Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
المؤمنون
Al-Mu'minun
The Believers · Meccan · 118 ayahs
23:1–11Page 342
قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١
Certainly will the believers have succeeded:
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢
They who are during their prayer humbly intent
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣
And they who turn away from ill speech
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤
And they who are observant of zakāh
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥
And they who guard their private parts
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧
But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨
And they who are to their trusts and their promises attentive
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩
And they who carefully maintain their prayers -
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠
Those are the inheritors
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١
Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.
(p-٤٤)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ قَدْ سَعِدَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ
؎ فاعْقِلِي إنْ كُنْتِ لَمْ تَعْقِلِي إنَّما أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلْ
الثّانِي: أنَّ الفَلاحَ البَقاءُ ومَعْناهُ قَدْ بَقِيَتْ لَهم أعْمالُهم، وقِيلَ: إنَّهُ بَقاؤُهم في الجَنَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الأذانِ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ أيْ حَيَّ عَلى بَقاءِ الخَيْرِ قالَ طُرْفَةُ بْنُ العَبْدِ
؎ أفَبَعْدَنا أوْ بَعْدَهم ∗∗∗ يُرْجى لِغابِرِنا الفَلاحُ
(p-٤٥)الثّالِثُ: أنَّهُ إدْراكُ المَطالِبِ قالَ الشّاعِرُ:
؎ لَوْ كانَ حَيٌّ مُدْرِكَ الفَلاحِ ∗∗∗ أدْرَكَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُفْلِحُونَ الَّذِينَ أدْرَكُوا ما طَلَبُوا ونَجَوْا مِن شَرِّ ما مِنهُ هَرَبُوا.
رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ يُسْمَعُ عِنْدَ وجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَلَمّا سَرى عَنْهُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تُنْقِصْنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا، وأعْطِنا ولا تَحْرِمْنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنا، وأرْضِنا وارْضَ عَنّا ثُمَّ قالَ: (لَقَدْ أنْزَلَ عَلَيَّ عَشْرَ أياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنا ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ حَتّى خَتَمَ العَشْرَ» .
رَوى أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ قالَ: «قِيلَ لِعائِشَةَ: ما كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟، قالَتْ أتَقْرَأُونَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قالَتِ اقْرَؤُوا فَقُرِئَ عَلَيْها ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿يُحافِظُونَ﴾ .
فَقالَتْ: هَكَذا كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: خائِفُونَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: خاضِعُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عِيسى.
والثّالِثُ: تائِبُونَ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ.
(p-٤٦)والرّابِعُ: أنَّهُ غَضُّ البَصَرِ، وخَفْضُ الجَناحِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: هو أنْ يَنْظُرَ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ فَصارَ لا يُجَوِّزُ بَصَرَهُ مُصَلّاهُ» .
فَصارَ في مَحَلِّ الخُشُوعِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: في القَلْبِ خاصَّةً، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
والثّانِي: في القَلْبِ والبَصَرِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّغْوَ الباطِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَذِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحَلِفُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الشَّتْمُ لِأنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَشْتُمُونَ المُسْلِمِينَ فَهو عَنِ الإجابَةِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: أنَّها المَعاصِي كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِنكم إلّا لَهُ مَنزِلانِ: مَنزِلٌ في الجَنَّةِ ومَنزِلٌ في النّارِ، فَإنْ ماتَ ودَخَلَ النّارَ، ورِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَهُ، وإنْ ماتَ ودَخَلَ الجَنَّةَ، ورِثَ أهْلُ النّارِ مَنزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾» . ثُمَّ بَيَّنَ ما يَرِثُونَ فَقالَ:
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
(p-٤٧)الثّانِي: أنَّهُ أعْلى الجِنانِ قالَهُ قُطْرُبٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلُ الجَنَّةِ الَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ البُسْتانُ وهو رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الخامِسُ: أنَّهُ عَرَبِيٌّ وهو الكَرَمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
23:12–16Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢
And certainly did We create man from an extract of clay.
ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣
Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤
Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1
ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥
Then indeed, after that you are to die.
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦
Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: آدَمُ اسْتُلَّ مِن طِينٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِن قِبَلِ رَبِّهِ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ كُلُّ إنْسانٍ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى آدَمَ الَّذِي خُلِقَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِن نُطْفَةِ أبِيهِ، والسُّلالَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ صَفْوَتُهُ الَّتِي تُسْتَلُّ مِنهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وما هِنْدُ إلّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ
وَقالَ الزَّجّاجُ: السُّلالَةُ القَلِيلُ مِمّا يَنْسَلُّ، وقَدْ تُسَمّى المُضْغَةُ سُلالَةً والوَلَدُ سُلالَةً إمّا لِأنَّهُما صَفْوَتانِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وإمّا لِأنَّهُما يَنْسَلّانِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، (p-٤٨)وَحَكى الكَلْبِيُّ: أنَّ السُّلالَةَ الطِّينُ الَّذِي إذا اعْتَصَرْتَهُ بَيْنَ أصابِعِكَ خَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ طَوَتْ أحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ ∗∗∗ عَلى مَشْجٍ سُلالَتُهُ مَهِينُ
وَحَكى أبانُ بْنُ تَغْلِبَ أنَّ السُّلالَةَ هي التُّرابُ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎ خَلَقَ البَرِّيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ ∗∗∗ وإلى السُّلالَةِ كُلِّها سَتَعُودُ
﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ النُّطْفَةُ هي ماءُ الذَّكَرِ الَّذِي يَعْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ، وقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ النُّطْفَةِ عَلى كُلِّ ماءٍ، قالَ بَعْضُ شُعَراءِ هُذَيْلٍ
؎ وأنَّهُما لَحَرّابا حُرُوبٍ ∗∗∗ وشَرّابانِ بِالنُّطَفِ الظَّوامِي
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ يَعْنِي بِالقَرارِ الرَّحِمَ، ومَكِينٍ: أيْ مُتَمَكِّنٍ قَدْ هُيِّئَ لِاسْتِقْرارِهِ فِيهِ.
﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ العَلَقَةُ الدَّمُ الطَّرِيُّ الَّذِي خُلِقَ مِنَ النُّطْفَةِ سُمِّيَ عَلَقَةً لِأنَّهُ أوَّلُ أحْوالِ العُلُوقِ.
﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وهي قَدْرُ ما يُمْضَغُ مِنَ اللَّحْمِ.
﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وإنَّما بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ الإنْسانَ تَنْتَقِلُ أحْوالُ خَلْقِهِ لِيَعْلَمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وحِكْمَتَهُ فِيهِ، وإنَّ بَعْثَهُ بَعْدَ المَوْتِ حَيًّا أهْوَنُ مِن إنْشائِهِ ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ.
والثّانِي: بِنَباتِ الشَّعْرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرٌ وأُنْثى، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ: حِينَ اسْتَوى بِهِ شَبابُهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا خامِسًا: أنَّهُ بِالعَقْلِ والتَّمْيِيزِ.
(p-٤٩)رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ فَنَزَلَتْ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾
23:17Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧
And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.
قَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أيْ سَبْعَ سَمَواتٍ، وفي تَسْمِيَتِها طَرائِقَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِأنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الصَّنْعَةِ والهَيْئَةِ.
الثّانِي: لِأنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ مِنها طَرِيقُ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: لِأنَّها طِباقٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ أُخِذَ طِراقُ الفَحْلِ إذا أطْبَقَ عَلَيْها ما يُمْسِكُها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَأْخُوذًا مِنَ التَّطَرُّقِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مَأْخُوذًا مِنَ التَّطارُقِ.
﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: غافِلِينَ عَنْ حِفْظِهِمْ مِن سُقُوطِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: غافِلِينَ عَنْ نُزُولِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: غافِلِينَ، أيْ عاجِزِينَ عَنْ رِزْقِهِمْ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
وَتَأوَّلَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ في غَوامِضِ المَعانِي سَبْعَ طَرائِقَ: أنَّها سَبْعُ حُجُبٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، الحِجابُ الأوَّلُ قَلْبُهُ، الثّانِي جِسْمُهُ، الثّالِثُ نَفْسُهُ، الرّابِعُ عَقْلُهُ، الخامِسُ عِلْمُهُ، السّادِسُ إرادَتُهُ، السّابِعُ مَشِيئَتُهُ تُوصِلُهُ إنْ صَلُحَتْ وتَحْجُبُهُ إنْ فَسَدَتْ، وهَذا تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ.(p-٥٠)
23:18–22Page 343
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨
And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.
فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩
And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.
وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠
And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١
And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.
وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢
And upon them and on ships you are carried.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ هي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ مَنفَعَتِها وقِلَّةِ تَعاهُدِها.
وَفي طَوْرِ سَيْناءَ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: أنَّ سَيْناءَ البَرَكَةُ فَكَأنَّهُ قالَ جَبَلُ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الحَسَنُ المَنظَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الكَثِيرُ الشَّجَرِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُرْتَفِعُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّساءِ، وهو الِارْتِفاعُ فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ اسْمًا عَرَبِيًّا، وعَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ يَكُونُ اسْمًا أعْجَمِيًّا واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأعْجَمِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ سُرْيانِيٌّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: نَبَطِيٌّ.
الثّالِثُ: حَبَشِيٌّ.
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ اخْتَلَفَ في الدُّهْنِ هُنا عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الدُّهْنَ هُنا المَطَرُ اللَّيِّنُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ دُرُسْتُوَيْهِ، ويَكُونُ دُخُولُ الباءِ تَصْحِيحًا لِلْكَلامِ.
الثّانِي: أنَّهُ الدُّهْنُ المَعْرُوفُ أيْ بِثَمَرِ الدُّهْنِ.
وَعَلى هَذا اخْتَلَفُوا في دُخُولِ الباءِ عَلى وجْهَيْنِ:
(p-٥١)أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ وأنَّها تُنْبِتُ الدُّهْنَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ:
؎ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ
فَكانَتِ الباءُ في بِالفَرَجِ زائِدَةً كَذَلِكَ في الدُّهْنِ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّ الباءَ أصْلٌ ولَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقَدْ قُرِئَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ بِفَتْحِ التّاءِ الأُولى إذا كانَتِ التّاءُ أصْلًا ثابِتًا.
فَإنْ كانَتِ القِراءَةُ بِضَمِّ التّاءِ الأُولى فَمَعْناهُ تَنْبُتُ ويَنْبُتُ بِها الدُّهْنُ، ومَعْناهُما إذا حُقِّقَ مُتَقارِبٌ وإنْ كانَ بَيْنَهُما أدْنى فَرْقٍ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَنْبُتُ فِيها الدُّهْنُ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ: أنْ تَشْرَبَ الماءَ وتُخْرِجَ الدُّهْنَ.
﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ أيْ إدامٍ يَصْطَبِغُ بِهِ الآكِلُونَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الزَّيْتُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ فائْتَدِمُوا بِهِ وادَّهِنُوا» وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَ ما يُؤْتَدَمُ بِهِ سِوى اللَّحْمِ.
23:23–25Page 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
(p-٥٢)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما سَمِعْنا بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ.
والثّانِي: ما سَمِعْنا بِمِثْلِهِ بَشَرًا أتى بِرِسالَةٍ مِن رَبِّهِ.
وَفِي آبائِهِمُ الأوَّلِينَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الأبُ الأدْنى، لِأنَّهُ أقْرَبُ، فَصارَ هو الأوَّلَ.
والثّانِي: أنَّهُ الأبُ الأبْعَدُ لِأنَّهُ أوَّلُ أبٍ ولَدَكَ.
﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى يَمُوتَ.
الثّانِي: حَتّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ.
23:26–30Page 343
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧
So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.
فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨
And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'
وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩
And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠
Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].
قَوْلُهُ: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: تَنُّورُ الخابِزَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ آخِرُ مَكانٍ في دارِكَ، قالَهُ أبُو الحَجّاجِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ طُلُوعُ الفَجْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِاشْتِدادِ الأمْرِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
(p-٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ بَكْرٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُنْزَلَ بِالضَّمِّ فِعْلُ النُّزُولِ وبِالفَتْحِ مَوْضِعُ النُّزُولِ.
﴿وَأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ في ذَلِكَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ نُوحًا قالَ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ مُبارَكًا يَعْنِي بِالسَّلامَةِ والنَّجاةِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ مُبارَكًا يَعْنِي بِالماءِ والشَّجَرِ.
23:31–41Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١
Then We produced after them a generation of others.
فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢
And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣
And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.
وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤
And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.
أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥
Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?
۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦
How far, how far, is that which you are promised.1
إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧
It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨
He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩
He said, "My Lord, support me because they have denied me."
قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠
[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَمُوتُ مِنّا قَوْمٌ ويَحْيا مِنّا قَوْمٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: يَمُوتُ قَوْمٌ ويُولَدُ قَوْمٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، قالَ الكَلْبِيُّ: يَمُوتُ الآباءُ ويَحْيا الأبْناءُ.
(p-٥٤)الثّالِثُ: أنَّهُ مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ مَعْناهُ نَحْيا ونَمُوتُ وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ هَلْكى كالغُثاءِ، وفي الغُثاءِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ البالِي مِنَ الشَّجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: ورَقُ الشَّجَرِ إذا وقَعَ في الماءِ ثُمَّ جَفَّ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.
والثّالِثُ: هو ما احْتَمَلَهُ الماءُ مِنَ الزَّبَدِ والقَذى، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وقالَهُ الأخْفَشُ.
﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فَبُعْدًا لَهم مِنَ الرَّحْمَةِ كاللَّعْنَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: فَبُعْدًا لَهم في العَذابِ زِيادَةً في الهَلاكِ، ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ.
23:42–44Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢
Then We produced after them other generations.
مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣
No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤
Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: مُتَواتِرِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُنْقَطِعِينَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ دَهْرٌ طَوِيلٌ وهَذا تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ.
وَفي اشْتِقاقِ تَتْرى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن وتَرِ القَوْسِ لِاتِّصالِهِ بِمَكانِهِ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، وهو اشْتِقاقُهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَتْرِ وهو الفَرْدُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ بَعْدَ صاحِبِهِ فَرْدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وهو اشْتِقاقُهُ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي.
الثّالِثُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّواتُرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ويَحْتَمِلُ اشْتِقاقُهُ التَّأْوِيلَيْنِ مَعًا.(p-٥٥)
23:45–49Page 345
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥
Then We sent Moses and his brother Aaron with Our signs and a clear authority1
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦
To Pharaoh and his establishment, but they were arrogant and were a haughty people.
فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧
They said, "Should we believe two men like ourselves while their people are for us in servitude?"
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨
So they denied them and were of those destroyed.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩
And We certainly gave Moses the Scripture that perhaps they1 would be guided.
قَوْلُهُ: ﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُتَكَبِّرِينَ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: مُشْرِكِينَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: قاهِرِينَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: ظالِمِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطِيعُونَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: خاضِعُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: مُسْتَبْعَدُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: ما قالَهُ الحَسَنُ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَعْبُدُونَ فِرْعَوْنَ وكانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الأصْنامَ.
23:50Page 345
وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠
And We made the son of Mary and his mother a sign and sheltered them within a high ground having level [areas] and flowing water.
قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ فَآيَتُهُ أنَّ خُلِقَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وآيَتُها أنْ حَمَلَتْ مِن غَيْرِ بَعْلٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَكانَ كَلامُهُ آيَةً لَهُ، وبَراءَةً لَها.
﴿وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ﴾ الآيَةَ.
الرَّبْوَةُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها لا تُسَمّى رَبْوَةً إلّا إذا اخْضَرَّتْ بِالنَّباتِ ورَبَتْ، وإلّا قِيلَ نَشَزَ اشْتِقاقًا مِن هَذا المَعْنى واسْتِشْهادًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٥] ويَقُولُ الشّاعِرُ
؎ طَوى نَفْسَهُ طَيَّ الحَرِيرِ كَأنَّهُ حَوى جَنَّةً في رَبْوَةٍ وهو خاشِعُ
(p-٥٦)الثّانِي: تُسَمّى رَبْوَةً وإنْ لَمْ تَكُنْ ذاتَ نَباتٍ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ
؎ فَكُنْتُ هَمِيدًا تَحْتَ رَمْسٍ بِرَبْوَةٍ ∗∗∗ تُعاوِرُنِي رِيحٌ جَنُوبٌ وشَمْألُ
وَفِي المُرادِ بِها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: الرَّمْلَةُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الثّانِي: دِمَشْقُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: بَيْتُ المَقْدِسِ.
قالَهُ قَتادَةُ، قالَ كَعْبُ الأحْبارِ، هي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مَيْلًا.
وَفِي: ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: ذاتُ اسْتِواءٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: ذاتُ ثِمارٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: ذاتُ مَعِيشَةٍ تُقِرُّهم، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: ذاتُ مَنازِلَ تَسْتَقِرُّونَ فِيها، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَفي ﴿وَمَعِينٍ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الجارِي، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الماءُ الطّاهِرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ
؎ إنَّ الَّذِينَ غَرُّوا بِلُبِّكَ غادَرُوا ∗∗∗ وشَلًا بِعَيْنِكَ ما يَزالُ مَعِينًا
أيْ ظاهِرًا، في اشْتِقاقِ المَعِينِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِأنَّهُ جارٍ مِنَ العُيُونِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَهو مَفْعُولٌ مِنَ العُيُونِ.
الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَعُونَةِ.
الثّالِثُ: مِنَ الماعُونِ.(p-٥٧)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences