al-MawardiAl‑Isra · 17:1–28

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

الإسراء

Al-Isra

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

17:1Page 282

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١

Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4

(p-٢٢٣)سُورَةُ الإسْراءِ

مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا ثَمانِيَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ أمّا قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السُّوءِ، وقِيلَ بَلْ نَزَّهَ نَفْسَهُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ في إسْراءِ عَبْدِهِ تَأْثِيرٌ.

الثّانِي: مَعْناهُ بَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ السُّوءِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:

؎ أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ

وَهُوَ ذِكْرُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ لا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وإنَّما ذَكَرَهُ الشّاعِرُ عَلى طَرِيقِ النّادِرِ، وهُوَ

(p-٢٢٤)مِنَ السَّبْحِ في التَّعْظِيمِ وهو الجَرْيُ فِيهِ إلى أبْعَدِ الغاياتِ.

وَذَكَرَ أبانُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أنَّها كَلِمَةٌ بِالنَّبَطِيَّةِ (شُبْهانَكَ) . وقَدْ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ سُبْحانَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى عَجَبٌ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: عَجَبٌ مِنَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا، وقَدْ وافَقَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ سِيبَوَيْهِ وقُطْرُبٌ، وجَعَلَ البَيْتَ شاهِدًا عَلَيْهِ، وأنَّ مَعْناهُ عَجَبٌ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ.

وَوَجْهُ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ إذا كانَ مُشاهَدَةُ العَجَبِ سَبَبًا لِلتَّسْبِيحِ صارَ التَّسْبِيحُ تَعَجُّبًا فَقِيلَ عَجَبٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ بَشّارٍ:

؎ تُلْقِي بِتَسْبِيحَةٍ مِن حَيْثُما انْصَرَفَتْ ∗∗∗ وتَسْتَفِزُّ حَشا الرّائِي بِإرْعادِ

وَقَدْ جاءَ التَّسْبِيحُ في الكَلامِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُسْتَعْمَلَ في مَوْضِعِ الصَّلاةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٣] أيْ مِنَ المُصَلِّينَ.

الثّانِي: أنْ يُسْتَعْمَلَ في الِاسْتِثْناءِ، كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القَلَمِ: ٢٨] أيْ لَوْلا تَسْتَثْنُونَ.

الثّالِثُ: النُّورُ، لِلْخَبَرِ المَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ)» أيْ نُورُ وجْهِهِ.

الرّابِعُ: التَّنْزِيهُ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّسْبِيحِ فَقالَ: (تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ)» . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ أيْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والسُّرى: سَيْرُ اللَّيْلِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي مِن سُراها لَيْتُ

وَقَوْلُهُ ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

(p-٢٢٥)أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الحَرَمِ، والحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.

وَكانَ ﷺ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ، رَوى ذَلِكَ أبُو صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أسْرى بِهِ مِنَ المَسْجِدِ، وفِيهِ كانَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ رَوى ذَلِكَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إسْرائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُسْرِيَ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ، رَوى ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو هُرَيْرَةَ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.

واخْتَلَفَ قائِلُو ذَلِكَ هَلْ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ أمْ لا ؟ فَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ صَلّى فِيهِ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، ثُمَّ رُجِعَ بِهِ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ فَصَلّى فِيهِ صَلاةَ الصُّبْحِ مِن صَبِيحَةِ لَيْلَتِهِ.

وَرَوى حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ ولا نَزَلَ عَنِ البُراقِ حَتّى عُرِجَ بِهِ، ثُمَّ عادَ إلى مُلْكِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ ولَمْ يُسْرَ بِجِسْمِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ما فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنَّ اللَّهَ أسْرى بِرُوحِهِ.

وَرُوِيَ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: كانَتْ رُؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِقَةً، وكانَ الحَسَنُ

(p-٢٢٦)يَتَأوَّلُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسْراءِ: ٦٠] أنَّها في المِعْراجِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا ذَلِكَ وجَعَلُوا يَسْألُونَهُ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ وما رَأى في طَرِيقِهِ فَوَصَفَهُ لَهم، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم أنَّهُ رَأى في طَرِيقِهِ قَعْبًا مُغَطًّى مَمْلُوءًا ماءً، فَشَرِبَ الماءَ ثُمَّ غَطّاهُ كَما كانَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم صِفَةَ إبِلٍ كانَتْ لَهم في طَرِيقِ الشّامِ تَحْمِلُ مَتاعًا، وأنَّها تَقْدُمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ; فَخَرَجُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ يَسْتَقْبِلُونَها، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَذِهِ واللَّهِ الشَّمْسُ قَدْ أشْرَقَتْ ولَمْ تَأْتِ، وقالَ آخَرُ: هَذِهِ واللَّهِ العِيرُ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ.

وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ أُسْرِيَ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، وهو مَسْجِدُ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ وسُمِّيَ الأقْصى لِبُعْدِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالثِّمارِ ومَجارِي الأنْهارِ.

الثّانِي: بِمَن جُعِلَ حَوْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ؛ ولِهَذا جَعَلَهُ مُقَدَّسًا.

وَرَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا شامُ أنْتِ

(p-٢٢٧)صَفْوَتِي مِن بِلادِي وأنا سائِقٌ إلَيْكِ صَفْوَتِي مِن عِبادِي)» . ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الآياتِ الَّتِي أراهُ في هَذا المَسْرى أنْ أسْرى بِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى في لَيْلَةٍ، وهي مَسِيرَةُ شَهْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أراهُ في هَذا المَسْرى آياتٍ.

وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما أراهُ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي فِيها اعْتِبارٌ.

الثّانِي: مَن أُرِيَ مِنَ الأنْبِياءِ حَتّى وصَفَهم واحِدًا واحِدًا.

﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ في هَذِهِ الحالِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ، وإنْ كانَتا مِن صِفاتِهِ اللّازِمَةِ لِذاتِهِ في الأحْوالِ كُلِّها لِأنَّهُ حَفِظَ رَسُولَهُ عِنْدَ إسْرائِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَلا يَضُرُّ ألّا يُبْصِرَ فِيها، وسَمِعَ دُعاءَهُ فَأجابَهُ إلى ما سَألَ، فَلِهَذَيْنَ وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالسَّمِيعِ البَصِيرِ.

الثّانِي: أنَّ قَوْمَهُ كَذَّبُوهُ عَنْ آخِرِهِمْ بِإسْرائِهِ، فَقالَ: السَّمِيعُ يَعْنِي لِما يَقُولُونَهُ مِن تَصْدِيقٍ أوْ تَكْذِيبٍ، البَصِيرُ لِما يَفْعَلُهُ مِنَ الإسْراءِ والمِعْراجِ.

17:2–3Page 282

وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ.

﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ.

الثّانِي: أنَّ الكِتابَ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: شَرِيكًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَعْنِي رَبًّا يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ في أُمُورِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: كَفِيلًا بِأُمُورِهِمْ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

(p-٢٢٨)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ يَعْنِي مُوسى وقَوْمَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ وقْتَ الطُّوفانِ.

﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ يَعْنِي نُوحًا، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَمّاهُ شَكُورًا لِأنَّهُ كانَ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى عَلى طَعامِهِ، قالَهُ سَلْمانُ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَسْتَجِدُّ ثَوْبًا إلّا حَمِدَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ لِباسِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ نُوحًا كانَ عَبْدًا شَكُورًا فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى مِن ذُرِّيَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّ مُوسى كانَ عَبْدًا شَكُورًا إذْ جَعَلَهُ تَعالى مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.

17:4–8Page 282

وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤

And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥

So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨

[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ مَعْنى قَضَيْنا ها هُنا أخْبَرْنا.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ مَعْناهُ حَكَمْنا، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ قَضَيْنا عَلَيْهِمْ.

﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الفَسادُ الَّذِي فَعَلُوهُ قَتْلُهم لِلنّاسِ ظُلْمًا وتَغَلُّبُهم عَلى أمْوالِهِمْ قَهْرًا، وإخْرابُ دِيارِهِمْ بَغْيًا.

وَفِيمَن قَتَلُوهُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الأوَّلِ قَوْلانِ:

(p-٢٢٩)أحَدُهُما: أنَّهُ زَكَرِيّا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ شِعْيا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأنَّ زَكَرِيّا ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.

أمّا المَقْتُولُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الثّانِي فَيَحْيى بْنُ زَكَرِيّا في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُقاتِلٌ: وإنْ كانَ بَيْنَهُما مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرٌ.

﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ مِن فَسادِهِمْ.

﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ في قَوْلِهِ بَعَثْنا وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خِذْلانًا لَكم بِظُلْمِكم، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أمَرْنا بِقِتالِكُمُ انْتِقامًا مِنكم.

وَفي المَبْعُوثِ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ الأُولى خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جالُوتُ وكانَ مَلِكُهم طالُوتَ إلى أنْ قَتَلَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَنْحارِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهم كانُوا قَوْمًا مِن أهْلِ فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ أخْبارَهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَشَوْا وتَرَدَّدُوا بَيْنَ الدُّورِ والمَساكِنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وهو أبْلَغُ في القَهْرِ.

الثّانِي: مَعْناهُ فَداسُوا خِلالَ الدِّيارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ إلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ

الثّالِثُ: مَعْناهُ فَقَتَلُوهم بَيْنَ الدُّورِ والمَساكِنِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ:

؎ ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَجاسَ بِهِ الأعْداءَ عَرْضَ العَساكِرِ

(p-٢٣٠)الرّابِعُ: مَعْناهُ فَتَّشُوا وطَلَبُوا خِلالَ الدِّيارِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الخامِسُ: مَعْناهُ نَزَلُوا خِلالَ الدِّيارِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ فَجُسْنا دِيارَهم عَنْوَةً ∗∗∗ وأُبْنا بِساداتِهِمْ مُوَثَّقِينا

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الظَّفَرَ بِهِمْ، وفي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَزَوْا مَلِكَ بابِلَ واسْتَنْقَذُوا ما في يَدَيْهِ مِنَ الأسْرى والأمْوالِ.

الثّانِي: أنَّ مَلِكَ بابِلَ أطْلَقَ مَن في يَدِهِ مِنَ الأسْرى، ورَدَّ ما في يَدِهِ مِنَ الأمْوالِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ بِقَتْلِ جالُوتَ حِينَ قَتَلَهُ داوُدُ.

﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ بِتَجْدِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ.

﴿وَجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أكْثَرَ عِزًّا وجاهًا مِنهم.

الثّانِي: أكْثَرَ عَدَدًا، وكَثْرَةُ العَدَدِ تُنَفِّرُ عَدُوَّهم مِنهم، قالَ تُبَعُ بْنُ بَكْرٍ:

؎ فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وحِمْيَرَ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرا

قالَ قَتادَةُ: فَكانُوا بِها مِائَتَيْ سَنَةٍ وعَشْرَ سِنِينَ، وبُعِثَ فِيهِمْ أنْبِياءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ بِالثَّوابِ يَعُودُ إلَيْها، فَصارَ ذَلِكَ إحْسانًا لَها.

﴿وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ أيْ فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ لِما يَتَوَجَّهُ إلَيْها مِنَ العِقابِ، فَرَغَّبَ في الإحْسانِ وحَذَّرَ مِنَ الإساءَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَعْنِي وعَدَ المُقابَلَةَ عَلى فَسادِهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.

وَفِيمَن جاءَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: بُخْتُنَصَّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

(p-٢٣١)الثّانِي: أنَّهُ انْطِياخُوسُ الرُّومِيُّ مَلِكُ أرْضِ نِينَوى، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقِيلَ إنَّهُ قَتَلَ مِنهم مِائَةَ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفًا، وحَرَقَ التَّوْراةَ وأخْرَبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ولَمْ يَزَلْ عَلى خَرابِهِ حَتّى بَناهُ المُسْلِمُونَ.

﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ.

﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الهَلاكُ والدَّمارُ.

الثّانِي: أنَّهُ الهَدْمُ والإخْرابُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ وما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ يَعْنِي مِمّا حَلَّ بِكم مِنَ الِانْتِقامِ مِنكم.

﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنْ عُدْتُمْ إلى الإساءَةِ عُدْنا إلى الِانْتِقامِ، فَعادُوا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ يُذِلُّونَهم بِالجِزْيَةِ والمُحارِبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الثّانِي: إنْ عُدْتُمْ إلى الطّاعَةِ عُدْنا إلى القَبُولِ، قالَهُ بَعْضُ الصّالِحِينَ.

﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فِراشًا ومِهادًا، قالَهُ الحَسَنُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصِيرِ المُفْتَرَشِ.

الثّانِي: حَبْسًا يُحْبَسُونَ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ.

والعَرَبُ تُسَمِّي المَلِكَ حَصِيرًا لِأنَّهُ بِالحُجّابِ مَحْصُورٌ، قالَ لَبِيدٌ:

؎ ومَقامَةٍ غُلْبِ الرِّقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ

17:9–10Page 283

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ:

(p-٢٣٢)أحَدُهُما: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.

الثّانِي: ما تَضُمُّهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي هي أصْوَبُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

17:11Page 283

وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١

And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أحَدُها: أنْ يَطْلُبَ النَّفْعَ في العاجِلِ بِالضُّرِّ العائِدِ عَلَيْهِ في الآجِلِ.

الثّانِي: أنْ يَدْعُوَ أحَدُهم عَلى نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ بِالهَلاكِ، ولَوِ اسْتَجابَ دُعاءَهُ بِهَذا الشَّرِّ كَما اسْتَجابَ لَهُ بِالخَيْرِ لَهَلَكَ.

﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عَجُولًا في الدُّعاءِ عَلى نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وما يَخُصُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى آدَمَ حِينَ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، حَتّى بَلَغَتْ إلى سُرَّتِهِ فَأرادَ أنْ يَنْهَضَ عَجِلًا، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ والضَّحّاكِ.

17:12Page 283

وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢

And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الَّتِي لا نُبْصِرُ فِيها الطُّرُقاتِ كَما لا نُبْصِرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ، وهَذا مِن أحْسَنَ البَلاغَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها اللَّطْخَةُ السَّوْداءُ الَّتِي في القَمَرِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ وقَتادَةَ لِيَكُونَ ضَوْءُ القَمَرِ أقَلَّ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ فَيُمَيَّزُ بِهِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ.

﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ مُضِيئَةً لِلْأبْصارِ.

الثّانِي: مُوقِظَةً.(p-٢٣٣)

17:13–14Page 283

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣

And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.

ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤

[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِثْلَ ما كانَتِ العَرَبُ تَقُولُهُ سَوانِحُ الطَّيْرِ وبَوارِحُهُ، والسّانِحُ: الطّائِرُ يَمُرُّ ذاتَ اليَمِينِ وهو فَأْلُ خَيْرٍ، والبارِحُ: الطّائِرُ يَمُرُّ ذاتَ الشِّمالِ وهو فَأْلُ شَرٍّ، وأُضِيفَ إلى العُنُقِ.

الثّانِي: أنَّ طائِرَهُ حَظُّهُ ونَصِيبُهُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: طارَ سَهْمُ فُلانٍ إذا خَرَجَ سَهْمُهُ ونَصِيبُهُ مِنهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ يَعْنِي كِتابَ طائِرِهِ الَّذِي في عُنُقِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

وَيَحْتَمِلُ نَشْرُ كِتابِهِ الَّذِي يَلْقاهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْجِيلًا لِلْبُشْرى بِالحَسَنَةِ، والتَّوْبِيخِ بِالسَّيِّئَةِ.

الثّانِي: إظْهارُ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِما في قِراءَتِهِ مِن زِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.

والثّانِي: لِيَكُونَ إقْرارُهُ بِقِراءَتِهِ عَلى نَفْسِهِ.

﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شاهِدًا.

والثّانِي: يَعْنِي حاكِمًا بِعَمَلِكَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

وَلَقَدْ أنْصَفَكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبًا عَلى نَفْسِكَ بِعَمَلِكَ.(p-٢٣٤)

17:15Page 283

مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥

Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ يَعْنِي لِما يَحْصُلُ لَهُ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ.

﴿وَمَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يَعْنِي لِما يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِن عِقابِ مَعْصِيَتِهِ.

﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.

الثّانِي: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُعْصى لِمَعْصِيَةِ غَيْرِهِ.

الثّالِثُ: لا يَأْثَمُ أحَدٌ بِإثْمِ غَيْرِهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ لا يَتَحَمَّلَ أحَدٌ ذَنْبَ غَيْرِهِ ويَسْقُطُ مَأْثَمُهُ عَنْ فاعِلِهِ.

﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ عَلى الشَّرائِعِ الدِّينِيَّةِ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا مُبِينًا، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ العَقْلَ تَقَدَّمَ الشَّرْعَ.

الثّانِي: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا داعِيًا، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ جاءا مَعًا.

وَفي العَذابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَذابُ الآخِرَةِ.

وَهو ظاهِرُ قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: عَذابٌ بِالِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.(p-٢٣٥)

17:16Page 283

وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦

And when We intend to destroy a city, We command its affluent1 but they defiantly disobey therein; so the word [i.e., deserved decree] comes into effect upon it, and We destroy it with [complete] destruction.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ الآيَةِ.

في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ إذا أرَدْنا أنْ نَحْكُمَ بِهَلاكِ قَرْيَةٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ وإذا أهْلَكْنا قَرْيَةً، وقَوْلُهُ ﴿أرَدْنا﴾ صِلَةٌ زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكَهْفِ: ٧٧] الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِهَلاكِ القَرْيَةِ فَناءَ خِيارِها وبَقاءَ شِرارِها.

﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ الَّذِي عَلَيْهِ الأئِمَّةُ السَّبْعَةُ مِنَ القُرّاءِ أنَّ أمَرْنا مَقْصُورٌ مُخَفَّفٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمَرْنا مُتْرَفِيها بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِها، ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أيْ فَعَصَوْا بِالمُخالَفَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ: بَعَثْنا مُسْتَكْبِرِيها، قالَهُ هارُونُ، وهي في قِراءَةِ أُبَيٍّ: بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها.

وَفي قِراءَةٍ ثانِيَةٍ ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ، ومَعْناهُ جَعَلْناهم أُمَراءَ مُسَلَّطِينَ، قالَهُ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ.

وَفي قِراءَةٍ ثالِثَةٍ: آمَرْنا مُتْرَفِيها مَمْدُودٌ، ومَعْناهُ أكْثَرْنا عَدَدَهم، مِن قَوْلِهِمْ آمَرَ

(p-٢٣٦)القَوْمُ إذا كَثُرُوا؛ لِأنَّهم مَعَ الكَثْرَةِ يَحْتاجُونَ إلى أمِيرٍ يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « (خَيْرُ المالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ)» أيْ كَثِيرَةُ النَّسْلِ، وقالَ لَبِيدٌ:

؎ إنْ يَغْبِطُوا يَهْبِطُوا وإنْ أُمِرُوا يَوْمًا يَصِيرُوا إلى الإهْلاكِ والنَّكَدِ

وَهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

وَفي ﴿مُتْرَفِيها﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها جَبّارُوها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: رُؤَساؤُها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: فُسّاقُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

17:17–19Page 283

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧

And how many have We destroyed from the generations after Noah. And sufficient is your Lord, concerning the sins of His servants, as Aware and Seeing.

مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨

Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.

وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩

But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ القَرْنِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى.

الثّانِي: أنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ المازِنِيُّ.

(p-٢٣٧)الثّالِثُ: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، رَوى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

17:20–21Page 284

كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠

To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.

ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١

Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي البَرَّ والفاجِرَ مِن عَطاءِ رَبِّكَ في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.

﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَنقُوصًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَمْنُوعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

17:22–24Page 284

لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢

Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.

۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣

And your Lord has decreed that you worship not except Him, and to parents, good treatment. Whether one or both of them reach old age [while] with you, say not to them [so much as], "uff,"1 and do not repel them but speak to them a noble word.

وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤

And lower to them the wing of humility out of mercy and say, "My Lord, have mercy upon them as they brought me up [when I was] small."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ مَعْناهُ وأمَرَ رَبُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَآنِ (وَوَصّى رَبُّكَ) قالَهُ الضَّحّاكُ، وكانَتْ في المُصْحَفِ: ووَصّى رَبُّكَ لَكِنْ ألْصَقَ الكاتِبُ الواوَ فَصارَتْ ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾

(p-٢٣٨)﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْناهُ ووَصّى بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، يَعْنِي أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما بِالبِرِّ بِهِما في الفِعْلِ والقَوْلِ.

﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَبْلُغَنَّ كِبَرَكَ وكَمالَ عَقْلِكَ.

الثّانِي: يَبْلُغانِ كِبَرَهَما بِالضَّعْفِ والهَرَمِ.

﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ يَعْنِي حِينَ تَرى مِنهُما الأذى وتُمِيطَ عَنْهُما الخَلا، وتُزِيلَ عَنْهُما القَذى فَلا تَضْجَرْ، كَما كانا يُمِيطانِهِ عَنْكَ وأنْتَ صَغِيرٌ مِن غَيْرِ ضَجَرٍ.

وَفي تَأْوِيلِ: ﴿أُفٍّ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كُلُّ ما غَلُظَ مِنَ الكَلامِ وقَبُحَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِقْذارُ الشَّيْءِ وتَغَيُّرُ الرّائِحَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّبَرُّمِ والضَّجَرِ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأصْواتِ المَحْكِيَّةِ.

والعَرَبُ تَقُولُ أُفٍّ وتُفٍّ، فالأُفُّ وسَخُ الأظْفارِ، والتُّفُّ ما رَفَعْتَهُ مِنَ الأرْضِ بِيَدِكَ مِن شَيْءٍ حَقِيرٍ.

﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيِّنًا.

والآخَرُ: حَسَنًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ.

17:25Page 284

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥

Your Lord is most knowing of what is within yourselves. If you should be righteous [in intention] - then indeed He is ever, to the often returning [to Him], Forgiving.1

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُحْسِنُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

(p-٢٣٩)والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ المُنْكَدِرِ يَرْفَعُهُ.

الثّالِثُ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الضُّحى، وهَذا قَوْلُ عَوْنٍ العُقَيْلِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرّاجِعُ عَنْ ذَنْبِهِ الَّذِي يَتُوبُ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَتُوبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وكُلَّما أذْنَبَ بادَرَ بِالتَّوْبَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

17:26–28Page 284

وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦

And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1

إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧

Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.

وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨

And if you [must] turn away from them [i.e., the needy] awaiting mercy from your Lord which you expect,1 then speak to them a gentle word.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إذا أعْرَضْتَ عَمَّنْ سَألَكَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِتَعَذُّرِهِ عِنْدَكَ ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ أيِ انْتِظارًا لِلرِّزْقِ مِنهُ ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أيْ عِدْهم خَيْرًا ورُدَّ عَلَيْهِمْ رَدًّا جَمِيلًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ إذا أعْرَضْتَ عَمَّنْ سَألَكَ حَذِرًا أنْ يُنْفِقَهُ في مَعْصِيَةٍ فَمَنَعْتَهُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ لَهُ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا، أيْ لَيِّنًا سَهْلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском