Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
الغاشية
Al-Ghashiyah
The Overwhelming · Meccan · 26 ayahs
88:1–7Page 592
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١
Has there reached you the report of the Overwhelming [event]?
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ٢
[Some] faces, that Day, will be humbled,
عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣
Working [hard] and exhausted.1
تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ٤
They will [enter to] burn in an intensely hot Fire.
تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ٥
They will be given drink from a boiling spring.
لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦
For them there will be no food except from a poisonous, thorny plant
لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧
Which neither nourishes nor avails against hunger.
(p-٢٥٧)سُورَةُ الغاشِيَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكَفّارِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها في هَذا المَوْضِعِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِلْبَعْثِ لِأنَّها تَغْشى جَمِيعَ الخَلْقِ.
وَ (هَلْ) فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها في مَوْضِعِ قَدْ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الثّانِي: أنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ لِرَسُولِهِ، ومَعْناهُ ألَمْ يَكُنْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، فَقَدْ أتاكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ في الوُجُوهِ ها هُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَنى وُجُوهَ الكَفّارِ كُلِّهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.(p-٢٥٨)
الثّانِي: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي قَوْلِهِ (يَوْمَئِذٍ) وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿خاشِعَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي ذَلِيلَةً بِمَعاصِيها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها تَخْشَعُ بَعْدَ ذُلٍّ مِن عَذابِ اللَّهِ فَلا تَتَنَعَّمُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ خاشِعَةً لِتَظاهُرِها بِطاعَتِهِ بَعْدَ اعْتِرافِها بِمَعْصِيَتِهِ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ في ﴿عامِلَةٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: في الدُّنْيا عامِلَةٌ بِالمَعاصِي، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّها تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَأعْمَلَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أيْ باذِلَةٌ لِلْعَمَلِ بِطاعَتِهِ إنْ رُدَّتْ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ناصِبَةٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ناصِبَةٌ في أعْمالِ المَعاصِي.
الثّانِي: ناصِبَةٌ في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أيْ ناصِبَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى مُسْتَجِيرَةٌ بِعَفْوِهِ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى صِفَتِها بِالحَماءِ وهي لا تَكُونُ إلّا حامِيَةً وهو أقَلُّ أحْوالِها، فَما وجْهُ المُبالِغَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ النّاقِصَةِ؟ قِيلَ قَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالحامِيَةِ ها هُنا عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّها دائِمَةُ الحُمّى ولَيْسَتْ كَنارِ الدُّنْيا الَّتِي يَنْقَطِعُ حَمْيُها بِانْطِفائِها.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحامِيَةِ أنَّها حِمًى يَمْنَعُ مِنَ ارْتِكابِ المَحْظُوراتِ وانْتِهاكِ (p-٢٥٩)
المَحارِمِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وإنَّ حِمى اللَّهِ مَحارِمُهُ، ومَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ)» .
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّها تَحْمِي نَفْسَها عَنْ أنْ تُطاقَ مُلامَسَتُها أوْ تُرامَ مُماسَّتُها كَما يَحْمِيَ الأسَدُ عَرِينَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ
؎ تَعْدُو الذِّئابُ عَلى مَن لا كِلابَ لَهُ وتَتَّقِي صَوْلَةَ المُسْتَأْسِدِ الحامِي.
الرّابِعُ: أنَّها حامِيَةٌ مِمّا غِيظَ وغَضِبَ، مُبالَغَةً في شِدَّةِ الِانْتِقامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: حاضِرَةٌ.
الثّالِثُ: قَدْ بَلَغَتْ إناها وحانَ شُرْبُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: يَعْنِي قَدْ أنى حَرُّها فانْتَهى واشْتَدَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها شَجَرَةٌ تُسَمِّيها قُرَيْشٌ الشِّبْرِقَ، كَثِيرَةُ الشَّوْكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ قَتادَةُ وإذا يَبِسَ في الصَّيْفِ فَهو ضَرِيعٌ، قالَ الشّاعِرُ
؎ رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا نازِعَتْهُ النَّحائِصُ
الثّانِي: السَّلْمُ، قالَ أبُو الجَوْزاءِ: كَيْفَ يَسْمَنُ مَن يَأْكُلُ الشَّوْكَ.
الثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.(p-٢٦٠)
الرّابِعُ: أنَّهُ النَّوى المُحَرَّقُ، حَكاهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ بَعْضِ الأعْرابِ.
الخامِسُ: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
السّادِسُ: أنَّ الضَّرِيعَ بِمَعْنى المَضْرُوعِ، أيِ الَّذِي يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
88:8–16Page 592
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨
[Other] faces, that Day, will show pleasure.
لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩
With their effort [they are] satisfied
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠
In an elevated garden,
لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١
Wherein they will hear no unsuitable speech.1
فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢
Within it is a flowing spring.
فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣
Within it are couches raised high
وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤
And cups put in place
وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥
And cushions lined up
وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦
And carpets spread around.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الجَنَّةَ أعْلى مِنَ النّارِ فَسُمِّيَتْ لِذَلِكَ عالِيَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أعالِي الجَنَّةِ وغُرَفُها، لِأنَّها مَنازِلُ العُلُوِّ والِارْتِفاعِ.
فَعَلى هَذا في ارْتِفاعِهِمْ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِيَلْتَذُّوا بالعُلُوِّ والِارْتِفاعِ.
الثّانِي: لِيُشاهِدُوا ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم فِيها مِن نَعِيمٍ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قالَ الفَرّاءُ والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ وفي المُرادِ بِها سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي كَذِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّتْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: الباطِلُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: المَعْصِيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
السّادِسُ: الحَلِفُ فَلا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفَ يَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.(p-٢٦١)
السّابِعُ: لا يُسْمَعُ في كَلامِهِمْ كَلِمَةٌ تُلْغى، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّرُورِ وفي وصْفِها بِأنَّها مَرْفُوعَةٌ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِأنَّ بَعْضَها مَرْفُوعٌ فَوْقَ بَعْضٍ.
الثّانِي: مَرْفُوعَةٌ في أنْفُسِهِمْ لِجَلالَتِها وحُبِّهِمْ لَها، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: أنَّها مَرْفُوعَةُ المَكانِ لِارْتِفاعِها وعُلُوِّها.
فَعَلى هَذا في وصْفِها بِالعُلُوِّ والِارْتِفاعِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِيَلْتَذَّ أهْلُها بِارْتِفاعِها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: لِيُشاهِدُوا بِارْتِفاعِهِمْ ما أُعْطُوهُ مِن مُلْكٍ وأُوتُوهُ مِن نَعِيمٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
فَأمّا قَوْلُهُ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ فالأكْوابُ: الأوانِي، وقَدْ مَضى القَوْلُ في تَفْسِيرِها.
وَفي قَوْلِهِ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: في أيْدِيهِمْ لِلِاسْتِمْتاعِ بِالنَّظَرِ إلَيْها لِأنَّها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى الدَّوامِ، لِاسْتِدامَةِ شُرْبِهِمْ مِنها، قالَهُ المُفَضَّلُ.
﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: الوَسائِدُ، واحِدُها نُمْرُقَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: المُرافِقُ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، قالَ الشّاعِرُ
؎ ورِيمٌ أحَمُّ المُقْلَتَيْنِ مُحَبَّبٌ زَرابِيُّهُ مَبْثُوثَةٌ ونَمارِقُهُ
﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: هي البُسُطُ الفاخِرَةُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: هي الطَّنافِسُ المُخَمَّلَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.
وَفي (اَلْمَبْثُوثَةُ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَبْسُوطَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.(p-٢٦٢)
الثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: المُتَفَرِّقَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
88:17–26Page 592
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧
Then do they not look at the camels - how they are created?
وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨
And at the sky - how it is raised?
وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩
And at the mountains - how they are erected?
وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠
And at the earth - how it is spread out?
فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١
So remind, [O Muḥammad]; you are only a reminder.
لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢
You are not over them a controller.
إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣
However, he who turns away and disbelieves –
فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤
Then Allāh will punish him with the greatest punishment.
إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥
Indeed, to Us is their return.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦
Then indeed, upon Us is their account.
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآياتِ، وفي ذِكْرِهِ لِهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِيَسْتَدِلُّوا بِما فِيها مِنَ العِبَرِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ.
الثّانِي: لِيَعْلَمُوا بِقُدْرَتِهِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَعَتَ لَهم ما في الجَنَّةِ عَجِبَ مِنهُ أهْلُ الضَّلالَةِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العُجابِ لِيَزُولَ تَعَجُّبُهم، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي (اَلْإبِلِ) ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: وهو أظْهَرُهُما وأشْهُرُهُما: أنَّها الإبِلُ مِنَ النِّعَمِ.
الثّانِي: أنَّها السَّحابُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِها السَّحابَ فَلِما فِيها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ والمَنافِعِ العامَّةِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ.
وَإنْ كانَ المُرادُ بِها مِنَ النِّعَمِ فَإنَّ الإبِلَ أجْمَعُ لِلْمَنافِعِ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ، لِأنَّ ضُرُوبَهُ أرْبَعَةٌ: حَلُوبَةٌ، ورَكُوبَةٌ، وأكُولَةٌ، وحُمُولَةٌ والإبِلُ تَجْمَعُ هَذِهِ الخِلالَ الأرْبَعَ، فَكانَتِ النِّعْمَةُ بِها أعَمَّ، وظُهُورُ القُدْرَةِ فِيها أتَمَّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّما أنْتَ واعِظٌ.
الثّانِي: ذَكَّرَهُمُ النِّعَمَ لِيَخافُوا النِّقَمَ.(p-٢٦٣)
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بِجَبّارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: بِرَبٍّ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعْنى الكَلامِ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ أنْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ فَلَسْتَ لَهُ بِمُذَكِّرٍ، لِأنَّهُ لا يَقْبَلُ تَذْكِيرَكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَكِلْهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا قَبْلَ القِتالِ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي ﴿تَوَلّى وكَفَرَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ وكَفَرَ بِالنِّعْمَةِ.
الثّانِي: تَوَلّى عَنِ الرَّسُولِ وكَفَرَ بِاَللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الخُلُودَ فِيها، لِأنَّهُ يَصِيرُ بِالِاسْتِدامَةِ أكْبَرَ مِنَ المُنْقَطِعِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ مَرْجِعُهم.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جامِعًا بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ ثَوابًا عَلى الطّاعاتِ وعِقابًا عَلى المَعاصِي.
/
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences