Al-MawardiMaryam · 19:1–26

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

مريم

Maryam

Mary · Meccan · 98 ayahs

19:1–6Page 305

كٓهيعٓصٓ ١

Kāf, Hā, Yā, ʿAyn, Ṣād.1

ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢

[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah

إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣

When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤

He said, "My Lord, indeed my bones have weakened, and my head has filled1 with white, and never have I been in my supplication to You, my Lord, unhappy [i.e., disappointed].

وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥

And indeed, I fear the successors1 after me, and my wife has been barren, so give me from Yourself an heir

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦

Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."

(p-٣٥٢)سُورَةُ مَرْيَمَ

﴿كهيعص﴾ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كهيعص﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِفْتاحُ السُّورَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ مِن حُرُوفِ الجُمَّلِ تَفْسِيرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ الكافَ

(p-٣٥٣)عِشْرُونَ والهاءَ خَمْسَةٌ والياءَ عَشَرَةٌ والعَيْنَ سَبْعُونَ والصّادَ تِسْعُونَ.

كَذَلِكَ عَدَدُ حُرُوفِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.

السّادِسُ: أنَّها حُرُوفُ أسْماءِ اللَّهِ.

فَأمّا الكافُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيها مِن أيِّ اسْمٍ هي عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن كَبِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن كافٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّها مِن كِرِيمٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَأمّا الهاءُ فَإنَّها مِن هادٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.

وَأمّا الياءُ فَفِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن يَمُنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِن حَكِيمٍ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّها مِن ياسِينَ حَكاهُ سالِمٌ.

الرّابِعُ: أنَّها مِن يا لِلنِّداءِ وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: يا مَن يُجِيبُ مَن دَعاهُ ولا يَخِيبُ مَن رَجاهُ لِما تَعَقَبَهُ مِن دُعاءِ زَكَرِيّا.

الثّانِي: يا مَن يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَأمّا العَيْنُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن عَزِيزٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن عالِمٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مِن عَدْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَأمّا الصّادُ فَإنَّها مِن صادِقٍ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فَهَذا بَيانٌ لِلْقَوْلِ السّادِسِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلامٍ أُغْمِضَتْ مَعانِيهِ ونُبِّهَ عَلى مُرادِهِ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: كَفى وهَدى مَن لا يُعْصَ فَتَكُونُ الكافُ مِن كَفى والهاءُ مِن هَدى

(p-٣٥٤)والباقِي حُرُوفُ يَعْصِي لِأنَّ تَرْكَ المَعاصِي يَبْعَثُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي، فَصارَ تَرْكُها كافِيًا مِنَ العِقابِ وهادِيًا إلى الثَّوابِ وهَذا أوْجَزُ وأعْجَزُ مِن كُلِّ كَلامٍ مُوجَزٍ لِأنَّهُ قَدْ جَمَعَ في حُرُوفِ كَلِمَةٍ مَعانِيَ كَلامٍ مَبْسُوطٍ وتَعْلِيلَ أحْكامٍ وشُرُوطٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن كَفاهُ وهَداهُ فَقالَ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ فَذِكْرُ رَحْمَتِهِ حِينَ أجابَهُ إلى ما سَألَهُ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَحِمَهُ بِإجابَتِهِ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ إجابَةٌ لِرَحْمَتِهِ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ [فِيهِ قَوْلانِ] . أحَدُهُما: قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، سِرًّا لا رِياءَ فِيهِ.

قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ القَلْبَ النَّقِيَّ ويَسْمَعُ الصَّوْتَ الخَفِيَّ فَأخْفى زَكَرِيّا نِداءَهُ لِئَلّا يُنْسَبَ إلى الرِّياءِ فِيهِ.

الثّانِي: قالَهُ مُقاتِلٌ، إنَّما أخْفى لِئَلّا يَهْزَأ النّاسُ بِهِ، فَيَقُولُونَ انْظُرُوا إلى هَذا الشَّيْخِ يَسْألُ الوَلَدَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أخْلَصُ لِلدُّعاءِ وأرْجى لِلْإجابَةِ لِلسُّنَّةِ الوارِدَةِ فِيهِ: إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِأصَمَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ أيْ ضَعُفَ وفي ذِكْرِهِ وهَنَ العَظْمُ دُونَ اللَّحْمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا وهَنَ العَظْمُ الَّذِي هو أقْوى كانَ وهْنُ اللَّحْمِ والجِلْدِ أوْلى.

الثّانِي: أنَّهُ اشْتَكى ضَعْفَ البَطْشِ، والبَطْشُ إنَّما يَكُونُ بِالعَظْمِ دُونَ اللَّحْمِ.

(p-٣٥٥)﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ هَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ قَدْ يُنْشَرُ فِيهِ الشَّيْبُ كَما يُنْشَرُ في الحَطَبِ شُعاعُ النّارِ.

﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ خائِبًا، أيْ كُنْتَ لا تُخَيِّبُنِي إذا دَعَوْتُكَ ولا تَحْرِمُنِي إذا سَألْتُكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العُصْبَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.

الثّانِي: الكَلالَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: الأوْلِياءُ أنْ يَرِثُوا عِلْمِي دُونَ مَن كانَ مَن نَسْلِي قالَ لَبِيدٌ:

؎ ومَوْلًى قَدْ دَفَعْتُ الضَّيْمَ عَنْهُ وقَدْ أمْسى بِمَنزِلَةِ المُضِيمِ

الرّابِعُ: بَنُو العَمِّ لِأنَّهم كانُوا شِرارَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وَسُمُّوا مَوالِي لِأنَّهم يَلُونَهُ في النَّسَبِ لِعَدَمِ الصُّلْبِ.

وَفِيما خافَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَهم عَلى الفَسادِ في الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّهُ خافَهم عَلى نَفْسِهِ في حَياتِهِ وعَلى أشْيائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ خافَهم عَلى تَبْدِيلِ الدِّينِ وتَغْيِيرِهِ.

رَوى كَثِيرُ بْنُ كَلْثَمَةَ أنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ يَقْرَأُ: ﴿وَإنِّي خِفْتُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى قَلَّتْ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِي﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قُدّامِي وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

الثّانِي: بَعْدَ مَوْتِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرِثُنِي مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

(p-٣٥٦)الثّانِي: يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ الأخْلاقَ، قالَهُ عَطاءٌ.

الرّابِعُ: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأجابَهُ اللَّهُ إلى وِراثَةِ العِلْمِ ولَمْ يُجِبْهُ إلى وارِثَةِ المُلْكِ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَهُ وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، وكانَ فِيهِمُ المُلْكُ، وكانَ زَكَرِيّا مِن ولَدِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ أخِي مُوسى.

قالَ مُقاتِلٌ: ويَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ هو أخُو عِمْرانَ أبِي مَرْيَمَ؛ لِأنَّ يَعْقُوبَ وعِمْرانَ ابْنا ماثانَ، فَرَوى قَتادَةُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَتِهِ)» . ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ.

الثّانِي: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ نَبِيًّا.

19:7Page 305

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧

[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ البُشْرى ثَلاثَةَ أشْياءَ: أحَدُها: إجابَةُ دُعائِهِ وهي كَرامَةٌ.

الثّانِي: إعْطاؤُهُ الوَلَدَ وهو قُوَّةٌ.

الثّالِثُ: أنْ يُفْرَدَ بِتَسْمِيَتِهِ.

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: اخْتِصاصُهُ بِهِ.

الثّانِي: عَلى اصْطِفائِهِ لَهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: سَمّاهُ يَحْيى لِأنَّهُ صَبِيٌّ بَيْنَ أبٍ شَيْخٍ وأُمٍّ عَجُوزٍ

(p-٣٥٧)﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ لَمْ تَلِدْ مِثْلَهُ العَواقِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَيَكُونُ المَعْنى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ نَجْعَلْ لِزَكَرِيّا مِن قَبْلِ يَحْيى ولَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أيْ لَمْ يُسَمَّ قَبْلَهُ بِاسْمِهِ أحَدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

19:8–9Page 305

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨

He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"

قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩

[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ ولَدٌ.

﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ لا تَلِدُ، وفي تَسْمِيَتِها عاقِرًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَصِيرُ إذا لَمْ تَلِدْ كَأنَّها تَعْقِرُ النَّسْلَ أيْ تَقْطَعُهُ.

الثّانِي: لِأنَّ في رَحِمِها عُقْرًا يُفْسِدُ المَنِيَّ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَنْ شَكٍّ بَعْدَ الوَحْيِ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْبارِ: أتُعِيدُنا شابَّيْنِ؟ أوْ تَرْزُقُنا الوَلَدَ شَيْخَيْنِ؟ ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي سِنًّا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ نُحُولُ العَظْمِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي غَيَّرَهُ طُولُ الزَّمانِ إلى اليُبْسِ والجَفافِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى قالَ الشّاعِرُ:

؎ إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيًّا

قالَ قَتادَةُ: كانَ لَهُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وقالَ مُقاتِلٌ خَمْسٌ وتِسْعُونَ سَنَةً.

وَقَرَأ

(p-٣٥٨)ابْنُ عَبّاسٍ: عِسِيًّا وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ مِن قَوْلِهِمْ لِلشَّيْخِ إذا كَبُرَ: قَدْ عَسا وعَتا ومَعْناهُما واحِدٌ.

19:10–11Page 305

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠

[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١

So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَ اللَّهَ آيَةً تَدُلُّهُ عَلى البُشْرى بِيَحْيى مِنهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: سَألَهُ آيَةً تَدُلُّهُ عَلى أنَّ امْرَأتَهُ قَدْ حَمَلَتْ.

﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتَقَلَ لِسانَهُ ثَلاثًا مِن غَيْرِ مَرَضٍ وكانَ إذا أرادَ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ انْطَلَقَ لِسانُهُ وإذا أرادَ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ اعْتُقِلَ، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ الثّانِي: اعْتُقِلَ مِن غَيْرِ خَرَسٍ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

﴿سَوِيًّا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: صَحِيحًا مِن غَيْرِ خَرَسٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ثَلاثُ لَيالٍ مُتَتابِعاتٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، فَيَكُونُ السَّوِيُّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ راجِعًا إلى لِسانِهِ، وعَلى الثّانِي إلى اللَّيالِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أشْرَفَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ.

وَفي ﴿المِحْرابِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُصَلّاةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّخْصُ المَنصُوبُ لِلتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في الصَّلاةِ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ مِحْرابًا وجْهانِ:

(p-٣٥٩)أحَدُهُما: أنَّهُ لِلتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في صَلاتِهِ كالمُحارِبِ لِلشَّيْطانِ في صَلاتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَنزِلِ الأشْرافِ الَّذِي يُحارَبُ دُونَهُ ذَبًّا عَنْ أهْلِهِ فَكَأنَّ المَلائِكَةَ تُحارِبُ عَنِ المُصَلِّي ذَبًّا عَنْهُ ومَنعًا مِنهُ.

﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أوْصى إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أشارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: كَتَبَ عَلى الأرْضِ.

والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ الكِتابَةُ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎ كَأنَّ أخا اليَهُودِ يَخُطُّ وحْيًا بِكافٍ مِن مَنازِلِها ولامِ

﴿أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أيْ صَلُّوا بُكْرَةً وعَشِيًّا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وقِيلَ لِلصَّلاةِ تَسْبِيحٌ لِما فِيها مِنَ التَّسْبِيحِ.

19:12–15Page 306

يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢

[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy

وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣

And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤

And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.

وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥

And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ وفي قائِلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ زَكَرِيّا لِيَحْيى حِينَ نَشَأ.

الثّانِي: قَوْلُ اللَّهِ لِيَحْيى حِينَ بَلَغَ.

وَفي هَذا ﴿الكِتابَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صُحُفُ إبْراهِيمَ.

الثّانِي: التَّوْراةُ.

﴿بِقُوَّةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

(p-٣٦٠)الثّانِي: العَمَلُ بِما فِيهِ مِن أمْرٍ والكَفُّ عَمّا فِيهِ مِن نَهْيٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اللُّبُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الفَهْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: الأحْكامُ والمَعْرِفَةُ بِها.

الرّابِعُ: الحِكْمَةُ.

قالَ مَعْمَرٌ: إنَّ الصِّبْيانَ قالُوا لِيَحْيى اذْهَبْ بِنا نَلْعَبُ فَقالَ ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ وكانَ ابْنَ ثَلاثِ سِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: رَحْمَةٌ مِن عِنْدِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ

أيْ رَحْمَتَكَ وإحْسانَكَ.

الثّانِي: تَعَطُّفًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مَحَبَّةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: بَرَكَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الخامِسُ: تَعْظِيمًا.

السّادِسُ: يَعْنِي آتَيْنا تَحَنُّنًا عَلى العِبادِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ رِفْقًا لِيَسْتَعْطِفَ بِهِ القُلُوبَ وتُسْرِعَ إلَيْهِ الإجابَةُ ﴿وَزَكاةً﴾ فِيها هُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها العَمَلُ الصّالِحُ الزّاكِي، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ كَما يُزَكِّي الشُّهُودُ إنْسانًا.

(p-٣٦١)الثّالِثُ: يَعْنِي صَدَقَةً بِهِ عَلى والِدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما مُطِيعًا لِلَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: بارًّا بِوالِدَيْهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

19:16–21Page 306

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦

And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.

فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧

And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.

قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨

She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."

قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩

He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."

قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠

She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١

He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ يَعْنِي في القُرْآنِ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: انْفَرَدَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: اتَّخَذَتْ.

﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ناحِيَةَ المَشْرِقِ، قالَهُ الأخْفَشُ ولِذَلِكَ اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً.

الثّانِي: مُشْرِقَةً دارُهُ الَّتِي تُظِلُّها الشَّمْسُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّالِثُ: مَكانًا شاسِعًا بَعِيدًا، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حِجابًا مِنَ الجُدْرانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

(p-٣٦٢)الثّانِي: حِجابًا مِنَ الشَّمْسِ جَعَلَهُ اللَّهُ ساتِرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: حِجابًا مِنَ النّاسِ، وهو مُحْتَمَلٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها اتَّخَذَتْ مَكانًا تَنْفَرِدُ فِيهِ لِلْعِبادَةِ.

الثّانِي: أنَّها اتَّخَذَتْ مَكانًا تَعْتَزِلُ فِيهِ أيّامَ حَيْضِها.

﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ الآيَةِ: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الرُّوحَ الَّتِي خُلِقَ مِنها المَسِيحُ حَتّى تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًا.

الثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ مُنَبِّهٍ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ لَهُ رُوحًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ غَيْرُ الرُّوحِ، وأضافَهُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَشْرِيفًا لَهُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ تَحْيا بِهِ الأرْواحُ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ حَمْلِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها وكُمِّها فَحَمَلَتْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:

؎ فَأهْوى لَها بِالنَّفْخِ في جَيْبِ دِرْعِها فَألْقَتْ سَوِيَّ الخَلْقِ لَيْسَ بِتَوْأمِ

الثّانِي: أنَّهُ ما كانَ إلّا أنْ حَمَلَتْ فَوَلَدَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ حَمْلِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: تِسْعَةُ أشْهُرٍ.

حَكى لِي ذَلِكَ أبُو القاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ.

الثّالِثُ: يَوْمًا واحِدًا.

الرّابِعُ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، وكانَ هَذا آيَةَ عِيسى فَإنَّهُ لَمْ يَعِشْ مَوْلُودًا لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ سِواهُ.

(p-٣٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ لِأنَّ مَرْيَمَ خافَتْ جِبْرِيلَ عَلى نَفْسِها حِينَ دَنا فَقالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ﴾ أيْ أمْتَنِعُ ﴿بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ فاسْتَغاثَتْ بِاللَّهِ في امْتِناعِها مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَتْ ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ والتَّقِيُّ مَأْمُونٌ وإنَّما يُسْتَعاذُ مِن غَيْرِ التَّقِيِّ؟ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى كَلامِها إنْ كُنْتَ تَقِيًّا لِلَّهِ فَسَتَمْتَنِعُ مِنَ اسْتِعاذَتِي وتَنْزَجِرُ عَنِّي مِن خَوْفِهِ، قالَهُ أبُو وائِلٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْمًا لِرَجُلٍ فاجِرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَشْهُورٌ بِالعَهْرِ يُسَمّى تَقِيًّا فَخافَتْ أنْ يَكُونَ الَّذِي جاءَها هو ذَلِكَ الرَّجُلُ المُسَمّى تَقِيًّا الَّذِي لا يَأْتِي إلّا لِلْفاحِشَةِ فَقالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

19:22–23Page 306

۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢

So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.

فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣

And the pains of childbirth drove her to the trunk of a palm tree. She said, "Oh, I wish I had died before this and was in oblivion, forgotten."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألْجَأها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ إذْ شَدَدْنا شَدَّةً صادِقَةً فَأجَأْناكم إلى سَفْحِ الجَبَلِ

الثّانِي: مَعْناهُ فَجَأها المَخاضُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:

؎ وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا ∗∗∗ أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ

وَفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأواها

(p-٣٦٤)﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها خافَتْ مِنَ النّاسِ أنْ يَظُنُّوا بِها سُوءًا قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُ النّاسُ بِالمَعْصِيَةِ في قَذْفِها.

الثّالِثُ: لِأنَّها لَمْ تَرَ في قَوْمِها رَشِيدًا ذا فِراسَةٍ يُنَزِّهُها مِنَ السُّوءِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ.

﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا أُعْرَفُ ولا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: النَّسْيُ المَنسِيُّ هو السَّقْطُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: هو الحَيْضَةُ المُلْقاةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، بِمَعْنى خَرْقِ الحَيْضِ.

الخامِسُ: مَعْناهُ وكُنْتُ إذا ذُكِرْتُ لَمْ أُطْلَبْ حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.

والنَّسْيُ عِنْدَهم في كَلامِهِمْ ما أُعْقِلَ مِن شَيْءٍ حَقِيرٍ قالَ الرّاجِزُ:

؎ كالنَّسْيِ مُلْقًى بِالجِهادِ البَسْبَسِ

19:24–26Page 306

فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤

But he1 called her from below her, "Do not grieve; your Lord has provided beneath you a stream.

وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥

And shake toward you the trunk of the palm tree; it will drop upon you ripe, fresh dates.

فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦

So eat and drink and be contented. And if you see from among humanity anyone, say, 'Indeed, I have vowed to the Most Merciful abstention, so I will not speak today to [any] man.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنادِيَ لَها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ عِيسى ابْنُها، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

وَفي قَوْلِهِ مِن تَحْتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن أسْفَلَ مِنها في الأرْضِ وهي فَوْقُهُ عَلى رَأْسِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

(p-٣٦٥)الثّانِي: مِن بَطْنِها: قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، بِالقِبْطِيَّةِ.

﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّرِيَّ هو ابْنُها عِيسى؛ لِأنَّ السَّرِيَّ هو الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ مِن سَرَواتِ قَوْمِهِ أيْ مِن أشْرافِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ عِيسى هو المُنادِي مِن تَحْتِها ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ الثّانِي: أنَّ السَّرِيَّ هو النَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ،

(p-٣٦٦)وَقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، لِتَكُونَ النَّخْلَةُ لَها طَعامًا، والنَّهْرُ لَها شَرابًا، وعَلى هَذا يَكُونُ جِبْرِيلُ هو المُنادِي لَها ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّرايَةِ فَسُمِّيَ السَّرِيُّ لِأنَّهُ يَجْرِي فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ سَهْلُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ذُو نائِلٍ مِثْلُ السَّرِيِّ تَمُدُّهُ الأنْهارُ

وَقِيلَ: إنَّ اسْمَ السَّرِيَّ يُطْلَقُ عَلى ما يَعْبُرُهُ النّاسُ مِنَ الأنْهارِ وثْبًا.

وَرَوى أبانُ بْنُ تَغْلِبَ في تَفْسِيرِهِ القُرْآنَ خَبَرًا عَنْ عَدَدٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ شَدّادَ بْنَ ثُمامَةَ مُصَدَّقًا لِبَنِي كَعْبِ بْنِ مَذْحِجٍ وكَتَبَ لَهُ كِتابًا: (عَلى ما سَقَتْهُ المَراسِمُ والجَداوِلُ والنَّواهِرُ والدَّوافِعُ العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ إلّا الضَّوامِرَ واللَّواقِحَ وما أطَلَ الصُّوَرَ مِنَ الجَفْنِ.

وَفي كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ إلّا العَقِيلَ والأكِيلَ والرَّبِيَّ.

وَمِن كُلِّ ثَلاثِينَ بَقَرَةً جِذْعٌ أوْ جِذْعَةٌ إلّا العاقِرَ والنّاشِطَ والرّاشِحَ.

وَمِن كُلِ خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ المُوَبَّلَةِ مُسِنَّةٌ مِنَ الغَنَمِ.

وَلا صَدَقَةَ في الخَيْلِ ولا في الإبِلِ العامِلَةِ.

شَهِدَ جِرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ البَجَلِيُّ وشَدّادُ بْنُ ثُمامَةَ وكَتَبَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ)» فالمَراسِلُ العُيُونُ، والجَداوِلُ الأنْهارُ الصِّغارُ، والنَّواهِرُ الدَّوالِي، والدَّوافِعُ الأوْدِيَةُ، والضَّوامِرُ ما لَمْ تَحْمِلْ مِنَ النَّخْلِ، واللَّواقِحُ الفُحُولُ، والجَفْنِ الكَرْمُ، وما أطْلاهُ مِنَ الزَّرْعِ عَفْوٌ، والعَقِيلُ فَحْلُ الغَنَمِ، والأكِيلُ الَّذِي يُرَبّى لِلْأكْلِ، والرَّبِيُّ الَّتِي تُرَبِّي ولَدَها، والعاقِرُ مِنَ البَقَرِ الَّتِي لا تَحْمِلُ، والنّاشِطُ الفَحْلُ الَّذِي يَنْشَطُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والرّاشِحُ الَّذِي يَحْرُثُ الأرْضَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآيَةِ.

اخْتُلِفَ في النَّخْلَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ:

(p-٣٦٧)أحَدُها: كانَتْ بَرْنِيَّةً.

الثّانِي: صُرفاتَة، قالَهُ أبُو داوُدَ.

الثّالِثُ: قَرِينًا.

الرّابِعُ: عَجْوَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفي "الجَنِيِّ" ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُتَرَطِّبُ البُسْرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: البَلَحُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّرِيُّ بِغُبارِهِ.

وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ لِلنَّخْلَةِ رَأْسٌ وكانَ في الشِّتاءِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً.

قالَ مُقاتِلٌ فاخْضَرَّتْ وهي تَنْظُرُ ثُمَّ حَمَلَتْ وهي تَنْظُرُ ثُمَّ نَضِجَتْ وهي تَنْظُرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي﴾ يَعْنِي مِنَ الرُّطَبِ الجَنِيِّ.

﴿واشْرَبِي﴾ يَعْنِي مِنَ السَّرِيِّ.

﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يَعْنِي بِالوَلَدِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: جاءَ يُقِرُّ عَيْنَكِ سُرُورًا، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، لِأنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ ودَمْعَةَ الحُزْنِ حارَّةٌ.

الثّانِي: طِيبِي نَفْسًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: تَسْكُنُ عَيْنُكِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: ما شَيْءٌ خَيْرٌ لِلنُّفَساءِ مِنَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ.

﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ يَعْنِي إمّا لِلْإنْكارِ عَلَيْكِ وإمّا لِلسُّؤالِ لَكِ.

﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صَمْتًا، وقَدْ قُرِئَ في بَعْضِ الحُرُوفِ: لِلرَّحَمْنِ صَمْتًا وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ والضَّحّاكِ.

الثّانِي: صَوْمًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والكَلامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

(p-٣٦٨)﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها امْتَنَعَتْ مِنَ الكَلامِ لِيَتَكَلَّمَ عَنْها ولَدُها فَيَكُونُ فِيهِ بَراءَةُ ساحَتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ مَن صامَ في ذَلِكَ الزَّمانِ لَمْ يُكَلِّمِ النّاسَ، فَأُذِنَ لَها في المِقْدارِ مِنَ الكَلامِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском