Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
الذاريات
Adh-Dhariyat
The Winnowing Winds · Meccan · 60 ayahs
51:1–14Page 520
وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١
By the [winds] scattering [dust], dispersing [it]
فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا ٢
And the [clouds] carrying a load [of water]
فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا ٣
And the ships sailing with ease
فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا ٤
And the [angels] apportioning [each] matter,
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥
Indeed, what you are promised is true.
وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ ٦
And indeed, the recompense is to occur.
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ ٧
By the heaven containing pathways,1
إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ٨
Indeed, you are in differing speech.1
يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩
Deluded away from it [i.e., the Qur’ān] is he who is deluded.
قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ١٠
Destroyed are the misinformers1
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١
Who are within a flood [of confusion] and heedless.
يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٢
They ask, "When is the Day of Recompense?"
يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣
[It is] the Day they will be tormented over the Fire
ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤
[And will be told], "Taste your torment. This is that for which you were impatient."
(p-٣٦٠)سُورَةُ الذّارِياتِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ الذّارِياتُ: الرِّياحُ، واحِدَتُها ذارِيَةٌ لِأنَّها تَذْرُو التُّرابَ والتِّبْنَ أيْ تُفَرِّقُهُ في الهَواءِ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ وفي قَوْلِهِ ﴿ذَرْوًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَصْدَرٌ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى ما ذَرَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
فَكَأنَّما أقْسَمَ بِالرِّياحِ وما ذَرَتِ الرِّياحُ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّ الذّارِياتِ النِّساءُ الوَلُوداتِ لِأنَّ في تَرائِبِهِنَّ ذَرْوَ الخَلْقِ، لِأنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ فَصِرْنَ ذارِياتٍ، وأقْسَمَ بِهِنَّ لِما في تَرائِبِهِنَّ مِن خِيرَةِ عِبادِهِ (p-٣٦١)الصّالِحِينَ، وخَصَّ النِّساءَ بِذَلِكَ دُونَ الرِّجالِ وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ذارِيًا لِأمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: لِأنَّهُنَّ أوْعِيَةٌ دُونَ الرِّجالِ فَلِاجْتِماعِ الذَّرَوَيْنِ خُصِصْنَ بِالذِّكْرِ.
الثّانِي: أنَّ الذَّرْوَ فِيهِنَّ أطْوَلُ زَمانًا وهُنَّ بِالمُباشَرَةِ أقْرَبُ عَهْدًا.
﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها السُّحُبُ [يَحْمِلْنَ] وِقْرًا بِالمَطَرِ.
الثّانِي أنَّها الرِّياحُ [يَحْمِلْنَ] وِقْرًا بِالسَّحابِ، فَتَكُونُ الرِّيحُ الأُولى مُقَدِّمَةَ السَّحابِ لِأنَّ أمامَ كُلِّ سَحابَةٍ رِيحًا، والرِّيحُ الثّانِيَةُ حامِلَةُ السَّحابِ.
لِأنَّ السَّحابُ لا يَسْتَقِلُّ ولا يَسِيرُ إلّا بِرِيحٍ.
وَتَكُونُ الرِّيحُ الثّانِيَةُ تابِعَةً لِلرِّيحِ الأُولى مِن غَيْرِ تَوَسُّطٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَيَجْرِي فِيهِ احْتِمالُ قَوْلٍ ثالِثٍ: أنَّهُنَّ الحامِلاتُ مِنَ النِّساءِ إذا ثَقُلْنَ بِالحَمْلِ، والوِقْرُ ثِقَلُ الحَمْلِ عَلى ظَهْرٍ أوْ في بَطْنٍ، وبِالفَتْحِ ثِقَلُ الأُذُنِ.
﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: السُّفُنُ تَجْرِي بِالرِّيحِ يُسْرًا إلى حَيْثُ سُيِّرَتْ.
الثّانِي: أنَّهُ السَّحابُ، وفي جَرْيِها يُسْرًا عَلى هَذا القَوْلِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلى حَيْثُ يُسَيِّرُها اللَّهُ تَعالى مِنَ البِقاعِ والبِلادِ.
الثّانِي: هو سُهُولَةُ تَسْيِيرِها، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ كَما قالَ الأعْشى
؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَشْيُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ السَّحابُ يُقَسِّمُ اللَّهُ بِهِ الحُظُوظَ بَيْنَ النّاسِ.
الثّانِي: المَلائِكَةُ الَّتِي تُقَسِّمُ أمْرَ اللَّهِ في خَلْقِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَهُمْ: جِبْرِيلُ وهو صاحِبُ الوَحْيِ والغِلْظَةِ، ومِيكائِيلُ وهو صاحِبُ الرِّزْقِ والرَّحْمَةِ، وإسْرافِيلُ وهو صاحِبُ الصُّورِ واللَّوْحِ، وعِزْرائِيلُ وهو مَلِكُ المَوْتِ وقابِضُ الأرْواحِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
(p-٣٦٢)والواوُ الَّتِي فِيها واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِها لِما فِيها مِنَ الآياتِ والمَنافِعِ.
﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لَكائِنٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما تُوعَدُونَ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ.
﴿وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الحِسابَ لَواجِبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: [أنَّ] الدِّينَ الجَزاءُ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ أعْمالِكم بِالثَّوابِ والعِقابِ لَكائِنٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ.
؎ قَوْمٌ يَدِينُونَ بِالنَّوْعَيْنِ مِثْلِهِما ∗∗∗ بِالسُّوءِ سُوءً وبِالإحْسانِ إحْسانًا
﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ في السَّماءِ هاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها السَّحابُ الَّذِي يُظِلُّ الأرْضَ.
الثّانِي: وهو المَشْهُورُ أنَّها السَّماءُ المَرْفُوعَةُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هي السَّماءُ السّابِعَةُ.
وَفي ﴿الحُبُكِ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّ الحُبُكَ الِاسْتِواءُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى اخْتِلافٍ.
الثّانِي: أنَّها الشِّدَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.
الثّالِثُ: الصَّفاقَةُ، قالَهُ خُصَيْفٌ.
الرّابِعُ: أنَّها الطُّرُقُ، مَأْخُوذٌ مِن حُبُكُ الحَمامِ طَرائِقٌ عَلى جَناحِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
الخامِسُ: أنَّهُ الحُسْنُ والزِّينَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ كَأنَّما جَلَّلَها الحَوّاكُ ∗∗∗ كَنَقْشَةٍ في وشْيِها حَبّاكُ
(p-٣٦٣)السّادِسُ: أنَّهُ مِثْلَ حُبُكِ الماءُ إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ زُهَيْرٌ
؎ مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسُجُهُ ∗∗∗ رِيحُ الشِّمالِ لِضاحِي مِائَةِ حُبُكٍ
السّابِعُ: لِأنَّها حَبُكَتْ بِالنُّجُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَهَذا قِسْمٌ ثانٍ.
﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي في أمْرٍ مُخْتَلِفٍ، فَمُطِيعٌ وعاصٍ، ومُؤْمِنٌ وكافِرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ فَمُصَدِّقٌ لَهُ ومُكَذِّبٌ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الشِّرْكِ مُخْتَلَفٌ عَلَيْهِمْ بِالباطِلِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ والأصْنامِ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.
وَهَذا جَوابُ القَسَمِ الثّانِي.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: يَضِلُّ عَنْهُ مَن ضَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: يُؤْفَنُ عَنْهُ مَن أُفِنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأفْنُ فَسادُ العَقْلِ.
الرّابِعُ: يُخْدَعُ عَنْهُ مَن خُدِعَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الخامِسُ: يُكَذَّبُ فِيهِ مَن كُذِّبَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
السّادِسُ: يُدْفَعُ عَنْهُ مَن دُفِعَ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: لُعِنَ المُرْتابُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لُعِنَ الكَذّابُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الظُّنُونِ والفِرْيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ المُنْهَمِكُونَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَقَوْلُهُ ﴿قُتِلَ﴾ هاهُنا، بِمَعْنى لُعِنَ، والقَتْلُ اللَّعْنُ.
وَأمّا الخَرّاصُونَ فَهو جَمْعُ خارِصٍ.
وَفي الخَرْصِ هاهُنا وجْهانِ: (p-٣٦٤)أحَدُهُما: أنَّهُ تَعَمَّدَ الكَذِبَ، قالَهُ الأصَمُّ.
الثّانِي: ظَنَّ الكَذِبَ، لِأنَّ الخَرْصَ حَزْرٌ وظَنٌّ، ومِنهُ أخَذَ خَرْصَ الثِّمارِ.
وَفِيما يَخْرُصُونَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ.
الثّانِي: التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ.
وَفي مَعْنى الأرْبَعِ تَأْوِيلاتٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في أوَّلِها ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: في غَفْلَةٍ لاهُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في ضَلالاتِهِمْ مُتَمادُونَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: في عَمًى وشُبْهَةٍ يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: الَّذِينَ هم في مَأْثَمِ المَعاصِي ساهُونَ عَنْ أداءِ الفَرائِضِ.
﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ مَتى يَوْمُ الجَزاءِ.
وَقِيلَ: إنَّ أيّانَ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن أيْ وآنَ.
﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ في ﴿يُفْتَنُونَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أيْ يُعَذَّبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ كُلُّ امْرِئٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مُضْطَهَدٌ ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ مَقْهُورٌ مَفْتُونُ
الثّانِي: يُطْبَخُونَ ويُحْرَقُونَ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: يُكَذَّبُونَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا زِيادَةً في عَذابِهِمْ.
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْنى فِتْنَتِكم أيْ عَذابِكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: حَرِيقَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: تَكْذِيبَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
51:15–23Page 521
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٥
Indeed, the righteous will be among gardens and springs,
ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ١٦
Accepting what their Lord has given them. Indeed, they were before that doers of good.
كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧
They used to sleep but little of the night,1
وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ١٨
And in the hours before dawn they would ask forgiveness,
وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ١٩
And from their properties was [given] the right of the [needy] petitioner and the deprived.
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠
And on the earth are signs for the certain [in faith]
وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٢١
And in yourselves. Then will you not see?
وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢
And in the heaven is your provision and whatever you are promised.
فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣
Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.
﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أيْ قَبْلَ الفَرائِضِ مُحْسِنِينَ بِالإجابَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ مُحْسِنِينَ بِالفَرائِضِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: راجِعْ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ بِمَعْنى أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ تَمامِ ما تَقَدَّمَهُ، ابْتِداؤُهُ كانُوا قَلِيلًا، الآيَةَ.
والهُجُوعُ: النَّوْمُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أزالَكم الوَسْمِي أحْدَثَ رَوْضَهُ بِلَيْلٍ وأحْداقُ الأنامِ هُجُوعٌ
وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ أيْ يَسْتَيْقِظُونَ فِيهِ فَيُصَلُّونَ ولا يَنامُونَ إلّا قَلِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ مِنهم قَلِيلًا ما يَهْجَعُونَ لِلصَّلاةِ في اللَّيْلِ وإنْ كانَ أكْثَرُهم هُجُوعًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا في قَلِيلٍ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ حَتّى يُصَلُّوا صَلاةَ المَغْرِبِ وعِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَلِيلًا يَهْجَعُونَ، وما: صِلَةٌ زائِدَةٌ، وهَذا لَمّا كانَ قِيامُ اللَّيْلِ (p-٣٦٦)فَرْضًا.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَحْتَجِنُ يِأْخُذُ العَصا فَيَعْتَمِدُ عَلَيْها حَتّى نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: وبِالأسْحارِ هم يُصَلُّونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ الِاسْتِغْفارَ مِن ذُنُوبِهِمْ إلى السَّحَرِ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهو الوَقْتُ الَّذِي أخَّرَ يَعْقُوبُ الِاسْتِغْفارَ لِبَنِيهِ حَتّى اسْتَغْفَرَ لَهم فِيهِ حِينَ قالَ لَهم ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يُوسَفَ: ٩٨] . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: والسَّحَرُ السُّدُسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ.
وَقِيلَ إنَّما سُمِّيَ سَحَرًا لِاشْتِباهِهِ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ.
﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي مَرْيَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ تَصِلُ لَهُ رَحِمًا أوْ تُقْرِي بِهِ ضَيْفًا أوْ تَحْمِلُ بِهِ كَلًّا أوْ تُغْنِي بِهِ مَحْرُومًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ أمّا السّائِلُ فَهو مَن يَسْألُ النّاسَ لِفاقَتِهِ، وأمّا المَحْرُومُ، فَفِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: المُتَعَفِّفُ الَّذِي يَسْألُ النّاسَ شَيْئًا ولا يَعْلَمُ بِحاجَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ الغَنِيمَةِ ولَيْسَ لَهُ فِيها سَهْمٌ، قالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.
وَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأصابُوا وغَنِمُوا، فَجاءَ قَوْمٌ بَعْدَما فَرَغُوا فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
»
الثّالِثُ: أنَّهُ مَن لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: المُحارِفُ الَّذِي لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ لَهُ مَكْسَبُهُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ.
الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَطْلُبُ الدُّنْيا وتُدْبِرُ عَنْهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
السّادِسُ: أنَّهُ المُصابُ بِثَمَرِهِ وزَرْعِهِ يُعِينُهُ مَن لَمْ يُصَبْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: السّابِعُ: أنَّهُ المَمْلُوكُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ.
(p-٣٦٧)الثّامِنُ: أنَّهُ الكَلْبُ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ في طَرِيقِ مَكَّةَ فَجاءَ كَلْبٌ فاحْتَزَّ عُمَرُ كَتِفَ شاةٍ فَرَمى بِها إلَيْهِ وقالَ: يَقُولُونَ إنَّهُ المَحْرُومُ.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ مَن وجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِن ذَوِي الأنْسابِ لِأنَّهُ قَدْ حُرِمَ كَسْبَ نَفْسِهِ، حَتّى وجَبَتْ نَفَقَتُهُ في مالِ غَيْرِهِ.
﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ يَعْنِي عِظاتٍ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِن أهْلِ اليَقِينِ وفِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ الجِبالِ والبِحارِ والأنْهارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأبادَ مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: أنَّهُ سَبِيلُ الغائِطِ والبَوْلِ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: تَسْوِيَةُ مَفاصِلِ أيْدِيكم وأرْجُلِكم وجَوارِحِكم دَلِيلٌ عَلى أنَّكم خُلِقْتُمْ لِعِبادَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: في خَلْقِكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: في حِياتِكم ومَوْتِكم وفِيما يَدْخُلُ ويَخْرُجُ مِن طَعامِكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: في الكِبَرِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، والشَّيْبِ بَعْدَ السَّوادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُ نَجْحُ العاجِزُ وحِرْمانُ الحازِمُ.
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن مَطَرٍ وثَلْجٍ يَنْبُتُ بِهِ الزَّرْعُ ويَحْيا بِهِ الخَلْقُ فَهو رِزْقٌ لَهم مِنَ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي في السَّماءِ رِزْقُكم.
(p-٣٦٨)وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: وفي السَّماءِ تَقْدِيرُ رِزْقِكم وما قَسَمَهُ لَكم مَكْتُوبٌ في أُمِّ الكِتابِ.
وَأمّا قَوْلُهُ ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن جَنَّةٍ ونارٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: مِن أمْرِ السّاعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن دِينٍ وبَلَّغَهُ مِن رِسالَةٍ.
الثّانِي: ما عَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن آياتِهِ وذَكَرَهُ مِن عِظاتِهِ.
قالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « (قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم [بِنَفْسِهِ] ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوهُ» . وقَدْ كانَ قِسُّ بْنُ ساعِدَةَ في جاهِلِيَّتِهِ يُنَبِّهُ بِعَقْلِهِ عَلى هَذِهِ العِبَرِ فاتَّعَظَ واعْتَبَرَ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُهُ عَلى جَمَلٍ لَهُ بِعُكاظٍ وهو يَقُولُ: أيُّها النّاسُ اسْمَعُوا وعُوا، مَن عاشَ ماتَ، ومَن ماتَ فاتَ، وكُلُّ ما هو آتٍ آتٍ، ما لِي أرى النّاسَ يَذْهَبُونَ فَلا يَرْجِعُونَ؟ أرَضُوا بِالإقامَةِ فَأقامُوا؟ أمْ تُرِكُوا فَنامُوا؟ إنَّ في السَّماءِ لَخَبَرًا، وإنَّ في الأرْضِ لَعِبَرًا، سَقْفٌ مَرْفُوعٌ، ولَيْلٌ مَوْضُوعٌ، وبِحارٌ تَثُورُ، ونُجُومٌ تَحُورُ ثُمَّ تَغُورُ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَمًا ما آثِمٌ فِيهِ، إنَّ لِلَّهِ دِينًا هو أرْضى مِن دِينٍ أنْتُمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ بِأبْياتِ شِعْرٍ ما أدْرِي ما هي فَقالَ أبُو بَكْرٍ: كُنْتُ حاضِرًا إذْ ذاكَ والأبْياتُ عِنْدِي وأنْشَدَ
؎ في الذّاهِبِينَ الأوَّلِينَ ∗∗∗ مِنَ القُرُونِ لَنا بَصائِرُ ∗∗∗ لَمّا رَأيْتُ مَوارِدًا ∗∗∗ لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصادِرُ ∗∗∗ ورَأيْتُ قَوْمِي نَحْوَها ∗∗∗ يِمَضْيِ الأكابِرُ والأصاغِرُ ∗∗∗ لا يَرْجِعُ الماضِي إلَيَّ ∗∗∗ ولا مِنَ الباقِينَ غابِرُ ∗∗∗ أيْقَنْتُ أنِّي لامِحًا ∗∗∗ لَهُ حَيْثُ صارَ القَوْمُ صائِرُ
(p-٣٦٩)فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ)» . ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى مَعَ زاجِرِ العَقْلِ ورادِعِ السَّمْعِ أنْ يَصْرِفَ نَوازِعَ الهَوى ومَواقِعَ البَلْوى.
فَلا عُذْرَ مَعَ الإنْذارِ، ولا دالَّةَ مَعَ الِاعْتِبارِ، وأنْ تَفْقَهَنَّ الرُّشْدَ تُدْرِكْ فَوْزًا مِنهُ وتَكْرُمَةً.
51:24–30Page 521
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤
Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -
إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥
When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace; [you are] a people unknown."
فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦
Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf.
فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧
And placed it near them; he said, "Will you not eat?"
فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨
And he felt from them apprehension.1 They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.
فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩
And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"
قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠
They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ قالَ عُثْمانُ بْنُ مُحْسِنٍ: كانُوا أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ورَفائِيلَ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿المُكْرَمِينَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم عِنْدَ اللَّهِ المُعَظَّمُونَ.
الثّانِي: مُكْرَمُونَ لِإكْرامِ إبْراهِيمَ لَهم حِينَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ عَطاءٌ: وكانَ إبْراهِيمُ إذا أرادَ أنْ يَتَغَذّى، أوْ يَتَعَشّى خَرَجَ المِيلَ والمِيلَيْنِ والثَّلاثَةَ، فَيَطْلُبُ مَن يَأْكُلُ مَعَهُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ إبْراهِيمُ يُكَنّى أبا الضِّيفانِ، وكانَ لِقَصْرِهِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ لِكَيْ ِلاَ يَفُوتُهُ أحَدٌ.
وَسُمِّيَ الضَّيْفُ ضَيْفًا، لِإضافَتِهِ إلَيْكَ وإنْزالِهِ عَلَيْكَ.
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قالَهُ الأخْفَشُ، أيْ مُسالِمِينَ غَيْرَ مُحارِبِينَ لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ.
(p-٣٧٠)الثّانِي: أنَّهُ دَعا لَهم بِالسَّلامَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ بِالسَّلامِ تَقْتَضِي السُّكُونَ والأمانَ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أظَلُومُ إنَّ مُصابَكم رَجُلًا أهْدى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلِمَ
فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَنْ سَلامَتِهِمْ بِمِثْلِهِ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ لِأنَّهُ رَآهم عَلى غَيْرِ صُورَةِ البَشَرِ وعَلى غَيْرِ صُورَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ كانَ يَعْرِفُهم، فَنَكِرَهم وقالَ ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أيْ قَوْمٌ لا يُعْرَفُونَ.
الثّانِي: أيْ قَوْمٌ يُخافُونَ، يُقالُ أنْكَرْتُهُ إذا خِفْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فَعَدَلَ إلى أهْلِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: أنَّهُ أخْفى مَيْلَهُ إلى أهْلِهِ.
﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أمّا العِجْلُ فَفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَجَّلُوا بِعِبادَتِهِ.
الثّانِي: لِأنَّهُ عَجَّلَ في اتِّباعِ أُمِّهِ.
قالَ قَتادَةُ: جاءَهم بِعِجْلٍ لِأنَّ كانَ عامَّةُ مالِ إبْراهِيمَ البَقَرَ، واخْتارَهُ لَهم سَمِينًا زِيادَةً في إكْرامِهِمْ، وجاءَ بِهِ مَشْوِيًّا، وهو مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
فَرَوى عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ أنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَ العِجْلَ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ، حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ، وأُمُّ العِجْلِ في الدّارِ.
﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ لِأنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ، فَرَوى مَكْحُولٌ أنَّهم قالُوا لا نَأْكُلُهُ إلّا بِثَمَنٍ، قالَ كُلُوا فَإنَّ لَهُ ثَمَنًا، قالُوا وما ثَمَنُهُ؟ قالَ: إذا وضَعْتُمْ أيْدِيكم أنْ تَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وإذا فَرَغْتُمْ أنْ تَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، قالُوا: بِهَذا اخْتارَكَ اللَّهُ يا إبْراهِيمُ.
(p-٣٧١)﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ لِأنَّهم لَمْ يَأْكُلُوا، خافَ أنْ يَكُونَ مَجِيئَهم إلَيْهِ لِشَرٍّ يُرِيدُونَهُ بِهِ.
﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ مِن سارَّةَ، اسْتِشْهادًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصّافّاتِ: ١١٢] .
الثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ مِن هاجَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿عَلِيمٍ﴾ أيْ يَرْزُقُهُ اللَّهُ عِلْمًا إذا كَبُرَ.
﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: الرَّنَّةُ والتَّأوُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وشَرْبَةٍ مِن شَرابٍ غَيْرِ ذِي نَفَسٍ ∗∗∗ في صَرَّةٍ مِن تَخُومِ الصَّيْفِ وهّاجٍ
الثّانِي: أنَّها الصَّيْحَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ أُخِذَ صَرِيرِ البابِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ
؎ فَألْحَقَهُ بِالهادِياتِ ودُونَهُ ∗∗∗ جَواحِرُها في صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّلْ
الثّالِثُ: أنَّها الجَماعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، ومِنهُ المُصَرّاةُ مِنَ الغَنَمِ لِجَمْعِ اللَّبَنِ في ضَرْعِها.
وَسُمِّيَتْ صُرَّةِ الدَّراهِمِ فِيها، قالَ الشّاعِرُ
؎ رُبَّ غُلامٍ قَدْ صَرى في فَقْرَتِهِ ∗∗∗ ماءَ الشَّبابِ عُنْفَوانَ سَنْبَتِهْ
وَأمّا قَوْلُهُ ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لَطَّخَتْ وجْهَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها ضَرَبَتْ جَبِينَها تَعَجُّبًا.
﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أيْ، أتَلِدُ عَجُوزٌ عَقِيمٌ؟ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences