Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
النجم
An-Najm
The Star · Meccan · 62 ayahs
53:1–4Page 526
وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١
By the star when it descends,
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢
Your companion [i.e., Muḥammad] has not strayed, nor has he erred,
وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣
Nor does he speak from [his own] inclination.
إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤
It is not but a revelation revealed,
(p-٣٨٩)سُورَةُ النَّجْمِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً، وهي ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: نُجُومُ القُرْآنِ إذا نَزَلَتْ لِأنَّهُ كانَ يَنْزِلُ نُجُومًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها الثُّرَيّا، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ الأمْراضَ عِنْدَ طُلُوعِها.
الثّالِثُ: أنَّها الزُّهْرَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، لِأنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْبُدُونَها.
الرّابِعُ: أنَّها جَماعَةُ النُّجُومِ، قالَهُ الحَسَنُ، ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يُعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ الواحِدِ كَما قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ
؎ أحْسَنُ النَّجْمِ في السَّماءِ الثُّرَيّا والثُّرَيّا في الأرْضِ زَيْنُ النِّساءِ
الخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ المُنْقَضَّةُ، وسَبَبُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرادَ بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ (p-٣٩٠)رَسُولًا، كَثُرَ انْقِضاضُ الكَواكِبِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ، فَذُعِرَ أكْثَرُ العَرَبِ مِنها، وفَزِعُوا إلى كاهِنٍ لَهم ضَرِيرٍ كانَ يُخْبِرُهم بِالحَوادِثِ، فَسَألُوهُ عَنْها، فَقالَ انْظُرُوا البُرُوجَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، فَإنِ انْقَضَّ مِنها شَيْءٌ، فَهو ذَهابُ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَنْقَضَّ مِنها شَيْءٌ، فَسَيَحْدُثُ في الدُّنْيا أمْرٌ عَظِيمٌ، فاسْتَشْعَرُوا ذَلِكَ، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كانَ هو الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَشْعَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ أيْ ذَلِكَ النَّجْمُ الَّذِي هَوى، هو لِهَذِهِ النُّبُوَّةِ الَّتِي حَدَثَتْ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا هَوى﴾ سِتَّةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: النُّجُومُ إذا رَقِيَ إلَيْها الشَّياطِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: إذا سَقَطَ.
الثّالِثُ: إذا غابَ.
الرّابِعُ: إذا ارْتَفَعَ.
الخامِسُ: إذا نَزَلَ.
السّادِسُ: إذا جَرى، ومَهْواها جَرْيُها، لِأنَّها لا تَفْتُرْ في جَرْيِها في طُلُوعِها وغُرُوبِها، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وَهَذا قَسَمٌ، وعَلى القَوْلِ الخامِسُ في انْقِضاضِ النُّجُومِ خَبَرٌ.
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما ضَلَّ عَنْ قَصْدِ الحَقِّ ولا غَوى في اتِّباعِ الباطِلِ.
الثّانِي: ما ضَلَّ بِارْتِكابِ الضَّلالِ، وما غَوى بِأنْ خابَ سَعْيُهُ، وألْفى الخَيْبَةَ كَما قالَ الشّاعِرُ
؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسَ أمْرُهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمُ عَلى الغِيِّ لائِمًا
أيْ: مَن خابَ في طَلَبِهِ لامَهُ النّاسُ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ، قالَ مُقاتِلٌ: وهي أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ.
﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ فِيهِ وجْهانِ: (p-٣٩١)أحَدُهُما: وما يَنْطِقُ عَنْ هَواهُ، وهو يَنْطِقُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما يَنْطِقُ بِالهَوى والشَّهْوَةِ، إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى بِأمْرٍ ونَهْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ.
﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ أيْ يُوحِيهِ اللَّهُ إلى جِبْرِيلَ ويُوحِيهِ جِبْرِيلُ إلَيْهِ.
53:5–18Page 526
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥
Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -
ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦
One of soundness.1 And he rose to [his] true form2
وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧
While he was in the higher [part of the] horizon.1
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨
Then he approached and descended
فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩
And was at a distance of two bow lengths or nearer.
فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠
And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].
مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١
The heart1 did not lie [about] what it saw.
أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢
So will you dispute with him over what he saw?
وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ١٣
And he certainly saw him in another descent1
عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ١٤
At the Lote Tree of the Utmost Boundary -
عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ ١٥
Near it is the Garden of Refuge [i.e., Paradise] -
إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦
When there covered the Lote Tree that which covered [it].1
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
The sight [of the Prophet (ﷺ)] did not swerve, nor did it transgress [its limit].
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
He certainly saw of the greatest signs of his Lord.
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ يَعْنِي: جِبْرِيلَ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: (p-٣٩٢)أحَدُها: ذُو مُنْظَرٍ حَسَنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ذُو غِناءٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: ذُو قُوَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ومِن قَوْلِ خُفافُ بْنُ نَدْبَةَ
؎ إنِّي امْرُؤٌ ذُو مِرَّةٍ فاسْتَبَقَنِي فِيما يَنُوبُ مِنَ الخُطُوبِ صَلِيبُ
الرّابِعُ: ذُو صِحَّةٍ في الجِسْمِ وسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، ومِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ
؎ كُنْتُ فِيهِمْ أبَدًا ذا حِيلَةٍ ∗∗∗ مُحْكَمَ المِرَّةِ مَأْمُونَ العَقْدِ
الخامِسُ: ذُو عَقْلٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِي، قاَل الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ عِنْدَ لِقاكم ذا مَرَّةً ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وَفِي قَوْلِهِ ﴿فاسْتَوى﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: فاسْتَوى جِبْرِيلُ في مَكانِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: قامَ جِبْرِيلُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها لِأنَّهُ كانَ يَظْهَرُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ في صُورَةٍ لا رَجُلٍ.
حَكى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ: أمّا واحِدَةٌ، فَإنَّهُ سَألَهُ أنْ يَراهُ في صُورَتِهِ فَسَدَّ الأُفُقَ.
وَأمّا الثّانِيَةُ، فَإنَّهُ كانَ مَعَهُ حِينَ صَعَدَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾» الثّالِثُ: فاسْتَوى القُرْآنُ في صَدْرِهِ، وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاعْتَدَلَ في قُوَّتِهِ.
الثّانِي: في رِسالَتِهِ.
الرّابِعُ: يَعْنِي: فارْتَفَعَ، وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ ارْتَفَعَ إلى مَكانِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، ارْتَفَعَ بِالمِعْراجِ.
﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ حِينَ رَأى النَّبِيَّ ﷺ بِالأُفُقِ الأعْلى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ الأعْلى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفي الأُفُقِ الأعْلى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: هو الأُفُقُ الَّذِي يَأْتِي مِنهُ النَّهارُ، قالَهُ قَتادَةُ، يَعْنِي طُلُوعَ الفَجْرِ.
الثّالِثُ: هو أُفُقُ السَّماءِ وهو جانِبٌ مِن جَوانِبِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُّجُومُ والطَّوالِعُ
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٣٩٣)الثّانِي: أنَّهُ الرَّبُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَتَدَلّى﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَعْلَّقَ فِيما بَيْنَ والسُّفْلِ لِأنَّهُ رَآهُ مُنْتَصِبًا مُرْتِفَعًا ثُمَّ رَآهُ مُتَدَلِّيًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ قَرُبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ أيْ تُقَرِّبُوها إلَيْهِمْ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ أتَيْتُكَ لا أُدْلِي بِقُرْبى قَرِيبَةٍ ∗∗∗ إلَيْكَ ولَكِنِّي بِجُودِكَ واثِقٌ
وَقِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِي.
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: قَيْدَ قَوْسَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِحَيْثُ الوَتَرِ مِنَ القَوْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مِن مَقْبَضِها إلى طَرَفِها، قالَهُ عَبْدُ الحارِثِ.
الرّابِعُ: قَدْرَ ذِراعَيْنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ القابُ عِبارَةً عَنِ القَدْرِ، والقَوْسُ عِبارَةً عَنِ الذِّراعِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المَعْنى بِهَذا الدّانِي عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن رَبِّهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ في عَبْدِهِ المُوحى إلَيْهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْحى إلَيْهِ ما يُوحِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْهُ عائِشَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ أُوحِيَ إلَيْهِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ في الفُؤادِ قَوْلانِ: (p-٣٩٤)أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ صاحِبَ الفُؤادِ فَعَبَّرَ عَنَّهُ بِالفُؤادِ لِأنَّهُ قُطْبُ الجَسَدِ وقِوامُ الحَياةِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ نَفْسَ الفُؤادِ لِأنَّهُ مَحِلُّ الِاعْتِقادِ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ ما هو بِخِلافِهِ كَتَوَهُّمِ السَّرابِ ماءً، فَيَصِيرُ فُؤادُهُ بِتَوَهُّمِ المُحالِ كالكاذِبِ لَهُ، وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ما أنْكَرَ قَلْبُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ، وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ "كَذَّبَ" بِالتَّشْدِيدِ.
وَفي الَّذِي رَأى خَمْسَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: رَأى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في المَنامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بِقَلْبِهِ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ [هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ] ؟ قالَ: (رَأيْتُهُ بِفُؤادِي مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾» الرّابِعُ: أنَّهُ رَأى جَلالَهُ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَوى أبُو العالِيَةِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: (رَأيْتُ نَهْرًا ورَأيْتُ وراءَ النَّهْرِ حِجابًا ورَأيْتُ وراءَ الحِجابِ نُورًا لَمْ أرَ غَيْرَ ذَلِكَ» .
الخامِسُ: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أفَتُجادِلُونَهُ عَلى ما يَرى، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّانِي: أفَتُجادِلُونَهُ عَلى ما يَرى، وهو مَأْثُورٌ.
(p-٣٩٥)الثّالِثُ: أفَتُشَكِّكُونَهُ عَلى ما يَرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ يَعْنِي أنَّهُ رَأى ما رَآهُ ثانِيَةً بَعْدَ أُولى، قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مُرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ رُوِيَ فِيها خَبَرانِ.
أحَدُهُما: ما رَوى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى وهي في السَّماءِ السّادِسَةِ، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يَعْرُجُ مِنَ الأرْواحِ فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يَهْبِطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيَقْبِضُ مِنها الخَبَرُ.
»
الثّانِي: ما رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهى في السَّماءِ السّابِعَةِ، ثَمَرُها مِثْلَ قِلالِ هَجَرٍ، ووَرَقُها مِثْلَ آذانِ الفِيَلَةِ، يُخْرُجُ مِن ساقِها نَهْرانِ ظاهِرانِ ونَهْرانِ باطِنانِ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذا؟ قالَ: أمّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَفي الجَنَّةِ، وأمّا النَّهْرانِ الظّاهِرانِ فالنِّيلُ والفُراتُ» . وفي سَبَبِ تَسْمِيَتِها سِدْرَةَ المُنْتَهى خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِأنَّهُ يَنْتَهِي عِلْمُ الأنْبِياءِ إلَيْها، ويَعْزُبُ عِلْمُهم عَمّا وراءَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِأنَّ الأعْمالَ تَنْتَهِي إلَيْها وتُقْبَضُ مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: لِانْتِهاءِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ إلَيْها ووُقُوفِهِمْ عِنْدَها، قالَهُ كَعْبٌ.
الرّابِعُ: لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْها كُلُّ مَن كانَ عَلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِنهاجِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
(p-٣٩٦)الخامِسُ: لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْها كُلُّ ما يَهْبِطُ مِن فَوْقِها ويَصْعَدُ مِن تَحْتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَنَّةُ المَبِيتِ والإقامَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وأبُو هُرَيْرَةَ.
الثّانِي: أنَّها مَنزِلُ الشُّهَداءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ وفي ذِكْرِ جَنَّةِ المَأْوى وجْهانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ في سِدْرَةِ المُنْتَهى:
أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ بِذِكْرِها تَعْرِيفُ مَوْضِعِها بِأنَّهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّ الَّذِي يَغْشاها فِراشٌ مِن ذَهَبٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ورَواهُ مَرْفُوعًا.
الثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ نُورُ رَبِّ العِزَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَإنْ قِيلَ لِمَ اخْتِيرَتِ السِّدْرَةُ لِهَذا الأمْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الشَّجَرِ؟ قِيلَ: لِأنَّ السِّدْرَةَ تَخْتَصُّ بِثَلاثَةِ أوْصافٍ: ظِلٍّ مَدِيدٍ، وطَعْمٍ لَذِيذٍ، ورائِحَةٍ ذَكِيَّةٍ، فَشابَهَتِ الإيمانَ الَّذِي يَجْمَعُ قَوْلًا وعَمَلًا ونِيَّةً، فَظِلُّها بِمَنزِلَةِ العَمَلِ لِتَجاوُزِهِ، وطَعْمُها بِمَنزِلَةِ النِّيَّةِ لِكُمُونِهِ، ورائِحَتُها بِمَنزِلَةِ القَوْلِ لِظُهُورِهِ.
﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ في زَيْغِ البَصَرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ
أحَدُها: انْحِرافُهُ.
الثّانِي: ذَهابُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: نُقْصانُهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي طُغْيانِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: ارْتِفاعُهُ عَنِ الحَقِّ.
الثّانِي: تَجاوُزُهُ لِلْحَقِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٣٩٧)الثّالِثُ: زِيادَتُهُ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ أنَّهُ رَأى ذَلِكَ عَلى حَقِّهِ وصِدْقِهِ مِن غَيْرِ نُقْصانِ عَجْزٍ عَنْ إدْراكِهِ، ولا زِيادَةِ تَوَهُّمِها في تَخَلِّيهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: ما غَشِيَ السِّدْرَةَ مِن فِراشِ الذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ رَأى جِبْرِيلَ وقَدْ سَدَّ الأُفُقَ بِأجْنِحَتِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: ما رَآهُ حِينَ نامَتْ عَيْناهُ ونَظَرَ بِفُؤادِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
53:19–26Page 526
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ١٩
So have you considered al-Lāt and al-ʿUzzā?
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ٢٠
And Manāt, the third - the other one?1
أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ٢١
Is the male for you and for Him the female?
تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ٢٢
That, then, is an unjust division.1
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.
أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤
Or is there for man whatever he wishes?
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ أمّا اللّاتَ فَقَدْ كانَ الأعْمَشُ يُشَدِّدُها، وسائِرُ القُرّاءِ عَلى تَخْفِيفِها، فَمَن خَفَّفَها فَلَهم فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ صَنَمًا بِالطّائِفِ زَعَمُوا أنَّ صاحِبَهُ كانَ يَلِتُّ عَلَيْهِ السَّوِيقَ لِأصْحابِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ صَخْرَةٌ يُلَتُّ عَلَيْها السَّوِيقُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَأمّا مَن شَدَّدَها فَلَهم فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَلِتُّ السَّوِيقَ عَلى الحَجَرِ فَلا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ إلّا سَمِنَ مَعْبُودُهُ، ثُمَّ ماتَ فَقَلَبُوهُ عَلى قَبْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَقُومُ عَلى آلِهَتِهِمْ ويَلِتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ بِالطّائِفِ قالَهُ (p-٣٩٨)السُّدِّيُّ، وقِيلَ إنَّهُ عامِرُ بْنُ ظِرْبٍ العَدْوانِيُّ ثُمَّ اتَّخَذُوا قَبْرَهُ وثَنًا مَعْبُودًا، قالَ الشّاعِرُ
؎ لا تَنْصُرُوا اللّاتَ إنَّ اللَّهَ مُهْلِكُها وكَيْفَ يَنْصُرُكم مَن لَيْسَ يَنْتَصِرُ
وَأمّا "العُزّى" فِفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صَنَمٌ كانُوا يَعْبُدُونَهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ كانَ يُعَلَّقُ عَلَيْها ألْوانُ العِهْنِ تَعْبُدُها سُلَيْمٌ، وغَطَفانُ، وجُشَمُ، قالَ مُقاتِلٌ: وهي سَمُرَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: هي الَّتِي بَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ حَتّى قَطَعَها، وقالَ أبُو صالِحٍ: بَلْ كانَتْ نَخْلَةً يُعَلَّقُ عَلَيْها السُّتُورُ والعِهْنُ.
وَقِيلَ في اللّاتِ والعُزّى قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهُما كانا بَيْتَيْنِ يَعْبُدُهُما المُشْرِكُونَ في الجاهِلِيَّةِ، فاللّاتُ بَيْتٌ كانَ بِنَخْلَةٍ يَعْبُدُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والعُزّى بَيْتٌ كانَ بِالطّائِفِ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ والطّائِفُ.
﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ صَنَمًا بِقُدَيْدٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّانِي: أنَّهُ بَيْتٌ كانَ بِالمَسْلَكِ يَعْبُدُهُ بَنُو كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها أصْنامٌ مِن حِجارَةٍ كانَتْ في الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها.
الرّابِعُ: أنَّهُ وثَنٌ كانُوا يُرِيقُونَ عِنْدَهُ الدِّماءَ يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ مِنًى لِكَثْرَةِ ما يُراقُ بِها مِنَ الدِّماءِ.
وَإنَّما قالَ: مَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى، لِأنَّها كانَتْ مُرَتَّبَةً عِنْدَ المُشْرِكِينَ في التَّعْظِيمِ بَعْدَ اللّاتِ والعُزّى، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ الآيَةَ.
ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتُهم تُرْتَجى، وفي رِوايَةِ أبِي العالِيَةِ: وشَفاعَتُهم تُرْتَضى ومِثْلُهم لا يُنْسى، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: قَدْ ذَكَرَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: أعْرِضْ (p-٣٩٩)عَلَيَّ ما جِئْتُكَ بِهِ فَعَرَضَ عَلَيْهِ، فَقالَ: لَمْ آتِكَ أنا بِهَذا وهَذا مِنَ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ حَيْثُ جَعَلُوا المَلائِكَةَ بَناتَ اللَّهِ.
﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: قِسْمَةٌ عَوْجاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: قِسْمَةٌ جائِرَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: قِسْمَةٌ مَنقُوصَةٌ، قالَهُ سُفْيانُ وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ فَإنْ تَنْأى عَنّا نَنْتَقِصْكَ وإنْ تَقُمْ ∗∗∗ فَقَسْمُكَ مَضْئُوزٌ وأنْفُكَ راغِمُ
وَمَعْنى مَضْئُوزٌ أيْ مَنقُوصٌ.
الرّابِعُ: قِسْمَةٌ مُخالِفَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ البَنِينِ أنْ يَكُونُوا لَهُ دُونَ البَناتِ.
الثّانِي: مِنَ النُّبُوَّةِ أنْ تَكُونَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ.
﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ أقْدَرَ مِن خَلْقِهِ، فَلَوْ جازَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ - كَما نَسَبَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ حِينَ جَعَلُوا لَهُ البَناتَ دُونَ البَنِينَ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لَكانَ بِالبَنِينَ أحَقُّ مِنهم.
الثّانِي: أنَّهُ لا يُعْطِي النُّبُوَّةَ مَن تَمَنّاها، وإنَّما يُعْطِيها مَنِ اخْتارَهُ لَها لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ.
53:27–32Page 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -
ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢
Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ أمّا كَبائِرُ الإثْمِ فَفَيِها خَمْسَةُ أقاوِيلَ
أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ ما زَجَرَ عَنْهُ بِالحَدِّ، حَكاهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ.
الثّالِثُ: ما لا يُكَفَّرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: ما حَكاهُ شُرَحْبِيلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكَبائِرِ فَقالَ: (أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ وأنْ تُزانِي حَلِيلَةَ جارِكَ)»
الخامِسُ: ما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الكَبائِرِ أسَبْعٌ هِيَ؟ قالَ: إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعَةٍ، لا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفارٍ ولا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرارٍ، فَكَأنَّهُ يَذْكُرُ أنَّ كَبائِرَ الإثْمِ ما لَمْ يُسْتَغْفَرْ مِنهُ.
وَأمّا الفَواحِشُ فَفَيِها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها جَمِيعُ المَعاصِي.
الثّانِي: أنَّها الزِّنى.
وَأمّا اللَّمَمُ المُسْتَثْنى فَفِيهِ ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: إلّا اللَّمَمَ الَّذِي ألَمُّوا بِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإثْمِ والفَواحِشِ فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّانِي: هو أنْ يَلُمَّ بِها ويَفْعَلُها ثُمَّ يَتُوبُ مِنها، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
(p-٤٠١)الثّالِثُ: هو أنْ يَعْزُمَ عَلى المُواقَعَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْها مُقْلِعًا وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ
؎ إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا
» الرّابِعُ: أنَّ اللَّمَمَ ما دُونَ الوَطْءِ مِنَ القُبْلَةِ والغَمْزَةِ والنَّظْرَةِ والمُضاجَعَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما رَأيْتُ أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « (كَتَبَ اللَّهُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ حَظَّها مِنَ الزِّنى أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنَيْنِ النَّظَرُ وزِنى اللِّسانِ المَنطِقُ وهي النَّفْسُ تُمَنِّي وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ»
الخامِسُ: أنَّ اللَّمَمَ الصَّغائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّمَمَ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ في الدُّنْيا ولَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ عَذابٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
السّابِعُ: أنَّ اللَّمَمَ النَّظْرَةُ الأُولى فَإنْ عادَ فَلَيْسَ بِلَمَمٍ، قالَهُ بَعْضُ التّابِعِينَ، فَجَعَلَهُ ما لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنَ الذُّنُوبِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ
؎ وما يَسْتَوِي مَن لا يَرى غَيْرَ لَمَّةٍ ∗∗∗ ومَن هو ناوٍ غَيْرَها لا يَرِيمُها
والثّامِنُ: أنَّ اللَّمَمَ النِّكاحُ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.
وَذَكَرَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ يُسَمّى نَبْهانُ التَّمّارُ كانَ لَهُ حانُوتٌ يَبِيعُ فِيهِ تَمْرًا، فَجاءَتْهُ امْرَأةٌ تَشْتَرِي مِنهُ تَمْرٌا، فَقالَ لَها: إنَّ بِداخِلِ الدُّكّانِ ما هو خَيْرٌ مِن هَذا، فَلَمّا دَخَلَتْ راوَدَها عَنْ نَفْسِها، فَأبَتْ وانْصَرَفَتْ، فَنَدِمَ نَبْهانُ وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ يَصْنَعُهُ الرَّجُلُ إلّا وقَدْ فَعَلْتُهُ إلّا الجِماعَ، فَقالَ: « (لَعَلَّ زَوْجُها غازٍ)» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أنْشَأ آدَمَ.
﴿وَإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ قالَ مَكْحُولٌ: في بُطُونِ أُمَّهاتِنا فَسَقَطَ مِنّا مَن (p-٤٠٢)سَقَطَ، وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا يَفَعَةً فَهَلَكَ مِنّا مَن هَلَكَ، وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا شَبابًا فَهَلَكَ مِنّا مَن هَلَكَ وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا شُيُوخًا لا أبا لَكَ فَما بَعْدَ هَذا تَنْتَظِرُ؟ ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي لا تُمادِحُوا، قالَهُ ابْنُ شَوْذَبٍ.
الثّانِي: لا تَعْمَلُوا بِالمَعاصِي وتَقُولُوا نَعْمَلُ بِالطّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: إذا عَمِلْتَ خَيْرًا فَلا تَقُلْ عَمِلْتُ كَذا وكَذا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لا تُبادِلُوا قُبْحَكم حَسَنًا ومُنْكَرَكم مَعْرُوفًا.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: لا تُراؤُوا بِعَمَلِكُمُ المَخْلُوقِينَ لِتَكُونُوا عِنْدَهم أزْكِياءَ.
﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ الحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما هي عامِلَةٌ وما هي صانِعَةٌ وإلى ما هي صائِرَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences