Al-MawardiAl‑Kahf · 18:25–50

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:25–50

18:25–26Page 296

وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥

And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1

قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦

Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."

(p-٣٠٠)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ، وقِيلَ بَلْ نَصارى نَجْرانَ أنَّهم لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وقالَ لِنَبِيِّهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا العَدَدِ عَنْ مُدَّةِ بَقائِهِمْ في الكَهْفِ مِن حِينِ دَخَلُوهُ إلى ما ماتُوا فِيهِ.

﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ هو ما بَيْنَ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ والسِّنِينَ القَمَرِيَّةِ.

﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما لَبِثُوا بَعْدَ مُدَّتِهِمْ إلى نُزُولِ القُرْآنِ فِيهِمْ.

الثّانِي: اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا في الكَهْفِ وهي المُدَّةُ الَّتِي ذَكَرَها عَنِ اليَهُودِ إذْ ذَكَرُوا زِيادَةً ونُقْصانًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أبْصَرُ وأسْمَعُ، أيْ أبْصَرُ بِما قالَ وأسْمَعُ لِما قالُوا.

الثّانِي: مَعْناهُ أبْصَرُهم وأسْمَعُهم، ما قالَ اللَّهُ فِيهِمْ.

﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ناصِرٍ.

الثّانِي: مِن مانِعٍ.

﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا يُشْرِكُ في عِلْمِ غَيْبِهِ أحَدًا.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ حُكْمِهِ فَيَصِيرُ شَرِيكًا لَهُ في حُكْمِهِ.

18:27–28Page 296

وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧

And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨

And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1

(p-٣٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَلْجَأً، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ لا تُحْفِيا يا أخانا مِن مَوَدَّتِنا فَما لَنا عَنْكَ في الأقْوامِ مُلْتَحِدُ

الثّانِي: مَهْرَبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ يا لَهْفَ نَفْسِي ولَهْفٌ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحِدُ

الثّالِثُ: مَعْدِلًا، قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: ولِيًّا، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ تَعْظِيمَهُ.

الثّانِي: يُرِيدُونَ طاعَتَهُ.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ فَلَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ قالَ: « (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ مَعَهُمْ)» . ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَدْعُونَهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُحافِظُونَ عَلى صَلاةِ الجَماعَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّها الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا رابِعًا: أنْ يُرِيدَ الدُّعاءَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ لِيَسْتَفْتِحُوا يَوْمَهم بِالدُّعاءِ رَغْبَةً في التَّوْفِيقِ، ويَخْتِمُوهُ بِالدُّعاءِ طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ.

﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِدُعائِهِمْ.

الثّانِي: بِعَمَلِ نَهارِهِمْ.

وَخَصَّ النَّهارَ بِذَلِكَ دُونَ اللَّيْلِ لِأنَّ عَمَلَ النَّهارِ إذا كانَ لِلَّهِ تَعالى فَعَمَلُ اللَّيْلِ أوْلى أنْ يَكُونَ لَهُ.

﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

(p-٣٠٢)أحَدُهُما: ولا تَتَجاوَزْهم بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الدُّنْيا طَلَبًا لِزِينَتِها، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.

الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ «أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: لَقَدْ آذانِي رِيحُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وأصْحابِهِ فاجْعَلْ لَنا مَجْلِسًا مِنكَ لا يُجامِعُونا فِيهِ، واجْعَلْ لَهم مَجْلِسًا لا نُجامِعُهم فِيهِ، فَنَزَلَتْ.

﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾» قَوْلُهُ ﴿أغْفَلْنا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلْناهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِنا.

الثّانِي: وجَدْناهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِنا.

وَفي هَذِهِ الغَفْلَةِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها إبْطالُ الوَقْتِ بِالبَطالَةِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّها طُولُ الأمَلِ.

الثّالِثُ: أنَّها ما يُورِثُ الغَفْلَةَ.

﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شَهَواتِهِ وأفْعالِهِ.

الثّانِي: في سُؤالِهِ وطَلَبِهِ التَّمْيِيزَ عَنْ غَيْرِهِ.

﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ضِيقًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: مَتْرُوكًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: نَدَمًا قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الرّابِعُ: سَرَفًا وإفْراطًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الخامِسُ: سَرِيعًا.

قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

يُقالُ أفْرَطَ إذا أسْرَفَ وفَرَّطَ إذا قَصَّرَ.

18:29Page 297

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.

(p-٣٠٣)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هَذا وإنْ كانَ خارِجًا مَخْرَجَ التَّخْيِيرِ فَهو عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم لا يَنْفَعُونَ اللَّهَ بِإيمانِهِمْ ولا يَضُرُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ.

الثّانِي: فَمَن شاءَ الجَنَّةَ فَلْيُؤْمِن، ومَن شاءَ النّارَ فَلْيَكْفُرْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: فَمَن شاءَ فَلْيُعَرِّضْ نَفْسَهُ لِلْجَنَّةِ بِالإيمانِ، ومَن شاءَ فَلْيُعَرِّضْ نَفْسَهُ لِلنّارِ بِالكُفْرِ.

﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ سُرادِقَها حائِطٌ مِنَ النّارِ يُطِيفُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هو دُخانُها ولَهِيبُها قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَيْها، وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٠ - ٣١] . قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا.

رَوى يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (البَحْرُ هو جَهَنَّمُ) ثُمَّ تَلا ﴿نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ ثُمَّ قالَ (واللَّهِ لا أدْخُلُها أبَدًا ما دُمْتُ حَيًّا ولا يُصِيبُنِي مِنها قَطْرَةٌ)» . والسُّرادِقُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ سُرادَرْ.

﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَيْحُ والدَّمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ أُذِيبَ حَتّى انْماعَ; قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الرّابِعُ: هو الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ شابَ بِالماءِ مِنهُ مُهْلًا كَرِيهًا ثُمَّ عَلَّ المُتُونَ بَعْدَ النِّهالِ

وَجَعَلَ ذَلِكَ إغاثَةً لِاقْتِرانِهِ بِذِكْرِ الِاسْتِغاثَةِ.

﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ في المُرْتَفَقِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مُجْتَمَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى المُرافَقَةِ.

(p-٣٠٤)الثّانِي: مَنزِلًا قالَهُ الكَلْبِيُّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الِارْتِفاقِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الرِّفْقِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ المُتَّكَأِ مُضافٌ إلى المِرْفَقِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ نامَ الخَلِيُّ وبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِيَّ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ

18:30–31Page 297

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١

Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ رَوى البَراءُ بْنُ عازِبٍ «أنَّ أعْرابِيًّا قامَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: إنِّي رَجُلٌ مُتَعَلِّمٌ فَأخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآيَةِ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (يا أعْرابِيُّ ما أنْتَ مِنهم بِبَعِيدٍ ولا هم بِبَعِيدٍ مِنكَ، هم هَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ هم وُقُوفٌ، أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ فَأعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ)» . قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ أمّا السُّنْدُسُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن ألْطَفِ مِنَ الدِّيباجِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، واحِدُهُ سُنْدُسَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفي الإسْتَبْرَقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، أصْلُهُ اسْتَبْرَهْ وهو الشَّدِيدُ، وقَدْ قالَ المُرَقِّشُ:(p-٣٠٥)

؎ تَراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً وإسْتَبْرَقَ الدِّيباجِ طَوْرًا لِباسُها

الثّانِي: أنَّهُ الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الحِجالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: أنَّها الفُرُشُ في الحِجالِ.

الثّالِثُ: أنَّها السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:

؎ خُدُودًا جَفَتْ في السَّيْرِ حَتّى كَأنَّما ∗∗∗ يُباشِرْنَ بِالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائِكِ

18:32–36Page 297

۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢

And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.

كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣

Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.

وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤

And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥

And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ الجَنَّةُ: البُسْتانُ، فَإذا جَمَعَ العِنَبَ والنَّخْلَ وكانَ تَحْتَها زَرْعٌ فَهي أجْمَلُ الجِنانِ وأجْداها نَفْعًا، لِثَمَرِ أعالِيها وزَرْعِ أسافِلِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ ثَمَرَها وزَرْعَها، وسَمّاهُ أُكُلًا لِأنَّهُ مَأْكُولٌ.

﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيِ اسْتَكْمَلَ جَمِيعَ ثِمارِها وزَرْعِها.

﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ يَعْنِي أنَّ فِيهِما أنْهارًا مِنَ الماءِ، فَيَكُونُ ثَمَرُها وزَرْعُها بِدَوامِ الماءِ فِيهِما أوْفى وأرْوى، وهَذِهِ غايَةُ الصِّفاتِ فِيما يُجْدِي ويَغِلُ.

وَفي ضَرْبِ المَثَلِ في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما حَكاهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أخَوَيْنِ كانا فِي

(p-٣٠٦)بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا عَنْ أبِيهِما مالًا جَزِيلًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ.

فَأخَذَ أحَدُهُما حَقَّهُ وهو مُؤْمِنٌ فَتَقَرَّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وأخَذَ الآخَرُ حَقَّهُ مِنهُ وهو كافِرٌ فَتَمَلَّكَ بِهِ ضِياعًا مِنها هاتانِ الجَنَّتانِ، ولَمْ يَتَقَرَّبْ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَيْءٍ مِنهُ، فَكانَ مِن حالِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن بَعْدُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَيْسَ بِخَبَرٍ عَنْ حالٍ مُتَقَدِّمَةٍ، لِيُزَهِّدَ في الدُّنْيا ويُرَغِّبَ في الآخِرَةِ، وجَعَلَهُ زَجْرًا وإنْذارًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ ثُمُرٌ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ.

وَفي اخْتِلافِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، فَعَلى هَذا فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ؛ لِأنَّها أمْوالٌ مُثْمِرَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِأنَّ تَثْمِيرَهُ أكْثَرُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الأصْلُ الَّذِي لَهُ نَماءٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، لِأنَّ في النَّماءِ تَثْمِيرًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما بِالضَّمِّ وبِالفَتْحِ مُخْتَلِفٌ، فَعَلى هَذا في الفَرْقِ بَيْنَهُما أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِالفَتْحِ جَمْعُ ثَمَرَةٍ، وبِالضَّمِّ جَمْعُ ثِمارٍ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالفَتْحِ ثِمارُ النَّخِيلِ خاصَّةً، وبِالضَّمِّ جَمِيعُ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ ما كانَ ثِمارُهُ مِن أصْلِهِ، وبِالضَّمِّ ما كانَ ثِمارُهُ مِن غَيْرِهِ.

الرّابِعُ: أنَّ الثَّمَرَ بِالضَّمِّ الأصْلُ، وبِالفَتْحِ الفَرْعُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي هَذا الثَّمَرِ المَذْكُورِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثَمَرُ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُما، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أنَّهُ ثَمَرٌ مَلَكَهُ مِن غَيْرِ جَنَّتَيْهِ، وأصْلُهُ كانَ لِغَيْرِهِ كَما يَمْلِكُ النّاسُ ثِمارًا لا يَمْلِكُونَ أُصُولَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِيَجْتَمِعَ في مِلْكِهِ ثِمارُ أمْوالِهِ وثِمارُ غَيْرِ أمْوالِهِ فَيَكُونُ أعَمَّ مِلْكًا.

﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ يَعْنِي لِأخِيهِ المُسْلِمِ الَّذِي صَرَفَ مالَهُ في القُرْبِ طَلَبًا لِلثَّوابِ

(p-٣٠٧)فِي الآخِرَةِ، وصَرَفَ هَذا الكافِرُ مالَهُ فِيما اسْتَبْقاهُ لِلدُّنْيا والمُكاثَرَةِ.

﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أيْ يُناظِرُهُ، وفِيما يُحاوِرُهُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الإيمانِ والكُفْرِ.

الثّانِي: في طَلَبِ الدُّنْيا وطَلَبِ الآخِرَةِ، فَجَرى بَيْنَهُما ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِما.

18:37–41Page 298

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧

His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?

لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨

But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.

وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩

And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,

فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠

It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,

أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١

Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا فَأُساوِيكَ فِيها.

الثّانِي: وهو الأشْهَرُ خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الآخِرَةِ، فَأكُونُ أفْضَلَ مِنكَ فِيها.

﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَذابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: نارًا.

الثّالِثُ: جَرادًا.

الرّابِعُ: عَذابَ حِسابٍ بِما كَسَبَتْ يَداكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ لِأنَّهُ جَزاءُ الآخِرَةِ.

والجَزاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحِسابٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ المَرامِي الكَثِيرَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ وأصْلُهُ الحِسابُ، وهي السِّهامِ الَّتِي يُرْمى بِها في طَلْقٍ واحِدٍ، وكانَ مِن رَمْيِ الأساوِرَةِ.

﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ يَعْنِي أرْضًا بَيْضاءَ لا يَنْبُتُ فِيها نَباتٌ ولا يَثْبُتُ عَلَيْها قَدَمٌ، وهي أضَرُّ أرْضٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ جَنَّةً أنْفَعَ أرْضٍ.

﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ يَعْنِي ويُصْبِحُ ماؤُها غَوْرًا، فَأقامَ أوْ مَقامَ الواوِ، و ﴿غَوْرًا﴾ يَعْنِي غائِرًا ذاهِبًا فَتَكُونُ أعْدَمَ أرْضٍ لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَ فِيها.

(p-٣٠٨)﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ويَحْتَمِلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ رَدَّ الماءِ الغائِرِ.

الثّانِي: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ وإلى هَذا الحَدِّ انْتَهَتْ مُناظَرَةُ أخِيهِ وإنْذارُهُ.

18:42–44Page 298

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢

And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1

وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣

And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.

هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤

There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أيْ أُهْلِكَ مالُهُ، وهَذا أوَّلُ ما حَقَّقَ اللَّهُ بِهِ إنْذارَ أخِيهِ.

﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ نَدَمًا عَلى ما أنْفَقَ فِيها وأسَفًا عَلى ما تَلِفَ.

الثّانِي: يُقَلِّبُ مِلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ وهَلَكَ؛ لِأنَّ المِلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ، مِن قَوْلِهِمْ في يَدِهِ مالٌ، أيْ في مِلْكِهِ.

﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ مُنْقَلِبَةٌ عَلى عالِيها، فَجَمَعَ عَلَيْهِ بَيْنَ هَلاكِ الأصْلِ والثَّمَرِ، وهَذا مِن أعْظَمِ الجَوائِحِ مُقابَلَةً عَلى بَغْيِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِئَةَ الجُنْدُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: العَشِيرَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كانَ مُمْتَنِعًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: وما كانَ مُسْتَرِدًّا بَدَلَ ما ذَهَبَ مِنهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما الرَّجُلانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ وهَذا مَثَلٌ قِيلَ إنَّهُ ضُرِبَ لِسَلْمانَ وخَبّابٍ وصُهَيْبٍ مَعَ أشْرافِ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.

(p-٣٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ يَعْنِي القِيامَةُ.

وَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ اللَّهَ تَعالى في القِيامَةِ فَلا يَبْقى مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ إلّا تَوَلّاهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّى جَزاءَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الوَلايَةَ مَصْدَرُ الوَلاءِ فَكَأنَّهم جَمِيعًا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو الوَلِيُّ قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: أنَّ الوَلايَةَ النَّصْرُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَ الوَلايَةِ بِفَتْحِ الواوِ وبَيْنَ الوِلايَةِ بِكَسْرِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِفَتْحِ الواوِ: لِلْخالِقِ، وبِكَسْرِها: لِلْمَخْلُوقِينَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّها بِالفَتْحِ في الدِّينِ، وبِكَسْرِها في السُّلْطانِ.

18:45–46Page 298

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥

And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.

ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦

Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الماءَ اخْتَلَطَ بِالنَّباتِ حِينَ اسْتَوى.

الثّانِي: أنَّ النَّباتَ اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حِينِ نَزَلَ عَلَيْهِ الماءُ حَتّى نَما.

﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ يَعْنِي بِامْتِناعِ الماءِ عَنْهُ، فَحَذَفَ ذَلِكَ إيجازًا لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والهَشِيمُ ما تَفَتَّتَ بَعْدَ اليُبْسِ مِن أوْراقِ الشَّجَرِ والزَّرْعِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَأصْبَحَتْ نَيِّمًا أجْسادُهم يُشَبِّهُها مَن رَآها الهَشِيما

واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلدُّنْيا لِيَدُلَّ بِهِ عَلى زَوالِها بَعْدَ حُسْنِها وابْتِهاجِها:

(p-٣١٠)الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَهُ مَثَلًا لِأحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا أنَّ مَعَ كُلِّ نِعْمَةٍ نِقْمَةً ومَعَ كُلِّ فَرْحَةٍ تَرْحَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِأنَّ في المالِ جَمالًا ونَفْعًا وفي البَنِينَ قُوَّةً ودَفْعًا فَصارا زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا.

﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: هي الكَلامُ الطَّيِّبُ.

وَهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وقالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

الرّابِعُ: هو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ هي الباقِياتُ الصّالِحاتُ» . وفي ﴿الصّالِحاتُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الصّالِحِينَ لِأنَّ الصّالِحَ هو فاعِلُ الصَّلاحِ.

الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى النّافِعاتِ فَعَبَّرَ عَنِ المَنفَعَةِ بِالصَّلاحِ لِأنَّ المَنفَعَةَ مَصْلَحَةٌ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (لَمّا عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ أُرِيتُ إبْراهِيمَ

(p-٣١١)فَقالَ: مُرْ أُمَّتَكَ أنْ يُكْثِرُوا مِن غِراسِ الجَنَّةِ فَإنَّ تُرْبَتَها طَيِّبَةٌ وأرْضَها واسِعَةٌ، فَقُلْتٌ وما غِراسُ الجَنَّةِ؟ قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ)» . ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿وَخَيْرٌ أمَلا﴾ يَعْنِي عِنْدَ نَفْسِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وَخَيْرٌ أمَلا﴾ يَعْنِي أصْدَقُ أمَلًا؛ لِأنَّ مِنَ الأمَلِ كَواذِبَ وهَذا أمَلٌ لا يَكْذِبُ.

18:47–49Page 299

وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧

And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.

وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨

And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."

وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩

And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُسَيِّرُها مِنَ السَّيْرِ حَتّى تَنْتَقِلَ عَنْ مَكانِها لِما فِيهِ مِن ظُهُورِ الآيَةِ وعِظَمِ الِاعْتِبارِ.

الثّانِي: يُسَيِّرُها أيْ يُقَلِّلُها حَتّى يَصِيرَ كَثِيرُها قَلِيلًا يَسِيرًا.

الثّالِثُ: بِأنْ يَجْعَلَها هَباءً مَنثُورًا.

﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُرُوزُ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ بِخُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ.

الثّانِي: أنَّها فَضاءٌ لا يَسْتُرُها جَبَلٌ ولا نَباتٌ.

﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ.

(p-٣١٢)أحَدُها: يَعْنِي فَلَمْ نُخَلِّفْ مِنهم أحَدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ ومِنهُ سُمِّيَ الغَدِيرُ لِأنَّهُ ما تُخَلِّفُهُ السُّيُولُ.

الثّانِي: فَلَمْ نَسْتَخْلِفْ مِنهم أحَدًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، حَكاهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ قِيلَ إنَّهم يُعْرَضُونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ كالصُّفُوفِ في الصَّلاةِ، وقِيلَ إنَّهم يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا، فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَما يَحْتَشِمُونَ يَوْمَئِذٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: « ( ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ )» [عَبَسَ: ٣٧] . قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها كُتُبُ الأعْمالِ في أيْدِي العِبادِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ وُضِعَ الحِسابُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، فَعَبَّرَ عَنِ الحِسابِ بِالكِتابِ لِأنَّهم يُحاسَبُونَ عَلى أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ.

﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ لِأنَّهُ أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ.

﴿وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ وفي الصَّغِيرَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الضَّحِكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها صَغائِرُ الذُّنُوبِ الَّتِي تُغْفَرُ بِاجْتِنابِ كَبائِرِها.

(p-٣١٣)وَأمّا الكَبِيرَةُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما جاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ.

الثّانِي: ما قُرِنَ بِالوَعِيدِ والحَدِّ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّ الصَّغِيرَةَ الشَّهْوَةُ، والكَبِيرَةَ العَمَلُ.

قالَ قَتادَةُ: اشْتَكى القَوْمُ الإحْصاءَ وما اشْتَكى أحَدٌ ظُلْمًا، وإيّاكم والمُحَقَّراتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإنَّها تَجْتَمِعُ عَلى صاحِبِها حَتّى تُهْلِكَهُ.

﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: ووَجَدُوا إحْصاءَ ما عَمِلُوا حاضِرًا في الكِتابِ.

الثّانِي: ووَجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا عاجِلًا في القِيامَةِ.

﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ يَعْنِي مِن طائِعٍ في نُقْصانِ ثَوابِهِ، أوْ عاصٍ في زِيادَةِ عِقابِهِ.

18:50Page 299

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى.

وَمَنَعَ قائِلُ هَذا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً، والمَلائِكَةُ لا ذُرِّيَّةَ لَهم.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، وإبْلِيسُ قَدْ كَفَرَ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ، وإنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصْلُ الإنْسِ.

(p-٣١٤)الثّانِي: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ومَن قالُوا بِهَذا اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما قالَهُ قَتادَةُ أنَّهُ كانَ مِن أفْضَلِ صِنْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ.

الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ ومُدَبِّرَ أمْرِ السَّماءِ الدُّنْيا فَلِذَلِكَ قِيلَ مِنَ الجِنِّ لِخِزانَةِ الجَنَّةِ، كَما يُقالُ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ.

الثّالِثُ: أنَّ الجِنَّ سِبْطٌ مِنَ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ وإبْلِيسُ مِنهم، وخُلِقَ سائِرُ المَلائِكَةِ مِن نُورٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ وإلى النّارِ يَعُودُ.

الثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الإنْسِ ولا مِنَ الجِنِّ، ولَكِنْ كانَ مِنَ الجانِّ، وقَدْ مَضى مِن ذِكْرِهِ واشْتِقاقِ اسْمِهِ ما أغْنى.

﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِسْقَ الِاتِّساعُ ومَعْناهُ اتَّسَعَ في مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ الفِسْقَ الخُرُوجُ أيْ خَرَجَ مِن طاعَةِ رَبِّهِ، مِن قَوْلِهِمْ فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةٌ لِخُرُوجِها مِن حِجْرِها، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ:

؎ يَهْوَيْنَ مِن نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِئْسَ ما اسْتَبْدَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ طاعَةَ إبْلِيسَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِئْسَ ما اسْتَبْدَلُوا بِالجَنَّةِ النّارَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском