Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
الكهف
Al-Kahf
The Cave · Meccan · 110 ayahs
18:1–5Page 293
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢
[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]
مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣
In which they will remain forever
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤
And to warn those who say, "Allāh has taken a son."
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
(p-٢٨٣)سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً واحِدَةً ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكَهْفِ: ٢٨]
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ يَعْنِي عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنَ، فَتَمَدَّحَ بِإنْزالِهِ لِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ خُصُوصًا، وعَلى الخَلْقِ عُمُومًا.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ في ﴿عِوَجًا﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُخْتَلِفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ أدُومُ بِوُدِّي لِلصَّدِيقِ تَكَرُّمًا ولا خَيْرَ فِيمَن كانَ في الوُدِّ أعْوَجا
الثّانِي: يَعْنِي مَخْلُوقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ العُدُولُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وعَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى الفَسادِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
(p-٢٨٤)والفَرْقُ بَيْنَ العِوَجِ بِالكَسْرِ والعَوَجِ بِالفَتْحِ أنَّ العِوَجَ بِكَسْرِ العَيْنِ ما كانَ في الدِّينِ وفي الطَّرِيقِ وفِيما لَيْسَ بِقائِمٍ مُنْتَصِبٍ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في القَناةِ والخَشَبَةِ وفِيما كانَ قائِمًا مُنْتَصِبًا.
﴿قَيِّمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.
الثّانِي: أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُها ويَنْفِي الباطِلَ عَنْها.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ كَقَيِّمِ الدّارِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في أمْرِها، وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلَ الكِتابَ عَلى عَبْدِهِ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ولَكِنْ جَعَلَهُ قَيِّمًا.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا.
الثّانِي: أنَّهُ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.
18:6–8Page 294
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قاتِلٌ نَفْسَكَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدِ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْكَ المَقادِرُ
الثّانِي: أنَّ الباخِعَ المُتَحَسِّرُ الأسِفُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى آثارِ كُفْرِهِمْ.
الثّانِي: بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
(p-٢٨٥)﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ يُرِيدُ إنْ لَمْ يُؤْمِن كُفّارُ قُرَيْشٍ بِهَذا الحَدِيثِ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿أسَفًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ غَضَبًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: جَزَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ غَمًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: حَزَنًا، قالَهُ الحَسَنُ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎ أرى رَجُلًا مِنهم أسِيفًا كَأنَّما ∗∗∗ تَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبا
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الأشْجارُ والأنْهارُ الَّتِي زَيَّنَ اللَّهُ الأرْضَ بِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الرِّجالُ لِأنَّهم زِينَةُ الأرْضِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ والعُلَماءُ، قالَهُ القاسِمُ.
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿زِينَةً لَها﴾ أيْ شَهَواتٍ لِأهْلِها تُزَيَّنُ في أعْيُنِهِمْ وأنْفُسِهِمْ.
﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيُّهم أحْسَنُ إعْراضًا عَنْها وتَرْكًا لَها، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.
الثّانِي: أيُّهم أحْسَنُ تَوَكُّلًا عَلَيْنا فِيها، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: أيُّهم أصْفى قَلْبًا وأهْدى سَمْتًا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِنَخْتَبِرَهم أيُّهم أكْثَرُ اعْتِبارًا بِها.
(p-٢٨٦)وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: لِنَخْتَبِرَهم في تَجافِي الحَرامِ مِنها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ في الصَّعِيدِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ ومُقاتِلٌ.
الثّانِي: هو وجْهُ الأرْضِ لِصُعُودِهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ التُّرابُ، قالَهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.
وَفي الجُرُزِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَلْقَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَلْساءَ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.
الثّالِثُ: مَحْصُورَةً، وهو قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّها اليابِسَةُ الَّتِي لا نَباتَ بِها ولا زَرْعَ قالَ الرّاجِزُ:
؎ قَدْ جَرَفَتْهُنَّ السُّنُونَ الأجْرازُ
18:9–12Page 294
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩
Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١
So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ أمّا الكَهْفُ فَهو غارٌ في الجَبَلِ الَّذِي أوى إلَيْهِ القَوْمُ.
وَأمّا الرَّقِيمُ فَفِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو وادٍ
(p-٢٨٧)بِالشّامِ نَحْوَ إبْلَةَ وقَدْ رُوِيَ أنَّ اسْمَ جَبَلِ الكَهْفِ بَناجْلُوسْ، واسْمَ الكَهْفِ مِيرَمْ، واسْمُ المَدِينَةِ أفْسُوسُ، واسْمُ المَلِكِ وُفْيانُوسُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ كَلْبِهِمْ.
قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِكُلِّ كَهْفٍ.
الخامِسُ: أنَّ الرَّقِيمَ الكِتابُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ شَأْنُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّقْمِ في الثَّوْبِ.
وَقِيلَ كانَ الكِتابُ لَوْحًا مِن رَصاصٍ عَلى بابِ الكَهْفِ، وقِيلَ في خَزائِنِ المُلُوكِ لِعَجِيبِ أمْرِهِمْ.
السّادِسُ: الرَّقِيمُ الدَّواةُ بِالرُّومِيَّةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
السّابِعُ: أنَّ الرَّقِيمَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشُّراةِ كانَتْ حالُهم مِثْلَ حالِ أصْحابِ الكَهْفِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ما حَسِبْتَ أنَّهم كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا لَوْلا أنْ أخْبَرْناكَ وأوْحَيْنا إلَيْكَ.
الثّانِي: مَعْناهُ أحَسِبْتَ أنَّهم أعْجَبُ آياتِنا ولَيْسُوا بِأعْجَبِ خَلْقِنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ إيوائِهِمْ إلَيْهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمٌ هَرَبُوا بِدِينِهِمْ إلى الكَهْفِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ الثّانِي: أنَّهم أبْناءُ عُظَماءٍ وأشْرافٍ خَرَجُوا فاجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ أسَنُّهُمْ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أحَدًا يَجِدُهُ، إنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، ﴿فَقالُوا﴾ جَمِيعًا ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ (p-٢٨٨)إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ثُمَّ دَخَلُوا الكَهْفَ فَلَبِثُوا فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هم أبْناءُ الرُّومِ دَخَلُوا الكَهْفَ قَبْلَ عِيسى، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ فِيهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسى أخْبَرَ بِخَبَرِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ عِيسى في الفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ. وفي ﴿شَطَطًا﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَذِبًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: غُلُوًّا، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: جَوْرًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ والضَّرْبُ عَلى الآذانِ هو المَنعُ مِنَ الِاسْتِماعِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا وكانُوا نِيامًا، ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إحْصاءً.
الثّانِي: سِنِينَ كامِلَةً لَيْسَ فِيها شُهُورٌ ولا أيّامٌ.
وَإنَّما ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن أسْبابِ النَّوْمِ لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يُوقِظُهم مِن نَوْمِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ الآيَةِ.
يَعْنِي بِالبَعْثِ إيقاظَهم مِن رَقْدَتِهِمْ.
﴿لِنَعْلَمَ﴾ أيْ لِنَنْظُرَ ﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَدَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أجَلًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: الغايَةُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَفي الحِزْبَيْنِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
(p-٢٨٩)أحَدُها: أنَّ الحِزْبَيْنِ هُما المُخْتَلِفانِ في أمْرِهِمْ مِن قَوْمِ الفِتْيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ الفِتْيَةُ، والثّانِي: مَن حَضَرَهم مَن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ.
الثّالِثُ: أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ مُؤْمِنُونَ، والآخَرُ كُفّارٌ.
الرّابِعُ: أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ اللَّهُ تَعالى، والآخَرُ الخَلْقُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ.
18:13–16Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَبَّتْناها.
الثّانِي: ألْهَمْناها صَبْرًا، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غُلُوًّا.
الثّانِي: تَباعُدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: بِكِتابٍ بَيِّنٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَعَةً.
الثّانِي: مَعاشًا.
(p-٢٩٠)وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَعْنِي خَلاصًا، ويُقْرَأُ ﴿مِرْفَقًا﴾ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ و ﴿مِرْفَقًا﴾ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ إذا وصَلَ إلَيْكَ مِن غَيْرِكَ، وبِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ إذا وصَلَ مِنكَ إلى غَيْرِكَ.
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: تُعْرِضُ عَنْهُ فَلا تُصِيبُهُ.
الثّانِي: تَمِيلُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ.
﴿وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْنى تَقْرِضُهم تُحاذِيهِمْ، والقَرْضُ المُحاذاةُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
الثّانِي: مَعْناهُ تُقَطِّعُهم ذاتَ الشِّمالِ أيْ أنَّها تَجُوزُهم مُنْحَرِفَةً عَنْهم، مِن قَوْلِكَ قَرَضْتُهُ بِالمِقْراضِ أيْ قَطَعْتَهُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ تُعْطِيهِمُ اليَسِيرَ مِن شُعاعِها ثُمَّ تَأْخُذُهُ بِانْصِرافِها، مَأْخُوذٌ مِن قَرْضِ الدَّراهِمِ الَّتِي تُرَدُّ لِأنَّهم كانُوا في مَكانٍ مُوحِشٍ، وقِيلَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ سَقْفٌ يُظِلُّهم ولَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ لَأحْرَقَتْهم.
وَفي انْحِرافِها عَنْهم في الطُّلُوعِ والغُرُوبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ كَهْفَهم كانَ بِإزاءِ بَناتِ نَعْشٍ فَلِذَلِكَ كانَتِ الشَّمْسُ لا تُصِيبُهُ في وقْتِ الشُّرُوقِ ولا في وقْتِ الغُرُوبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَ الشَّمْسَ عَنْهم لِتَبْقى أجْسامُهم وتَكُونَ عِبْرَةً لِمَن يُشاهِدُهم أوْ يَتَّصِلُ بِهِ خَبَرُهم.
(p-٢٩١)﴿وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي في فَضاءٍ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: داخِلٌ مِنهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المَكانُ المُوحِشُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ناحِيَةٌ مُتَّسِعَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ ونَحْنُ مَلَأْنا كُلَّ وادٍ وفَجْوَةٍ رِجالًا وخَيْلًا غَيْرَ مَيْلٍ ولا عُزْلِ
18:18Page 295
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ الأيْقاظُ: المُنْتَبِهُونَ.
قالَ الرّاجِزُ:
؎ قَدْ وجَدُوا إخْوانَهم أيْقاظا والسَّيْفُ غَيّاظٌ لَهم غَيّاظا
والرُّقُودُ: النِّيامُ.
قِيلَ إنَّ أعْيُنَهم كانَتْ مَفْتُوحَةً ويَتَنَفَّسُونَ ولا يَتَكَلَّمُونَ.
﴿وَنُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ يَعْنِي تَقَلُّبَ النِّيامِ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يُقَلَّبُوا لَأكْلَتْهُمُ الأرْضُ لِطُولِ مُكْثِهِمْ.
وَقِيلَ إنَّهم كانُوا يُقَلَّبُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّتَيْنِ، سِتَّةَ أشْهُرٍ عَلى جَنْبٍ.
وَسِتَّةَ أشْهُرٍ عَلى جَنْبٍ آخَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ: إنَّما قُلِّبُوا تِسْعَ سِنِينَ بَعْدَ ثَلاثِمائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُقَلَّبُوا فِيها.
وَفِيما تَحْسَبُهم مِن أجْلِهِ أيْقاظًا وهم رُقُودٌ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِانْفِتاحِ أعْيُنِهِمْ.
الثّانِي: لِتَقْلِيبِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ.
﴿وَكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ في ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلْبٌ مِنَ الكِلابِ كانَ مَعَهم، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَقِيلَ إنَّ اسْمَهُ كانَ حُمْرانَ.
الثّانِي: أنَّهُ إنْسانٌ مِنَ النّاسِ كانَ طَبّاخًا لَهم تَبِعَهم، وقِيلَ بَلْ كانَ راعِيًا.
وَفي ﴿بِالوَصِيدِ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَتَبَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الفِناءُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحَظِيرُ، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّ الوَصِيدَ والصَّعِيدَ التُّرابُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البابُ، قالَهُ عَطِيَّةُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ بِأرْضِ فَضاءٍ لا يُسَدُّ وصَيْدُها ∗∗∗ عَلَيَّ ومَعْرُوفِي بِها غَيْرُ مُنْكَرِ
وَحَكى جَرِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ أنَّهُ كانَ كَلْبًا رَبِيبًا صَغِيرًا.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ أصْفَرَ اللَّوْنِ.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِطُولِ أظْفارِهِمْ وشُعُورِهِمْ يَأْخُذُهُ الرُّعْبُ مِنهم فَزَعًا.
(p-٢٩٣)الثّانِي: لِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الهَيْبَةِ الَّتِي تَرُدُّ عَنْهُمُ الأبْصارَ لِئَلّا يَصِلَ إلَيْهِمْ أحَدٌ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ فِيهِمْ أجْلَهُ.
حَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في بَحْرِ الرُّومِ فانْتَهَيْنا إلى الكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ، فَقالَ مُعاوِيَةُ أُرِيدُ أنْ أدْخُلَ عَلَيْهِمْ فَأنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَيْسَ هَذا لَكَ فَقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، قالَ تَعالى ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ الآيَةِ.
فَأرْسَلَ جَماعَةً إلَيْهِمْ دَخَلُوا الكَهْفَ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا أخْرَجَتْهم.
وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ المُعْجِزَةَ مِن قَوْمِهِمْ كانَتْ لِنَبِيٍّ قِيلَ إنَّهُ كانَ أحَدَهم وهو الرَّئِيسُ الَّذِي اتَّبَعُوهُ وآمَنُوا بِهِ.
18:19–20Page 295
وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩
And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.
إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠
Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ إيقاظَهم مِن نَوْمِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: وأنامَ اللَّهُ كَلْبَهم مَعَهم.
﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ لِيَعْلَمُوا قَدْرَ نَوْمِهِمْ.
﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كانَ السّائِلُ مِنهم أحَدَهم، والمُجِيبُ لَهُ غَيْرَهُ، فَقالَ لَبِثْنا يَوْمًا لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةِ النَّوْمِ المَعْهُودِ، فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ قالَ ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لِأنَّهم أُنِيمُوا أوَّلَ النَّهارِ ونُبِّهُوا آخِرَهُ.
﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ وفي قائِلِهِ قَوْلانِ:
(p-٢٩٤)أحَدُهُما: أنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ كَبِيرِهِمْ مِكْسِلْمِينا حِينَ رَأى الفِتْيَةَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ فَقالَ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ فَنَطَقَ بِالصَّوابِ ورَدَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ عالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وبِتَسْكِينِها، وهو في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا الدَّراهِمُ، وأمّا الوَرَقُ بِفَتْحِ الرّاءِ فَهي الإبِلُ والغَنَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ إيّاكَ أدْعُو فَتَقَبَّلْ مَلَقِي كَفِّرْ خَطايايَ وثَمِّرْ ورَقِي
يَعْنِي إبِلَهُ وغَنَمَهُ.
﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيُّها أكْثَرُ طَعامًا، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
الثّانِي: أيُّها أحَلُّ طَعامًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: أطْيَبُ طَعامًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أرْخَصُ طَعامًا.
﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما تُرْزَقُونَ أكْلَهُ.
الثّانِي: بِما يَحِلُّ لَكم أكْلُهُ.
﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولْيَسْتَرْخِصْ.
الثّانِي: ولْيَتَلَطَّفْ في إخْفاءِ أمْرِكم.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ اشْتِراكِ الجَماعَةِ في طَعامِهِمْ وإنْ كانَ بَعْضُهم أكْثَرَ أكْلًا وهي المُناهَدَةُ، وكانَتْ مُسْتَقْبَحَةً في الجاهِلِيَّةِ
(p-٢٩٥)فَجاءَ الشَّرْعُ بِإباحَتِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَرْجُمُوكم بِأيْدِيِمُ اسْتِنْكارًا لَكم، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: بِألْسِنَتِهِمْ غِيبَةً لَكم وشَتْمًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: يَقْتُلُوكم.
والرَّجْمُ القَتْلُ لِأنَّهُ أحَدُ أسْبابِهِ.
﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ يَعْنِي في كُفْرِهِمْ.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ إنْ أعادُوكم في مِلَّتِهِمْ.
18:21Page 296
وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١
And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أظْهَرْنا أهْلَ بَلَدِهِمْ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أطْلَعْنا بِرَحْمَتِنا إلَيْهِمْ.
و﴿لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَعْلَمَ أهْلُ بَلَدِهِمْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ في قِيامِ السّاعَةِ وإعادَةِ الخَلْقِ أحْياءً؛ لِأنَّ مَن أنامَهم كالمَوْتى هَذِهِ المُدَّةَ الخارِجَةَ عَنِ العادَةِ ثُمَّ أيْقَظَهم أحْياءً قادِرٌ عَلى إحْياءِ مَن أماتَهُ وأقْبَرَهُ.
الثّانِي: مَعْناهُ لِيَرى أهْلُ الكَهْفِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ في إعادَتِهِمْ.
﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا بَعَثُوا أحَدَهم بِوَرِقِهِمْ إلى المَدِينَةِ لِيَأْتِيَهم بِرِزْقٍ مِنها وطَعامٍ، اسْتَنْكَرُوا شَخْصَهُ واسْتُنْكِرَتْ ورِقُهُ لِبُعْدِ العَهْدِ فَحُمِلَ إلى المَلِكِ وكانَ صالِحًا قَدْ آمَنَ ومَن مَعَهُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ قالَ: لَعَلَّ هَذا مِنَ الفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلى عَهْدِ دِقْيانُوسَ المَلِكِ فَقَدْ كُنْتُ أدْعُو اللَّهَ أنْ يُرِيناهم، وسَألَ الفَتى فَأخْبَرَهُ فانْطَلَقَ والنّاسُ مَعَهُ إلَيْهِمْ، فَلَمّا دَنَوْا مِن أهْلِ الكَهْفِ وسَمِعَ الفِتْيَةُ كَلامَهم خافُوهم ووَصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِدِينِهِمْ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ أماتَهُمُ اللَّهُ مِيتَةَ الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ كانَ التَّنازُعُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ.
(p-٢٩٦)وَفِي تَنازُعِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تَنازَعُوا هَلْ هم أحْياءٌ أمْ مَوْتى؟ الثّانِي: أنَّهم تَنازَعُوا بَعْدَ العِلْمِ بِمَوْتِهِمْ هَلْ يَبْنُونَ عَلَيْهِمْ بُنْيانًا يُعْرَفُونَ بِهِ أمْ يَتَّخِذُونَ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
وَقِيلَ: إنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَدْفِنَهم في صُنْدُوقٍ مِن ذَهَبٍ، فَأتاهُ آتٍ مِنهم في المَنامِ فَقالَ: أرَدْتَ أنْ تَجْعَلَنا في صُنْدُوقٍ مِن ذَهَبٍ فَلا تَفْعَلْ فَإنّا مِنَ التُّرابِ خُلِقْنا وإلَيْهِ نَعُودُ فَدَعْنا.
18:22Page 296
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
(p-٢٩٧)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ فَأدْخَلَ الواوَ عَلى انْقِطاعِ القِصَّةِ لِأنَّ الخَبَرَ قَدْ تَمَّ.
﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ في المُخْتَلِفِينَ في عَدَدِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ المَدِينَةِ قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ بَعْدَ طُولِ العَهْدِ بِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ قالَ قَتادَةُ قَذْفًا بِالظَّنِّ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎ وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِنَ القَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى: كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم.
وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانُوا ثَمانِيَةً، وجَعَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ أيْ صاحِبُ كَلْبِهِمْ.
وَكَتَبَ قَوْمُهم أسْماءَهم حِينَ غابُوا، فَلَمّا بانَ أمْرُهم كُتِبَتْ أسْماؤُهم عَلى بابِ الكَهْفِ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أسْماؤُهم مِكْسِلْمِينا ويِمْلِيخا وهو الَّذِي مَضى بِالوَرِقِ يَشْتَرِي بِهِ الطَّعامَ، ومَطْرُونَسُ، ومِحْسِيمِيلْنِينا، وكَشُوطُوشُ، وبَطْلَنُوسً ويُوطُونَسُ وبِيرُونَسُ.
(p-٢٩٨)قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ الكَلْبُ لِمِكْسِلْمِينا وكانَ أسَنَّهم وكانَ صاحِبَ غَنَمٍ.
﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلّا ما قَدْ أظْهَرْنا لَكَ مِن أمْرِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: حَسْبُكَ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن شَأْنِهِمْ، فَلا تَسْألْنِي عَنْ إظْهارِ غَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: إلّا مِراءً ظاهِرًا يَعْنِي بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ وخَبَرٍ صادِقٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: لا تُجادِلْ فِيهِمْ أحَدًا إلّا أنْ تُحَدِّثَهم بِهِ حَدِيثًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: هو أنْ تُشْهِدَ النّاسَ عَلَيْهِمْ.
﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا تَسْتَفْتِ يا مُحَمَّدُ فِيهِمْ أحَدًا مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَهْيٌ لِأُمَّتِهِ.
18:23–24Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤
Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ إضْمارٌ وتَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذا وإنْ كانَ أمْرًا فَهو عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ والإرْشادِ أنْ لا تَعْزِمَ عَلى أمْرٍ إلّا أنْ تُقْرِنَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ العَزْمَ رُبَّما صَدَّ عَنْهُ بِمانِعٍ فَيَصِيرُ في وعْدِهِ مُخْلِفًا في قَوْلِهِ كاذِبًا، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ [الكَهْفِ: ٧٠] ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَكُنْ كاذِبًا لِوُجُودِ الِاسْتِثْناءِ في كَلامِهِ.
الثّانِي: إذْعانًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّهُ مُدَبِّرٌ في أفْعالِهِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ.
(p-٢٩٩)الثّالِثُ: يَخْتَصُّ بِيَمِينِهِ إنْ حَلَفَ وهو سُقُوطُ الكَفّارَةِ عَنْهُ إذا حَنِثَ.
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّكَ إذا نَسِيتَ الشَّيْءَ فاذْكُرِ اللَّهَ لِيُذَكِّرْكَ إيّاهُ، فَإنْ فَعَلَ فَقَدْ أرادَ مِنكَ ما ذَكَّرَكَ، وإلّا فَسَيَدُلُّكَ عَلى ما هو أرْشَدُ لَكَ مِمّا نَسِيتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.
الثّانِي: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، لِيَزُولَ عَنْكَ الغَضَبُ عِنْدَ ذِكْرِهِ.
الثّالِثُ: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ في يَمِينِكَ.
وَفي الذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما ذَكَرَهُ في بَقِيَّةِ الآيَةِ ﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ إنْ شاءَ اللَّهُ الَّذِي كانَ نَسِيَهُ عِنْدَ يَمِينِهِ.
واخْتَلَفُوا في ثُبُوتِ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَ اليَمِينِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها إلى سَنَةٍ، فَيَكُونُ كالِاسْتِثْناءِ بِها مَعَ اليَمِينِ في سُقُوطِ الكَفّارَةِ ولا يَصِحُّ بَعْدَ السَّنَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها في مَجْلِسِ يَمِينِهِ، ولا يَصِحُّ بَعْدَ فِراقِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.
الثّالِثُ: يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها ما لَمْ يَأْخُذْ في كَلامٍ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ، ولا يَصِحُّ مَعَ بُعْدِهِ.
الخامِسُ: أنَّهُ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها إلّا مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ وهو الظّاهِرُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences