Al-MawardiAl‑Baqarah · 2:58–71

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:58–71

2:58–59Page 9

وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾: اخْتَلَفُوا فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّانِي: أنَّها قَرْيَةٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها (أرِيحا) قُرْبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ اخْتَلَفُوا في البابِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بابُ حِطَّةٍ وهو البابُ الثّامِنُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ بابُ القَرْيَةِ، الَّتِي أُمِرُوا بِدُخُولِها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: رُكَّعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ: خاضِعِينَ مُتَواضِعِينَ.

وَأصْلُ السُّجُودِ الِانْحِناءُ تَعْظِيمًا لِمَن يُسْجَدُ لَهُ، وخُضُوعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-١٢٦)

؎ بَجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ

وَقالَ أعْشى قَيْسٍ:

؎ يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ كِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا حِوارا

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: أنَّ (حِطَّةً) المَغْفِرَةُ، فَكَأنَّهُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: هو قَوْلُهُمْ: هَذا الأمْرُ حَقٌّ كَما قِيلَ لَكُمْ، وهو رِوايَةُ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ: حُطَّ عَنّا خَطايانا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وهو أشْبَهُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ أيْ نَرْحَمْكُمْ، ونَسْتُرْها عَلَيْكُمْ، فَلا نَفْضَحُكم بِالعُقُوبَةِ عَلَيْها.

والخَطَأُ: العُدُولُ عَنِ القَصْدِ، يُقالُ: خَطِئَ الشَّيْءَ خَطَأً، إذا أصابَهُ ولَمْ يُرِدْهُ، وأخْطَأ يُخْطِئُ، إذا أرادَهُ ولَمْ يُصِبْهُ، فالأوَّلُ خاطِئٌ والثّانِي مُخْطِئٌ.

وَأصْلُ المَغْفِرَةِ: التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ; ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الحَدِيدِ: مِغْفَرٌ، لِأنَّها تُغَطِّي الرَّأْسَ وتُجِنُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ:

؎ ولا أعْتِبُ ابْنَ العَمِّ إنْ كانَ مُخْطِئًا ∗∗∗ وأغْفِرُ عَنْهُ الجَهْلَ إنْ كانَ جاهِلا

(p-١٢٧)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَدَّلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، فَأُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وأنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ، فَقالُوا: حِنْطَةٌ في شَعِيرٍ، مُسْتَهْزِئِينَ بِذَلِكَ.

﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾: وفي الرِّجْزِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعُونُ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَهُمْ، وبَقِيَ الأبْناءُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

2:60Page 9

۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ تَقْدِيرُهُ: وإذِ اسْتَسْقانا مُوسى لِقَوْمِهِ، والِاسْتِسْقاءُ: طَلَبُ السَّقْيِ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَقَيْتُهُ، وأسْقَيْتُهُ، فَقِيلَ: إنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقِيلَ: بَلْ سَقَيْتُهُ مِن سَقْيِ الشَّفَةِ، وأسْقَيْتُهُ: دَلَلْتُهُ عَلى الماءِ.

﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا.

والِانْفِجارُ: الِانْشِقاقُ، والِانْبِجاسُ أضْيَقُ مِنهُ، لِأنَّهُ يَكُونُ انْبِجاسًا ثُمَّ يَصِيرُ انْفِجارًا.

والعَيْنُ مِنَ الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ: فالعَيْنُ مِنَ الماءِ مُشَبَّهَةٌ بِالعَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ، لِخُرُوجِ الماءِ مِنها، كَخُرُوجِ الدَّمْعِ مِن عَيْنِ الحَيَوانِ. (p-١٢٨)

فَأُمِرَ مُوسى عِنْدَ اسْتِسْقائِهِ، أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ حَجَرًا مُرَبَّعًا طُورِيًّا (مِنَ الطُّورِ)، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، مِن كُلِّ جانِبٍ ثَلاثَةُ أعْيُنٍ.

﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنًا، قَدْ عَرَفَها لا يَشْرَبُ مِن غَيْرِها، فَإذا ارْتَحَلُوا انْقَطَعَ ماؤُهُ، وحُمِلَ في الجُوالِقِ، وكانَ بِقَدْرِ الرَّأْسِ.

﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَطْغَوْا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ لا تَسْعَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ.

والعَيْثُ: شِدَّةُ الفَسادِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎ وعاثَ فِينا مُسْتَحِلٌّ عائِثُ مُصَدِّقٌ أوْ فاجِرٌ مُناكِثُ

2:61Page 9

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفُومِها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحِنْطَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ مَن سَألَهُ عَنِ الفُومِ، وأنَّهُ الحِنْطَةُ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ:

؎ قَدْ كُنْتُ أغْنى النّاسِ شَخْصًا واحِدًا ورَدَ المَدِينَةَ عَنْ زِراعَةِ فُومِ

والثّانِي: أنَّهُ الخُبْزُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وعَطاءٍ. (p-١٢٩)

والثّالِثُ: أنَّهُ الثُّومُ بِالثّاءِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ والكِسائِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: قَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ بَعْضُهم بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وهي كَذَلِكَ، وقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِغَيْرِ ألِفٍ.

وَفي المِصْرِ الَّذِي عَناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أيَّ مِصْرٍ، أرادُوا مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ; لِأنَّ ما سَألُوا مِنَ البَقْلِ والقِثّاءِ والفُومِ، لا يَكُونُ إلّا في الأمْصارِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، الَّذِي خَرَجُوا مِنهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ.

واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ المِصْرِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القَطْعِ، لِانْقِطاعِهِ بِالعِمارَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:

؎ وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ ∗∗∗ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا

﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الذِّلَّةِ والصَّغارِ.

والثّانِي: أنَّهُ فَرَضَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

وَفي (المَسْكَنَةِ) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الفاقَةُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الفَقْرُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. (p-١٣٠)

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ: أنَّ أصْلَ ذَلِكَ: المَنزِلَةُ، ومَعْناهُ أنَّهم نُزِّلُوا بِمَنزِلَةِ غَضَبِ اللَّهِ، ورُوِيَ: «أنَّ رَجُلًا جاءَ بِرَجُلٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: هَذا قاتِلُ أخِي، قالَ (فَهُوَ بَواءٌ بِهِ)» أيْ أنَّهُ مَقْتُولٌ، فَيَصِيرُ في مَنزِلَتِهِ، وتَقُولُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ:

؎ فَإنْ يَكُنِ القَتْلى بَواءً فَإنَّكم ∗∗∗ فَتًى ما قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بْنِ عامِرِ

والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ: أنَّ أصْلَ ذَلِكَ التَّسْوِيَةُ، ومَعْناهُ: أنَّهم تَساوَوْا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، ومِنهُ ما يُرْوى عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: « (جَعَلَ اللَّهُ الأنْفالَ إلى نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَسَمَها بَيْنَهم عَلى بَواءٍ)،» أيْ عَلى سَواءٍ بَيْنَهم في القَسْمِ.

والثّالِثُ: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ، أنَّ مَعْناهُ أنَّهم رَجَعُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: البَواءُ: الرُّجُوعُ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ رُجُوعًا إلّا بِشَيْءٍ: إمّا بِشَرٍّ، وإمّا بِخَيْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ; إنَّما جازَ أنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الكُفّارِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ، لِيَنالُوا مِن رَفِيعِ المَنازِلِ ما لا يَنالُونَهُ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخِذْلانٍ لَهُمْ، كَما يَفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ طاعَتِهِ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ما أمَرَ نَبِيًّا بِالحَرْبِ إلّا نَصَرَهُ فَلَمْ يُقْتَلْ، وإنَّما خَلّى بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِالقِتالِ مِنَ الأنْبِياءِ.

وَ(الأنْبِياءُ) جَمْعُ (نَبِيٍّ) وقَدْ جاءَ في جَمْعِ (نَبِيٍّ): (نُبَآءُ)، قالَ العَبّاسُ ابْنُ مِرْداسٍ السُّلَمِيُّ، يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ: (p-١٣١)

؎ يا خاتَمَ النُّبَآءِ إنَّكَ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بِالحَقِّ حَيْثُ هُدى الإلَهِ هَداكا

وَهُوَ غَيْرُ مَهْمُوزٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا نافِعًا، فَإنَّهُ قَرَأ الأنْبِياءَ، والنَّبِيئِينَ بِالهَمْزِ.

وَفِيما أُخِذَ مِنهُ اسْمُ النَّبِيِّ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّبَإ، وهو الخَبَرُ، لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ اللَّهِ، أيْ يُخْبِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ [النَّجْمِ: ٣٦] . والثّانِي: أنَّ أصْلَ النَّبِيِّ هو الطَّرِيقُ، قالَ القُطامِيُّ

؎ لَمّا ورَدْنا نَبِيًّا واسْتَتَبَّ لَنا ∗∗∗ مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ

فَسُمِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيًّا، لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّبُوَّةِ; لِأنَّ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ رَفِيعَةٌ.

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي: صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُسِبُوا إلى يَهُوذا أكْبَرِ ولَدِ يَعْقُوبَ، فَقَلَبَتِ العَرَبُ الذّالَ دالًا، لِأنَّ الأعْجَمِيَّةَ إذا عُرِّبَتْ، غَيَّرَتْ مِن لَفْظِها. (p-١٣٢)

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: هادَ القَوْمُ يَهُودُونَ هَوْدَةً وهِيادَةً، إذا تابُوا، قالَ زُهَيْرٌ:

؎ سِوى مَرْبَعٍ لَمْ تَأْتِ فِيهِ مَخافَةً ولا رَهَقًا مِن عابِدٍ مُتَهَوِّدِ

يَعْنِي مِن عابِدٍ تائِبٍ، فَسُمُّوا يَهُودًا لِتَوْبَتِهِمْ مِن عِبادَةِ العِجْلِ.

والثّالِثُ: أنَّهم سُمُّوا يَهُودًا، مِن أجْلِ قَوْلِهِمْ: إنّا هُدْنا إلَيْكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

وَ ﴿والنَّصارى﴾، جَمْعٌ وواحِدُهُ (نَصْرانِيٌّ)، وقِيلَ: (نَصْرانُ) بِإسْقاطِ الياءِ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: واحِدُهُ نَصْرِيٌّ، والأوَّلُ هو المُسْتَعْمَلُ.

وَفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَرْيَةٍ تُسَمّى (ناصِرَةَ)، كانَ يَنْزِلُها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنُسِبَ إلَيْها، فَقِيلَ: عِيسى النّاصِرِيُّ، ثُمَّ نُسِبَ أصْحابُهُ إلَيْهِ فَقِيلَ: النَّصارى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ لَمّا رَأيْتُ نَبَطًا أنْصارا ∗∗∗ شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإزارا

؎ كُنْتُ لَهم مِنَ النَّصارى جارا

والثّالِثُ: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ ﴿والصّابِئِينَ﴾، جَمْعٌ، واحِدُهُ: صابِئٌ، واخْتُلِفَ في هَمْزِهِ، فَهَمَزَهُ الجُمْهُورُ إلّا نافِعًا.

واخْتُلِفَ في المَأْخُوذِ مِنهُ هَذا الِاسْمُ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّلُوعِ والظُّهُورِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَبَأ نابُ البَعِيرِ، إذا طَلَعَ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ.

والثّانِي: أنَّ الصّابِئَ: الخارِجُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَسُمِّيَ الصّابِئُونَ بِهَذا (p-١٣٣)

الِاسْمِ، لِخُرُوجِهِمْ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَبا يَصْبُو، إذا مالَ إلى الشَّيْءِ وأحَبَّهُ، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ; ولِذَلِكَ لَمْ يُهْمَزْ.

واخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: الصّابِئُونَ بَيْنَ اليَهُودِ والمَجُوسِ، وقالَ قَتادَةُ: الصّابِئُونَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، [وَيَقْرَأُونَ الزَّبُورَ ويُصَلُّونَ الخَمِيسَ] وقالَ السُّدِّيُّ: هم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ الخَلِيلُ: هم قَوْمٌ شَبِيهٌ دِينُهم بِدِينِ النَّصارى، إلّا أنَّ قِبْلَتَهم نَحْوَ مَهَبِّ الجَنُوبِ حِيالَ مُنْتَصَفِ النَّهارِ، يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِ نُوحٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في سَلْمانَ الفارِسِيِّ وأصْحابِهِ النَّصارى الَّذِينَ كانَ قَدْ تَنَصَّرَ عَلى أيْدِيهِمْ، قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانُوا قَدْ أخْبَرُوهُ بِأنَّهُ سَيُبْعَثُ، وأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِهِ إنْ أدْرَكُوهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٨٥]، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ عَلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ عَلى الجَمْعِ؟ قِيلَ: لِأنَّ اللَّفْظَ (مَن) لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَمَرَّةً يُجْمَعُ عَلى اللَّفْظِ، ومَرَّةً يُجْمَعُ عَلى المَعْنى، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ألِمّا بِسَلْمى عَنْكُما إنْ عَرَضْتُما ∗∗∗ وقُولا لَها عُوجِي عَلى مَن تَخَلَّفُوا(p-١٣٤)

2:63–64Page 10

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وفي الطُّورِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ دُونَ غَيْرِهِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الطُّورَ ما أنْبَتَ مِنَ الجِبالِ خاصَّةً، دُونَ ما لَمْ يُنْبِتْ، وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الطُّورَ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، إلّا أنَّ مُجاهِدًا قالَ: هو اسْمُ كُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ هو اسْمٌ عَرَبِيٌّ، قالَ العَجّاجُ:

؎ دانِي جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرَّ تَقَضِّي البازِيِّ إذا البازِيُّ كَرَّ

قالَ مُجاهِدٌ: رُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهم كالظُّلَّةِ، فَقِيلَ: لَتُؤْمِنُنَّ أوْ لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَآمَنُوا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ الجِدُّ والِاجْتِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: يَعْنِي بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العَمَلُ بِما فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

2:65–66Page 10

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ وفي اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ قَوْلانِ: (p-١٣٥)

أحَدُهُما: أنَّهم أخَذُوا فِيهِ الحِيتانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهم حَبَسُوها في يَوْمِ السَّبْتِ وأخَذُوها يَوْمَ الأحَدِ، والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السَّبْتَ هو اسْمٌ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الدَّهْرِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَتَ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ قُطِعَ وفُرِغَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّ اليَهُودَ يَسْبِتُونَ فِيهِ، أيْ يَقْطَعُونَ فِيهِ الأعْمالَ.

والرّابِعُ: أنَّ أصْلَ السَّبْتِ، الهُدُوءُ والسُّكُونُ في راحَةٍ ودَعَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلنّائِمِ مَسْبُوتٌ لِاسْتِراحَتِهِ وسُكُونِ جَسَدِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ فَسُمِّيَ بِهِ اليَوْمُ لِاسْتِراحَةِ اليَهُودِ فِيهِ.

وَفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُسِخُوا قِرَدَةً، فَصارُوا لِأجْلِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ في صُورَةِ القِرَدَةِ المَخْلُوقِينَ مِن قَبْلُ، في الأيّامِ السِّتَّةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّهم لَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجُمُعَةِ: ٥] . وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خاسِئِينَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخاسِئَ المُبْعَدُ المَطْرُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: خَسَأْتَ الكَلْبَ، إذا باعَدْتَهُ وطَرَدْتَهُ. (p-١٣٦)

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أذِلّاءُ صاغِرُونَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خاسِئًا أيْ ذَلِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ وفي المَجْعُولِ نَكالًا، سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها العُقُوبَةُ.

والثّانِي: أنَّها الحِيتانُ.

والثّالِثُ: أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي اعْتَدى أهْلُها.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأُمَّةُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا، وهم أهْلُ أيْلَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ المَمْسُوخُونَ قِرَدَةً.

والسّادِسُ: أنَّهُمُ القِرَدَةُ المَمْسُوخُ عَلى صُوَرِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَكالا﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عُقُوبَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عِبْرَةٌ يُنَكَّلُ بِها مَن رَآها.

والثّالِثُ: أنَّ النَّكالَ الِاشْتِهارُ بِالفَضِيحَةِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها مِنَ القُرى، وهَذِهِ رِوايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ يَدَيْها يَعْنِي مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، وما خَلْفَها، الَّذِينَ كانُوا مَعَهم باقِينَ، وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما بَيْنَ يَدَيْها، يَعْنِي مِن دُونِها، وما خَلْفَها، يَعْنِي لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِلْحِيتانِ الَّتِي أصابُوها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والخامِسُ: ما بَيْنَ يَدَيْها ما مَضى مِن خَطاياهُمْ، وما خَلْفَها: خَطاياهُمُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.(p-١٣٧)

2:67Page 10

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وكانَ السَّبَبُ في أمْرِ مُوسى لِقَوْمِهِ بِذَلِكَ، ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ: أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ غَنِيًّا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، وكانَ لَهُ قَرِيبٌ يَرِثُهُ، فاسْتَبْطَأ مَوْتَهُ، فَقَتَلَهُ سِرًّا وألْقاهُ في مَوْضِعِ الأسْباطِ، وادَّعى قَتْلَهُ عَلى أحَدِهِمْ، فاحْتَكَمُوا إلى مُوسى، فَقالَ: مَن عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ عِلْمٌ؟ فَقالُوا: أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ، وأنْتَ أعْلَمُ مِنّا، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِهِ جَوابٌ عَمّا سَألُوا عَنْهُ ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ والهُزْءُ: اللَّعِبُ والسُّخْرِيَةُ.

قالَ الرّاجِزُ:

؎ قَدْ هَزِئَتْ مِنِّيَ أُمُّ طَيْسَلَةَ قالَتْ أراهُ مُعْدِمًا لا شَيْءَ لَهُ

﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنْ جَوابِ السّائِلِ المُسْتَرْشِدِ إلى الهُزْءِ، جَهْلٌ، فاسْتَعاذَ مِنهُ مُوسى، لِأنَّها صِفَةٌ تَنْتَفِي مَعَ الأنْبِياءِ، وإنَّما أمَرَ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِذَبْحِ البَقَرَةِ دُونَ غَيْرِها، لِأنَّها مِن جِنْسِ ما عَبَدُوهُ مِنَ العِجْلِ، لِيُهَوِّنَ عِنْدَهم ما كانُوا يَرَوْنَهُ مِن تَعْظِيمِهِ، ولِيَعْلَمَ بِإجابَتِهِمْ زَوالَ ما كانَ في نُفُوسِهِمْ مِن عِبادَتِهِ.

والبَقَرَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثى، والثَّوْرُ لِلذَّكَرِ، مِثْلُ ناقَةٍ وجَمَلٍ، وامْرَأةٍ ورَجُلٍ، فَيَكُونُ تَأْنِيثُهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ.

واسْمُ البَقَرَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّقِّ مِن قَوْلِهِمْ بَقَرَ بَطْنَهُ إذا شَقَّهُ، لِأنَّها تَشُقُّ الأرْضَ في الحَرْثِ.

2:68–71Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ رَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: « (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوِ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً، فَذَبَحُوها، لَأجْزَأتْ عَنْهُمْ، ولَكِنَّهُمْ، شَدَّدُوا، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ في الفارِضِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الكَبِيرَةُ الهَرِمَةُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الرّاجِزُ:

؎ شَيَّبَ أصْداغِي فَرَأْسِي أبْيَضُ مَحامِلٌ فِيها رِجالٌ فُرَّضُ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فُرَّضُ، أيْ هَرْمى. (p-١٣٩)

والثّانِي: أنَّ الفارِضَ الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بُطُونًا كَثِيرَةً، فَيَتَّسِعُ لِذَلِكَ جَوْفُها، لِأنَّ مَعْنى الفارِضِ في اللُّغَةِ الواسِعُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ:

؎ يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فارِضِ ∗∗∗ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ

والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ، والبِكْرُ مِن إناثِ البَهائِمِ، وبَنِي آدَمَ، ما لَمْ يَفْتَحِلْهُ الفَحْلُ، وهي مَكْسُورَةُ الباءِ، فَأمّا البَكْرُ بِفَتْحِ الباءِ، فَهو الفَتِيُّ مِنَ الإبِلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ والعَوانُ النَّصَفُ الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، وهي أقْوى ما تَكُونُ مِنَ البَقَرِ وأحْسَنِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَرُحْنَ عَلَيْهِ بَيْنَ بِكْرٍ عَزِيزَةٍ ∗∗∗ وبَيْنَ عَوانٍ كالغَمامَةِ ناصِفِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾ حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ، أيْ سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ناقَةٌ صَفْراءُ أيْ سَوْداءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ

وَقالَ الرّاجِزُ:

؎ وصُفْرٍ لَيْسَتْ بِمُصْفَرَّةْ ∗∗∗ ولَكِنْ سَوْداءَ مِثْلِ الخُمُرْ

وَقالَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها صَفْراءُ اللَّوْنِ، مِنَ الصُّفْرَةِ المَعْرُوفَةِ، وهو أصَحُّ، لِأنَّهُ الظّاهِرُ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ والفاقِعُ مِن صِفاتِ الصُّفْرَةِ، ولَيْسَ يُوصَفُ السَّوادُ بِذَلِكَ، وإنَّما يُقالُ: أسْوَدُ حالِكٌ، وأحْمَرُ قانٍ، وأبْيَضُ ناصِعٌ، وأخْضَرُ ناضِرٌ، وأصْفَرُ فاقِعٌ. (p-١٤٠)

ثُمَّ فِيما أُرِيدَ بِالصُّفْرَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صَفْراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: صَفْراءُ اللَّوْنِ كُلِّهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الشَّدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.

والثّانِي: الخالِصُ الصُّفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّالِثُ: الصّافِي، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، وقَتادَةَ.

﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُعْجِبُ النّاظِرِينَ بِصُفْرَتِها، فَتُعْجِبُ بِالسُّرُورِ، وهو ما يَتَأثَّرُ بِهِ القَلْبُ، والفَرَحِ، ما فَرِحَتْ بِهِ العَيْنُ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِحُسْنِ لَوْنِها فَتَكُونُ.

..... لِصُفْرَتِها.

والثّانِي: حُسْنُ سَمْتِها، وُصِفَتْ بِذَلِكَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةَ شَرْطٍ في صِفَتِها، غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صُفْرَتِها، فَتَصِيرُ البَقَرَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ذاتَ وصْفٍ واحِدٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، ذاتَ وصْفَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ فَسَألُوا سُؤالًا ثالِثًا، ولَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ بَعْدَ البَيانِ الثّانِي، فَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « (أُمِرُوا بِأدْنى بَقَرَةٍ ولَكِنَّهم لَمّا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّهم لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ)» يَعْنِي أنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوا: ﴿وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما اهْتَدَوْا إلَيْها أبَدًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ يَعْنِي لَمْ يُذَلِّلْها العَمَلُ. (p-١٤١)

﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ والإثارَةُ تَفْرِيقُ الشَّيْءِ، أيْ لَيْسَتْ مِمّا يُثِيرُ الأرْضَ لِلزَّرْعِ، ولا يُسْقى عَلَيْها الزَّرْعُ.

[وَقِيلَ: يُثِيرُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ والمَعْنى: إيجابُ الحَرْثِ لَها وأنَّها كانَتْ تَحْرُثُ ولا تَسْقِي]. ولَيْسَ هَذا الوَجْهُ بِشَيْءٍ، بَلْ نُفِيَ عَنْها جَمِيعُ ذَلِكَ.

﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ وفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العَمَلِ.

والثّالِثُ: مُسَلَّمَةٌ مِن غَصْبٍ وسَرِقَةٍ، فَتَكُونُ حَلالًا.

والرّابِعُ: مُسَلَّمَةٌ مِن.

.. ... وفي ( شِيَةَ ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَيْسَ فِيها عَلامَةٌ خاصَّةٌ، حَكاهُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ فِيها لَوْنٌ، يُخالِفُ لَوْنَها مِن سَوادٍ أوْ بَياضٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الوَضَحُ وهو الجَمْعُ بَيْنَ ألْوانٍ مِن سَوادٍ وبَياضٍ.

وَأصْلُهُ مِن وشْيِ الثَّوْبِ، وهو تَحْسِينُ عُيُوبِهِ بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلسّاعِي بِالرَّجُلِ عِنْدَ السُّلْطانِ واشٍ، لِأنَّهُ يُحَسِّنُ كَذِبَهُ عِنْدَهُ، حَتّى يَقْبَلَهُ مِنهُ.

﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الآنَ بَيَّنْتَ الحَقَّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ بَيَّنَها لَهم قالُوا هَذِهِ بَقَرَةُ فُلانٍ، الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فِيها، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كادُوا ألّا يَفْعَلُوا لِغَلاءِ ثَمَنِها، لِأنَّهُمُ اشْتَرَوْها عَلى ما حَكى (p-١٤٢)

ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِمِلْءِ مَسْكِها ذَهَبًا مِن مالِ المَقْتُولِ.

وَقِيلَ: بِوَزْنِها عَشْرَ مَرّاتٍ.

والثّانِي: أنَّهم كادُوا ألّا يَفْعَلُوا خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ في مَعْرِفَةِ القاتِلِ، وهَذا قَوْلُ وهْبٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ما كانَ ثَمَنُها إلّا ثَلاثَةَ دَنانِيرَ.

وَقِيلَ: كانَتِ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском