Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:115–129
2:115Page 18
وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥
And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في تَأْوِيلِها، وسَبَبِ نُزُولِها، عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كانَ يَسْتَقْبِلُ بِصَلاتِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتّى قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، ما دَرَوْا أيْنَ قِبْلَتُهم حَتّى هَدَيْناهُمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، فَتَكَلَّمَتِ اليَهُودُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ، فَأباحَ لَهم أنْ يَتَوَجَّهُوا بِصَلاتِهِمْ حَيْثُ شاءُوا مِن نَواحِي المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في صَلاةِ التَّطَوُّعِ لِلسّائِرِ حَيْثُ تَوَجَّهَ، ولِلْخائِفِ حَيْثُ تَمَكَّنَ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ أنْ تُصَلِّيَ أيْنَما تَوَجَّهَتْ بِكَ راحِلَتُكَ في السَّفَرِ تَطَوُّعًا، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا رَجَعَ مِن مَكَّةَ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ تَطَوُّعًا، يُومِئُ بِرَأْسِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ.
» والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ، فِيمَن خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ، ولَمْ يَعْرِفُوا جِهَتَها، فَصَلَّوْا إلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. (p-١٧٧)
رَوى عاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الأحْجارَ، فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، فَلَمّا أصْبَحْنا إذا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنا إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
» والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ، ورَوى أبُو قَتادَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (إنَّ أخاكُمُ النَّجاشِيَّ قَدْ ماتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ قالُوا: نُصَلِّي عَلى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما (p-١٧٨)أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرانَ الآيَةُ: ١٩٩] قالُوا: فَإنَّهُ كانَ لا يُصَلِّي إلى القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ )» والسّادِسُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالُوا إلى أيْنَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾» [البَقَرَةِ: ١١٥] . والسّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ وحَيْثُما كُنْتُمْ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ، فَلَكم قِبْلَةٌ تَسْتَقْبِلُونَها، يَعْنِي جِهَةً إلى الكَعْبَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
وَيَجِيءُ مِن هَذا الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ.
والثّانِي: فَثَمَّ اللَّهُ تَعالى، ويَكُونُ الوَجْهُ عِبارَةٌ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٧] . وأمّا ( ثَمَّ ) فَهو لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ في الإشارَةِ إلى مَكانٍ، فَإنْ كانَ قَرِيبًا قِيلَ: (هُنا زَيْدٌ)، وإنْ كانَ بَعِيدًا قِيلَ: (هُناكَ زَيْدٌ) .
2:116–117Page 18
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦
They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧
Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
﴿سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ مِن قَوْلِهِمُ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ خالِقُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ.
﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ مُطِيعُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أيْ مُقِرُّونَ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّالِثُ: أيْ قائِمُونَ، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، والقانِتُ في اللُّغَةِ القائِمُ، ومِنهُ القُنُوتُ في الصَّلاةِ، لِأنَّهُ الدُّعاءُ في القِيامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي مُنْشِئَها عَلى غَيْرِ حَدٍّ ولا مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ، يُقالُ لَهُ: مُبْدِعٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِمَن خالَفَ في الدِّينِ: مُبْتَدِعٌ، لِإحْداثِهِ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ ﴿وَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أحْكَمَهُ وحَتَّمَهُ، وأصْلُهُ الإحْكامُ والفَراغُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحاكِمِ: قاضٍ، لِفَصْلِهِ الأُمُورَ وإحْكامِهِ بَيْنَ الخُصُومِ، وقِيلَ لِلْمَيِّتِ: قَدْ قَضى أيْ فَرَغَ مِنَ الدُّنْيا، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
مَعْنى قَضاهُما أيْ أحْكَمَهُما.
وَقالَ الشّاعِرُ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ:
؎ قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتَ بَعْدَها ∗∗∗ بَوائِجَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ
﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَإنْ قِيلَ: في أيِّ حالٍ يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ؟ (p-١٨٠)
أفِي حالَةِ عَدَمِهِ أمْ في حالِ وُجُودِهِ؟ فَإنْ كانَ في حالِ عَدَمِهِ، اسْتَحالَ أنْ يَأْمُرَ إلّا مَأْمُورًا، كَما يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ إلّا مِن آمِرٍ، وإنْ كانَ في حالِ وُجُودِهِ، فَتِلْكَ حالٌ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ فِيها بِالوُجُودِ والحُدُوثِ، لِأنَّهُ مَوْجُودٌ حادِثٌ؟ قِيلَ: عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ نُفُوذِ أوامِرِهِ في خَلْقِهِ المَوْجُودِ، كَما أمَرَ في بَنِي إسْرائِيلَ، أنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، ولا يَكُونُ هَذا وارِدًا في إيجادِ المَعْدُوماتِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عالِمٌ، بِما هو كائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَكانَتِ الأشْياءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وهي كائِنَةٌ بِعِلْمِهِ، قَبْلَ كَوْنِها مُشابِهَةً لِلْأشْياءِ الَّتِي هي مَوْجُودَةٌ، فَجازَ أنْ يَقُولَ لَها: كُونِي، ويَأْمُرَها بِالخُرُوجِ مِن حالِ العَدَمِ إلى حالِ الوُجُودِ، لِتَصَوُّرِ جَمِيعِها لَهُ ولِعِلْمِهِ بِها في حالِ العَدَمِ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عامٌّ عَنْ جَمِيعِ ما يُحْدِثُهُ، ويُكَوِّنُهُ، إذا أرادَ خَلْقَهُ وإنْشاءَهُ كانَ ووُجِدَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ يَقُولُهُ، وإنَّما هو قَضاءٌ يُرِيدُهُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا، كَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
؎ قَدْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقَّ ∗∗∗ قِدَمًا فَآضَتْ كالغَسَقِ المُحَقَّقِ
وَلا قَوْلَ هُناكَ، وإنَّما أرادَ أنَّ الظَّهْرَ قَدْ لَحِقَ بِالبَطْنِ، وكَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ.
؎ فَأصْبَحَتْ مِثْلَ النَّسْرِ طارَتْ فِراخُهُ ∗∗∗ إذا رامَ تِطْيارًا يُقالُ لَهُ قَعِ
2:118Page 18
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨
Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ يَعْنِي هَلّا يُكَلِّمُنا اللَّهُ، كَقَوْلِ الأشْهَبِ بْنِ رَمْلِيَّةَ:
؎ تَعُدُّونَ عُقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا
بِمَعْنى هَلْ لا تَعُدُّونَ الكَمِيَّ المُقَنَّعا.
﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي في الكُفْرِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَشابَهَتْ قُلُوبُ اليَهُودِ لِقُلُوبِ النَّصارى، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: تَشابَهَتْ قُلُوبُ مُشْرِكِي العَرَبِ لِقُلُوبِ اليَهُودِ والنَّصارى، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
2:119Page 18
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩
Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا أرْسَلَهُ بِدِينِ الحَقِّ.
﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَ، ونَذِيرًا بِالنّارِ لِمَن عَصى.
﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ أيْ لا تَكُونُ مُؤاخَذًا بِكَفَرَةِ مَن كَفَرَ بَعْدَ البُشْرى والإنْذارِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ: ولا تَسَلْ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ، بِفَتْحِ التّاءِ وجَزْمِ اللّامِ، وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها، ما رَواهُ مُوسى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ) فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾»
2:120–121Page 19
وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠
And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١
Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-١٨٢)
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ، والكِتابُ هو التَّوْراةُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَةٍ.
والثّانِي: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ، ويُحَرِّمُونَ حَرامَهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّ مَن قَرَأ أحَدَ الكِتابَيْنِ، آمَنَ بِهِ، لِما فِيهِما مِن وُجُوبِ اتِّباعِهِ.
2:122–124Page 19
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.
۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤
And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذا ابْتَلى يَعْنِي اخْتَبَرَ، وإبْراهِيمُ بِالسُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، وفي الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها، ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ابْتَلى اللَّهُ أحَدًا بِهِنَّ، فَقامَ بِها كُلِّها، غَيْرَ إبْراهِيمَ، ابْتُلِيَ بِالإسْلامِ فَأتَمَّهُ، فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ البَراءَةَ فَقالَ: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] قالَ: وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشَرَةٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢ ]. (p-١٨٣)
وَعَشَرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] . وعَشَرَةٌ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١ - ١١] . وفي سُورَةِ (سَألَ سائِلٌ) مِن: ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٢٣]، إلى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] . والقَوْلُ الثّانِي: إنَّها خِصالٌ مِن سُنَنِ الإسْلامِ، خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ، فَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ في الرَّأْسِ: قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ.
وَفي الجَسَدِ تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ أثَرِ البَوْلِ والغائِطِ بِالماءِ.
وَهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّها عَشْرُ خِصالٍ، سِتٌّ في الإنْسانِ وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ، فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ، والسَّعْيُ بَيْنالصَّفا والمَرْوَةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.
رَوى ذَلِكَ الحَسَنُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ يا إبْراهِيمُ، قالَ: تَجْعَلُنِي لِلنّاسِ إمامًا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي؟ قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ، قالَ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأمْنًا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُنا مُسْلِمِينَ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا؟ قالَ: نَعَمْ، (p-١٨٤)
قالَ: وتَرْزُقُ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَهَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ بِها إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّها الخِلالُ السِّتُّ: الكَواكِبُ، والقَمَرُ، والشَّمْسُ، والنّارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والقَوْلُ السّابِعُ: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أُمِّهِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ)» . والقَوْلُ الثّامِنُ: ما رَواهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما وفّى؟ قالُوا: اللَّهُ (p-١٨٥)وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في النَّهارِ.
» ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ أيْ مَقْصُودًا مَتْبُوعًا، ومِنهُ إمامُ المُصَلِّينَ، وهو المَتْبُوعُ في الصَّلاةِ.
﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمِعَ في الإمامَةِ لِذُرِّيَّتِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ لَهم.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِخْبارًا عَنْ حالِهِمْ، هَلْ يَكُونُونَ أهْلَ طاعَةٍ فَيَصِيرُوا أئِمَّةً؟ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ عاصِيًا وظالِمًا، لا يَسْتَحِقُّ الإمامَةَ، فَقالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وفي هَذا العَهْدِ، سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ الإمامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الجَزاءُ والثَّوابُ.
والسّابِعُ: أنَّهُ لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنَّهُ تُطِيعُهُ في ظُلْمِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
**
﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ (p-١٨٦)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَجْمَعًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ.
والثّانِي: مَرْجِعًا مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ ثابَتِ العِلَّةُ إذا رَجَعَتْ.
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎ مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تُحِبُّ إلَيْها اليَعْمُلاتُ الذَّوامِلُ
وَفِي رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ.
والثّانِي: أنَّهم في كُلِّ واحِدٍ مِن نُسُكَيِ الحَجِّ والعُمْرَةِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ مِن حِلٍّ إلى حَرَمٍ; لِأنَّ الجَمْعَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ.
قالَ تَعالى: ﴿وَأمْنًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأمْنِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن مَغازِي العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قُرَيْشٍ: ٤] . والثّانِي: لِأمْنِ الجُناةِ فِيهِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا مِنهُ.
﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ رَوى حَمّادٌ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾» بِكَسْرِ الخاءِ (p-١٨٧)
مِن قَوْلِهِ: واتَّخِذُوا عَلى وجْهِ الأمْرِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ: ( واتَّخَذُوا ) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى وجْهِ الخَبَرِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا المَقامِ، الَّذِي أُمِرُوا بِاتِّخاذِهِ مُصَلًّى، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: الحَجُّ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي في المَسْجِدِ، وهو مَقامُهُ المَعْرُوفُ، وهَذا أصَحُّ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿مُصَلًّى﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَدْعًى يُدْعى فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مُصَلًّى يُصَلّى عِنْدَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وهو أظْهَرُ التَّأْوِيلَيْنِ.
2:125–128Page 19
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥
And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦
And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."
وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧
And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨
Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ أمَرْنا. (p-١٨٨)
والثّانِي: أيْ أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ.
﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الأصْنامِ.
والثّانِي: مِنَ الكُفّارِ.
والثّالِثُ: مِنَ الأنْجاسِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْتِيَ﴾ يُرِيدُ البَيْتَ الحَرامَ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ، قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ بَيْتٌ يُطَهَّرُ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنِ ابْنِيا بَيْتِي مُطَهَّرًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنْ طَهِّرا مَكانَ البَيْتِ.
﴿لِلطّائِفِينَ﴾ فِيهِمْ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الغُرَباءُ الَّذِينَ يَأْتُونَ البَيْتَ مِن غُرْبَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
﴿والعاكِفِينَ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُعْتَكِفُونَ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُجاوِرُونَ لِلْبَيْتِ الحَرامِ بِغَيْرِ طَوافٍ، وغَيْرِ اعْتِكافٍ، ولا صَلاةٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يُرِيدُ أهْلَ الصَّلاةِ، لِأنَّها تَجْمَعُ رُكُوعًا وسُجُودًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ يَعْنِي مَكَّةَ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ لِيُجْمَعَ لِأهْلِهِ الأمْنُ والخِصْبُ، فَيَكُونُوا في رَغَدٍ مِنَ العَيْشِ. (p-١٨٩)
﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ مُتَّصِلًا بِسُؤالِهِ، أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنَّ فِيهِمْ ظالِمًا هو بِالعِقابِ أحَقُّ مِنَ الثَّوابِ، فَلَمْ يَسْألْ أهْلَ المَعاصِي سُؤالَ أهْلِ الطّاعاتِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ سُؤالُهُ كانَ عامًّا مُرْسَلًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ الإجابَةَ لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ حالِ الكافِرِينَ، بِأنْ قالَ: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.
﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ يَعْنِي بِذُنُوبِهِ إنْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ.
واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، هَلْ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤالِ إبْراهِيمَ أوْ كانَتْ فِيهِ كَذَلِكَ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ، ومِنَ الخُسُوفِ والزَّلازِلِ، وإنَّما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ: أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، لِرِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ المَقْبُرِيِّ، قالَ: سَمِعْتُ أبا شُرَيْحٍ الخُزاعِيَّ يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزاعَةُ رَجُلًا مِن هُذَيْلٍ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقالَ: (يَأيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ فِيها دَمًا أوْ يُعَضِّدَ بِها شَجَرًا، وأنَّها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا هَذِهِ السّاعَةَ غَضَبًا عَلى أهْلِها، ألا وهي قَدْ رَجَعَتْ عَلى حالِها بِالأمْسِ، ألا لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ.
فَمَن قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَتَلَ بِها فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّها لِرَسُولِهِ ولَمْ يُحِلَّها لَكَ» .والثّانِي: أنَّ مَكَّةَ كانَتْ حَلالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَسائِرِ البِلادِ، وأنَّها (p-١٩٠)
بِدَعْوَتِهِ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا، وبِتَحْرِيمِهِ لَها، كَما صارَتِ المَدِينَةُ بِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرامًا، بَعْدَ أنْ كانَتْ حَلالًا، لِرِوايَةِ أشْعَبَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « (إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَبْدَ اللَّهِ وخَلِيلَهُ، وإنِّي عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها عَضاها وصَيْدُها، لا يُحْمَلُ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، ولا يُقْطَعُ مِنها شَجَرٌ لَعَلَفٍ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ أوَّلُ مَن دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَكانِ البَيْتِ إبْراهِيمُ، وهو أوَّلُ مَن بَناهُ مَعَ إسْماعِيلَ، وأوَّلُ مَن حَجَّهُ، وإنَّما كانُوا قَبْلُ يُصَلُّونَ نَحْوَهُ، ولا يَعْرِفُونَ مَكانَهُ.
والقَواعِدُ مِنَ البَيْتِ واحِدَتُها قاعِدَةٌ، وهي كالأساسِ لِما فَوْقَها.
﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ والمَعْنى: يَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وهي كَذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ( وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ) وتَفْسِيرُ (إسْماعِيلَ): اسْمَعْ يا اللَّهُ، لِأنَّ إيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ هو اللَّهُ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا رَبَّهُ قالَ: اسْمَعْ يا إيلُ، فَلَمّا أجابَهُ ورَزَقَهُ بِما دَعا مِنَ الوَلَدِ، سَمّى بِما دَعا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ عَوْفٌ (p-١٩١)الأعْرابِيُّ: مُسْلِمَيْنِ لَكَ عَلى الجَمْعِ.
وَيُقالُ: أنَّهُ لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ إلّا لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ دَعا مَعَ دُعائِهِ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ والمُسْلِمُ هو الَّذِي اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعَ لَهُ، وهو في الدِّينِ القابِلُ لِأوامِرِ اللَّهِ سِرًّا وجَهْرًا.
﴿وَأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ عَرِّفْنا مَناسِكَنا، وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ ومَعالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها مَناسِكُ الذَّبائِحِ الَّتِي تُنْسَكُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ.
والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ، واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ مَنسَكًا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مُعْتادٌ ويَتَرَدَّدُ النّاسُ إلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ لِفُلانٍ مَنسَكًا، إذا كانَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعْتادٌ لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَناسِكُ الحَجِّ لِاعْتِيادِها.
والثّانِي: أنَّ النُّسُكَ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الزّاهِدُ ناسِكًا لِعِبادَةِ رَبِّهِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ مَناسِكَ لِأنَّها عِباداتٌ.
2:129Page 20
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩
Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي في هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، وقِيلَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: رَبَّنا وابْعَثْ في آخِرِهِمْ رَسُولًا مِنهم وقَدْ رَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: «أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: (p-١٩٢)يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنا عَنْ نَفْسِكَ، قالَ: (نَعَمْ، أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبُشْرى عِيسى)» . ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ حُجَّتَكَ.
والثّانِي: يُبَيِّنُ لَهم دِينَكَ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها السُّنَّةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّها المَعْرِفَةُ بِالدِّينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وعِبادَةِ الأوْثانِ.
والثّانِي: يُزَكِّيهِمْ بِدِينِهِ إذا اتَّبَعُوهُ فَيَكُونُونَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ أزْكِياءَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences