Al-MawardiAl‑Baqarah · 2:30–39

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:30–39

2:30Page 6

وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠

And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، في قَوْلِهِ: ( وإذْ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:

؎ فَإذا وذَلِكَ لا مَهاةَ لِذِكْرِهِ والدَّهْرُ يَعْقُبُ صالِحًا بِفَسادِ

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ (إذْ) كَلِمَةٌ مَقْصُورَةٌ، ولَيْسَتْ بِصِلَةٍ زائِدَةٍ، وفِيها لِأهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَّرَ خَلْقَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِما خَلَقَهُ لَهم في الأرْضِ، ذَكَّرَهم نِعَمَهُ عَلى أبِيهِمْ آدَمَ ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ابْتِداءَ الخَلْقِ فَكَأنَّهُ قالَ: وابْتَدَأ خَلْقَكم ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذا مِنَ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَما قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:

؎ فَإنَّ المَنِيَّةَ مَن يَخْشَها ∗∗∗ فَسَوْفَ تُصادِفُهُ أيْنَما

يُرِيدُ: أيْنَما ذَهَبَ.

فَأمّا المَلائِكَةُ فَجَمْعُ مَلَكٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّسالَةِ، يُقالُ: ألِكْنِي إلَيْها أيْ أرْسِلْنِي إلَيْها، قالَ الهُذَلِيُّ:

؎ ألِكْنِي وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرْ

(p-٩٤)

والألُوكُ الرِّسالَةُ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:

؎ وغُلامٍ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ∗∗∗ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألْ

وَإنَّما سُمِّيَتِ الرِّسالَةُ ألُوكًا لِأنَّها تُؤْلَكُ في الفَمِ، والفَرَسُ يَأْلُكُ اللِّجامَ ويَعْلُكُهُ، بِمَعْنى يَمْضُغُ الحَدِيدَ بِفَمِهِ.

والمَلائِكَةُ أفْضَلُ الحَيَوانِ وأعْقَلُ الخَلْقِ، إلّا أنَّهم لا يَأْكُلُونَ، ولا يَشْرَبُونَ، ولا يَنْكِحُونَ، ولا يَتَناسَلُونَ، وهم رُسُلُ اللَّهِ، لا يَعْصُونَهُ في صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ، ولَهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لا يُرَوْنَ إلّا إذا قَوّى اللَّهُ أبْصارَنا عَلى رُؤْيَتِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ اخْتُلِفَ في مَعْنى ( جاعِلٌ ) عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى خالِقٍ.

والثّانِي: بِمَعْنى جاعِلٍ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الجَعْلِ فِعْلُ الشَّيْءِ عَلى صِفَةٍ، وحَقِيقَةَ الإحْداثِ إيجادُ الشَّيْءِ بَعْدَ العَدَمِ.

والأرْضُ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، ورَوى ابْنُ سابِطٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ» ولِذَلِكَ) سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، قالَ: وقَبْرُ نُوحٍ، وهُودٍ، (p-٩٥)

وَصالِحٍ، وشُعَيْبِ بَيْنَ زَمْزَمَ، والرُّكْنُ، والمَقامُ.

وَأمّا (الخَلِيفَةُ) فَهو القائِمُ مَقامَ غَيْرِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: خَلَفَ فُلانٌ فُلانًا، والخَلَفُ بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِنَ الصّالِحِينَ، والخَلْفُ بِتَسْكِينِها مِنَ الطّالِحِينَ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩]، وفي الحَدِيثِ: « (يَنْقُلُ هَذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ)» . وفي خِلافَةِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ الجِنُّ، فَأفْسَدُوا فِيها، سَفَكُوا الدِّماءَ، فَأُهْلِكُوا، فَجُعِلَ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ بَدَلَهُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن ولَدِ آدَمَ، الَّذِينَ يَخْلُفُونَ أباهم آدَمَ في إقامَةِ الحَقِّ وعِمارَةِ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ: جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً يَخْلُفُنِي في الحُكْمِ بَيْنَ خَلْقِي، وهو آدَمُ، ومَن قامَ مَقامَهُ مِن ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾، وهَذا جَوابٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ أخْبَرَهُمْ، أنَّهُ جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، واخْتَلَفُوا في (p-٩٦)

جَوابِهِمْ هَذا، هَلْ هو عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ أوْ عَلى طَرِيقِ الإيجابِ؟ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ اسْتِفْهَمًا واسْتِخْبارًا حِينَ قالَ لَهُمْ: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، فَقالُوا: يا رَبَّنا أعْلِمْنا، أجاعِلٌ أنْتَ في الأرْضِ مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ؟ فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، ولَمْ يُخْبِرْهم.

والثّانِي: أنَّهُ إيجابٌ، وإنْ خَرَجَتِ الألِفُ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ، كَما قالَ جَرِيرٌ:

؎ ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ

وَعَلى هَذا الوَجْهِ في جَوابِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ ظَنًّا وتَوَهُّمًا، لِأنَّهم رَأوُا الجِنَّ مِن قَبْلِهِمْ، قَدْ أفْسَدُوا في الأرْضِ، وسَفَكُوا الدِّماءَ، فَتَصَوَّرُوا أنَّهُ إنِ اسْتَخْلَفَ اسْتَخْلَفَ في الأرْضِ مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ.

وَفي جَوابِهِمْ بِهَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ اسْتِعْظامًا لِفِعْلِهِمْ، أيْ كَيْفَ يُفْسِدُونَ فِيها، ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ، وقَدْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ واسْتَخْلَفْتَهم فِيها فَقالَ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ تَعَجُّبًا مِنِ اسْتِخْلافِهِ لَهم أيْ كَيْفَ تَسْتَخْلِفُهم في الأرْضِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهم يُفْسِدُونَ فِيها ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ فَقالَ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ السَّفْكُ صَبُّ الدَّمِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الماءِ والمائِعِ، والسَّفْحُ مِثْلُهُ، إلّا أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّ مائِعٍ عَلى وجْهِ التَّضْيِيعِ، ولِذَلِكَ قالُوا في الزِّنى: إنَّهُ سِفاحٌ لِتَضْيِيعِ مائِهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ والتَّسْبِيحُ في كَلامِهِمُ التَّنْزِيهُ مِنَ السُّوءِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: (p-٩٧)

؎ أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ

أيْ بَراءَةً مِن عَلْقَمَةَ.

وَلا يَجُوزُ أنْ يُسَبَّحَ غَيْرُ اللَّهِ، وإنْ كانَ مُنَزَّهًا، لِأنَّهُ صارَ عَلَمًا في الدِّينِ عَلى أعْلى مَراتِبِ التَّعْظِيمِ الَّتِي لا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ تَعالى.

وَفي المُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ نُصَلِّي لَكَ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٣]، أيْ مِنَ المُصَلِّينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ نُعَظِّمُكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ جَرِيرٍ:

؎ قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا إهْلالا

وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فَأصْلُ التَّقْدِيسِ التَّطْهِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أيِ المُطَهَّرَةَ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ فَأدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسّاقِ والنَّسا ∗∗∗ كَما شَبْرَقَ الوِلْدانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِ

أيِ المُطَهَّرِ.

وَفي المُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ.

والثّانِي: تَطْهِيرُهُ مِنَ الأدْناسِ.

والثّالِثُ: التَّقْدِيسُ المَعْرُوفُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرادَ ما أضْمَرَهُ إبْلِيسُ مِنَ الِاسْتِكْبارِ والمَعْصِيَةِ فِيما أُمِرُوا بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

(p-٩٨)والثّانِي: مَن في ذُرِّيَّةِ آدَمَ في الأنْبِياءِ والرُّسُلِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ في الأرْضِ ولا يُفْسِدُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: ما اخْتَصَّ بِعِلْمِهِ مِن تَدْبِيرِ المَصالِحِ.

2:31–33Page 6

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ في تَسْمِيَتِهِ بِآدَمَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ آدَمَ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، وأدِيمُها هو وجْهُها الظّاهِرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ، قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ، جاءَ مِنهُمُ الأحْمَرُ، والأسْوَدُ، والأبْيَضُ، والسَّهْلُ، والخَبِيثُ، والطَّيِّبُ» . (p-٩٩)

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ.

وَفي الأسْماءِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ تَعالى آدَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أسْماءُ المَلائِكَةِ.

والثّانِي: أسْماءُ ذُرِّيَّتِهِ.

والثّالِثُ: أسْماءُ جَمِيعِ الأشْياءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّعْلِيمَ إنَّما كانَ مَقْصُورًا عَلى الِاسْمِ دُونَ المَعْنى.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ الأسْماءَ ومَعانِيَها، إذْ لا فائِدَةَ في عِلْمِ الأسْماءِ بِلا مَعانِيَ، فَتَكُونُ المَعانِي هي المَقْصُودَةُ، والأسْماءُ دَلائِلُ عَلَيْها.

وَإذا قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، أنَّ التَّعْلِيمَ إنَّما كانَ مَقْصُورًا عَلى ألْفاظِ الأسْماءِ دُونَ مَعانِيها، فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَّمَهُ إيّاها بِاللُّغَةِ الَّتِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِها.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ بِجَمِيعِ اللُّغاتِ، وعَلَّمَها آدَمُ ولَدَهُ، فَلَمّا تَفَرَّقُوا تَكَلَّمَ كُلُّ قَوْمٍ مِنهم بِلِسانٍ اسْتَسْهَلُوهُ مِنها وألِفُوهُ، ثُمَّ نَسُوا غَيْرَهُ فَتَطاوَلَ الزَّمَنُ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهم أصْبَحُوا وكُلٌّ مِنهم يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ قَدْ نَسُوا غَيْرَها في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، ومِثْلُ هَذا في العُرْفِ مُمْتَنِعٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ وفِيما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الأسْماءَ دُونَ المُسَمَّياتِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ المُسَمَّيْنَ بِها.

وَفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( وعَرَضَهُنَّ ) وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: ( وعَرَضَها ) فَكانَ الأصَحُّ تَوَجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْنَ. (p-١٠٠)

ثُمَّ في زَمانِ عَرْضِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَهم بَعْدَ أنْ خَلَقَهم.

والثّانِي: أنَّهُ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ عَرَضَهم قَبْلَ خَلْقِهِمْ.

﴿فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ومَعْنى أنْبِئُونِي خَبِّرُونِي مَأْخُوذٌ مِنَ الإنْباءِ، وفي الإنْباءِ قَوْلانِ: أظْهَرُهُما: أنَّهُ الإخْبارُ، والنَّبَأُ الخَبَرُ، والنَّبِيءُ بِالهَمْزِ مُشْتَقٌّ مِن هَذا.

والثّانِي: أنَّ الإنْباءَ الإعْلامُ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الإخْبارِ مَجازًا.

وَقَوْلُهُ: ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي الأسْماءَ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أعْلَمَ مِنهُ; لِأنَّهُ هَجَسَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم أعْلَمُ مِن غَيْرِهِمْ.

والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما زَعَمْتُمْ أنَّ خُلَفائِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ.

والثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم فِيها سَبَّحْتُمُونِي وقَدَّسْتُمُونِي، فَإنِ اسْتَخْلَفْتُ غَيْرَكم فِيها عَصانِي.

والرّابِعُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما وقَعَ في نُفُوسِكُمْ، أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أفْضَلَ مِنهُ.

والخامِسُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ عالِمِينَ.

والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ العَلِيمُ: هو العالِمُ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وفي (الحَكِيمِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُحْكِمُ لِأفْعالِهِ. (p-١٠١)

والثّانِي: أنَّهُ المانِعُ مِنَ الفَسادِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ حَكَمَةُ اللِّجامِ، لِأنَّها تَمْنَعُ الفَرَسَ مِنَ الجَرْيِ الشَّدِيدِ، وقالَ جَرِيرٌ:

؎ أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبا

أيِ امْنَعُوهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُصِيبُ لِلْحَقِّ، ومِنهُ سُمِّيَ القاضِي حاكِمًا، لِأنَّهُ يُصِيبُ الحَقَّ في قَضائِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: ما تُبْدُونَ هو قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾، وفي ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبْرِ والعِصْيانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي كَتَمُوهُ: ما أضْمَرُوهُ في أنْفُسِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ خَلْقًا إلّا كانُوا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

2:34Page 6

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في أمْرِهِ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ تَكْرِمَةً وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. (p-١٠٢)

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ قِبْلَةً لَهُمْ، فَأمَرَهم بِالسُّجُودِ إلى قِبْلَتِهِمْ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْظِيمِ.

وَأصْلُ السُّجُودِ الخُضُوعُ والتَّطامُنُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ بِجَمْعٍ تَضِلُّ البَلْقُ في حُجُراتِهِ تَرى الأكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ

وَسَمّى سُجُودَ الصَّلاةِ سُجُودًا، لِما فِيهِ مِنَ الخُضُوعِ والتَّطامُنِ، فَسَجَدَ المَلائِكَةُ لِآدَمَ طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَسْجُدَ لَهُ حَسَدًا واسْتِكْبارًا.

واخْتَلَفُوا في إبْلِيسَ، هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنهُمْ، فَدَلَّ عَلى دُخُولِهِ مِنهم.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما هو أبُو الجِنِّ، كَما أنَّ آدَمَ أبُو الإنْسِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ولا يَمْتَنِعُ جَوازُ الِاسْتِثْناءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النِّساءِ: ١٥٧] وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

واخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِ بِإبْلِيسَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ ولَيْسَ بِمُشْتَقٍّ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ اشْتِقاقٍ، اشْتُقَّ مِنَ الإبْلاسِ وهو اليَأْسُ مِنَ الخَيْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنْعامِ: ٤٤] أيْ آيِسُونَ مِنَ الخَيْرِ، وقالَ العَجّاجُ:

؎ يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسًا ∗∗∗ قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ، وأبْلَسا

فَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فاخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٠٣)

﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [٥٠ الكَهْفِ] لِمَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ يُسَمَّوْنَ جِنًّا كانُوا مِن أشَدِّ المَلائِكَةِ اجْتِهادًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ جُعِلَ مِنَ الجِنِّ، لِأنَّهُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، فاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ جُنَّ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الجِنَّ لِكُلِّ ما اجْتَنَّ فَلَمْ يَظْهَرْ، حَتّى إنَّهم سَمَّوُا المَلائِكَةَ جِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ، وأنْشَدَ قَوْلَ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ:

؎ لَوْ كانَ حَيٌّ خالِدًا أوْ مُعَمَّرًا ∗∗∗ لَكانَ سُلَيْمانُ البَرِيَّ مِنَ الدَّهْرِ ∗∗∗ بَراهُ إلَهِي واصْطَفاهُ عِبادَهُ ∗∗∗ ومَلَّكَهُ ما بَيْنَ نُوبا إلى مِصْرِ ∗∗∗ وسَخَّرَ مِن جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً ∗∗∗ قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ

فَسَمّى المَلائِكَةَ جِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ كانَ قَبْلَهُ قَوْمٌ كُفّارٌ، كانَ إبْلِيسُ مِنهم.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وصارَ مِنَ الكافِرِينَ.

والثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ: أنَّهُ كانَ مِنَ الكافِرِينَ، ولَيْسَ قَبْلَهُ كافِرًا، كَما كانَ مِنَ الجِنِّ، ولَيْسَ قَبْلَهُ جِنٌّ، وكَما تَقُولُ: كانَ آدَمُ مِنَ الإنْسِ، ولَيْسَ قَبْلَهُ إنْسِيٌّ.

2:35–36Page 6

وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلَعِ آدَمَ الأيْسَرِ بَعْدَ أنْ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأةِ: ضِلَعٌ أعْوَجُ.

وَسُمِّيَتِ امْرَأةً لِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ المَرْءِ، فَأمّا تَسْمِيَتُها حَوّاءَ، فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها خُلِقَتْ مِن حَيٍّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها أُمُّ كُلِّ حَيٍّ.

واخْتُلِفَ في الوَقْتِ الَّذِي خُلِقَتْ فِيهِ حَوّاءُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ أُدْخِلَ الجَنَّةَ وحْدَهُ، فَلَمّا اسْتَوْحَشَ خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلَعِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في الجَنَّةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها خُلِقَتْ مِن ضِلَعِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، ثُمَّ أُدْخِلا مَعًا إلى الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ.

واخْتُلِفَ في الجَنَّةِ الَّتِي أُسْكِناها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها جَنَّةُ الخُلْدِ.

والثّانِي: أنَّها جَنَّةٌ أعَدَّها اللَّهُ لَهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ في الرَّغَدِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-١٠٥)

أحَدُها: أنَّهُ العَيْشُ الهَنِيُّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ بَيْنَما المَرْءُ تَراهُ ناعِمًا يَأْمَنُ الأحْداثَ في عَيْشٍ رَغَدْ

والثّانِي: أنَّهُ العَيْشُ الواسِعُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ الحَلالَ الَّذِي لا حِسابَ فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيا عَنْها، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها البُرُّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الكَرْمُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها التِّينُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، ويَحْكِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ.

والرّابِعُ: أنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ الَّتِي تَأْكُلُ مِنها المَلائِكَةُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المُعْتَدِينَ في أكْلِ ما لَمْ يُبَحْ لَكُما.

والثّانِي: مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِكُما في أكْلِكُما.

واخْتَلَفُوا في مَعْصِيَةِ آدَم َ بِأكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ، عَلى أيِّ وجْهٍ وقَعَتْ مِنهُ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أكَلَ مِنها وهو ناسٍ لِلنَّهْيِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وزَعَمَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ، أنَّ الأنْبِياءَ يَلْزَمُهُمُ التَّحَفُّظُ والتَّيَقُّظُ لِكَثْرَةِ مَعارِفِهِمْ وعُلُوِّ مَنازِلِهِمْ ما لا يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ، فَيَكُونُ تَشاغُلُهُ عَنْ تَذَكُّرِ النَّهْيِ تَضْيِيعًا صارَ بِهِ عاصِيًا. (p-١٠٦)

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أكَلَ مِنها وهو سَكْرانُ فَصارَ مُؤاخَذًا بِما فَعَلَهُ في السُّكْرِ، وإنْ كانَ غَيْرَ قاصِدٍ لَهُ، كَما يُؤاخَذُ بِهِ لَوْ كانَ صاحِيًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ أكَلَ مِنها عامِدًا عالِمًا بِالنَّهْيِ، وتَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أيْ فَزَلَّ، لِيَكُونَ العَمْدُ في مَعْصِيَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الذَّمَّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أكَلَ مِنها عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ، فَصارَ عاصِيًا بِإغْفالِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ مِنهُمُ الكَبائِرُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى في إبْلِيسَ: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعْرافِ: ٢٢] وهو ما صَرَفَهُما إلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في تَأْوِيلِهِ الَّذِي اسْتَجازَ بِهِ الأكْلَ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْوِيلٌ عَلى جِهَةِ التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَأْوِيلُ النَّهْيِ عَنْ عَيْنِ الشَّجَرَةِ دُونَ جِنْسِها، وأنَّهُ إذا أكَلَ مِن غَيْرِها مِنَ الجِنْسِ لَمْ يَعْصِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّأْوِيلَ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ( فَأزالَهُما ) بِمَعْنى نَحّاهُما مِن قَوْلِكَ: زُلْتَ عَنِ المَكانِ، إذا تَنَحَّيْتَ عَنْهُ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿فَأزَلَّهُما﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى اسْتَزَلَّهُما مِنَ الزَّلَلِ، وهو الخَطَأُ، سُمِّيَ زَلَلًا لِأنَّهُ زَوالٌ عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ الزَّلَّةُ زَوالٌ عَنِ الحَقِّ، وأصْلُهُ الزَّوالُ. (p-١٠٧)

والشَّيْطانُ الَّذِي أزَلَّهُما هو إبْلِيسُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ خَلُصَ إلَيْه ِما حَتّى باشَرَهُما بِالكَلامِ وشافَهَهُما بِالخِطابِ أمْ لا؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ خَلُصَ إلَيْهِما، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢١] وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: لَمْ يَخْلُصْ إلَيْهِما، وإنَّما أوْقَعَ الشَّهْوَةَ في أنْفُسِهِما، ووَسْوَسَ لَهُما مِن غَيْرِ مُشاهَدَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠]، والأوَّلُ أظْهَرُ وأشْهَرُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ يَعْنِي: إبْلِيسُ سَبَبُ خُرُوجِهِما، لِأنَّهُ دَعاهُما إلى ما أوْجَبَ خُرُوجَهُما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الهُبُوطُ بِضَمِّ الهاءِ النُّزُولُ، وبِفَتْحِها مَوْضِعُ النُّزُولِ، وقالَ المُفَضَّلُ: الهُبُوطُ الخُرُوجُ مِنَ البَلْدَةِ، وهو أيْضًا دُخُولُها، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وإذا كانَ الهُبُوطُ في الأصْلِ هو النُّزُولُ، كانَ الدُّخُولُ إلى البَلْدَةِ لِسُكْناها نُزُولًا بِها، فَصارَ هُبُوطًا.

واخْتَلَفُوا في المَأْمُورِ بِالهُبُوطِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، والحَيَّةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ آدَمُ، وحَوّاءُ، والمُوَسْوِسُ.

والعَدُوُّ اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ، (p-١٠٨)

والمُؤَنَّثِ، والعَداوَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ المُجاوَزَةِ مِن قَوْلِكَ: لا يَعْدُوَنَّكَ هَذا الأمْرُ، أيْ لا يُجاوِزَنَّكَ، وعَداهُ كَذا، أيْ جاوَزَهُ، فَسُمِّيَ عَدُوًّا لِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في مَكْرُوهِ صاحِبِهِ، ومِنهُ العَدْوُ بِالقَدَمِ لِمُجاوَزَةِ المَشْيِ، وهَذا إخْبارٌ لَهم بِالعَداوَةِ وتَحْذِيرٌ لَهُمْ، ولَيْسَ بِأمْرٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالعَداوَةِ.

واخْتُلِفَ في الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمُ اهْبِطُوا، عَلى ما ذَكَرْنا مِنِ اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهم بَنُو آدَمَ، وبَنُو إبْلِيسَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَقَرَّ مِنَ الأرْضِ مَوْضِعُ مُقامِهِمْ عَلَيْها، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافِرٍ: ٦٤]، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَوْضِعُ قُبُورِهِمْ مِنها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَتاعٌ إلى حِينٍ﴾: والمَتاعُ كُلُّ ما اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ مُتْعَةُ النِّكاحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٤٩]، أيِ ادْفَعُوا إلَيْهِنَّ ما يَنْتَفِعْنَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ وكُلُّ غَضارَةٍ لَكَ مِن حَبِيبٍ ∗∗∗ لَها بِكَ، أوْ لَهَوْتَ بِهِ، مَتاعُ

والحِينُ: الوَقْتُ البَعِيدُ، فَـ(حِينَئِذٍ) تَبْعِيدُ قَوْلِكَ: (الآنَ)، وفي المُرادِ بِالحِينِ في هَذا المَوْضِعِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلى المَوْتِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: إلى قِيامِ السّاعَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: إلى أجَلٍ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

2:37–39Page 6

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾: أمّا (الكَلامُ) فَمَأْخُوذٌ مِنَ التَّأْثِيرِ، لِأنَّ لَهُ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي; ولِذَلِكَ سُمِّيَ الجُرْحُ كَلْمًا لِتَأْثِيرِهِ في البَدَنِ، واللَّفْظُ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِكَ: لَفَظْتُ الشَّيْءَ، إذا أخْرَجْتَهُ مِن قَلْبِكَ.

واخْتُلِفَ في الكَلِماتِ الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ مِن رَبِّهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: قَوْلُ آدَمَ: اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي، إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ، اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ آدَمَ قالَ لِرَبِّهِ إذْ عَصاهُ: رَبِّ أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟ فَقالَ رَبُّهُ: إنِّي راجِعُكَ إلى الجَنَّةِ، وكانَتْ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّاها مِن رَبِّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾، أيْ قَبِلَ تَوْبَتَهُ، والتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ، فَهي مِنَ العَبْدِ رُجُوعُهُ عَنِ الذَّنْبِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ، والإقْلاعِ عَنْهُ، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، رُجُوعٌ لَهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ. (p-١١٠)

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾، ولَمْ يَقُلْ: فَتابَ عَلَيْهِما، والتَّوْبَةُ قَدْ تَوَجَّهَتْ إلَيْهِما؟ قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: لَمّا ذَكَرَ آدَمَ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾، ذَكَرَ بَعْدَهُ قَبُولَ تَوْبَتِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ تَوْبَةَ حَوّاءَ وإنْ كانَتْ مَقْبُولَةَ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها.

والثّانِي: أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا كانَ مَعْنى فِعْلِهِما واحِدًا، جازَ أنْ يُذْكَرَ أحَدُهُما، ويَكُونَ المَعْنى لَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجُمُعَةِ: ١١] وكَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٢] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾، أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ، وعَقَّبَهُ بِالرَّحْمَةِ، لِئَلّا يُخَلِّيَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ مِن نِعَمِهِ.

وَقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى آدَمَ إلّا لِلْأرْضِ، فَلَوْ لَمْ يَعْصِ لَخَرَجَ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ، وقالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ لِلْأرْضِ إنْ عَصى، ولِغَيْرِها إنْ لَمْ يَعْصِ.

وَلَمْ يُخْرِجِ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ويُهْبِطُهُ عَلى الأرْضِ عُقُوبَةً، لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ صَغِيرًا.

والثّانِي: أنَّهُ أُهْبِطَ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ.

وَإنَّما أُهْبِطَ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا تَأْدِيبًا، وإمّا تَغْلِيظًا لِلْمِحْنَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском