Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:90–111
17:90–93Page 291
وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠
And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring
أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١
Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]
أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢
Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]
أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣
Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ التَّفْجِيرُ تَشْقِيقُ الأرْضِ لِيَنْبُعَ الماءُ مِنها، ومِنهُ سُمِّيَ الفَجْرُ لِأنَّهُ يَنْشَقُّ عَنْ عَمُودِ الصُّبْحِ، ومِنهُ سُمِّيَ الفُجُورُ لِأنَّهُ شَقُّ الحَقِّ بِالخُرُوجِ إلى الفَسادِ.
اليَنْبُوعُ: العَيْنُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: طَلَبُوا عُيُونًا بِبَلَدِهِمْ.
﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ سَألُوا ذَلِكَ في بَلَدٍ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ.
﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ أيْ قِطَعًا.
قُرِئَ بِتَسْكِينِ السِّينِ وفَتْحِها، فَمَن قَرَأ بِالتَّسْكِينِ أرادَ السَّماءَ جَمِيعَها، ومَن فَتَحَ السِّينَ جَعَلَ المُرادَ بِهِ بَعْضَ السَّماءِ، وفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي حَيِّزًا، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مُشاهَدَةَ ما فَوْقَ السَّماءِ.
(p-٢٧٣)الثّانِي: يَعْنِي قِطَعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والعَرَبُ تَقُولُ.
أعْطِنِي كِسْفَةً مِن هَذا الثَّوْبِ أيْ قِطْعَةً مِنهُ.
وَمِن هَذا الكُسُوفُ لِانْقِطاعِ النُّورِ مِنهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِتَغْطِيَتِهِ بِما يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي كُلَّ قَبِيلَةٍ عَلى حِدَتِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يَعْنِي مُقابَلَةً، نُعايِنُهم ونَراهم، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: كَفِيلًا، والقَبِيلُ الكَفِيلُ، مِن قَوْلِهِمْ تَقَبَّلْتُ كَذا أيْ تَكَفَّلْتُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: مُجْتَمِعِينَ، مَأْخُوذٌ مِن قَبائِلِ الرَّأْسِ لِاجْتِماعِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قَبائِلُ العَرَبِ لِاجْتِماعِها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الزُّخْرُفَ النُّقُوشُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّهُ الذَّهَبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ أكُنْ أدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى سَمِعْنا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ.
وَأصْلُهُ مِنَ الزَّخْرَفَةِ وهو تَحْسِينُ الصُّورَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] . والَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وأبُو سُفْيانَ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ والعاصُ بْنُ وائِلٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ونَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ.
17:94–95Page 291
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤
And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"
قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥
Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."
(p-٢٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ.
الثّانِي: الرَّسُولُ.
﴿إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ وهَذا قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ رُسُلَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ المَلائِكَةَ بِرِسالاتِهِ أخَصُّ كَما كانُوا رُسُلًا إلى أنْبِيائِهِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ يَعْنِي أنَّ الرَّسُولَ إلى كُلِّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، ويَنْفِرُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ إلى البَشَرِ مَلَكًا لَنَفَرُوا مِن مُقارَبَتِهِ ولَما أنِسُوا بِهِ ولَداخَلَهم مِنَ الرَّهَبِ مِنهُ والِاتِّقاءِ لَهُ ما يَكُفُّهم عَنْ كَلامِهِ ويَمْنَعُهم مِن سُؤالِهِ، فَلا تَعُمُّ المَصْلَحَةُ.
وَلَوْ نَقَلَهُ عَنْ صُورَةِ المَلائِكَةِ إلى مِثْلِ صُورَتِهِمْ لِيَأْنَسُوا بِهِ ويَسْكُنُوا إلَيْهِ لَقالُوا لَسْتَ مَلَكًا وإنَّما أنْتَ بَشَرٌ فَلا نُؤْمِنُ بِكَ، وعادُوا إلى مِثْلِ حالِهِمْ.
17:96–97Page 291
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦
Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧
And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ مَعْناهُ مَن يَحْكُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِدايَتِهِ فَهو المُهْتَدِي بِإخْلاصِهِ وطاعَتِهِ.
﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومَن يَحْكم بِضَلالِهِ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ في هِدايَتِهِ.
الثّانِي: ومَن يَقْضِ اللَّهُ تَعالى بِعُقُوبَتِهِ لَمْ يُوجَدْ لَهُ ناصِرٌ يَمْنَعُهُ مِن عِقابِهِ.
﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الإسْراعِ بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قَدِمَ القَوْمُ عَلى وُجُوهِهِمْ إذا أسْرَعُوا.
(p-٢٧٥)الثّانِي: أنَّهم يُسْحَبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ كَمَن يَفْعَلُ في الدُّنْيا بِمَن يُبالِغُ في هَوانِهِ وتَعْذِيبِهِ.
﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حُشِرُوا في النّارِ عُمْيَ الأبْصارِ بُكْمَ الألْسُنِ صُمَّ الأسْماعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ، ثُمَّ أبْصَرُوا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكَهْفِ: ٥٣] وتَكَلَّمُوا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفَرْقانِ: ١٣] وسَمِعُوا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفَرْقانِ: ١٢] . وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: بَلْ إذا قالَ لَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٨] صارُوا عُمْيًا لا يُبْصِرُونَ، صُمًّا لا يَسْمَعُونَ، بُكْمًا لا يَفْقَهُونَ.
الثّانِي: أنَّ حَواسَّهم عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، ومَعْناهُ عُمْيٌ عَمّا يَسُرُّهم، بُكْمٌ عَنِ التَّكَلُّمِ بِما يَنْفَعُهم، صُمٌّ عَمّا يُمَتِّعُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ يَعْنِي مُسْتَقَرُّهم جَهَنَّمُ.
﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كُلَّما طُفِئَتْ أُوقِدَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: كُلَّما سَكَنَ التِهابُها زِدْناهم سَعِيرًا والتِهابًا، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وكُنّا كالحَرِيقِ أصابَ غابًا فَيَخْبُو ساعَةً ويَهُبُّ ساعا
وَسُكُونُ التِهابِها مِن غَيْرِ نُقْصانٍ في آلامِهِمْ ولا تَخْفِيفٍ مِن عَذابِهِمْ.
17:98–100Page 292
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨
That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"
۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.
قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠
Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأرْضِ الأرْزاقُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: خَزائِنُ النِّعَمِ، وهَذا أعَمُّ.
﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الفَقْرِ، والإنْفاقُ الفَقْرُ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ لَوْ مَلَكَ أحَدُ المَخْلُوقِينَ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى لَما جادَ بِها كَجُودِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَ مِنها لِنَفَقَتِهِ وما يَعُودُ بِمَنفَعَتِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ يَخافُ الفَقْرَ ويَخْشى العَدَمَ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَعالى في جُودِهِ عَنْ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.
﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُقْتِرًا، قالَهُ قُطْرُبٌ والأخْفَشُ.
الثّانِي: بَخِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها عامَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
17:101–104Page 292
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١
And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢
[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."
فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣
So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤
And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."
(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها يَدُهُ وعَصاهُ ولِسانُهُ والبَحْرُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ آياتٌ مُفَصَّلاتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها نَحْوٌ مِن ذَلِكَ إلّا آيَتَيْنِ مِنهُنَّ إحْداهُما الطَّمْسُ، والأُخْرى الحَجَرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها نَحْوٌ مِن ذَلِكَ، وزِيادَةُ السِّنِينَ ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
الرّابِعُ: ما رَوى صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوهُ عَنْها فَقالَ: (لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَسْحِرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى السُّلْطانِ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وأنْتُمْ يا يَهُودُ خاصَّةً لا تَعْدُوا في السَّبْتِ) فَقَبَّلُوا يَدَهُ ورِجْلَهُ.
» ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفي أمْرِهِ بِسُؤالِهِمْ وإنْ كانَ خَبَرُ اللَّهِ أصْدَقَ مِن خَبَرِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَكُونَ ألْزَمَ لَهم وأبْلَغَ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: فانْظُرْ ما في القُرْآنِ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو سُؤالُهم، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: إنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ أنْ يَسْألَ فِرْعَوْنَ في إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
(p-٢٧٨)أحَدُها: قَدْ سُحِرْتَ لِما تَحْمِلُ نَفْسَكَ عَلَيْهِ مِن هَذا القَوْلِ والفِعْلِ المُسْتَعْظَمِينَ.
الثّانِي: يَعْنِي ساحِرًا لِغَرائِبِ أفْعالِكَ.
الثّالِثُ: مَخْدُوعًا.
الرّابِعُ: مَغْلُوبًا: قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَغْلُوبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وَقالَ الكُمَيْتُ:
؎ ورَأتْ قُضاعَةُ في الأيا مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وثابِرْ
الثّانِي: هالِكٌ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: مُبْتَلًى، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الرّابِعُ: مَصْرُوفًا عَنِ الحَقِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الخامِسُ: مَلْعُونًا، قالَهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وأنْشَدَ:
؎ يا قَوْمَنا لا تَرُومُوا حَرْبَنا سَفَهًا ∗∗∗ إنَّ السِّفاهَ وإنَّ البَغْيَ مَثْبُورُ
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُزْعِجُهم مِنها بِالنَّفْيِ عَنْها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: يُهْلِكُهم فِيها بِالقَتْلِ.
وَيَعْنِي بِالأرْضِ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ والأُرْدُنَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وعْدُ الإقامَةِ وهي الكَرَّةُ الآخِرَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: وعْدُ الكَرَّةِ الآخِرَةِ في تَحْوِيلِهِمْ إلى أرْضِ الشّامِ.
الثّالِثُ: نُزُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُخْتَلِطِينَ لا تَتَعارَفُونَ، قالَهُ رَزِينٌ.
الثّانِي: جِئْنا بِكم جَمِيعًا مِن جِهاتٍ شَتّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
مَأْخُوذٌ مِن لَفِيفِ النّاسِ.(p-٢٧٩)
17:105–106Page 293
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥
And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦
And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إنْزالَهُ حَقٌّ.
الثّانِي: أنَّ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والوَعْدِ والوَعِيدِ حَقٌّ.
﴿وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وبِوَحْيِنا نَزَلَ.
الثّانِي: عَلى رَسُولِنا نَزَلَ.
﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَ اللَّهَ تَعالى، ونَذِيرًا بِالنّارِ لِمَن عَصى اللَّهَ تَعالى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَرَقْنا فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: فَرَّقْناهُ بِالتَّشْدِيدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ نَزَلَ مُفَرَّقًا آيَةً آيَةً وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: فَرَّقْناهُ عَلَيْكَ.
الثّالِثُ: فَصَّلْناهُ سُوَرًا وآياتٍ مُتَمَيِّزَةً، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَلى تَثَبُّتٍ وتَرَسُّلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ يَمْكُثُونَ بَعْدُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَنْزِلُ شَيْءٌ آخَرُ.
الثّالِثُ: أنْ يَمْكُثَ في قِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ مُفَرَّقًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ.
17:107–109Page 293
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧
Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,
وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨
And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."
وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩
And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وهَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ لَهم والتَّهْدِيدِ، لا عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهم أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كِتابُهم إيمانًا بِما فِيهِ مِن تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
الثّانِي: القُرْآنُ كانَ أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ مِنهُ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأذْقانَ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ.
الثّانِي: أنَّها ها هُنا الوُجُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها اللِّحى، قالَهُ الحَسَنُ.
17:110–111Page 293
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا ١١٠
Say, "Call upon Allāh or call upon the Most Merciful [ar-Raḥmān]. Whichever [name] you call - to Him belong the best names." And do not recite [too] loudly in your prayer or [too] quietly but seek between that an [intermediate] way.
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا ١١١
And say, "Praise to Allāh, who has not taken a son and has had no partner in [His] dominion and has no [need of a] protector out of weakness; and glorify Him with [great] glorification."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الكَلْبِيُّ.
أنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ كانَ في القُرْآنِ قَلِيلًا وهو في التَّوْراةِ كَثِيرٌ، فَلَمّا أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ مِنهُمُ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَنَزَلَتْ.
(p-٢٨١)الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ ساجِدًا يَدْعُو (يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ) فَقالَ المُشْرِكُونَ: هَذا يَزْعُمُ أنَّ لَهُ إلَهًا واحِدًا وهو يَدْعُو مُثَنّى، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
» ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى بِالصَّلاةِ الدُّعاءَ، ومَعْنى ذَلِكَ: ولا تَجْهَرْ بِدُعائِكَ ولا تُخافِتْ بِهِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَكْحُولٍ.
قالَ إبْراهِيمُ: لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يُشْخِصُونَ بِأبْصارِهِمْ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِذَلِكَ الصَّلاةَ المَشْرُوعَةَ، واخْتَلَفَ قائِلُو ذَلِكَ فِيما نَهى عَنْهُ مِنَ الجَهْرِ بِها والمُخافَتَةِ فِيها عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نَهى عَنِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ فِيها لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ كانَ يَجْهَرُ بِالقِراءَةِ جَهْرًا شَدِيدًا، فَكانَ إذا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوهُ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ، وأنْ لا يُخافِتَ بِها حَتّى لا يَسْمَعَهُ أصْحابُهُ، ويَبْتَغِيَ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ نَهى عَنِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ في جَمِيعِها وعَنِ الإسْرارِ بِها في جَمِيعِها وأنْ يَجْهَرَ في صَلاةِ اللَّيْلِ ويُسِرَّ في صَلاةِ النَّهارِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِالتَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِفِعْلِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ كانَ يَجْهَرُ بِصَلاتِهِ، بِمَكَّةَ فَتُؤْذِيَهُ قُرَيْشٌ، فَخافَتَ بِها واسْتَسَرَّ، فَأمَرَهُ اللَّهُ ألّا يَجْهَرَ بِها كَما كانَ، ولا يُخافِتَ بِها كَما صارَ، ويَبْتَغِي بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الخامِسُ: يَعْنِي لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ تُحْسِنُها مُرائِيًا بِها في العَلانِيَةِ، ولا تُخافِتْ بِها تُسِيئُها في السَّرِيرَةِ، قالَ الحَسَنُ: تُحْسِنُ عَلانِيَتَها وتُسِيءُ سَرِيرَتَها.
وَقِيلَ: لا تُصَلِّها رِياءً ولا تَتْرُكْها حَياءً.
والأوَّلُ أظْهَرُ.
رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ كانَ إذا صَلّى خَفَّضَ مِن صَوْتِهِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (لِمَ تَفْعَلُ هَذا؟) قالَ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، فَقالَ ﷺ (أحْسَنْتَ) .
(p-٢٨٢)وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (لِمَ تَفْعَلُ هَذا؟) فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أحْسَنْتَ) . فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ: (ارْفَعْ شَيْئًا) وقالَ لِعُمَرَ: (أخْفِضْ شَيْئًا)» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أمَرَهُ بِالحَمْدِ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الوَلَدِ.
الثّانِي: لِبُطْلانِ ما قَرَنَهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الوَلَدِ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ لِأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكٍ ولا عِبادَةٍ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا.
الثّانِي: لا يَبْتَغِي نَصْرَ أحَدٍ.
الثّالِثُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لِأنَّهم أذَلُّ النّاسَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صِفْهُ بِأنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
الثّانِي: كَبِّرْهُ تَكْبِيرًا عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ.
الثّالِثُ: عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences