Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
ق
Qaf
The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs
50:1–5Page 518
قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١
Qāf.1 By the honored Qur’ān...2
بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢
But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣
When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."
قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤
We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥
But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.
(p-٣٣٩)سُورَةُ ق
مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ق﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أقْسَمَ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ قَضى واللَّهِ، كَما قِيلَ في حم: حم واللَّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعُرُوقُ الجِبالِ كُلُّها مِنهُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ قِفْ; كَما قالَ الشّاعِرُ: (p-٣٤٠)
؎ قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ
أيْ وقَفْتُ.
وَيَحْتَمِلُ ما أُرِيدَ بِوَقْفِهِ عَلَيْهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قِفْ عَلى إبْلاغِ الرِّسالَةِ لِئَلّا تَضْجَرَ بِالتَّكْذِيبِ.
الثّانِي: قِفْ عَلى العَمَلِ بِما يُوحى إلَيْكَ لِئَلّا تَعْجَلَ عَلى ما لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ.
﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الكَرِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَثْرَةِ القُدْرَةِ والمَنزِلَةِ، لا مِن كَثْرَةِ العَدَدِ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ كَثِيرٌ في النُّفُوسِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في المَثَلِ السّائِرِ: لَها في كُلِّ الشَّجَرِ نارٌ، واسْتَجْمَدَ المَرْخُ والعَفارُ، أيِ اسْتَكْثَرَ هَذانِ النَّوْعانِ مِنَ النّارِ وزادَ عَلى سائِرِ الشَّجَرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ العَظِيمُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ مَجَدَتِ الإبِلُ إذا أُعْظِمَتْ بُطُونُها مِن كَلَأِ الرَّبِيعِ.
﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَعْظِيمًا لِخَطَرِهِ لِأنَّ عادَةً جارِيَةً في القَسَمِ ألّا يَكُونَ إلّا بِالمُعَظَّمِ.
وَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: هو أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾
الثّانِي: أنَّكم مَبْعُوثُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ. ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهم عَجِبُوا أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم، مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّهم عَجِبُوا مِن إنْذارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَن يَمُوتُ مِنهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٣٤١)الثّانِي: يَعْنِي ما تَأْكُلُهُ الأرْضُ مِن لُحُومِهِمْ وتُبْلِيهِ مِن عِظامِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.
وَفي حَفِيظٍ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَفِيظٌ لِأعْمالِهِمْ.
الثّانِي: لِما يَأْكُلُهُ التُّرابُ مِن لُحُومِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهو الَّذِي تَنْقُصُهُ الأرْضُ مِنهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ الآيَةَ.
الحَقُّ يَعْنِي القُرْآنَ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
﴿مَرِيجٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَرِيجَ المُخْتَلَطُ.
قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: المُخْتَلَفُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: المُلْتَبِسُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: الفاسِدُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
وَمِنهُ قَوْلُ أبِي دَؤادٍ
؎ مَرِجَ الدِّينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ∗∗∗ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ
50:6–11Page 518
أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦
Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧
And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,
تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨
Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].
وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩
And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest
وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠
And lofty palm trees having fruit arranged in layers -
رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١
As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِن شُقُوقٍ.
الثّانِي: مِن فُتُوقٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى إلّا أنَّ المَلِكَ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ عِنْدَ العُرُوجِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها.
(p-٣٤٢)﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ يَعْنِي الجِبالَ الرَّواسِيَ الثَّوابِتَ، واحِدُها راسِيَةٌ قالَ الشّاعِرُ
؎ رَسا أصْلُهُ تَحْتَ الثَّرى وسَما بِهِ إلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يُنالُ طَوِيلٌ
﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ نَوْعٍ.
﴿بَهِيجٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَسَنٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَهْجَةِ وهي الحُسْنِ.
الثّانِي: سارٌّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أبْهَجَنِي هَذا الأمْرُ أيْ سَرَّنِي، لِأنَّ السُّرُورَ يُحْدِثُ في الوَجْهِ مِنَ الإسْفارِ والحُمْرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسَنًا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ نَباتُ الأرْضِ فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تَبْصِرَةً﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي بَصِيرَةً لِلْإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: نِعَمًا بَصَّرَ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: يَعْنِي دِلالَةً وبُرْهانًا.
﴿وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُنِيبَ المُخْلَصُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ التّائِبُ إلى رَبِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الرّاجِعُ المُتَذَكِّرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ بِهَذِهِ التَّبْصِرَةِ والذِّكْرى وإنْ خَصَّ بِالخِطابِ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ لِانْتِفاعِهِ بِها واهْتِدائِهِ إلَيْها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ يَعْنِي المَطَرَ، لِأنَّهُ بِهِ يَحْيا النَّباتُ والحَيَوانُ.
﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ فِيها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها البَساتِينُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾ يَعْنِي البُرَّ والشَّعِيرَ، وكُلَّ ما يُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، إذا تَكامَلَ واسْتَحْصَدَ سُمِّيَ حَصِيدًا، قالَ الأعْشى: (p-٣٤٣)
؎ لَسْنا كَما إيادِ دارِها ∗∗∗ تَكْرِيثٌ يُنْظَرُ حَبُّهُ أنْ يُحْصَدا
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الطُّوالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
قالَهُ الشّاعِرُ
؎ يا ابْنَ الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْ ∗∗∗ بَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزارَهُ
أيْ طالَتْ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي أنَّها الَّتِي قَدْ ثَقُلَتْ مِنَ الحِمْلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ فَلَمّا تَرَكْنا الدّارَ ظَلَّتْ مَنيِفَّةً ∗∗∗ بِقِرانٍ فِيهِ الباسِقاتُ المَواقِرُ
﴿نَضِيدٌ﴾ أيْ مَنضُودٌ، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّ النَّضِيدَ المُتَراكِمَ المُتَراكِبَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ المَنظُومُ، وهَذا يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ القائِمُ المُعْتَدِلُ، قالَهُ ابْنُ الهادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ يَعْنِي ما أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ مُبارَكٍ، وما أخْرَجَهُ مِنَ الأرْضِ بِالماءِ مِن نَباتٍ وحَبِّ الحَصِيدِ وطَلْعٍ نَضِيدٍ.
﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ جَعَلَ هَذا كُلَّهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّشْأةَ الأُولى إذا خَلَقَها مِن غَيْرِ أصْلٍ كانَتِ النَّشْأةُ الثّانِيَةُ بِإعادَةِ ما لَهُ أصْلٌ أهْوَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا شُوهِدَ مِن قُدْرَتِهِ، إعادَةُ ما ماتَ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ كانَ إعادَةُ مَن ماتَ مِنَ العِبادِ أوْلى لِلتَّكْلِيفِ المُوجِبِ لِلْجَزاءِ.
50:12–15Page 518
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ حُفْرَةٍ في الأرْضِ مِن بِئْرٍ وقَبْرٍ.
الثّانِي: أنَّها البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ بِحَجَرٍ ولا غَيْرِهِ.
وَأمّا أصْحابُ الرَّسِّ فَفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها بِئْرٌ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ ورَسُوهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهم أهْلُ بِئْرٍ بِأذْرِبِيجانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ بِاليَمامَةِ كانَ لَهم آبارٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ الزُّهَيْرُ
؎ بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ في الفَمِ
الرّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ، وكانُوا عَرَبًا بِوادِي القُرى وما حَوْلَها.
وَثَمُودٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّمَدِ وهو الماءِ القَلِيلِ الكَدِرِ، قالَ النّابِغَةُ
؎ واحْكم بِحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ∗∗∗ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
﴿وَعادٌ﴾ وهو اسْمُ رَجُلٍ كانَ مِنَ العَمالِيقِ كَثُرَ ولَدُهُ، فَصارُوا قَبائِلَ وكانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، والأحْقافُ الرِّمالُ، وهم قَوْمُ هُودٍ.
﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ وقَدِ اخْتُلِفَ في أصْلِهِ فَحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وَقالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: كانَ مِن أهْلِ مِصْرَ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عاشَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ مِنها مِائَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً لا يُرى ما يَقْذِي عَيْنَهُ، فَدَعاهُ مُوسى ثَمانِينَ سَنَةً.
وَحَكى غَيْرُهُ أنَّهُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
واخْتُلِفَ في نَسَبِهِ فَقالَ بَعْضُهم هو مِن لَخْمٍ، وقالَ آخَرُونَ هو مِن تُبَّعٍ.
﴿وَإخْوانُ لُوطٍ﴾ يَعْنِي قَوْمَهُ وأتْباعَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ بَيْتٍ، في كُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةُ مَرَدَةٍ، فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
(p-٣٤٥)وَقالَ عَطاءٌ: ما مِن أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ يَقُومُ مَعَهُ قَوْمٌ إلّا لُوطٍ فَإنَّهُ يَقُومُ وحْدَهُ.
﴿وَأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ والأيْكَةُ الغَيْضَةُ ذاتُ الشَّجَرِ المُلْتَفِّ كَما قالَ أبُو داوُدَ الإيادِيُّ
؎ كَأنَّ عَرِينَ أيْكَتِهِ تَلاقى ∗∗∗ بِها جَمْعانُ مِن نِبْطٍ ورُومِ
قالَ قَتادَةُ: وكانَ عامَّةُ شَجَرِها الدُّومَ، وكانَ رَسُولُهم شُعَيْبًا، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ، وإلى أهْلِ مَدْيَنَ، أُرْسِلَ إلى أُمَّتَيْنِ مِنَ النّاسِ، وعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ، أمّا أهْلُ مَدْيَنَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، وأمّا أصْحابُ الأيْكَةِ فَكانُوا أهْلَ شَجَرٍ مُتَكاوِسٍ.
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وتُبَّعٌ كانَ رَجُلًا مِن مُلُوكِ العَرَبِ مِن حِمْيَرَ، سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ مَن تَبِعَهُ.
قالَ وهْبٌ: إنَّ تُبَّعًا أسْلَمَ وكَفَرَ قَوْمُهُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ قَوْمُهُ، ولَمْ يُذْكَرْ تُبَّعٌ.
قالَ قَتادَةُ وهو الَّذِي حَيَّرَ الحِيرَةَ وفَتَحَ سَمَرْقَنْدَ حَتّى أخْرَبَها، وكانَ يَكْتُبُ إذا كَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي تَسَمّى ومَلَكَ بَرًّا وبَحْرًا وضُحًى ورِيحًا.
﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّ هَؤُلاءِ كَذَّبُوا مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ وعِيدُ اللَّهِ وعَذابُهُ.
فَذَكَرَ اللَّهُ قَصَصَ هَؤُلاءِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، لِيَعْلَمَ المُكَذِّبُونَ مِنهم بِالنَّبِيِّ ﷺ أنَّهم كَغَيْرِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلَ إنْ أقامُوا عَلى التَّكْذِيبِ فَلَمْ يَأْمَنُوا، حَتّى أرْشَدَ اللَّهُ مِنهم مَن أرْشَدَ وتَبِعَهم رَغَبًا ورَهَبًا مَن تَبِعَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أمّا اللَّبْسُ فَهو اكْتِسابُ الشَّكِّ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ
؎ صَدِّقْ مَقالَتَهُ واحْذَرْ عَداوَتَهُ ∗∗∗ والبَسْ عَلَيْهِ بِشَكٍّ مِثْلَ ما لَبِسا
والخَلْقُ الجَدِيدُ هو إعادَةُ خَلْقٍ ثانٍ بَعْدَ الخَلْقِ الأوَّلِ.
وَفي مَعْنى الكَلامِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: أفَعَجِزْنا عَنْ إهْلاكِ الخَلْقِ الأوَّلِ، يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلِي مَعَ قُوَّتِهِمْ، حَتّى تَشُكُّوا في إهْلاكِنا لَكم مَعَ ضَعْفِكم إنْ كَذَّبْتُمْ، فَيَكُونُ هَذا خارِجًا مِنهُ مَخْرَجَ الوَعِيدِ.
(p-٣٤٦)الثّانِي: مَعْناهُ أنَّنا لَمْ نَعْجِزْ عَنْ إنْشاءِ الخَلْقِ الأوَّلِ، فَكَيْفَ تَشُكُّونَ في إنْشاءِ خَلْقٍ جَدِيدٍ، يَعْنِي بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَيَكُونُ هَذا خارِجًا مَخْرَجَ البُرْهانِ والدَّلِيلِ.
50:16–22Page 519
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧
When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.
مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨
He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].
وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩
And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠
And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.
وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١
And every soul will come, with it a driver and a witness.1
لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢
[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الوَسْوَسَةُ كَثْرَةُ حَدِيثِ النَّفْسِ بِما لا يَتَحَصَّلُ في خَفاءٍ وإسْرارٍ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ
؎ وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقِ.
.. ... ...
﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ حَبْلٌ مُعَلَّقٌ بِهِ القَلْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والأصَمُّ وهو الوَتِينُ.
الثّانِي: أنَّهُ عِرْقٌ في الحَلْقِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عِرْقُ العُنُقِ ويُسَمّى حَبْلُ العاتِقِ، وهُما ورِيدانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، وسُمِّيَ ورِيدًا، لِأنَّهُ العِرْقُ الَّذِي يُنْصَبُ إلَيْهِ ما يُرَدُّ مِنَ الرَّأْسِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ الَّذِي هو مِنهُ.
(p-٣٤٧)الثّانِي: ونَحْنُ أمْلَكُ بِهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، مَعَ اسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ونَحْنُ أعْلَمُ بِما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، الَّذِي هو مِن نَفْسِهِ، لِأنَّهُ عِرْقٌ يِخالِطُ القَلْبَ، فَعِلْمُ الرَّبِّ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ القَلْبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الآيَةَ.
قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ، يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.
قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَةُ عَمَلِكَ وقِيلَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ عَدَلَ واللَّهِ عَلَيْكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.
وَفي ﴿قَعِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ القاعِدَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: المُرْصِدُ الحافِظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القُعُودِ.
قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: مَلَكانِ بِالنَّهارِ ومَلَكانِ بِاللَّيْلِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ أيْ ما يُتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن لَفَظَ الطَّعامَ، وهو إخْراجُهُ مِنَ الفَمِ.
﴿إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المُتَتَبِّعُ لِلْأُمُورِ.
الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي ﴿عَتِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الحاضِرُ الَّذِي لا يَغِيبُ.
الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ المُعَدُّ إمّا لِلْحِفْظِ وإمّا لِلشَّهادَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما يَراهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ مِن ظُهُورِ الحَقِّ فِيما كانَ اَللَّهُ قَدْ أوْعَدَهُ.
(p-٣٤٨)الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو المَوْتَ، سُمِّيَ حَقًّا، إمّا لِاسْتِحْقاقِهِ، وإمّا لِانْتِقالِهِ إلى دارِ الحَقِّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
وَتَقْدِيرُهُ: وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، ووَجَدْتُها في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ.
﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَحِيدُ مِنَ المَوْتِ، فَجاءَهُ المَوْتُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَحِيدُ مِنَ الحَقِّ، فَجاءَهُ الحَقُّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.
وَفِي مَعْنى التَّحَيُّدِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الفِرارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
(الثّانِي): العُدُولُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ ولَقَدْ قُلْتُ حِينَ لَمْ يَكُ عَنْهُ ∗∗∗ لِي ولا لِلرِّجالِ عَنْهُ مَحِيدٌ.
فَرَوى عاصِمُ بْنُ أبِي بَهْدَلَةَ، عَنْ أبِي وائِلٍ، أنَّ عائِشَةَ قالَتْ عِنْدَ أبِيها وهو يَقْضِي
؎ لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، وضاقَ بِها الصَّدْرُ
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: [هَلّا قُلْتِ كَما قالَ اللَّهُ] ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أمّا السّائِقُ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَلَكٌ يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ يَسُوقُهُ إلى مَوْضِعِ الحِسابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَأمّا الشَّهِيدُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وهَذا قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ والحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّهُ الإنْسانُ، يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِعَمَلِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ.
(p-٣٤٩)الثّالِثُ: أنَّها الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: أنَّها خاصَّةً في الكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما أنَّهُ الكافِرُ، كانَ في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، كانَ في غَفْلَةٍ عَنِ الرِّسالَةِ مَعَ قُرَيْشٍ في جاهِلِيَّتِهِمْ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَقَدْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في غَفْلَةٍ عَنْ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ لِأنَّ هَذا لا يُعْرَفُ إلّا بِالنُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ.
﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إذا كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ وقْتُ العَرْضِ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نُزُولُ الوَحْيِ وتَحَمُّلُ الرِّسالَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَصِيرَةُ القَلْبِ لِأنَّهُ يُبْصِرُ بِها مِن شَواهِدِ الأفْكارِ، ونَتائِجِ الِاعْتِبارِ ما تُبْصِرُ العَيْنُ ما قابَلَها مِن قِبَلِها مِنَ الأشْخاصِ والأجْسامِ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿حَدِيدٌ﴾ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: سَرِيعٌ كَسُرْعَةِ مَوْرِ الحَدِيدِ.
الثّانِي: صَحِيحٌ كَصِحَّةِ قَطْعِ الحَدِيدِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ بَصَرُ العَيْنِ وهو الظّاهِرُ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿حَدِيدٌ﴾ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بَصِيرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٣٥٠)وَماذا يُدْرِكُ البَصَرُ؟ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يُعايِنُ الآخِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِسانُ المِيزانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ما أُمِرَ بِهِ مِن طاعَةٍ وحُذِّرَهُ مِن مَعْصِيَةٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الخامِسُ: العَمَلُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
50:23–29Page 519
وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣
And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."
أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤
[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥
Preventer of good, aggressor, and doubter,
ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦
Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."
۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧
His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."
قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨
[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].
مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩
The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أمّا قَرِينُهُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ المَلِكُ الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَرِينُهُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ عَنْهُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هَذا الَّذِي وُكِّلْتُ بِهِ أحْضَرْتُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: هَذا الَّذِي كُنْتُ أُحِبُّهُ ويُحِبُّنِي قَدْ حَضَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ في ألْقِيا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِألْقِيا كُلَّ كافِرٍ في النّارِ مَلَكانِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدٌ ويُؤْمَرُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ
؎ فَإنْ تَزْجُرانِي يابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ وإنْ تَدَعانِي أحِمْ عَرْضًا مُمَنَّعًا
الثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ تَثْنِيَةِ القَوْلِ عَلى مَعْنى قَوْلِكَ ألْقِ ألْقِ، قِفْ قِفْ، (p-٣٥١)تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ.
والكَفّارُ [بِفَتْحِ الكافِ] أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الكافِرِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ الَّذِي كَفَرَ بِاللَّهِ ولَمْ يُطِعْهُ، وكَفَرَ بِنِعَمِهِ ولَمْ يَشْكُرْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي كَفَرَ بِنَفْسِهِ وكَفَرَ غَيْرُهُ بِإغْوائِهِ.
وَأمّا العَنِيدُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
الثّانِي: أنَّهُ المُنْحَرِفُ عَنِ الطّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الجاحِدُ المُتَمَرِّدُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُشاقُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُعْجَبُ بِما عِنْدَهُ المُقِيمُ عَلى العَمَلِ بِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
فَأمّا العانِدُ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي يُعَرَّفُ بِالحَقِّ ثُمَّ يَجْحَدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُدْعى إلى الحَقِّ فَيَأْباهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَنَعَ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ الخَيْرَ المالُ كُلَّهُ، ومَنعُهُ حَبْسُهُ عَنِ النَّفَقَةِ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
الثّالِثُ: مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِ الخَيْرِ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.
﴿مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ في المُرِيبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الشّاكُّ في اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الشّاكُّ في البَعْثِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُتَّهَمُ.
قالَ الشّاعِرُ
؎ بُثَيْنَةُ قالَتْ يا جَمِيلُ أرَبْتَنا ∗∗∗ فَقُلْتُ كِلانا يا بُثَيْنُ مُرِيبُ
(p-٣٥٢)
؎ وأرِيبُنا مَن لا يُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ ولا يَحْفَظُ الأسْرارَ حِينَ يَغِيبُ
قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ حِينَ اسْتَشارَهُ بَنُو أخِيهِ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَمَنَعَهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اخْتِصامَهم هو اعْتِذارُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم فِيما قَدَّمَ مِن مَعاصِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَخاصُمُ كُلِّ واحِدٍ مَعَ قَرِينِهِ الَّذِي أغْواهُ في الكُفْرِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
فَأمّا اخْتِصامُهم في مَظالِمِ الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يُضاعَ لِأنَّهُ يَوْمَ التَّناصُفِ.
أحَدُها: أنَّ الوَعِيدَ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ الوَعْدُ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: فِيما أُوَجِّهُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الثّانِي: فِيما وعَدَ بِهِ مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.
الرّابِعُ: في أنَّ بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها وبِخَمْسِ الصَّلَواتِ خَمْسِينَ صَلاةً، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما أنا بِمُعَذِّبٌ مَن لَمْ يُجْرِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما أزِيدُ في عِقابِ مُسِيءٍ ولا أنْقُصُ مِن ثَوابِ مُحْسِنٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences