Al-MawardiAn‑Nur · 24:26–34

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:26–34

24:26Page 352

ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦

Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ النِّساءِ، والطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: الخَبِيثاتُ مِنَ الأعْمالِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النّاسِ والخَبِيثُونَ مِنَ النّاسِ (p-٨٥)لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الأعْمالِ والطَّيِّباتُ مِنَ الأعْمالِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الأعْمالِ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: الخَبِيثاتُ مِنَ الكَلامِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النّاسِ، والخَبِيثُونَ مِنَ النّاسِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الكَلامِ، والطَّيِّباتُ مِنَ الكَلامِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الكَلامِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

وَتَأوَّلَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ: الخَبِيثاتِ الدُّنْيا، والطَّيِّباتِ الآخِرَةَ.

﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّ عائِشَةَ وصَفْوانَ مُبَرَّآنِ مِنَ الإفْكِ المَذْكُورِ فِيهِما، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ مُبَرَّآتٌ مِنَ الفَواحِشِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّ الطَّيِّبِينَ والطَّيِّباتِ مُبَرَّؤُونَ مِنَ الخَبِيثِينَ والخَبِيثاتِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

24:27–29Page 352

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧

O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].

فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨

And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْطَأ الكاتِبُ فِيهِ فَكَتَبَ تَسْتَأْنِسُوا وكانَ يَقْرَأُ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.

وَقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّ (p-٨٦)الِاسْتِئْذانَ مُؤْنِسٌ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِئْناسِ، ولَيْسَ فِيهِ خَطَأٌ مِن كاتِبٍ ولا قارِئٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ بِالتَّنَحْنُحِ فَيَعْلَمُوا بِقُدُومِكم عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنْ تَسْتَأْنِسُوا يَعْنِي أنْ تَعْلَمُوا فِيها أحَدًا اسْتَأْذِنُوهُ فَتُسَلِّمُوا عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النِّساءِ: ٦] أيْ عَلِمْتُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ الِاسْتِئْناسُ الِاسْتِثْمارُ، والإيناسُ اليَقِينُ.

والإذْنُ يَكُونُ بِالقَوْلِ والإشارَةِ.

فَإنْ جاهَرَ فَسُؤالٌ، فَقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَسُولُ الرَّجُلِ إذْنُهُ فَإنِ اسْتَأذَنَ ثَلاثًا ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ولّى فَلَمْ يُراجِعْ في الِاسْتِئْذانِ» رَوى الحَسَنُ البَصْرِيُّ «أنَّ [أبا مُوسى] الأشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: ما رَدَّكَ؟ فَقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنِ اسْتَأذَنَ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ) فَقالَ عُمَرُ: لِتَجِيئَنِي عَلى بَيِّنَةٍ أوْ لِأجْعَلُنَّكَ نَكالًا فَأتى طَلْحَةُ فَشَهِدَ لَهُ» قالَ الحَسَنُ: الأُولى إذْنٌ، والثّانِيَةُ مُؤامَرَةٌ، والثّالِثَةُ: عَزْمَةٌ، إنْ شاءُوا أذِنُوا وإنْ شاءُوا رَدُّوا.

وَلا يَسْتَأْذِنُ وهو مُسْتَقْبِلٌ البابَ إنْ كانَ مَفْتُوحًا، وإنْ أُذِنَ لِأوَّلِ القَوْمِ فَقَدْ أُذِنَ (p-٨٧)لِآخِرِهِمْ، ولا يَقْعُدُوا عَلى البابِ بَعْدَ الرَّدِّ فَإنَّ لِلنّاسِ حاجاتٍ.

﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ والسَّلامُ نَدْبٌ والِاسْتِئْذانُ حَتْمٌ.

وَفي السَّلامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَسْنُونٌ بَعْدَ الإذْنِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِن تَقْدِيمِ الإذْنِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: مَسْنُونٌ قَبْلَ الإذْنِ وإنْ تَأخَّرَ في التِّلاوَةِ فَهو مُقَدَّمٌ في الحُكْمِ وتَقْدِيرُ الكَلامِ حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْذِنُوا لِما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أأدْخُلُ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: (قُمْ فَعَلِّمْ هَذا كَيْفَ يَسْتَأْذِنُ فَإنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ) فَسَمِعَها الرَّجُلُ فَسَلَّمَ واسْتَأْذَنَ» .

وَأوْلى مِن إطْلاقِ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ أنْ يَنْظُرَ فَإنْ وقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ قَبْلَ الإذْنِ فالأوْلى تَقْدِيمُ السَّلامِ، وإنْ لَمْ تَقَعِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ قَبْلَ الإذْنِ فالأوْلى تَقْدِيمُ الِاسْتِئْذانِ عَلى السَّلامِ.

فَأمّا الِاسْتِئْذانُ عَلى مَنازِلِ الأهْلِ فَإنْ كانُوا غَيْرَ ذِي مَحارِمَ لَزِمَ الِاسْتِئْذانُ عَلَيْهِمْ كالأجانِبِ، وإنْ كانُوا ذَوِي مَحارِمَ وكانَ المَنزِلُ مُشْتَرَكًا هو فِيهِ وهم ساكِنُونَ لَزِمَ في دُخُولِهِ إنْذارُهم إمّا بِوَطْءٍ.

أوْ نَحْنَحَةٍ مُفْهِمَةٍ إلّا الزَّوْجَةَ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ في حَقِّها بِحالٍ لِارْتِفاعِ العَوْرَةِ بَيْنَهُما.

وَإنْ لَمْ يَكُنِ المَنزِلُ مُشْتَرَكًا فَفي الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِمْ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّها النَّحْنَحَةُ والحَرَكَةُ.

الثّانِي: القَوْلُ كالأجانِبِ.

وَرى صَفْوانُ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟) فَقالَ: (نَعَمْ) فَقالَ: إنِّي أخْدُمُها فَقالَ: (اسْتَأْذِنْ عَلَيْها) فَعاوَدَهُ ثَلاثًا: فَقالَ: (أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً) قالَ: لا قالَ: (فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها) .»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ يَعْنِي يَأْذَنُ لَكم.

(p-٨٨)﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ولا يَجُوزُ التَّطَلُّعُ إلى المَنزِلِ لِيَرى مَن فِيهِ فَيَسْتَأْذِنَهُ إذا كانَ البابُ مُغْلَقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: « (إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ لِأجْلِ البَصَرِ»، إلّا أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا فَيَجُوزُ إذا كانَ خارِجًا أنْ يَنْظُرَ لِأنَّ صاحِبَهُ بِالفَتْحِ قَدْ أباحَ النَّظَرَ).

﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ وهُنا يَنْظُرُ فَإنْ كانَ بَعْدَ الدُّخُولِ عَنْ إذْنٍ لَزِمَ الِانْصِرافُ وحَرُمَ اللُّبْثُ، وإنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهو رَدُّ الإذْنِ ومُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ.

وَلا يُلْزِمُهُ الِانْصِرافُ عَنْ مَوْقِفِهِ مِنَ الطَّرِيقِ إلّا أنْ يَكُونَ فَناءُ البابِ المانِعَ فَيَكْفِي عَنْهُ، قالَ قَتادَةُ: لا تَقْعُدْ عَلى بابِ قَوْمٍ رَدُّوكَ فَإنَّ لِلنّاسِ حاجاتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّها الخاناتُ المُشْتَرَكَةُ ذَواتُ البُيُوتِ المَسْكُونَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: أنَّها حَوانِيتُ التُّجّارِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها مُنازِلُ الأسْفارِ ومُناخاتُ الرِّجالِ الَّتِي يَرْتَفِقُ بِها مارَّةُ الطَّرِيقِ في أسْفارِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّها الخَراباتُ العاطِلاتُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: أنَّها بُيُوتُ مَكَّةَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ مالِكٍ.

﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّها عُرُوضُ الأمْوالِ الَّتِي هي مَتاعُ التُّجّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها الخَلاءُ والبَوْلُ سُمِّيَ مَتاعًا لِأنَّهُ إمْتاعٌ لَهُمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَنافِعُ كُلُّها، قالَهُ قَتادَةُ، فَلا يَلْزَمُ الِاسْتِئْذانُ في هَذِهِ المَنازِلِ (p-٨٩)كُلِّها.

قالَ الشَّعْبِيُّ: حَوانِيتُ التُّجّارِ إذْنُهم أنَّهم جاءُوا بِبُيُوتِهِمْ فَجَعَلُوها فِيها وقالُوا لِلنّاسِ: هَلُمَّ.

24:30Page 353

قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠

Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وفي ﴿مِن﴾ في هَذا المَوْضِعِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ وزائِدَةٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا أبْصارَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مُضْمَرٍ وتَقْدِيرُهُ، يَغُضُّوا أبْصارَهم عَمّا لا يَحِلُّ مِنَ النَّظَرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّالِثُ: أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في المَظْهَرِ، لِأنَّ غَضَّ البَصَرِ عَنِ الحَلالِ لا يَلْزَمُ وإنَّما يَلْزَمُ غَضُّها عَنِ الحَرامِ فَلِذَلِكَ دَخَلَ حَرْفُ التَّبْعِيضِ في غَضِّ الأبْصارِ فَقالَ: مِن أبْصارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْرُمُ مِنَ النَّظَرِ ما قُصِدَ، ولا تَحْرُمُ النَّظْرَةُ الأُولى الواقِعَةُ سَهْوًا.

رَوى الحَسَنُ البَصْرِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ابْنَ آدَمَ لَكَ النَّظْرَةُ الأُولى وعَلَيْكَ الثّانِيَةُ» .

﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِحِفْظِ الفَرْجِ عَفافَهُ، والعَفافُ يَكُونُ عَنِ الحَرامِ دُونَ المُباحِ ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ حَرْفُ التَّبْعِيضِ كَما دَخَلَ في غَضِّ البَصَرِ.

(p-٩٠)الثّانِي: قالَهُ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ المُرادُ بِحِفْظِ الفُرُوجِ في هَذا المَوْضِعِ سَتْرُها عَنِ الأبْصارِ حَتّى لا تُرى، وكُلُّ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ ذُكِرَ فِيهِ الفَرَجُ فالمُرادُ بِهِ الزِّنى إلّا في هَذا المَوْضِعِ فَإنَّ المُرادَ بِهِ السَّتْرُ، وسُمِّيَتْ فُرُوجًا لِأنَّها مَنافِذُ الأجْوافِ ومَسالِكُ الخارِجاتِ.

24:31Page 353

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١

And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ والزِّينَةُ ما أدْخَلَتْهُ المَرْأةُ عَلى بَدَنِها حَتّى زانَها وحَسَّنَها في العُيُونِ كالحُلِيِّ والثِّيابِ والكُحْلِ والخِضابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قالَ الشّاعِرُ:

؎ يَأْخُذُ زِينَتَهُنَّ أحْسَنَ ما تُرى وإذا عَطَلْنَ فَهُنَّ غَيْرُ عَواطِلِ

والزِّينَةُ زِينَتانِ: ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ، فالظّاهِرَةُ لا يَجِبُ سَتْرُها ولا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

(p-٩١)أحَدُها: أنَّها الثِّيابُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: الكُحْلُ والخاتَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ.

الثّالِثُ: الوَجْهُ والكَفّانِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ.

وَأمّا الباطِنَةُ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: القُرْطُ والقِلادَةُ والدُّمْلُجُ والخَلْخالُ، واخْتُلِفَ في السُّوارِ فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ، وقالَ غَيْرُها هو مِنَ الباطِنَةِ، وهو أشْبَهُ لِتَجاوُزِهِ الكَفَّيْنِ، فَأمّا الخِضابُ فَإنْ كانَ في الكَفَّيْنِ فَهو مِنَ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ، وإنْ كانَ في القَدَمَيْنِ فَهو مِنَ الباطِنَةِ، وهَذِهِ الزِّينَةُ الباطِنَةُ يَجِبُ سَتْرُها عَنِ الأجانِبِ ويَحْرُمُ عَلَيْها تَعَمُّدُ النَّظَرِ إلَيْها فَأمّا ذَوُو المَحارِمِ فالزَّوْجُ مِنهم يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ والِالتِذاذُ، وغَيْرُهُ مِنَ الآباءِ والأبْناءِ والإخْوَةِ يَجُوزُ لَهُمُ النَّظَرُ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الِالتِذاذُ.

رَوى الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما [أنَّهُما] كانا يَدْخُلانِ عَلى أُخْتِهِما أُمِّ كُلْثُومٍ وهي تَمْتَشِطُ.

وَتَأوَّلَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ هَذِهِ الزِّينَةَ بِتَأْوِيلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها الدُّنْيا فَلا يُتَظاهَرُ بِما أُوتِيَ مِنها ولا يُتَفاخَرُ إلّا بِما ظَهَرَ مِنها ولَمْ يَنْسَتِرْ.

الثّانِي: أنَّها الطّاعَةُ لا يَتَظاهَرُ بِها رِياءً إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولَمْ يَنْكَتِمْ، وهُما بَعِيدانِ.

(p-٩٢)﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ الخُمُرُ المَقانِعُ أُمِرْنَ بِإلْقائِها عَلى صُدُورِهِنَّ تَغْطِيَةً لِنُحُورِهِنَّ فَقَدْ كُنَّ يُلْقِينَها عَلى ظُهُورِهِنَّ بادِيَةً نُحُورِهِنَّ، وقِيلَ: كانَتْ قُمُصُهِنَّ مَفْرُوجَةَ الجُيُوبِ كالدُّرْعَةِ يَبْدُو مِنها صُدُورُهُنَّ فَأمَرْنَ بِإلْقاءِ الخَمْرِ لِسَتْرِها.

وَكُنِّيَ عَنِ الصُّدُورِ بِالجُيُوبِ لِأنَّها مَلْبُوسَةٌ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ يَعْنِي الزِّينَةَ الباطِنَةَ إبْداؤُها لِلزَّوْجِ اسْتِدْعاءٌ لِمَيْلِهِ وتَحْرِيكًا لِشَهْوَتِهِ ولِذَلِكَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلْتاءَ والمَرْهاءَ» فالسَّلْتاءُ الَّتِي لا تَخْتَضِبُ، والمَرْهاءُ الَّتِي لا تَكْتَحِلُ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِانْصِرافِ شَهْوَةِ الزَّوْجِ عَنْها فَأمَرَها بِذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِشَهْوَتِهِ، «وَلَعَنَ ﷺ المُفْشِلَةَ والمُسَوِّفَةَ،» المُسَوِّفَةُ الَّتِي إذا دَعاها لِلْمُباشَرَةِ قالَتْ سَوْفَ أفْعَلُ، والمُفْشِلَةُ الَّتِي إذا دَعاها قالَتْ إنَّها حائِضٌ وهي غَيْرُ حائِضٍ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: « (لُعِنَتِ الغائِصَةُ والمُغَوِّصَةُ)» فالغائِصَةُ الَّتِي لا تُعْلِمُ زَوْجَها بِحَيْضِها حَتّى يُصِيبَها، والمُغَوِّصَةُ الَّتِي تَدَّعِي أنَّها حائِضٌ لِيَمْتَنِعَ زَوْجُها مِن إصابَتِها ولَيْسَتْ بِحائِضٍ.

(p-٩٣)واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَعَمُّدِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرَ إلى فَرْجِ صاحِبِهِ تَلَذُّذًا بِهِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: يَجُوزُ كَما يَجُوزُ الِاسْتِمْتاعُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] .

الثّانِي: لا يَجُوزُ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (لَعَنَ اللَّهُ النّاظِرَ والمَنظُورَ إلَيْهِ)» .

فَأمّا ما سِوى الفَرْجَيْنِ مِنهُما فَيَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلَيْهِ مِن صاحِبِهِ وكَذَلِكَ الأمَةُ مَعَ سَيِّدِها.

﴿أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ وهَؤُلاءِ كُلُّهم ذَوُو مَحارِمَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأسْبابِ والأنْسابِ يَجُوزُ أبَدًا نَظَرُ الزِّينَةِ الباطِنَةِ لَهم مِن غَيْرِ اسْتِدْعاءٍ لِشَهْوَتِهِمْ، ويَجُوزُ تَعَمُّدُ النَّظَرِ مِن غَيْرِ تَلَذُّذٍ.

(p-٩٤)والَّذِي يَلْزَمُ الحُرَّةَ أنْ تَسْتُرَ مِن بَدَنِها مَعَ ذَوِي مَحارِمِها ما بَيْنَ سُرَّتِها ورُكْبَتِها، وكَذَلِكَ يَلْزَمُ مَعَ النِّساءِ كُلِّهِنَّ أوْ يَسْتَتِرُ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ وفِيهِنَّ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ المُسْلِماتُ لا يَجُوزُ لِمُسْلِمَةٍ أنْ تَكْشِفَ جَسَدَها عِنْدَ كافِرَةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ النِّساءِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ يَعْنِي عَبِيدَهُنَّ، فَلا يَحِلُّ لِلْحُرَّةِ عَبْدُها، وإنْ حَلَّ لِلرَّجُلِ أمَتُهُ، لِأنَّ البُضْعَ إنَّما يَسْتَحِقُّهُ مالِكُهُ، وبُضْعُ الحُرَّةِ لا يَكُونُ مِلْكًا لِعَبْدِها، وبُضْعُ الأمَةِ مِلْكٌ لِسَيِّدِها.

واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَحْرِيمِ ما بَطَنَ مِن زِينَةِ الحُرَّةِ عَلى عَبْدِها، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّها تَحِلُّ ولا تَحْرُمُ، وتَكُونُ عَوْرَتُها مَعَهُ كَعَوْرَتِها مَعَ ذَوِي مَحارِمِها، ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْها ولِاسْتِثْناءِ اللَّهِ تَعالى لَهُ مَعَ اسْتِثْنائِهِ مِن ذَوِي مَحارِمِها وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ.

والثّانِي: أنَّها تَحْرُمُ ولا تَحِلُّ وتَكُونُ عَوْرَتُها مَعَهُ كَعَوْرَتِها مَعَ الرِّجالِ والأجانِبِ وهو ما عَدا الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ مِن جَمِيعِ البَدَنِ إلّا الوَجْهَ والكَفَّيْنِ، وتَأوَّلَ قائِلُ هَذا الوَجْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ عَلى الإماءِ دُونَ العَبِيدِ، وتَأوَّلَهُ كَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها فُضَلاءَ، كَما تَكُونُ المَرْأةُ في ثِيابِ بَيْتِها بارِزَةَ الذِّراعَيْنِ والسّاقَيْنِ والعُنُقِ اعْتِبارًا بِالعُرْفِ والعادَةِ، ورَفْعًا لِما سَبَقَ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وأمّا غَيْرُ عَبْدِها فَكالحُرِّ مَعَها، وإنْ كانَ عَبْدًا لِزَوْجِها وأُمِّها.

(p-٩٥)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الصَّغِيرُ لِأنَّهُ لا إرْبَ لَهُ في النِّساءِ لِصِغَرِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ العِنِّينُ لِأنَّهُ لا إرْبَ لَهُ في النِّساءِ لِعَجْزِهِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والشِّبْعِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأبْلَهُ المَعْتُوهُ لِأنَّهُ لا إرْبَ لَهُ في النِّساءِ لِجَهالَتِهِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَجْبُوبُ لِفَقْدِ إرْبِهِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْخُ الهَرِمُ لِذَهابِ إرْبِهِ، وهَذا قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الأحْمَقُ الَّذِي لا تَشْتَهِيهِ المَرْأةُ ولا يَغارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والسّابِعُ: أنَّهُ المُسْتَطْعِمُ الَّذِي لا يَهُمُّهُ إلّا بَطْنُهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّامِنُ: أنَّهُ تابِعُ القَوْمِ يَخْدِمُهم بِطَعامِ بَطْنِهِ، فَهو مَصْرُوفٌ لا لِشَهْوَةٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفِيما أُخِذَتْ مِنهُ الإرْبَةُ قَوْلانِ:

أحَدُها: أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ العَقْلِ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ أرِيبٌ إذا كانَ عاقِلًا.

والثّانِي: أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأرَبِ وهو الحاجَةُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

ثُمَّ أقُولُ: إنَّ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ والمَجْبُوبَ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ المَذْكُورَةِ في وُجُوبِ سَتْرِ الزِّينَةِ الباطِنَةِ مِنهم، وإباحَةِ ما ظَهَرَ مِنها مَعَهم كَغَيْرِهِمْ، فَأمّا الصَّغِيرُ فَإنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولَمْ يُمَيِّزْ مِن أحْوالِهِنَّ شَيْئًا فَلا عَوْرَةَ لِلْمَرْأةِ مَعَهُ.

[فَإنْ كانَ مُمَيِّزًا غَيْرَ بالِغٍ] لَزِمَ أنْ تَسْتُرَ المَرْأةُ مِنهُ ما بَيْنَ سُرَّتِها ورُكْبَتِها وفي لُزُومِ سَتْرٍ ما عَداهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا يَلْزَمُ لِأنَّ القَلَمَ غَيْرُ جارٍ عَلَيْهِ والتَّكْلِيفَ لَهُ غَيْرُ لازِمٍ.

والثّانِي: يَلْزَمُ كالرَّجُلِ لِأنَّهُ قَدْ يَشْتَهِي ويُشْتَهى.

(p-٩٦)وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: لِعَدَمِ شَهْوَتِهِمْ.

والثّانِي: لَمْ يَعْرِفُوا عَوْراتِ النِّساءِ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ.

والثّالِثُ: لَمْ يُطِيقُوا جِماعَ النِّساءِ.

وَأمّا الشَّيْخ ُ فَإنْ بَقِيَتْ فِيهِ شَهْوَةٌ فَهو كالشَّبابِ، فَإنْ فَقَدَها فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الزِّينَةَ الباطِنَةَ مَعَهُ مُباحَةٌ والعَوْرَةَ مَعَهُ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ.

والثّانِي: أنَّها مَعَهُ مُحَرَّمَةٌ وجَمِيعَ البَدَنِ مَعَهُ عَوْرَةٌ إلّا الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ، اسْتِدامَةً لِحالِهِ المُتَقَدِّمَةِ.

وَأمّا المَجْبُوبُ والخَصِيُّ فَفِيهِما لِأصْحابِنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: اسْتِباحَةُ الزِّينَةِ الباطِنَةِ مَعَهُما.

والثّانِي: تَحْرِيمُها عَلَيْهِما.

والثّالِثُ: إباحَتُها لِلْمَجْبُوبِ وتَحْرِيمُها عَلى الخَصِيِّ.

والعَوْرَةُ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُبْحِ ظُهُورِها وغَضِّ البَصَرِ عَنْها، مَأْخُوذٌ مِن عَوَرِ العَيْنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَتِ المَرْأةُ إذا مَشَتْ تَضْرِبُ بِرِجْلِها لِيُسْمَعَ قَعْقَعَةُ خَلْخالِها، فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ.

(p-٩٧)وَيَحْتَمِلُ فِعْلُهُنَّ ذَلِكَ أمْرَيْنِ: فَإمّا أنْ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فَرَحًا بِزِينَتِهِنَّ ومَرَحًا، وإمّا تَعَرُّضًا لِلرِّجالِ وتَبَرُّجًا، فَإنْ كانَ الثّانِي فالمَنعُ مِنهُ حَتْمٌ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فالمَنعُ مِنهُ نَدْبٌ.

24:32–34Page 354

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ وهو جَمْعُ أيِّمٍ، وفي الأيِّمِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّها الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

يُقالُ رَجُلٌ أيِّمٌ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ إذا لَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ.

وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى عَنِ الأيِّمَةِ» يَعْنِي العَزْبَةَ قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَإنْ تَنْكَحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي وإنْ كُنْتَ أفْتى مِنكُمُ أتَأيَّمُ

وَرَوى القاسِمُ قالَ: أُمِرَ بِقَتْلِ الأيِّمِ يَعْنِي الحَيَّةَ.

وَفِي هَذا الخِطابِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ أنْ يَنْكِحُوا آيامَهم مِن أكْفائِهِنَّ إذا دَعَوْنَ إلَيْهِ (p-٩٨)لِأنَّهُ خِطابٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ الحَتْمِ فَلِذَلِكَ يُوَجَّهُ إلى الوَلِيِّ دُونَ الزَّوْجِ.

الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ يَتَزَوَّجُوا الأيامى عِنْدَ الحاجَةِ.

واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ فَذَهَبَ أهْلُ الظّاهِرِ إلَيْهِ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ الأمْرِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ إلى اسْتِحْبابِهِ لِلْمُحْتاجِ مِن غَيْرِ إيجابٍ وكَراهَتِهِ لِغَيْرِ المُحْتاجِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى الكَلامِ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن رِجالِكم وأنْكِحُوا إماءَكم.

الثّانِي: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ أمَرَ بِإنْكاحِ العَبِيدِ والإماءِ كَما أمَرَنا بِإنْكاحِ الأيامى لِاسْتِحْقاقِ السَّيِّدِ لِوِلايَةِ عَبْدِهِ وأمَتِهِ، فَإنْ دَعَتِ الأمَةُ سَيِّدَها أنْ يَتَزَوَّجَها لَمْ يَلْزَمْهُ لِأنَّها فِراشٌ لَهُ، وإنْ أرادَ تَزْوِيجَها كانَ لَهُ خَيْرًا وإنْ لَمْ يَخْتَرْهُ لِيَكْتَسِبَ رِقَّ ولَدِها ويُسْقِطَ عَنْهُ نَفَقَتَها.

وَإنْ أرادَ السَّيِّدُ تَزْوِيجَ عَبْدٍ أوْ طَلَبَ العَبْدُ ذَلِكَ مِن سَيِّدِهِ فَهَلْ لِلدّاعِي إلَيْهِ أنْ يُجْبِرَ المُمْتَنِعَ فِيهِما عَلَيْهِ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ إلى النِّكاحِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بِهِ عَنِ السِّفاحِ.

الثّانِي: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ إلى المالِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ إمّا بِقَناعَةِ الصّالِحِينَ، وإمّا بِاجْتِماعِ الرِّزْقَيْنِ، ورَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي رَوّادٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اطْلُبُوا الغِنى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾» .

﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: واسِعُ العَطاءِ عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ.

(p-٩٩)الثّانِي: واسِعُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ بِالخَلْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ ولْيَعُفَّ، والعِفَّةُ في العُرْفِ الِامْتِناعُ مِن كُلِّ فاحِشَةٍ، قالَ رُؤْبَةُ: يَعُفُّ عَنْ أسْرارِها بَعْدَ الفِسْقِ.

يَعْنِي عَنِ الزِّنى بِها.

﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإعْسارٍ إمّا بِصَداقٍ أوْ نَفَقَةٍ.

﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: يُغْنِيهِمُ اللَّهُ عَنْهُ بِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ.

الثّانِي: يُغْنِي بِمالٍ حَلالٍ يَتَزَوَّجُونَ بِهِ.

﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أمّا الكِتابُ المُبْتَغى هُنا فَهو كِتابَةُ العَبْدِ والأمَةِ عَلى مالٍ إذا أدَّياهُ عَتَقا بِهِ وكانا قَبْلَهُ مالِكَيْنِ لِلْكَسْبِ لِيُؤَدِّيَ في العِتْقِ، فَإنْ تَراضى السَّيِّدُ والعَبْدُ عَلَيْها جازَ، وإنْ دَعا السَّيِّدُ إلَيْها لَمْ يُجْبِرِ العَبْدَ عَلَيْها.

وَإنْ دَعا العَبْدُ إلَيْها فَفي إجْبارِ السَّيِّدِ عَلَيْها إذْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا مَذْهَبانِ:

أحَدُهُما: وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وداوُدَ، يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ مُكاتَبَتُهُ ويُجْبَرُ إنْ أبى.

الثّانِي: وهو قَوْلُ مالِكِ والشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ولا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَإذا انْعَقَدَتِ الكِتابَةُ لَزِمَتْ مِن جِهَةِ السَّيِّدِ وكانَ المَكاتَبُ فِيها مُخَيَّرًا بَيْنَ المُقامِ والفَسْخِ.

﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: أنَّ الخَيْرَ: القُدْرَةُ عَلى الِاحْتِرافِ والكَسْبِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الخَيْرَ: المالُ، قالَهُ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الدِّينُ والأمانَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

(p-١٠٠)الرّابِعُ: أنَّهُ الوَفاءُ والصِّدْقُ، قالَهُ قَتادَةُ وطاوُسٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الكَسْبُ والأمانَةُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مالِ الزَّكاةِ مِن سَهْمِ الرِّقابِ يُعْطاهُ المَكاتَبُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ في أداءٍ ما عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ.

وَلا يُكْرَهُ لِلسَّيِّدِ أخْذُهُ وإنْ كانَ غَنِيًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مِن مالِ المُكاتَبَةِ مَعُونَةً مِنَ السَّيِّدِ لِمَكاتِبِهِ كَما أعانَهُ غَيْرُهُ مِنَ الزَّكاةِ.

واخْتَلَفَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ في وُجُوبِهِ فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ولَيْسَ بِواجِبٍ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى وُجُوبِهِ وبِهِ قالَ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِوُجُوبِهِ في هَذا التَّأْوِيلِ في تَقْدِيرِهِ؛ فَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَدَّرَهُ بِالرُّبْعِ مِن مالِ الكِتابَةِ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَإنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنهُ طَوْعًا قَضى الحاكِمُ بِهِ عَلَيْهِ جَبْرًا واجْتَهَدَ رَأْيَهُ في قَدْرِهِ، وحَكَمَ بِهِ في تَرِكَتِهِ إنْ ماتَ، وحاصَّ بِهِ الغُرَماءَ إنْ أفْلَسَ.

والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ في قَوْلِ الشّافِعِيِّ وأصْحابِهِ، وإذا عَجَزَ عَنْ أداءِ نَجْمٍ عِنْدَ مَحِلِّهِ كانَ السَّيِّدُ بِالخِيارِ بَيْنَ إنْظارِهِ وتَعْجِيزِهِ وإعادَتِهِ رِقًّا، ولا يَرُدُّ ما أخَذَهُ مِنهُ أوْ مِن زَكاةٍ أُعِينَ بِها أوْ مالٍ كَسَبَهُ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وسَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الآيَةَ; أنَّ عَبْدًا اسْمُهُ صُبْحٌ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى سَألَهُ أنْ يُكاتِبَهُ فامْتَنَعَ حُوَيْطِبٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ الفَتَياتُ (p-١٠١)الإماءُ، البِغاءُ الزِّنى، والتَّحَصُّنُ التَّعَفُّفُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكْرَهَها ولا يُمْكِنُها سَواءٌ أرادَتْ تَعَفُّفًا أوْ لَمْ تُرِدْ.

وَفي ذِكْرِ الإكْراهِ هُنا وجْهانِ:

أحَدُهُما: لِأنَّ الإكْراهَ لا يَصِحُّ إلّا فِيمَن أرادَ التَّعَفُّفَ، ومَن لَمْ يَرُدِ التَّعَفُّفَ فَهو مُسارِعٌ إلى الزِّنى غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ وارِدٌ عَلى سَبَبٍ فَخَرَجَ النَّهْيُ عَلى صِفَةِ السَّبَبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ، وهَذا ما رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وكانَ يُكْرِهُها عَلى الزِّنى فَزَنَتْ بِبُرْدٍ فَأعْطَتْهُ إيّاهُ فَقالَ: ارْجِعِي فازْنِي عَلى آخَرَ: فَقالَتْ: لا واللَّهِ ما أنا بِراجِعَةٍ، وجاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلى البِغاءِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ مُسْتَفِيضًا مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ طَلَبًا لِلْوَلَدِ والكَسْبِ» .

﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ لِتَأْخُذُوا أُجُورَهُنَّ عَلى الزِّنى.

﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ﴾ يَعْنِي مِنَ السّادَةِ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي لِلْأمَةِ المُكْرَهَةِ دُونَ السَّيِّدِ المُكْرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском