Al-MawardiAl‑Baqarah · 2:204–218

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:204–218

2:204–207Page 32

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦

And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الجَمِيلِ والخَيْرِ.

والثّانِي: مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والرَّغْبَةِ في دِينِهِ.

﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيَّ فِيهِ، وضَمِيرُهُ بِخِلافِهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ: وفي قَلْبِهِ ما يَشْهَدُ اللَّهُ أنَّهُ بِخِلافِهِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ: ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى صِحَّةِ ما في قَلْبِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ بِخِلافِهِ.

وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ والألَدُّ مِنَ الرِّجالِ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، وفي الخِصامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ.

والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خَصِيمٍ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذُو جِدالٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الخُصُومَةِ، لَكِنَّهُ مُعْوَجُّها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ كاذِبٌ، في قَوْلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ تَعالى الألَدُّ الخَصِمُ)» . (p-٢٦٦)

وَفِيمَن قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ في قَوْلِهِ (تَوَلّى) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غَضِبَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

والثّانِي: انْصَرَفَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُفْسِدُ فِيها بِالصَّدِّ.

والثّانِي: بِالكُفْرِ.

﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالسَّبْيِ والقَتْلِ.

والثّانِي: بِالضَّلالِ الَّذِي يَؤُولُ إلى السَّبْيِ والقَتْلِ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ مَعْناهُ لا يُحِبُّ أهْلَ الفَسادِ.

وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَمْدَحُ الفَسادَ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: أنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ دِينًا وشَرْعًا، ويَحْتَمِلُ: لا يُحِبُّ العَمَلَ بِالفَسادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دَعَتْهُ العِزَّةُ إلى فِعْلِ الإثْمِ.

والثّانِي: مَعْناهُ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، عَزَّتْ نَفْسُهُ أنْ يَقْبَلَها، لِلْإثْمِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ يَشْرِي نَفْسَهُ أيْ يَبِيعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، قالَ (p-٢٦٧)

الحَسَنُ البَصْرِيُّ: العَمَلُ الَّذِي باعَ بِهِ نَفْسَهُ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ.

واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، وقُتِلَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ كُلِّهِ، ولَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

2:208–209Page 32

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨

O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩

But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في الفَتْحِ والكَسْرِ، عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ تُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى.

والثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ السِّلْمَ بِالكَسْرِ الإسْلامُ، والسَّلْمَ بِالفَتْحِ المُسالَمَةُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنْفالِ: ٦١] وفي المُرادِ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ، تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الدُّخُولُ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: مَعْناهُ ادْخُلُوا في الطّاعَةِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ، وقَتادَةَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿كافَّةً﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعًا في السِّلْمِ.

والثّانِي: عائِدٌ إلى السِّلْمِ أنْ يَدْخُلُوا في جَمِيعِهِ.

﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي آثارَهُ. (p-٢٦٨)

﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُبِينٌ لِنَفْسِهِ.

والآخَرُ: مُبِينٌ بِعُدْوانِهِ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن أبانَ بِهِ عُدْوانَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ.

والثّانِي: بِقَوْلِهِ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسْراءِ: ٦٢] . واخْتَلَفُوا فِيمَن أُمِرَ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ كافَّةً، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِها المُسْلِمُونَ، والدُّخُولَ في السِّلْمِ العَمَلُ بِشَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنِ يامِينَ، وأسَدٍ، وأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ، وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، كُلُّهم مِن يَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَوْمَ السَّبْتَ كُنّا نُعَظِّمُهُ ونَسْبِتُ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَدَعْنا فَلْنَصُمْ نَهارَنا بِاللَّيْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ عَصَيْتُمْ.

والثّانِي: مَعْناهُ كَفَرْتُمْ.

والثّالِثُ: إنْ ضَلَلْتُمْ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ. (p-٢٦٩)

والثّانِي: مُحَمَّدٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: الإسْلامُ.

﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي عَزِيزٌ في نَفْسِهِ، حَكِيمٌ في فِعْلِهِ.

2:210Page 32

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠

Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾، قَرَأ قَتادَةُ: في ظِلاَلٍ الغَمامِ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وبِالمَلائِكَةِ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ.

2:211–212Page 33

سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ لَيْسَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْبارِ، ولَكِنَّهُ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ.

وَفي المُرادِ بِسُؤالِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْبِياؤُهم.

والثّانِي: عُلَماؤُهم.

والثّالِثُ: جَمِيعُهم.

والآياتُ البَيِّناتُ: فَلْقُ البَحْرِ، والظُّلَلُ مِنَ الغَمامِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.(p-٢٧٠)

﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ ﷺ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في الدُّنْيا وتَزْيِينِها لَهم، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: زَيَّنَها لَهُمُ الشَّيْطانُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: زَيَّنَها لَهُمُ الَّذِينَ أغْوَوْهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها لَهم بِالشَّهَواتِ الَّتِي خَلَقَها لَهم.

﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى حَقٍّ، فَهَذِهِ سُخْرِيَّتُهم بِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ.

وَفي الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ.

والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ.

﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَعْنِي أنَّهم فَوْقَ الكُفّارِ في الدُّنْيا.

﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النَّبَإ: ٣٦] فَفي هَذا سِتَّةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ النُّقْصانَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والجَزاءَ بِالحِسابِ.

والثّانِي: بِغَيْرِ حِسابٍ لِسَعَةِ مُلْكِهِ الَّذِي لا يَفْنى بِالعَطاءِ، لا يُقَدَّرُ بِالحِسابِ.

والثّالِثُ: إنَّ كِفايَتَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ولا تَضْيِيقٍ.

والرّابِعُ: دائِمٌ لا يَتَناهى فَيَصِيرُ مَحْسُوبًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والخامِسُ: أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا بِغَيْرِ حِسابٍ، لِأنَّهُ يَعُمُّ بِهِ المُؤْمِنَ والكافِرَ فَلا يَرْزُقُ المُؤْمِنَ عَلى قَدْرِ إيمانِهِ ولا الكافِرَ عَلى قَدْرِ كُفْرِهِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وأنَّهُ لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ ولا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ.(p-٢٧١)

2:213Page 33

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ في قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا عَلى الحَقِّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ آدَمُ كانَ عَلى الحَقِّ إمامًا لِذُرِّيَّتِهِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ في ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم عَشْرُ فِرَقٍ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ فاخْتَلَفُوا، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ النّاسِ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ يَوْمَ اسْتَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، فَعَرَضَهم عَلى آدَمَ، فَأقَرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ والإسْلامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ.

وَكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَأُ: كانَ البَشَرُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في الحَقِّ.

والثّانِي: في الكِتابِ وهو التَّوْراةُ.

﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ يَعْنِي الحُجَجَ والدَّلائِلَ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِ القائِلِ: بَغى فُلانٌ عَلى فُلانٍ، إذا اعْتَدى عَلَيْهِ.

﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-٢٧٢)

أحَدُها: أرادَ الجُمُعَةَ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا فِيها فَضَلُّوا عَنْها، فَجَعَلَها اليَهُودُ السَّبْتَ، وجَعَلَها النَّصارى الأحَدَ، فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إلَيْها، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يُصَلِّي إلى الشَّرْقِ ومِنهم مَن يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَهَدانا اللَّهُ لِلْقِبْلَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فَكَفَرَ بَعْضُهم بِكِتابِ بَعْضٍ فَهَدانا اللَّهُ لِلتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِها.

2:214–215Page 33

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.

يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥

They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الزَّكاةِ في إيجابِ النَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ والصَّدَقَةِ ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ الزَّكاةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألُوهُ عَنْ أمْوالِهِمْ أيْنَ يَضَعُونَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

2:216Page 34

كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦

Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ.

وَفي فَرْضِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-٢٧٣)

أحَدُها: أنَّهُ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ أبَدًا حَتّى يَقُومَ بِهِ مَن فِيهِ كِفايَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفُقَهاءِ والعُلَماءِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فُرِضَ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ في عَيْنِهِ أبَدًا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ والكُرْهُ بِالضَّمِّ إدْخالُ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ مِن غَيْرِ إكْراهِ أحَدٍ.

والكَرْهُ بِالفَتْحِ إدْخالُ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ بِإكْراهِ غَيْرِهِ لَهُ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِيهِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: وهو ذُو كُرْهٍ لَكم وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: مَعْناهُ وهو مَكْرُوهٌ لَكم، فَأقامَ المُقَدَّرَ مَقامَهُ.

ثُمَّ في كَوْنِهِ كُرْهًا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: وهو كُرْهٌ لَكم قَبْلَ التَّعَبُّدِ وأمّا بَعْدَهُ فَلا.

الثّانِي: وهو كُرْهٌ لَكم في الطِّباعِ قَبْلَ الفَرْضِ وبَعْدَهُ.

وَإنَّما يُحْتَمَلُ بِالتَّعَبُّدِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ وفي عَسى هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمَعُ المُشْفِقِ مَعَ دُخُولِ الشَّكِّ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى قَدْ.

وَقالَ الأصَمُّ: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ مِنَ القِتالِ ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالأجْرِ والثَّوابِ، ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يَعْنِي مِنَ المُتارَكَةِ والكَفِّ ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، يَعْنِي في الدُّنْيا بِالظُّهُورِ عَلَيْكم وفي الآخِرَةِ بِنُقْصانِ أُجُورِكم.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فِيهِ مَصْلَحَتَكم ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

2:217–218Page 34

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧

They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ خَرَجَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وهم أبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، وسُهَيْلُ بْنُ البَيْضاءِ، وخالِدُ ابْنُ البُكَيْرِ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وواقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ كانَ أمِيرَهم، فَتَأخَّرَ عَنِ القَوْمِ سَعْدٌ وعُتْبَةُ لِيَطْلُبا بَعِيرًا لَهُما ضَلَّ، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَرَماهُ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وغُنِمَتِ العِيرُ، وكانَ ذَلِكَ في آخِرِ لَيْلَةٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ أوْ أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، فَعَيَّرَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَلامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولامَهُ المُسْلِمُونَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.

» واخْتَلَفُوا فِيمَن سَألَ عَنْ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ لِيُعَيِّرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، واسْتَحَلُّوا قِتالَهُ فِيهِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ سَألُوا عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِيَعْلَمُوا حُكْمَ ذَلِكَ.

فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وإخْراجَ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ والفِتْنَةَ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ هَلْ نُسِخَ أمْ لا؟ فَقالَ الزُّهْرِيُّ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ وقالَ عَطاءٌ: هو ثابِتُ الحُكْمِ، وتَحْرِيمُ القِتالِ فِيهِ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ، والأوَّلُ أصَحُّ لِما (p-٢٧٥)

تَظاهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ غَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بِالطّائِفِ، وأرْسَلَ أبا العاصِ إلى أوْطاسَ لِحَرْبِ مَن بِها مِنَ المُشْرِكِينَ في بَعْضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في ذِي القِعْدَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ أيْ يَرْجِعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٤] أيْ رَجَعا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ: اسْتَرَدَّ فُلانٌ حَقَّهُ.

﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ بَطَلَتْ، وأصْلُ الحُبُوطِ الفَسادُ، فَقِيلَ في الأعْمالِ إذا بَطَلَتْ: حَبِطَتْ لِفَسادِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ.

وَسَبَبُ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ومَن مَعَهُ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا في سَفَرِهِمْ وِزْرًا فَلَيْسَ فِيهِ أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ يَعْنِي عَنْ مُساكَنَةِ المُشْرِكِينَ في أمْصارِهِمْ، وبِذَلِكَ سُمِّيَ المُهاجِرُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهاجِرِينَ لِهَجْرِهِمْ دُورَهم ومَنازِلَهم كَراهَةَ الذُّلِّ مِنَ المُشْرِكِينَ وسُلْطانِهِمْ، ( وجاهَدُواْ ) يَعْنِي قاتَلُوا، وأصْلُ المُجاهَدَةِ المُفاعَلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: جَهِدَ كَذا إذا أكَدَّهَ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِنِ اثْنَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُكابِدُ مِن صاحِبِهِ شِدَّةً ومَشَقَّةً قِيلَ: فُلانٌ يُجاهِدُ فُلانًا.

وَأمّا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَطَرِيقُ اللَّهِ، وطَرِيقُهُ: دِينُهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ ورَحْمَةُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحَقَّةٌ؟ فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا حالَهم في المُسْتَقْبَلِ جازَ أنْ يَرْجُوا الرَّحْمَةَ خَوْفًا أنْ يَحْدُثَ مِن مُسْتَقْبَلِ أُمُورِهِمْ ما لا يَسْتَوْجِبُونَها مَعَهُ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهم إنَّما رَجَوُا الرَّحْمَةَ لِأنَّهم لَمْ يَتَيَقَّنُوها بِتَأْدِيَةِ كُلِّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском