Al-MawardiYa-Sin · 36:1–36

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

يس

Ya-Sin

Ya Sin · Meccan · 83 ayahs

36:1–7Page 440

يسٓ ١

Yā, Seen.1

وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

By the wise1 Qur’ān,

إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣

Indeed you, [O Muḥammad], are from among the messengers,

عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤

On a straight path.

تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥

[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,

لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦

That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.

لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧

Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.

(p-٥)سُورَةُ يس

مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ؛ فَإنَّهُما قالا إلّاَ آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا﴾ [يس: ٤٧] الآيَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يس﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أقْسَمَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فَواتِحُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى افْتَتَحَ بِهِ كَلامَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ: يا مُحَمَّدُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّانِي في القُرْآنِ بِسَبْعَةِ أسْماءٍ: مُحَمَّدٍ وأحْمَدَ وطَه ويس والمُزَّمِّلِ والمُدَّثِّرِ وعَبْدِ اللَّهِ» .

الخامِسُ: أنَّهُ يا إنْسانُ: قالَهُ الحُسْنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ هي بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ (p-٦)أنَّهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو بِلُغَةِ طَيِّئٍ.

وَقالَ آخَرُونَ: هي بِلُغَةِ كَلْبٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَئِسَ مَن كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، نَفْيًا لِلْإيمانِ أنْ يَكُونَ إلّا بِالشَّهادَتَيْنِ، واليَأْسُ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن جَمِيعِ ألْفاظِهِ، ثُمَّ أثْبَتَ رِسالَتَهُ بِقَسَمِهِ فَقالَ: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: عَلى شَرِيعَةٍ واضِحَةٍ.

الثّانِي: عَلى حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ، أُنْذِرُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَمْ يُنْذَرْ آباؤُهم مِن قَبْلِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ومَعْناهُ لِتُنْذِرَ قَوْمًا كَما أُنْذِرَ آباؤُهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿فَهم غافِلُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: عَنْ قَبُولِ الإنْذارِ.

الثّانِي: عَنِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَعْناهُ لَقَدْ وجَبَ العَذابُ عَلى أكْثَرِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَقَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ في أكْثَرِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي هَذا القَوْلِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الوَعِيدُ الَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ.

الثّانِي: أنَّهُ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ.

﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي الأكْثَرِيَّةَ الَّذِينَ حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ عانَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، وأكْثَرُهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَكانَ المُخْبَرُ كالخَبَرِ.

36:8–12Page 440

إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨

Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.

وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩

And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.

وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠

And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١

You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢

Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم في امْتِناعِهِمْ مِنَ الهُدى كامْتِناعِ المَغْلُولِ مِنَ التَّصَرُّفِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: ما حَكاهُ السُّدِّيُّ أنَّ ناسًا مِن قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَجاءُوا يُرِيدُونَ ذَلِكَ فَجُعِلَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَبْسُطُوا إلَيْهِ يَدًا.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في النّارِ مِنَ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ ويَكُونُ الجَعْلُ هاهُنا مَأْخُوذًا مِنَ الجُعالَةِ الَّتِي هي الأُجْرَةُ كَأنَّ جُعالَتَهم في النّارِ الأغْلالُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فِي أعْناقِهِمْ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: في أيْدِيهِمْ، فَكَنّى بِالأعْناقِ عَنِ الأيْدِي؛ لِأنَّ الغُلَّ يَكُونُ في الأيْدِي، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وحَكى قُطْرُبٌ أنَّها في قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: (إنّا جَعَلْنا في أيْمانِهِمْ أغْلالًا)

الثّانِي: أنَّها في الأعْناقِ حَقِيقَةٌ، لِأنَّ الأيْدِي تُجْمَعُ في الغُلِّ إلى الأعْناقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: إلى الوُجُوهِ فَكَنّى عَنْها بِالأذْقانِ لِأنَّها مِنها، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ قَدْ غُلَّتْ يَدُهُ عِنْدَ وجْهِهِ.

الثّانِي: أنَّها الأذْقانُ المُنْحَدِرَةُ عَنِ الشَّفَةِ في أسْفَلِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ أيْدِيَهم تَماسُّها إذا عَلَتْ.

﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: رَفْعُ رُؤُوسِهِمْ ووَضْعُ أيْدِيهِمْ عَلى أفْواهِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: هو الطّامِحُ بِبَصَرِهِ إلى مَوْطِئِ قَدَمِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: هو غَضُّ الطَّرْفِ ورَفْعُ الرَّأْسِ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَعِيرِ المُقْمَحِ؛ وهو أنْ يَرْفَعَ (p-٨)رَأْسَهُ ويُطْبِقَ أجْفانَهُ في الشِّتاءِ إذا ورَدَ ماءً كَرِيهًا، حُكُاهِ النَّقّاشُ.

وَقالَ المُبَرِّدُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎ ونَحْنُ عَلى جَوانِبِها قُعُودٌ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبِلِ القِماحِ

الرّابِعُ: هو أنْ يَجْذِبَ ذَقْنَهُ إلى صَدْرِهِ ثُمَّ يَرْفَعُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ القَمْحِ وهو رَفْعُ الشَّيْءِ إلى الفَمِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وقالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: يَعْنِي ضَلالًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: سَدًّا عَنِ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: ظُلْمَةٌ سَدَّتْ قُرَيْشًا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ حِينَ ائْتَمَرُوا لِقَتْلِهِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ عِكْرِمَةُ: ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى فَهو السُّدُّ بِالضَّمِّ، وما صَنَعَ الإنْسانُ فَهو السَّدُّ بِالفَتْحِ.

﴿فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: فَأغْشَيْناهم بِظُلْمَةِ الكُفْرِ فَهم لا يُبْصِرُونَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ومَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: فَأغْشَيْناهم بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَهم لا يُبْصِرُونَ مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ ائْتَمَرُوا عَلى قَتْلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: ما يَغِيبُ بِهِ عَنِ النّاسِ مِن شَرِّ عَمَلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ما غابَ مِن عَذابِ اللَّهِ ونارِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لِذَنْبِهِ.

﴿وَأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لِطاعَتِهِ، وفِيهِ وجْهانِ:

(p-٩)أحَدُهُما: أنَّهُ الكَثِيرُ.

الثّانِي: الَّذِي تُنالُ مَعَهُ الكَرامَةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: نُحْيِيهِمْ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:

أحَدُهُما: "ما قَدَّمُوا" هو ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، "وَآثارَهُمْ" ما أثَرُوا مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ما قَدَّمُوا: أعْمالُهم، وآثارُهُمْ: خُطاهم إلى المَساجِدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

رَوى سُفْيانُ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَتْ بَنُو سَلَمَةَ في ناحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأرادُوا أنْ يَنْتَقِلُوا إلى قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ وقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ آثارَكم تُكْتَبْ فَلَمْ يَنْتَقِلُوا).»

وَيَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ نَقْلُ هَذا السَّبَبِ تَأْوِيلًا ثالِثًا أنَّ آثارَهم هو أنْ يَصْلُحَ مَن صاحَبَهم بِصَلاحِهِمْ، أوْ يَفْسُدَ بِفَسادِهِمْ.

﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: عَلِمْناهُ.

الثّانِي: حَفِظْناهُ.

﴿فِي إمامٍ مُبِينٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُهُما: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أُمُّ الكِتابِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.(p-١٠)

36:13–17Page 441

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣

And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -

إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤

When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."

قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥

They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."

قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦

They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,

وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧

And we are not responsible except for clear notification."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ القَرْيَةُ هي أنْطاكِيَّةُ مِن قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.

﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما﴾ اخْتُلِفَ في اسْمَيْهِما عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّهُما شَمْعُونُ ويُوحَنّا، قالَهُ شُعَيْبٌ.

الثّانِي: صادِقٌ وصَدُوقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبُ الأحْبارِ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الثّالِثُ: سَمْعانُ ويَحْيى، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: فَشَدَّدْنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَزِدْنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: قَوَّيْنا مَأْخُوذٌ مِنَ العِزَّةِ وهي القُوَّةُ المَنِيعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مَن عَزَّ وبَزَّ.

واخْتُلِفَ في اسْمِهِ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: يُونُسُ قالَهُ شُعَيْبٌ.

الثّانِي: شُلُومُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ ووَهْبٌ.

وَكانَ مَلِكُ أنْطاكِيَّةِ أحَدَ الفَراعِنَةِ يَعْبُدُ الأصْنامَ مَعَ أهْلَها، وكانَتْ لَهم ثَلاثَةُ أصْنامٍ يَعْبُدُونَها، ذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّ أسْماءَها رُومسَ وقِيلَ وارْطَمِيسَ.

واخْتُلِفَ في اسْمِ المَلِكِ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ اسْمَهُ أنْطِيخُسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ ووَهْبٌ.

الثّانِي: انْطَرا، قالَهُ شُعَيْبٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ وهَذا القَوْلُ مِنهم إنْكارٌ لِرِسالَتِهِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّكم مِثْلُنا غَيْرُ رُسُلٍ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ البَشَرُ رُسُلًا.

(p-١١)الثّانِي: إنَّ مِثْلَكم مِنَ البَشَرِ لا يَجُوزُ أنْ يَكوُنوُا رُسُلًا.

﴿وَما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم إنْكارًا لِلرَّحْمَنِ أنْ يَكُونَ إلَهًا مُرْسِلًا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إنْكارًا أنْ يَكُونُوا لِلرَّحْمَنِ رُسُلًا.

﴿إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: تَكْذِبُونَ في أنَّ لَنا إلَهًا.

الثّانِي: تَكْذِبُونَ في أنْ تَكُونُوا رُسُلًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لا تَكُونُ حُجَّةٌ عِنْدَ الكُفّارِ لَهم.

قِيلَ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهم ذَلِكَ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: مَعْناهُ رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ بِما يُظْهِرُهُ لَنا مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهم أحْيَوْا مَيْتًا وأبْرَؤُوا زَمِنًا.

الثّانِي: أنَّ تَمْكِينَ رَبِّنا لَنا إنَّما هو لِعِلْمِهِ بِصِدْقِنا.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا رُسُلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا رُسُلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جُمْلَةِ الحَوارِيِّينَ أرْسَلَهم إلَيْهِمْ فَجازَ، لِأنَّهم رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، أنْ يَكُونُوا رُسُلًا لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿وَما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ يَعْنِي بِالإعْجازِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ أنَّ الَّذِي عَلى الرُّسُلِ إبْلاغُ الرِّسالَةِ، ولَيْسَ عَلَيْهِمُ الإجابَةُ، وإنَّما الإجابَةُ عَلى المَدْعُوِينَ دُونَ الدّاعِينَ.

36:18–19Page 441

قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨

They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."

قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩

They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: تَشاءَمْنا بِكم، وعَساهم قالُوا ذَلِكَ لِسُوءٍ أصابَهم، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قِيلَ: إنَّهُ حُبِسَ المَطَرُ عَنْ أنْطاكِيَّةِ في أيّامِهِمْ.

(p-١٢)الثّانِي: مَعْناهُ: إنْ أصابَنا شَرٌّ فَإنَّما هو مِن أجْلِكم، قالَهُ قَتادَةُ: تَحْذِيرًا مِنَ الرُّجُوعِ عَنْ دِينِهِمْ.

الثّالِثُ: اسْتَوْحَشْنا مِنكم فِيما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ مِن دِينِكِمْ.

﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: لَنَرْجُمَنَّكم بِالحِجارَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لَنَقْتُلَنَّكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لَنَشْتِمَنَّكم ونُؤْذِيكم، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿وَلَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ القَتْلُ.

الثّانِي: التَّعْذِيبُ المُؤْلِمُ قَبْلَ القَتْلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكم أإنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ أعْمالَكم مَعَكم أئِنْ ذَكَّرْناكم بِاللَّهِ تَطَيَّرْتُمْ بِنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ الشُّؤْمَ مَعَكم إنْ أقَمْتُمْ عَلى الكُفْرِ إذا ذُكِّرْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ كُلَّ مَن ذَكَّرَكم بِاللَّهِ تَطَيَّرْتُمْ بِهِ، حَكاهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّ عَمَلَكم ورِزْقَكم مَعَكم، حَكاهُ ابْنُ حُسامٍ المالِكِيُّ.

﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: في تَطَيُّرِكم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُسْرِفُونَ في كُفْرِكم، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَقالَ ابْنُ بَحْرٍ: السَّرَفُ هاهُنا الفَسادُ ومَعْناهُ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُفْسِدُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ إنَّ امْرَأً سَرِفَ الفُؤادِ يَرى عَسَلًا بِماءِ غَمامَةٍ شَتْمِي

وَقِيلَ: إنَّ شَمْعُونَ مِن بَيْنِهِمْ أحْيا بِنْتَ مَلِكِ أنْطاكِيَّةِ مِن قَبْرِها، فَلَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهم غَيْرُ حَبِيبٍ النَّجّارِ فَإنَّهُ تَرَكَ تِجارَتَهُ حِينَ سَمِعَ بِهِمْ وجاءَهم مُسْرِعًا فَآمَنَ، وقُتِلُوا جَمِيعًا وحَبِيبٌ مَعَهم، وأُلْقُوا في بِئْرٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: هم أصْحابُ الرَّسِّ: ولَمّا عُرِجَ بِرُوحِ حَبِيبٍ إلى الجَنَّةِ تَمَنّى فَقالَ: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ (p-١٣)

36:20–25Page 441

وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١

Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.

وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢

And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?

ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣

Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?

إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤

Indeed, I would then be in manifest error.

إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥

Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ إسْكافًا، قالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الحَكِيمِ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ قَصّارًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ حَبِيبٌ النَّجّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.

﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ وفي عِلْمِهِ بِنُبُوَّتِهِمْ وتَصْدِيقِهِ لَهم قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَ ذا زَمانَةٍ أوْ جُذامٍ فَأبْرَؤُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِأنَّهم لَمّا دَعَوْهُ قالَ أتَأْخُذُونَ عَلى ذَلِكَ أجْرًا؟ قالُوا: لا، فاعْتَقَدَ صِدْقَهم وآمَنَ بِهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى صِدْقِهِمْ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في إجابَتِهِمْ.

﴿وَهم مُهْتَدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: مُهْتَدُونَ لِهِدايَتِكم.

الثّانِي: مُهْتَدُونَ فاهْتَدُوا بِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (p-١٤)أيْ: تُبْعَثُونَ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أضافَ الفِطْرَةَ إلى نَفْسِهِ والبَعْثَ إلَيْهِمْ وهو مُعْتَرِفٌ أنَّ اللَّهَ فَطَرَهم جَمِيعًا ويَبْعَثُهم إلَيْهِ جَمِيعًا؟

قِيلَ: لِأنَّهُ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ نِعْمَةً عَلَيْهِ تُوجِبُ الشُّكْرَ، والبَعْثُ في القِيامَةِ وعِيدٌ يَقْتَضِي الزَّجْرَ، فَكانَ إضافَةُ النِّعْمَةِ إلى نَفْسِهِ إضافَةَ شُكْرٍ، وإضافَةُ الزَّجْرِ إلى الكافِرِ أبْلَغَ أثَرًا.

قال قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّهم لَمّا قالَ لَهُمْ: وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وثَبُوا عَلَيْهِ وثْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَقَتَلُوهُ وهو يَقُولُ: يا رَبِّ اهْدِ قَوْمِي، أحْسَبُهُ قالَ: فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ خاطَبَ الرُّسُلَ بِذَلِكَ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ رَبِّهِمْ ﴿فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا لِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّهُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، ومَعْناهُ إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ فاسْمَعُوا قَوْلِي، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

36:26–27Page 441

قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦

It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know

بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧

Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ أُمِرَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ.

الثّانِي: أنَّهُ أُخْبِرَ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ دُخُولَ الجَنَّةِ لِأنَّ دُخُولَها يُسْتَحَقُّ بَعْدَ البَعْثِ.

﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ في هَذا التَّمَنِّي مِنهُ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا حالَهُ لِيَعْلَمُوا حُسْنَ مَآلِهِ وحَمِيدَ عاقِبَتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَمَنّى ذَلِكَ لِيُؤْمِنُوا مِثْلَ إيمانِهِ فَيَصِيرُوا إلى مِثْلِ حالِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَصَحَ قَوْمَهُ حَيًّا ومَيْتًا.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: مِمَّنْ أكْرَمَهُ بِقَبُولِ عَمَلِهِ.

الثّانِي: مِمَّنْ أحَلَّهُ دارَ كَرامَتِهِ.(p-١٥)

36:28–32Page 442

۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨

And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩

It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.

يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?

وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢

And indeed, all of them will yet be brought present before Us.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: مَعْنى جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أيْ: رِسالَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَطَعَ عَنْهُمُ الرُّسُلَ حِينَ قَتَلُوا رُسُلَهُ.

الثّانِي: أنَّ الجُنْدَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُنْزِلُونَ الوَحْيَ عَلى الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ أيْ: فاعِلِينَ.

﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ فِيها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الصَّيْحَةَ هي العَذابُ.

الثّانِي: أنَّها صَيْحَةٌ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَها مَثْنَوِيَّةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾ أيْ: مَيِّتُونَ تَشْبِيهًا بِالرَّمادِ الخامِدِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: يا حَسْرَةَ العِبادِ عَلى أنْفِسِها، قالَ قَتادَةُ، وحَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ في بَعْضِ القِراءاتِ مَتْلُوًّا.

الثّانِي: أنَّها حَسْرَتُهم عَلى الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى العِبادِ في تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم حَلُّوا مَحِلَّ مَن يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ.

﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الِاسْتِهْزاءُ مِنهم قَبْلَ العَذابِ.

وَفِي الحَسْرَةِ مِنهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.

الثّانِي: في القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

(p-١٦)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ يَعْنِي الماضِينَ والباقِينَ.

﴿لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُعَذَّبُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مَبْعُثُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

36:33–36Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣

And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.

وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤

And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -

لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّها إثْباتٌ وتَقْدِيرُهُ: ومِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّها جَحْدٌ وفِيها عَلى هَذا القَوْلِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: وما لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم.

قالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخَ ونِيلَ مِصْرَ.

الثّانِي: وما لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: يَعْنِي الأصْنافَ كُلَّها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: يَعْنِي مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ والزَّرْعِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنهُ زَوْجٌ.

﴿وَمِن أنْفُسِهِمْ﴾ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى مُشاكَلَةِ الحَيَوانِ لَهم في أنَّها زَوْجٌ ذَكَرٌ وأُنْثى.

﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: يَعْنِي الرُّوحَ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ ولا يَعْلَمُها غَيْرُهُ.

الثّانِي: ما يُرى نادِرًا مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ.

(p-١٧)وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: مِمّا لا تَعْلَمُونَ مِن تَقَلُّبِ الوَلَدِ في بَطْنِ أُمِّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском