Al-MawardiAl‑Baqarah · 2:17–29

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:17–29

2:17–18Page 4

مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allāh took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ المَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ والتَّسْكِينِ، والمَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ، والمِثْلِ بِالتَّسْكِينِ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّيْءِ المُماثِلِ لِغَيْرِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: (p-٨٠)

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ كَمَثَلِ الَّذِي أوْقَدَ، فَدَخَلَتِ السِّينُ زائِدَةً في الكَلامِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ اسْتَوْقَدَ مِن غَيْرِهِ نارًا لِلضِّياءِ، والنّارُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النُّورِ.

﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ يُقالُ: ضاءَتْ في نَفْسِها، وأضاءَتْ ما حَوْلَها قالَ أبُو الطَّمَحانِ:

؎ أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَّمَ الجِزْعَ ثاقِبُهْ

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُورُ المُسْتَوْقِدِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: بِنُورِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ فِيهِمْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفي ذَهابِ نُورِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الأصَمِّ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ في الآخِرَةِ، حَتّى صارَ ذَلِكَ سِمَةً لَهم يُعْرَفُونَ بِها.

والثّانِي: أنَّهُ عَنى النُّورَ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَمْ يَأْتِهِمْ بِضِياءٍ يُبْصِرُونَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهم مِنهُ، كَما يُقالُ: تَرَكْتُهُ في الدّارِ، إذا لَمْ تُخْرِجْهُ مِنها، وكَأنَّ ما حَصَلُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ بَعْدَ الضِّياءِ أسْوَأُ حالًا، لِأنَّ مَن طُفِئَتْ عَنْهُ النّارُ حَتّى صارَ في ظُلْمَةٍ، فَهو أقَلُّ بَصَرًا مِمَّنْ لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ.

وَفِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّياءِ، وجُعِلُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ضِياءَهم دُخُولُهم في الإسْلامِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ، والظُّلْمَةَ خُرُوجُهم مِنهُ بِنِفاقِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ الضِّياءَ يَعُودُ لِلْمُنافِقِينَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ، والظُّلْمَةَ زَوالُهُ عَنْهم في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. (p-٨١)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ وهَذا جَمْعُ: أصَمَّ، وأبْكَمَ، وأعْمى، وأصْلُ الصَّمَمِ الِانْسِدادُ، يُقالُ: قَناةٌ صَمّاءُ، إذا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً، وصَمَّمْتَ القارُورَةَ، إذا سَدَدْتَها، فالأصَمُّ: مَنِ انْسَدَّتْ خُرُوقُ مَسامِعِهِ.

أمّا البَكَمُ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آفَةٌ في اللِّسانِ، لا يَتَمَكَّنُ مَعَها مِن أنْ يَعْتَمِدَ عَلى مَواضِعِ الحُرُوفِ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُولَدُ أخْرَسَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَسْلُوبُ الفُؤادِ، الَّذِي لا يَعِي شَيْئًا ولا يَفْهَمُهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الخَرَسِ وذَهابِ الفُؤادِ.

وَمَعْنى الكَلامِ، أنَّهم صُمٌّ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، بُكُمٌ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ، عُمْيٌ عَنِ الإبْصارِ لَهُ، رَوى ذَلِكَ قَتادَةُ، ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ يَعْنِي إلى الإسْلامِ.

2:19–20Page 4

أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allāh is encompassing1 of the disbelievers.

يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allāh had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allāh is over all things competent.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ في الصَّيِّبِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَطَرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّحابُ، قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ:

؎ كَأنَّهُمُ صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ ∗∗∗ فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وبَيْنَ مُغَمِّرٍ ∗∗∗ سُقِيَتِ غَوادِي المُزْنِ حِينَ تَصُوبُ

(p-٨٢)

وَفِي الرَّعْدِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَنْعِقُ بِالغَيْثِ، كَما يَنْعِقُ الرّاعِي بِغَنَمِهِ، فَسُمِّيَ الصَّوْتُ رَعْدًا باسْمِ ذَلِكَ المَلَكِ، وبِهِ قالَ الخَلِيلُ.

والثّانِي: أنَّهُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ تَحْتَ السَّحابِ فَتُصَوِّبُ ذَلِكَ الصَّوْتَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صَوْتُ اصْطِكاكِ الأجْرامِ.

وَفِي البَرْقِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ضَرْبُ المَلَكِ الَّذِي هو الرَّعْدُ لِلسَّحابِ بِمِخْراقٍ مِن حَدِيدٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّهُ ضَرْبُهُ بِسَوْطٍ مِن نُورٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَنْقَدِحُ مِنِ اصْطِكاكِ الأجْرامِ.

والصَّواعِقُ جَمْعُ صاعِقَةٍ، وهو الشَّدِيدُ مِن صَوْتِ الرَّعْدِ تَقَعُ مَعَهُ قِطْعَةُ نارٍ، تَحْرِقُ ما أتَتْ عَلَيْهِ.

وَفِي تَشْبِيهِ المَثَلِ في هَذِهِ الآيَةِ أقاوِيلُ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ، شَبَّهَ المَطَرَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ بِالقُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ الظُّلُماتِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الِابْتِلاءِ، وما فِيهِ مِنَ الرَّعْدِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الزَّجْرِ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِما في القُرْآنِ مِنَ البَيانِ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الوَعِيدِ الآجِلِ، والدُّعاءِ إلى الجِهادِ في العاجِلِ، وهَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَخافُونَهُ مِن وعِيدِ الآخِرَةِ لِشَكِّهِمْ في دِينِهِمْ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِما في إظْهارِ الإسْلامِ مِن حَقْنِ دِمائِهِمْ ومَناكِحِهِمْ ومَوارِيثِهِمْ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِما في الإسْلامِ مِنَ الزَّواجِرِ بِالعِقابِ في العاجِلِ والآجِلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ضَرَبَ الصَّيِّبَ مَثَلًا بِظاهِرِ إيمانِ المُنافِقِ، ومَثَّلَ ما فِيهِ مِنَ (p-٨٣)

الظُّلُماتِ بِصَلابَتِهِ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِنُورِ إيمانِهِ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِهَلاكِ نِفاقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَلِبُها بِسُرْعَةٍ.

﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: كُلَّما أضاءَ لَهُمُ الحَقُّ اتَّبَعُوهُ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ بِالهَوى تَرَكُوهُ.

والثّانِي مَعْناهُ: كُلَّما غَنِمُوا وأصابُوا مِنَ الإسْلامِ خَيْرًا، اتَّبَعُوا المُسْلِمِينَ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُصِيبُوا خَيْرًا، قَعَدُوا عَنِ الجِهادِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فالمُرادُ الجَمْعُ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الواحِدِ.

كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎ كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعِيشُوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصٌ

2:21–22Page 4

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأنْدادَ الأكْفاءُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: الأشْباهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الأضْدادُ، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ. (p-٨٤)

﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: مَعْناهُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ ولا ضِدَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ وأنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَعَبَّرَ عَنِ العَقْلِ بِالعِلْمِ.

2:23–24Page 4

وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣

And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is people and stones, prepared for the disbelievers.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ يَعْنِي في القُرْآنِ، عَلى عَبْدِنا: يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، والعَبْدُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعَبُّدِ، وهو التَّذَلُّلُ، وسُمِّيَ المَمْلُوكُ مِن جِنْسِ ما يَعْقِلُ عَبْدًا، لِتَذَلُّلِهِ لِمَوْلاهُ.

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مِثْلِهِ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ البَشَرِ، لِأنَّ مُحَمَّدًا بَشَرٌ مِثْلُهم.

﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أعْوانَكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: آلِهَتَكُمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّها تَشْهَدُ لَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّالِثُ: ناسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ الوَقُودُ بِالفَتْحِ الحَطَبُ، والوُقُودُ بِالضَّمِّ التَّوَقُّدُ، والحِجارَةُ مِن كِبْرِيتٍ أسْوَدَ، وفِيها قَوْلانِ: (p-٨٥)

أحَدُهُما: أنَّهم يُعَذَّبُونَ فِيها بِالحِجارَةِ مَعَ النّارِ، الَّتِي وقُودُها النّاسُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحِجارَةَ وقُودُ النّارِ مَعَ النّاسِ، ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنّارِ، كَأنَّها تَحْرِقُ الحِجارَةَ مَعَ إحْراقِها النّاسَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها وإنْ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، فَهي مُعَدَّةٌ لِغَيْرِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي العَذابِ مِن غَيْرِ الكافِرِينَ، وهي نارٌ واحِدَةٌ، وإنَّما يَتَفاوَتُ عِقابُهم فِيها.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ خاصَّةً، ولِغَيْرِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي العَذابِ نارٌ غَيْرُها.

2:25Page 5

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَشِّرْ مِنَ البِشارَةِ، أوْ خَبَرٌ يَرِدُ عَلَيْكَ بِما يَسُرُّ، وقِيلَ: بِما يُسِرُّ ويُغِمُّ، وإنَّما كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما يَسُرُّ، حَتّى عُدِلَ بِهِ عَمّا يُغِمُّ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ وهي ظاهِرُ الجِلْدِ لِتَغَيُّرِها بِأوَّلِ خَبَرٍ [يَرِدُ عَلَيْهِ] .

والجَنّاتُ جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي البُسْتانُ ذُو الشَّجَرِ، وسُمِّيَ جَنَّةً لِأنَّ ما فِيهِ مِنَ الشَّجَرِ يَسْتُرُهُ، وقالَ المُفَضَّلُ: الجَنَّةُ كُلُّ بُسْتانٍ فِيهِ نَخْلٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ غَيْرُهُ، فَإنْ كانَ فِيهِ كَرْمٌ فَهو فِرْدَوْسٌ، كانَ فِيهِ شَجَرٌ غَيْرُ الكَرْمِ أوْ لَمْ يَكُنْ. (p-٨٦)

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يَعْنِي مِن تَحْتِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: إنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي مِن غَيْرِ أُخْدُودٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ أيْ مِن ثِمارِ شَجَرِها.

﴿قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: أنَّ هَذا الَّذِي رُزِقْناهُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن ثِمارِ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ ثِمارَ الجَنَّةِ إذا جَنَيْتَ مِن أشْجارِها، اسْتَخْلَفَ مَكانَها مِثْلُها، فَإذا رَأوْا ما اسْتَخْلَفَ بَعْدَ الَّذِي جُنِيَ، اشْتُبِهَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدٍ ويَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى التَّشابُهِ أنَّ كُلَّهُ خِيارٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولَيْسَ كَثِمارِ الدُّنْيا، الَّتِي لا تَتَشابَهُ لِأنَّ فِيها خِيارًا وغَيْرَ خِيارٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّ التَّشابُهَ في اللَّوْنِ دُونَ الطَّعْمِ فَكَأنَّ ثِمارَ الجَنَّةِ في ألْوانِ ثِمارِ الدُّنْيا، وإنْ خالَفَتْها في الطَّعْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّشابُهَ في الأسْماءِ دُونَ الألْوانِ والطُّعُومِ، فَلا تُشْبِهُ ثِمارَ الجَنَّةِ شَيْئًا مِن ثِمارِ الدُّنْيا في لَوْنٍ ولا طَعْمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ الأشْجَعِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. (p-٨٧)

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ في الأبْدانِ، والأخْلاقِ، والأفْعالِ، فَلا يَحِضْنَ، ولا يَلِدْنَ، ولا يَذْهَبْنَ إلى غائِطٍ ولا بَوْلٍ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ التَّفْسِيرِ.

2:26–27Page 5

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧

Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا يَتْرُكُ.

والثّانِي: [يُرِيدُ] لا يَخْشى.

والثّالِثُ: لا يَمْتَنِعُ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

وَأصْلُ الِاسْتِحْياءِ الِانْقِباضُ عَنِ الشَّيْءِ والِامْتِناعُ مِنهُ خَوْفًا مِن مُواقَعَةِ القُبْحِ.

والبَعُوضَةُ: مِن صِغارِ البَقِّ سُمِّيَتْ بَعُوضَةً، لِأنَّها كَبَعْضِ البَقَّةِ لِصِغَرِها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ما بَعُوضَةً﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: (p-٨٨)

أحَدُها: أنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي هو بَعُوضَةٌ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ إلى ما فَوْقَها.

والثّالِثُ: أنَّ (ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ، كَما قالَ النّابِغَةُ:

؎ قالَتْ ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا إلى حَمامَتِنا ونِصْفُهُ فَقَدِ

﴿فَما فَوْقَها﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَما فَوْقَها في الكِبَرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: فَما فَوْقَها في الصِّغَرِ، لِأنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ هو الصِّغَرُ.

وَفِي المَثَلِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وارِدٌ في المُنافِقِينَ، حَيْثُ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ أعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الأمْثالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ هَذا مَثَلٌ مُبْتَدَأٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِلدُّنْيا وأهْلِها، وهو أنَّ البَعُوضَةَ تَحْيا ما جاعَتْ، وإذا شَبِعَتْ ماتَتْ، كَذَلِكَ مَثَلُ أهْلِ الدُّنْيا، إذا امْتَلَأُوا مِنَ الدُّنْيا، أخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حِينَ ذَكَرَ في كِتابِهِ العَنْكَبُوتَ والذُّبابَ وضَرَبَهُما مَثَلًا، قالَ أهْلُ الضَّلالَةِ: ما بالُ العَنْكَبُوتِ والذُّبابِ يُذْكَرانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وتَأْوِيلُ الرَّبِيعِ أحْسَنُ، والأوَّلُ أشْبَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بِالتَّكْذِيبِ بِأمْثالِهِ، الَّتِي ضَرَبَها لَهم كَثِيرًا، ويَهْدِي بِالتَّصْدِيقِ بِها كَثِيرًا.

والثّانِي: أنَّهُ امْتَحَنَهم بِأمْثالِهِ، فَضَلَّ قَوْمٌ فَجَعَلَ ذَلِكَ إضْلالًا لَهُمْ، واهْتَدى قَوْمٌ فَجَعَلَهُ هِدايَةً لَهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ إخْبارٌ عَمَّنْ ضَلَّ ومَنِ اهْتَدى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ (p-٨٩)

أمّا النَّقْضُ، فَهو ضِدُّ الإبْرامِ، وفي العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الوَصِيَّةُ.

والثّانِي: المَوْثِقُ.

والمِيثاقُ ما وقَعَ التَّوَثُّقُ بِهِ.

وَفِيما تَضَمَّنَهُ عَهْدُهُ ومِيثاقُهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَهْدَ وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وأمْرُهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن طاعَةٍ، ونَهْيُهُ إيّاهم عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِن مَعْصِيَةٍ في كُتُبِهِ، وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ، ونَقْضُهم ذَلِكَ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ عَهْدَهُ ما خَلَقَهُ في عُقُولِهِمْ مِنَ الحُجَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ بِالمُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّ عَهْدَهُ ما أنْزَلَهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ [مَن]، عَلى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، والوَصِيَّةُ المُؤَكَّدَةُ بِاتِّباعِهِ، فَذَلِكَ العَهْدُ الَّذِي نَقَضُوهُ بِجُحُودِهِمْ لَهُ بَعْدَ إعْطائِهِمُ اللَّهَ تَعالى المِيثاقَ مِن أنْفُسِهِمْ، لِيُبَيِّنَهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ، أنَّهم نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

والرّابِعُ: أنَّ العَهْدَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، الَّذِي وصَفَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعْرافِ: ١٧٢] . وفي هَذِهِ الكِتابَةِ الَّتِي في مِيثاقِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ مِيثاقِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّها كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى العَهْدِ وتَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ مِيثاقِ العَهْدِ.

وَفِيمَن عَناهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنافِقُونَ.

والثّانِي: أهْلُ الكِتابِ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٩٠)

أحَدُها: أنَّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أنْ يُوصَلَ هو رَسُولُهُ، فَقَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّحِمُ والقَرابَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أنْ يُوصَلَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ وفي إفْسادِهِمْ في الأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو اسْتِدْعاؤُهم إلى الكُفْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ إخافَتُهُمُ السُّبُلَ وقَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخُسْرانَ هو النُّقْصانُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎ إنَّ سَلِيطًا في الخَسارِ إنَّهْ ∗∗∗ أوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أقِنَّهْ

يَعْنِي بِالخَسارِ، ما يَنْقُصُ حُظُوظَهم وشَرَفَهم.

والثّانِي: أنَّ الخُسْرانَ هَهُنا الهَلاكُ، ومَعْناهُ: أُولَئِكَ هُمُ الهالِكُونَ.

وَمِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما نَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُسْرانِ إلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ فَإنَّما يَعْنِي الكُفْرَ، وما نَسَبَهُ إلى المُسْلِمِينَ، فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الذَّنْبَ.

2:28Page 5

كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨

How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجِ التَّوْبِيخِ.

والثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجِ التَّعَجُّبِ، وتَقْدِيرُهُ: اعْجَبُوا لَهُمْ، كَيْفَ يَكْفُرُونَ! (p-٩١)

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ أيْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، ﴿فَأحْياكُمْ﴾ أيْ خَلْقَكُمْ، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكُمْ، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ يَعْنِي في القُبُورِ ﴿فَأحْياكُمْ﴾ لِلْمُساءَلَةِ، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في قُبُورِكم بَعْدَ مُساءَلَتِكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكم عِنْدَ نَفْخِ الصُّورِ لِلنُّشُورِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ المَوْتِ ما كانَ عَنْ حَياةٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ يَعْنِي في أصْلابِ آبائِكُمْ، ﴿فَأحْياكُمْ﴾ أيْ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ المَوْتَةَ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ، أحْياهم في صُلْبِهِ وأكْسَبَهُمُ العَقْلَ وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أحْياهم وأخْرَجَهم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦] فَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ يَعْنِي بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ، ﴿فَأحْياكُمْ﴾ بِأنْ خَلَقَكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم ثُمَّ أخْرَجَكم أحْياءً، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ تَنْقَضِيَ آجالُكم في الدُّنْيا، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بِالنُّشُورِ لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، [وَهَذا] قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المَوْتَةَ الأُولى مُفارَقَةُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ جَسَدَهُ إلى رَحِمِ المَرْأةِ، فَهي مَيِّتَةٌ مِن حِينِ فِراقِها مِن جَسَدِهِ إلى أنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِيها، ثُمَّ يُحْيِيها بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيها، فَيَجْعَلُها بَشَرًا سَوِيًّا، ثُمَّ يُمِيتُهُ المَوْتَةَ الثّانِيَةَ بِقَبْضِ الرُّوحِ مِنهُ، فَهو مَيِّتٌ إلى يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيَرُدُّ في جَسَدِهِ رُوحَهُ، فَيَعُودُ حَيًّا لِبَعْثِ القِيامَةِ، فَذَلِكَ مَوْتَتانِ وحَياتانِ.

والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ خامِلِي الذِّكْرِ دارِسِي الأثَرِ، ﴿فَأحْياكُمْ﴾ بِالظُّهُورِ والذِّكْرِ، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكُمْ، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لِلْبَعْثِ، واسْتَشْهَدَ مَن قالَ هَذا التَّأْوِيلَ بِقَوْلِ أبِي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ: (p-٩٢)

؎ وأحْيَيْتَ مِن ذِكْرِي وما كانَ خامِلًا ولَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ مِن بَعْضِ

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَلّى اللَّهُ الحُكْمَ بَيْنَكم.

والثّانِي: إلى المُجازاةِ عَلى الأعْمالِ.

2:29Page 5

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْها، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: مَعْناهُ: عَمَدَ إلَيْها، وقَصَدَ إلى خَلْقِها.

والثّالِثُ: أنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَحَوَّلَ إلى السَّماءِ، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ: ثُمَّ اسْتَوى أمْرُهُ وصُنْعُهُ الَّذِي صَنَعَ بِهِ الأشْياءَ إلى السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والخامِسُ: مَعْناهُ ثُمَّ اسْتَوَتْ بِهِ السَّماءُ.

السّادِسُ: أنَّ الِاسْتِواءَ والِارْتِفاعَ والعُلُوَّ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا التَّأْوِيلِ في الَّذِي اسْتَوى إلى السَّماءِ فِعْلًا عَلَيْها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خالِقُها ومُنْشِئُها.

والثّانِي: أنَّهُ الدُّخانُ، الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْأرْضِ سَماءً.(p-٩٣)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском