Al-MawardiAl‑Baqarah · 2:183–188

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:183–188

2:183–184Page 28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، والصِّيامُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الإمْساكُ عَنْهُ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ صَمْتًا، لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، وذَمَّ أعْرابِيٌّ قَوْمًا فَقالَ: يَصُومُونَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقُصُّونَ عَلى الفَواحِشِ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن صِيامِ الخَيْلِ، وهو إمْساكُها عَنِ السَّيْرِ والعَلَفِ، قالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ:

؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما

وَلِذَلِكَ قِيلَ لِقائِمِ الظَّهِيرَةِ: قَدْ صامَ النَّهارُ، لِإبْطاءِ الشَّمْسِ فِيهِ عَنِ السَّيْرِ، فَصارَتْ بِالإبْطاءِ كالمُمْسِكَةِ عَنْهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَدَعْها وسُلَّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا

إلّا أنَّ الصِّيامَ في الشَّرْعِ: إنَّما هو إمْساكٌ عَنْ مَحْظُوراتِ الصِّيامِ في زَمانِهِ، فَجَعَلَ الصِّيامَ مِن أوْكَدِ عِباداتِهِ وألْزَمِ فُرُوضِهِ، حَتّى رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ).» وإنَّما اخْتَصَّ الصَّوْمَ بِأنَّهُ لَهُ، وإنْ كانَ كُلُّ العِباداتِ لَهُ، لِأمْرَيْنِ بايَنَ الصَّوْمُ بِهِما سائِرَ العِباداتِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ مَنعٌ مِن مَلاذِّ النَّفْسِ وشَهَواتِها، ما لا يَمْنَعُ مِنهُ سائِرُ العِباداتِ.

والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ لا يَظْهَرُ إلّا لَهُ، فَلِذَلِكَ صارَ مُخْتَصًّا بِهِ، وما سِواهُ مِنَ العِباداتِ ظاهِرٌ، رُبَّما فَعَلَهُ تَصَنُّعًا ورِياءً، فَلِهَذا صارَ أخَصَّ بِالصَّوْمِ مِن غَيْرِهِ. (p-٢٣٦)

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ والرَّبِيعِ وأسْباطٍ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ صَوْمِنا، وصَوْمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِنا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّشْبِيهَ في حُكْمِ الصَّوْمِ وصِفَتِهِ، لا في عَدَدِهِ لِأنَّ اليَهُودَ يَصُومُونَ مِنَ العَتَمَةِ إلى العَتَمَةِ، ولا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا، وكانَ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، لا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا حَتّى كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ ما كانَ، فَأجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (بَيْنَ صَوْمِنا وصَوْمِ أهْلِ الكِتابِ أكْلَةُ السَّحَرِ)» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ في عَدَدِ الصَّوْمِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّصارى كانَ اللَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صِيامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا كَما فَرَضَ عَلَيْنا، فَكانَ رُبَّما وقَعَ في القَيْظِ، فَجَعَلُوهُ في الفَصْلِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، ثُمَّ كَفَّرُوهُ بِصَوْمِ عِشْرِينَ يَوْمًا زائِدَةٍ، لِيَكُونَ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ وتَكْفِيرًا لِتَبْدِيلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ كانَ عَلَيْهِمْ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ يَوْمِ عاشُوراءَ، وثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، فَكانَ عَلى ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى أنْ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضانَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أوَّلَ ما نُسِخَ شَأْنُ القِبْلَةِ والصِّيامُ الأوَّلُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ما حُرِّمَ عَلَيْكم في الصِّيامِ، مِن أكْلِ الطَّعامِ، وشُرْبِ الشَّرابِ، ووَطْءِ النِّساءِ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. (p-٢٣٧)

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الصَّوْمَ سَبَبٌ يَؤُولُ بِصاحِبِهِ إلى تَقْوى اللَّهِ، لِما فِيهِ مِن قَهْرِ النَّفْسِ، وكَسْرِ الشَّهْوَةِ، وإذْهابِ الأشَرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ الَّتِي أبانَها مِن بَعْدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّها صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ، وهي الأيّامُ البِيضُ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الثّانِيَ عَشَرَ وما يَلِيهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها الثّالِثَ عَشَرَ وما يَلِيهِ، وهو أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ أيّامَ الشَّهْرِ مُجَزَّأةٌ عِنْدَ العَرَبِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ، كُلُّ جُزْءٍ مِنها ثَلاثَةُ أيّامٍ، تَخْتَصُّ بِاسْمٍ، فَأوَّلُها ثَلاثٌ غُرَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ شُهَبٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بُهَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ عُشَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بِيضٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُرَعٌ، والدَّرَعُ هو سَوادُ مُقَدَّمِ الشّاةِ، وبَياضُ مُؤَخَّرِها، فَقِيلَ لِهَذِهِ الثَّلاثِ دُرَعٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَغِيبُ في أوَّلِها، فَيَصِيرُ لَيْلُها دَرْعًا، لِسَوادِ أوَّلِهِ، وبَياضِ آخِرِهِ، ثُمَّ ثَلاثٌ خُنَّسٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَخْنِسُ فِيها، أيْ يَتَأخَّرُ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُهَمٌ، وقِيلَ: حَنادِسُ لِإظْلامِها، ثُمَّ ثَلاثٌ فُحَمٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَتَفَحَّمُ فِيها، أيْ يَطْلُعُ آخِرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ ثَلاثٌ رادِّي، وهي آخِرُ الشَّهْرِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرّادَّةِ، أنْ تُسْرِعَ نَقْلَ أرْجُلِها حَتّى تَضَعَها في مَوْضِعِ أيْدِيها.

وَقَدْ حَكى أبُو زَيْدٍ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، أنَّهم جَعَلُوا لِلْقَمَرِ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن لَيالِي العَشْرِ اسْمًا، فَقالُوا: لَيْلَةٌ عَتَمَةٌ سُخَيْلَةْ حَلَّ أهْلُها بِرُمَيْلَةْ، وابْنُ لَيْلَتَيْنِ حَدِيثُ مَيْنٍ مُكَذَّبٌ ومُبِينٌ، ورَواهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَذِبٍ ومَيْنٍ، وابْنُ ثَلاثٍ قَلِيلُ اللَّباثِ، وابْنُ أرْبَعٍ عَتَمَةُ رُبَعٍ لا جائِعٌ ولا مُرْضَعٌ، وابْنُ خَمْسٍ حَدِيثٌ وأُنْسٌ، وابْنُ سِتٍّ سِرْ وبِتْ، وابْنُ سَبْعٍ دُلْجَةُ الضَّبُعِ، وابْنُ ثَمانٍ قَمَرٌ إضْحِيانٌ، وابْنُ تِسْعٍ انْقَطَعَ الشِّسْعُ.

وَفي رِوايَةِ غَيْرِ أبِي زَيْدٍ: يُلْتَقَطُ فِيهِ الجِزْعُ، وابْنُ عَشْرٍ ثُلُثُ الشَّهْرِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ وعَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يُجْعَلْ لَهُ فِيما زادَ عَنِ العَشْرِ اسْمًا مُفْرَدًا. (p-٢٣٨)

واخْتَلَفُوا في الهِلالِ مَتى يَصِيرُ قَمَرًا، فَقالَ قَوْمٌ: يُسَمّى هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا حَتّى يُحَجِّرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخَطَّةٍ دَقِيقَةٍ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى أنْ يَبْهَرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، فَإذا بَهَرَ ضَوْؤُهُ يُسَمّى قَمَرًا، وهَذا لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلَةِ السّابِعَةِ.

[ثُمَّ عُدْنا إلى تَفْسِيرِ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ]. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ يَعْنِي مَرِيضًا لا يَقْدِرُ مَعَ مَرَضِهِ عَلى الصِّيامِ، أوْ عَلى سَفَرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ في سَفَرِهِ الصِّيامُ.

﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَعَ وُجُودِ السَّفَرِ، يَلْزَمُهُ القَضاءُ سَواءٌ صامَ في سَفَرِهِ أوْ أفْطَرَ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ.

والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهُ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، ولَوْ صامَ في مَرَضِهِ وسَفَرِهِ لَمْ يَعُدْ، لِكَوْنِ الفِطْرِ بِهِما رُخْصَةً لا حَتْمًا، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ هَكَذا قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، وتَأْوِيلُها: وعَلى الَّذِينَ يُكَلَّفُونَهُ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى صِيامِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، كالشَّيْخِ والشَّيْخَةِ والحامِلِ والمُرْضِعِ، فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، ولا قَضاءَ عَلَيْهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ.

وَعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ورَدَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، خَيَّرَ اللَّهُ تَعالى بِها المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ بَيْنَ أنْ يَصُومُوا ولا يُكَفِّرُوا، وبَيْنَ أنْ يُفْطِرُوا ويُكَفِّرُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإطْعامِ مِسْكِينٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعَلْقَمَةَ، والضَّحّاكِ. (p-٢٣٩)

والثّانِي: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ، وأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيْ كانُوا يُطِيقُونَهُ في حالِ شَبابِهِمْ، وإذا كَبِرُوا عَجَزُوا عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرِهِمْ أنْ يُفْطِرُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والسُّدِّيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ زادَ عَلى مِسْكِينٍ واحِدٍ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ صامَ مَعَ الفِدْيَةِ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ورِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ خَيْرٌ مِنَ الفِطْرِ فِيهِ والقَضاءِ بَعْدَهُ.

والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ لِمُطِيقِهِ خَيْرٌ وأفْضَلُ ثَوابًا مِنَ التَّكْفِيرِ لِمَن أفْطَرَ بِالعَجْزِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما شَرَّعْتُهُ فِيكم وبَيَّنْتُهُ مِن دِينِكم.

والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْلَ أعْمالِكم وثَوابَ أفْعالِكم.

2:185Page 28

شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥

The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أمّا الشَّهْرُ فَمَأْخُوذٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، ومِنهُ قِيلَ: قَدْ شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ، إذا أخْرَجَهُ، وأمّا رَمَضانُ فَإنَّ بَعْضَ أهْلِ اللُّغَةِ يَزْعُمُ أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِشِدَّةِ ما كانَ يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ حَتّى تَرْمَضَ فِيهِ الفِصالُ، كَما قِيلَ لِشَهْرِ الحَجِّ: ذُو الحِجَّةِ، وقَدْ كانَ شَهْرُ رَمَضانَ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ ناتِقًا. (p-٢٤٠)

وَأمّا مُجاهِدٌ فَإنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: رَمَضانُ، ويَقُولُ: لَعَلَّهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَفي إنْزالِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في شَهْرِ رَمَضانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنهُ، ثُمَّ أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ، عَلى ما أرادَ إنْزالَهُ عَلَيْهِ.

رَوى أبُو مُسْلِمٍ عَنْ وائِلَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ الإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ القُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ.

» والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى أُنْزِلَ القُرْآنُ في فَرْضِ صِيامِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ يَعْنِي رَشادًا لِلنّاسِ.

﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ أيْ بَيِّناتٌ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وفُرْقانٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الشَّهْرُ لا يَغِيبُ عَنْ أحَدٍ، وفي تَأْوِيلِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَمَن شَهِدَ أوَّلَ الشَّهْرِ، وهو مُقِيمٌ فَعَلَيْهِ صِيامُهُ إلى آخِرِهِ، ولَيْسَ لَهُ (p-٢٤١)

أنْ يُفْطِرَ في بَقِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ، فَلْيَصُمْ ما شَهِدَ مِنهُ وهو مُقِيمٌ دُونَ ما لَمْ يَشْهَدْهُ في السَّفَرِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّالِثُ: فَمَن شَهِدَ بالِغًا عاقِلًا مُكَلَّفًا فَلْيَصُمْهُ، ولا يَسْقُطُ صَوْمُ بَقِيَّتِهِ إذا جُنَّ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وصاحِبَيْهِ.

﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ وإنَّما أعادَ ذِكْرَ الفِطْرِ بِالمَرَضِ والسَّفَرِ مَعَ قُرْبِ ذِكْرِهِ مِن قَبْلُ، لِأنَّهُ في حُكْمِ تِلْكَ الآيَةِ مَنسُوخٌ، فَأعادَ ذِكْرَهُ، لِئَلّا يَصِيرَ بِالمَنسُوخِ مَقْرُونًا، وتَقْدِيرُهُ: فَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ في شَهْرِ رَمَضانَ فَأفْطَرَ، فَعَلَيْهِ عِدَّةُ ما أفْطَرَ مِنهُ، أنْ يَقْضِيَهُ مِن بَعْدِهِ.

واخْتَلَفُوا في المَرَضِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ الفِطْرُ في شَهْرِ رَمَضانَ، عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ كُلُّ مَرَضٍ لَمْ يُطِقِ الصَّلاةَ مَعَهُ قائِمًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ المَرَضُ الَّذِي الأغْلَبُ مِن أمْرِ صاحِبِهِ بِالصَّوْمِ الزِّيادَةُ في عِلَّتِهِ زِيادَةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَرَضٍ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَرَضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ.

فَأمّا السَّفَرُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ ما انْطَلَقَ اسْمُ السَّفَرِ مِن طَوِيلٍ أوْ قَصِيرٍ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الفِطْرِ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ واجِبٌ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُباحٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ قالَ ابْنُ (p-٢٤٢)عَبّاسٍ: اليُسْرُ الإفْطارُ، والعُسْرُ الصِّيامُ في السَّفَرِ، ونَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ يَعْنِي عِدَّةَ ما أفْطَرَ ثُمَّ في صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ بِالقَضاءِ في غَيْرِهِ.

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَكْبِيرُ الفِطْرِ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ يَعْنِي مِن صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى عُمُومِ ما هَدانا إلَيْهِ مِن دِينِهِ.

﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَشْكُرُونَ عَلى هِدايَتِهِ لَكم.

والثّانِي: عَلى ما أنْعَمَ بِهِ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

2:186Page 28

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦

And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في سائِلٍ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟ فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أيِّ ساعَةٍ يَدْعُونَ اللَّهَ فِيها، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ جَوابًا لِقَوْمٍ قالُوا: كَيْفَ نَدْعُو؟ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالُوا: إلى أيْنَ نَدْعُوهُ؟ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. (p-٢٤٣)

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَرِيبٌ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قَرِيبُ الإجابَةِ.

والثّانِي: قَرِيبٌ مِن سَماعِ الدُّعاءِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أسْمَعُ دَعْوَةَ الدّاعِي إذا دَعانِي، فَعَبَّرَ عَنِ السَّماعِ بِالإجابَةِ، لِأنَّ السَّماعَ مُقَدِّمَةُ الإجابَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إجابَةَ الدّاعِي إلى ما سَألَ، ولا يَخْلُو سُؤالُ الدّاعِي أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ أوْ مُخالِفًا لَها، فَإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ لَمْ تَجُزِ الإجابَةُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ، فَلا يَخْلُو حالُ الدّاعِي مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَكْمِلًا شُرُوطَ الطَّلَبِ أوْ مَقْصُورًا فِيها: فَإنِ اسْتَكْمَلَها جازَتْ إجابَتُهُ، وفي وُجُوبِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها واجِبَةٌ لِأنَّها تَجْرِي مَجْرى ثَوابِ الأعْمالِ، لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ ثَوابُها الإجابَةُ.

والثّانِي: أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لِأنَّها رَغْبَةٌ وطَلَبٌ، فَصارَتِ الإجابَةُ إلَيْها تَفَضُّلًا.

وَإنْ كانَ مَقْصُورًا في شُرُوطِ الطَّلَبِ لَمْ تُجَبْ إجابَتُهُ، وفي جَوازِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَجُوزُ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَها مَعَ اسْتِكْمالِ شُرُوطِها.

والثّانِي: تَجُوزُ، وهو قَوْلُ مَن لَمْ يُوجِبْها مَعَ اسْتِكْمالِ شُرُوطِها.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِجابَةَ بِمَعْنى الإجابَةِ، يُقالُ: اسْتَجَبْتُ لَهُ بِمَعْنى أجَبْتُهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ:

؎ وداعٍ دَعا: يا مَن يُجِيبُ إلَيَّ النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ

أيْ فَلَمْ يُجِبْهُ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْتِجابَةَ طَلَبُ المُوافَقَةِ لِلْإجابَةِ، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ. (p-٢٤٤)

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ فَلْيَسْتَجِيبُوا إلَيَّ بِالطّاعَةِ.

والرّابِعُ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، يَعْنِي فَلْيَدْعُونِي.

2:187Page 29

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (الرَّفَثُ) و(الرُّفُوثُ) جَمِيعًا، وهو الجِماعُ في قَوْلِهِ، وأصْلُهُ فاحِشُ القَوْلِ، كَما قالَ العَجّاجُ:

؎ ... ... ... ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ الكَلامِ

فَيُكَنّى بِهِ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ كانَ فُحْشًا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِمَنزِلَةِ اللِّباسِ، لِإفْضاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ، يَسْتَتِرُ بِهِ كالثَّوْبِ المَلْبُوسِ، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:

؎ إذا ما الضَّجِيجُ ثَنى عِطْفَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسا

والثّانِي: أنَّهم لِباسٌ يَعْنِي السَّكَنَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النَّبَإ: ١٠] أيْ سَكَنًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ. (p-٢٤٥)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الخِيانَةِ الَّتِي كانَ القَوْمُ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ، شَيْئانِ: أحَدُهُما: إتْيانُ النِّساءِ.

الثّانِي: الأكْلُ والشُّرْبُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أباحَ في أوَّلِ الإسْلامِ الأكْلَ والشُّرْبَ والجِماعَ في لَيْلِ الصِّيامِ قَبْلَ نَوْمِ الإنْسانِ، وحَرَّمَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ نَوْمِهِ، حَتّى جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ذاتَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، يُرِيدُ امْرَأتَهُ، فَقالَتْ لَهُ: إنِّي قَدْ نِمْتُ، وظَنَّ أنَّها تَعْتَلُّ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ بِها، وجاءَ أبُو قَيْسٍ ابْنُ صِرْمَةَ، وكانَ يَعْمَلُ في أرْضٍ لَهُ، فَأرادَ الأكْلَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: نُسَخِّرُ لَكَ شَيْئًا، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ، ثُمَّ أحْضَرَتْ إلَيْهِ الطَّعامَ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِنهُ فَلَمّا أصْبَحَ لاقى جَهْدًا.

وَأخْبَرَ عُمَرُ وأبُو قَيْسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِما كانَ مِنهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: العَفْوُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ.

والثّانِي: العَفْوُ عَنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ بَعْدَ النَّوْمِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِماعَ، لِأنَّ أصْلَ المُباشَرَةِ مِن إلْصاقِ البَشَرَةِ بِالبَشَرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ بَيانًا لِما كانَ في جِماعِ عُمَرَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: طَلَبُ الوَلَدِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: لَيْلَةُ القَدْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والثّالِثُ: ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكم ورَخَّصَ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى فِيما كانَ مِن شَأْنِ أبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ (p-٢٤٦)لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ والخَيْطِ الأسْوَدِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾، فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّما يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ ضَوْءَ النَّهارِ، وهو الفَجْرُ الثّانِي، وبِالخَيْطِ الأسْوَدِ سَوادَ اللَّيْلِ قَبْلَ الفَجْرِ الثّانِي.

وَرَوى الشَّعْبِيُّ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: أنَّهُ عَهِدَ إلى خَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، وجَعَلَهُما تَحْتَ وِسادَتِهِ، فَكانَ يُراعِيهِما في صَوْمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (إنَّكَ لَعَرِيضُ الوِسادَةِ، إنَّما هو بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ).» وسُمِّيَ خَيْطًا، لِأنَّ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ البَياضِ مُمْتَدٌّ كالخَيْطِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ الخَيْطُ الأبْيَضُ ضَوْءُ الصُّبْحِ مُنْفَلِقٌ ∗∗∗ والخَيْطُ الأسْوَدُ لَوْنُ اللَّيْلِ مَكْتُومُ

والخَيْطُ في كَلامِهِمْ عِبارَةٌ عَنِ اللَّوْنِ.

والثّالِثُ: ما حُكِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ.

وَقَدْ رَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَسَحَّرُ وأنا أرى مَواقِعَ النَّبْلِ، قالَ: قُلْتُ بَعْدَ الصُّبْحِ؟ قالَ: هو الصُّبْحُ إلّا أنَّهُ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ)،» وهَذا قَوْلٌ قَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ رَوى سَوادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (لا يَمْنَعَنَّكم مِن سُحُورِكم أذانُ بِلالٍ ولا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ ولَكِنِ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ)» . ورَوى الحارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ (p-٢٤٧)

قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (الفَجْرُ فَجْرانِ، فالَّذِي كَأنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحانِ لا يُحَرِّمُ شَيْئًا، وأمّا المُسْتَطِيرُ الَّذِي يَأْخُذُ الأُفُقَ فَإنَّهُ يُحِلُّ الصَّلاةَ ويُحَرِّمُ الطَّعامَ).» فَأمّا الفَجْرُ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَجَرَ الماءُ يَفْجُرُ فَجْرًا، إذا جَرى وانْبَعَثَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلطّالِعِ مِن تَباشِيرِ ضِياءِ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها: (فَجْرٌ) لِانْبِعاثِ ضَوْئِهِ، فَيَكُونُ زَمانُ الصَّوْمِ المُجْمَعُ عَلى تَحْرِيمِ الطَّعامِ والشَّرابِ فِيهِ، وإباحَتُهُ فِيما سِواهُ، ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي وغُرُوبِ الشَّمْسِ.

رَوى عَطاءٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (أعْظَمُ الصّائِمِينَ أجْرًا أقْرَبُهم مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إفْطارًا)» . ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ يَعْنِي بِهِ غُرُوبَ الشَّمْسِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عُنِيَ بِالمُباشَرَةِ الجِماعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. (p-٢٤٨)

والثّانِي: ما دُونَ الجِماعِ مِنَ اللَّمْسِ والقُبْلَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومالِكٍ.

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ ما حَرَّمَ، وفي تَسْمِيَتِها حُدُودَ اللَّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَدَّها بِالذِّكْرِ والبَيانِ.

والثّانِي: لِما أوْجَبَهُ في أكْثَرِ المُحَرَّماتِ مِنَ الحُدُودِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِآياتِهِ عَلاماتِ مُتَعَبَّداتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِالآياتِ هُنا الفَرائِضَ والأحْكامَ.

2:188Page 29

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالغَصْبِ والظُّلْمِ.

والثّانِي: بِالقِمارِ والمَلاهِي.

﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ مَأْخُوذٌ مِن إدْلاءِ الدَّلْوِ إذا أرْسَلْتَهُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا مَعْناهُ: وتُقِيمُوا الحُجَّةَ بِها عِنْدَ الحاكِمِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ أدْلى بِحُجَّتِهِ إذا قامَ بِها.

وَفي هَذا المالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَدائِعُ وما لا تَقُومُ بِهِ بَيِّنَةٌ مِن سائِرِ الأمْوالِ الَّتِي إذا جَحَدَها، حُكِمَ بِجُحُودِهِ فِيها.

والثّانِي: أنَّها أمْوالُ اليَتامى الَّتِي هو مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها.

﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَأْكُلُوا بَعْضَ أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ، فَعَبَّرَ عَنِ البَعْضِ بِالفَرِيقِ.

والثّانِي: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وتَقْدِيرُهُ: لِتَأْكُلُوا أمْوالَ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ بِالإثْمِ. (p-٢٤٩)

وَفِي (أكْلِهِ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالجُحُودِ.

والثّانِي: بِشَهادَةِ الزُّورِ.

والثّالِثُ: بِرِشْوَةِ الحُكّامِ.

﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لِلنّاسِ.

والثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها إثْمٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ، وعَبْدانَ بْنِ رَبِيعَةَ الحَضْرَمِيِّ، وقَدِ اخْتَصَما في أرْضٍ كانَ عَبْدانُ فِيها ظالِمًا وامْرُؤُ القَيْسِ مَظْلُومًا، فَأرادَ أنْ يَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَفَّ عَنِ اليَمِينِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском