Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:25–59
28:25–28Page 388
فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥
Then one of the two women came to him walking with shyness. She said, "Indeed, my father invites you that he may reward you for having watered for us." So when he came to him1 and related to him the story, he said, "Fear not. You have escaped from the wrongdoing people."
قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦
One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."
قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
He said, "Indeed, I wish to wed you one of these, my two daughters, on [the condition] that you serve me for eight years; but if you complete ten, it will be [as a favor] from you. And I do not wish to put you in difficulty. You will find me, if Allāh wills, from among the righteous."
قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨
[Moses] said, "That is [established] between me and you. Whichever of the two terms I complete - there is no injustice to me, and Allāh, over what we say, is Witness."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاسْتَبْكَرَ أبُوهُما سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا فَقالَ لَهُما: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا فَأخْبَرَتاهُ بِما صَنَعَمُوسى فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ فَجاءَتْهُ تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِتارُها بِكُمِّ دِرْعِها، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ بُعْدُها مِنَ النِّداءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي سَبَبِ اسْتِحْيائِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها دَعَتْهُ لِتُكافِئَهُ وكانَ الأجْمَلُ مُكافَأتَهُ مِن غَيْرِ عَناءٍ.
الثّانِي: لِأنَّها كانَتْ رَسُولَةَ أبِيها.
الثّالِثُ: ما قالَهُ عُمَرُ لِأنَّها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً.
﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ وفي أبِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَثْرَوُنُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والكَلْبِيُّ.
وَكانَ اسْمُ الَّتِي دَعَتْ مُوسى وتَزَوَّجَها: صُفُورْيا.
واسْمُ الأُخْرى فِيهِ قَوْلانِ:
(p-٢٤٨)إحْداهُما: لَيّا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: شَرَفًا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ لِيُكافِئَكَ عَلى ما سَقَيْتَ لَنا، فَمَشَتْ أمامَهُ فَوَصَفَ الرِّيحُ عَجِيزَتَها فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ إنْ أخْطَأْتُ.
﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ أخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ.
﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عَلَيَّ سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ والقائِلَةُ هي الَّتِي دَعَتْهُ وهي الصُّغْرى يَعْنِي اسْتَأْجَرَهُ لِرَعْيِ الغَنَمِ.
﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القَوِيُّ فِيما ولِيَ، الأمِينُ فِيما اسْتُودِعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: القَوِيُّ في بَدَنِهِ، الأمِينُ في عَفافِهِ.
وَرُوِيَ أنَّ أباها لَمّا قالَتْ لَهُ ذَلِكَ دَخَلَتْهُ الغَيْرَةُ فَقالَ لَها: وما عِلْمُكِ بِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَأنَّهُ كَشَفَ الصَّخْرَةَ الَّتِي عَلى بِئْرِ آلِ فُلانٍ ولا يَكْشِفُها دُونَ عَشْرَةٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَإنَّهُ خَلَّفَنِي خَلْفَ ظَهْرِهِ حِينَ مَشى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فَرَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أنَّ مُوسى قالَ: فَأيُّهُما تُرِيدُ أنْ تَنْكِحُنِي؟ قالَ: الَّتِي دَعَتْكَ، قالَ: لا إلّا أنْ تَكُونَ تُرِيدُ ما دَخَلَ في نَفْسِكَ عَلَيْها فَقالَ: هي عِنْدِي كَذَلِكَ فَزَوْجُهُ وكانَتِ الصَّغِيرَةُ واسْمُها صَفُّورِيّا.
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ يَعْنِي عَمَلَ ثَمانِي حِجَجٍ فَأسْقَطَ ذِكْرَ العَمَلِ واقْتَصَرَ عَلى المُدَّةِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنها، والعَمَلُ رَعْيُ الغَنَمِ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الثَّمانِي حِجَجٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها صَداقُ المَنكُوحَةِ.
الثّانِي: أنَّها شَرْطُ الأبِ في إنْكاحِها إيّاهُ ولَيْسَ بِصَداقٍ.
(p-٢٤٩)﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ كانَتْ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى ثَمانِي حِجَجٍ واجِبَةٍ وكانَتْ سَنَتانِ عِدَّةً مِنهُ فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَّتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
﴿وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الصّالِحِينَ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ.
قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: فِيما وعَدَهُ بِهِ.
حَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّهُ جَعَلَ لِمُوسى كُلَّ سَخْلَةٍ تُوضَعُ عَلى خِلافِ شِبْهِ أُمِّها فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ في الماءِ فَوَلَدَتْ كُلُّهُنَّ خِلافَ شَبَهِهِنَّ.
وَقالَ غَيْرُ يَحْيى: بَلْ جُعِلَ لَهُ كُلُّ بَلْقاءٍ فَوَلَدْنَ كُلُّهُنَّ بَلَقًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ السُّدِّيِّ: شَهِيدٌ.
الثّانِي: حَفِيظٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: رَقِيبٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
فَرُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (إنَّ مُوسى أجَّرَ نَفْسَهُ بِعِفَّةِ فَرْجِهِ وطُعْمَةِ بَطْنِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى؟ فَقالَ أبَرُّهُما وأوْفاهُما)» .(p-٢٥٠)
28:29–32Page 389
۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩
And when Moses had completed the term and was traveling with his family, he perceived from the direction of the mount a fire. He said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire. Perhaps I will bring you from there [some] information or burning wood from the fire that you may warm yourselves."
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠
But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."
وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١
And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.
ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢
Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ يَعْنِي العَمَلَ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ.
﴿وَسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ بِزَوْجَتِهِ.
﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ رَأى، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالعِلْمِ.
﴿قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ الَّذِي أرادَ قَصْدَهُ هَلْ هو عَلى صَوْبِهِ أوْ مُنْحَرِفٌ عَنْهُ.
الثّانِي: بِخَبَرِ النّارِ الَّتِي رَآها هَلْ هي لِخَيْرٍ يَأْنَسُ بِهِ أوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُهُ.
﴿أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: الجَذْوَةُ أصْلُ الشَّجَرَةِ فِيها نارٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها عُودٌ في بَعْضِهِ نارٌ ولَيْسَ في بَعْضِهِ نارٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها عُودٌ فِيهِ نارٌ لَيْسَ لَهُ لَهَبٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: أنَّها شِهابٌ مِن نارِ ذِي لَهَبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ الشّاعِرُ
؎ وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ جُذْوَةً شَدِيدٌ عَلَيْها حَمْيُها والتِهابُها.
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَسْتَدْفِئُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي النّارَ أيْ قَرُبَ مِنها.
﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ وهي البُقْعَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها لِمُوسى: " اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى "
(p-٢٥١)واحْتَمَلَ وصْفُها بِالبَرَكَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَ فِيها مُوسى وخَصَّهُ فِيها بِالرِّسالَةِ.
الثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن بِقاعِ الخِصْبِ وبِلادِ الرِّيفِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأحَلَّ اللَّهُ كَلامَهُ في الشَّجَرَةِ حَتّى سَمِعَهُ مُوسى مِنها، لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَهُ مِنَ اللَّهِ وهَذِهِ أعْلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ أنْ يَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ رَسُولٍ مُبَلِّغٍ وكانَ الكَلامُ مَقْصُورًا عَلى تَعْرِيفِهِ بِأنَّهُ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ إثْباتًا لِوَحْدانِيَّتِهِ ونَفْيًا لِرُبُوبِيَّةِ غَيْرِهِ، وصارَ بِهَذا الكَلامِ مِن أصْفِياءِ اللَّهِ مِن رُسُلِهِ لِأنَّهُ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا بَعْدَ أمْرِهِ بِالرِّسالَةِ، والأمْرُ بِها إنَّما كانَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ دُونَ الشَّجَرَةِ والشَّجَرَةُ بِالبَرَكَةِ أخَصُّ لِأنَّ الكَلامَ عَنْها صَدَرَ ومِنها سُمِعَ؟
قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الشَّجَرَةَ لَمّا كانَتْ في البُقْعَةِ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ لِدُخُولِ الشَّجَرَةِ فِيها ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الشَّجَرَةَ فَتَخْرُجُ البُقْعَةُ وصارَ إضافَتُها إلى البُقْعَةِ أعَمَّ.
الثّانِي: أنَّ البَرَكَةَ نَفَذَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى البُقْعَةِ فَصارَتِ البُقْعَةُ بِها مُبارَكَةً فَلِذَلِكَ خَصَّها اللَّهُ بِذِكْرِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّجَرَةُ هي العَلِيقُ وهي العَوْسَجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ الآيَةَ وإنَّما أمَرَهُ بِإلْقاءِ عَصاهُ في هَذا الحالِ لِيَكُونَ بُرْهانًا عِنْدَهُ بِأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامُ اللَّهِ ثُمَّ لِيَكُونَ بُرْهانًا لَهُ إلى مَن يُرْسَلُ إلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتْ بُرْهانًا إلَيْهِ وبُرْهانًا لَهُ فَلِمَ ولّى مِنها هارِبًا؟ قِيلَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: رَأى ما خالَفَ العادَةَ فَخافَ.
الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ الأمْرَ بِإلْقائِها لِأجْلِ أذاها فَوَلّى هارِبًا حَتّى نُودِيَ فَعَلِمَ.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ولَمْ يَثْبُتْ، اشْتِقاقًا مِنَ العَقِبِ الَّذِي يُثَبِّتُ القَدَمَ.
(p-٢٥٢)الثّانِي: ولَمْ يَتَأخَّرْ لِسُرْعَةِ مُبادَرَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى عَقِبِهِ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ وسُرْعَةِ هَرَبِهِ.
﴿يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: الآمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ.
الثّانِي: مِنَ المُرْسَلِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَصارَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ رَسُولًا بِهَذا القَوْلِ.
وَعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَصِيرُ رَسُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ والبُرْهانانِ اليَدُ والعَصا.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الجَناحَ الجَيْبُ جَيْبُ القَمِيصِ وكانَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ.
الثّانِي: أنَّ الجَيْبَ جَنْبُ البَدَنِ.
﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الرَّهْبَ الكُمُّ، قالَهُ مُوَرِّقٌ.
الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَوْفِ.
28:33–37Page 389
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِدْءًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَوْنًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٥٣)الثّانِي: زِيادَةُ، والرِّدْءُ الزِّيادَةُ وهو قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدَبٍ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبِ قَدْ أرْدى ذِراعًا عَلى العَشْرِ
28:38–42Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ أرْبَعُونَ سَنَةً.
﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو أوَّلُ مَن طَبَخَ الآجُرِّ.
﴿فاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ الصَّرْحُ القَصْرُ العالِي.
قالَ قَتادَةُ: هو أوَّلُ مَن صُنِعَ لَهُ الصَّرْحُ.
﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ الآيَةَ.
فَحَكى السُّدِّيُّ أنَّ فِرْعَوْنَ صَعَدَ الصَّرْحَ ورَمى نِشّابَهُ نَحْوَ السَّماءِ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ مُتَلَطِّخَةً دَمًا فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ قالَ قَتادَةُ: بَحْرٌ يُقالُ لَهُ أسافُ مِن وراءِ مِصْرَ غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: زُعَماءُ يُتْبَعُونَ عَلى الكُفْرِ.
الثّانِي: أئِمَّةٌ يَأْتَمُّ بِهِمْ ذَوُو العِبَرِ ويَتَّعِظُ بِهِمْ أهْلُ البَصائِرِ.
(p-٢٥٤)﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَدْعُونَ إلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ.
الثّانِي: يَدْعُونَ إلى ما يُوجِبُ النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي خِزْيًا وغَضَبًا.
الثّانِي: طَرْدًا مِنها بِالهَلاكِ فِيها.
﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِنَ المُقَبَّحِينَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ الأعْيُنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: مِنَ المُشَوَّهِينَ بِالعَذابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: مِنَ المُهْلَكِينَ، قالَهُ الأخْفَشُ وقُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: مِنَ المَغْلُوبِينَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
28:43Page 390
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣
And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها سِتٌّ مِنَ المَثانِي الَّتِي الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ورَواهُ مَرْفُوعًا.
الثّانِي: أنَّها التَّوْراةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: هو أوَّلُ كِتابٍ نَزَلَ فِيهِ الفَرائِضُ والحُدُودُ والأحْكامُ.
﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: ما أهْلَكَ اللَّهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ ولا قَرْنًا مِنَ القُرُونِ ولا قَرْيَةً مِنَ القُرى بِعَذابٍ مِنَ السَّماءِ ولا مِنَ الأرْضِ مُنْذُ أنْزَلَ اللَّهُ التَّوْراةَ عَلى وجْهِ الأرْضِ غَيْرَ القَرْيَةِ الَّتِي مَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً، ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ .
(p-٢٥٥)وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أيْ بَيِّناتٍ.
﴿وَهُدًى﴾ أيْ دَلالَةً ﴿وَرَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً.
﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِيَذْكُرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ فَيُقِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ في الدُّنْيا ويَثِقُوا بِثَوابِهِمْ في الآخِرَةِ.
28:44–47Page 391
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤
And you, [O Muḥammad], were not on the western side [of the mount] when We revealed to Moses the command, and you were not among the witnesses [to that].
وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥
But We produced [many] generations [after Moses], and prolonged was their duration.1 And you were not a resident among the people of Madyan, reciting to them Our verses, but We were senders [of this message].2
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦
And you were not at the side of the mount when We called [Moses] but [were sent] as a mercy from your Lord to warn a people to whom no warner had come before you that they might be reminded.
وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And if not that a disaster should strike them for what their hands put forth [of sins] and they would say, "Our Lord, why did You not send us a messenger so we could have followed Your verses and been among the believers?"...1
قَوْلُهُ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ ﴿بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: نُودِيَ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ اسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي وأعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الثّانِي: أنَّهم نُودُوا في أصْلابِ آبائِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إذا بُعِثْتَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى مِن جانِبِ الطُّورِ مِن ذِكْرِكَ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكَ.
الثّانِي: أنَّ إرْسالَكَ نَبِيًّا إلى قَوْمِكَ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكَ.
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي العَرَبَ.(p-٢٥٦)
28:48–51Page 391
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨
But when the truth came to them from Us, they said, "Why was he not given like that which was given to Moses?" Did they not disbelieve in that which was given to Moses before? They said, "[They are but] two works of magic supporting each other,1 and indeed we are, in both, disbelievers."
قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩
Say, "Then bring a scripture from Allāh which is more guiding than either of them that I may follow it, if you should be truthful."
فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠
But if they do not respond to you - then know that they only follow their [own] desires. And who is more astray than one who follows his desire without guidance from Allāh? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١
And We have [repeatedly] conveyed to them the word [i.e., the Qur’ān] that they might be reminded.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ قَرَأ الكُوفِيُّونَ سِحْرانِ، فَمَن قَرَأ ساحِرانِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: مُوسى ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ وهَذا قَوْلُ اليَهُودِ لَهُما في ابْتِداءِ الرِّسالَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وأبُو زَيْدٍ.
الثّالِثُ: عِيسى ومُحَمَّدٌ ﷺ، وهَذا قَوْلُ اليَهُودِ اليَوْمَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ: .
وَمَن قَرَأ سِحْرانِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التَّوْراةُ والقُرْآنُ، قالَهُ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ إسْماعِيلُ وأبُو مِجْلَزٍ.
الثّالِثُ: الإنْجِيلُ والقُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿وَقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ يَعْنِي بِما ذَكَرَهُ عَلى اخْتِلافِ الأقاوِيلِ وفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: إحْداهُما: اليَهُودُ.
الثّانِي: قُرَيْشٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ بَيَّنا لَهُمُ القَوْلَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أتْمَمْنا كَصِلَتِكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: أتْبَعْنا بَعْضَهُ بَعْضًا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَفِي ﴿القَوْلَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الخَبَرَ عَنِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٢٥٧)الثّانِي: إخْبارُهم بِمَن أهْلَكْنا مِن قَوْمِ نُوحٍ بِكَذا وقَوْمِ صالِحٍ بِكَذا وقَوْمِ هُودٍ بِكَذا.
﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَتَذَكَّرُونَ مُحَمَّدًا فَيُؤْمِنُوا بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَتَذَكَّرُونَ فَيَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِمَن قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: لَعَلَّهم يَتَّعِظُونَ بِالقُرْآنِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
28:52–55Page 392
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Those to whom We gave the Scripture before it - they1 are believers in it.
وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣
And when it is recited to them, they say, "We have believed in it; indeed, it is the truth from our Lord. Indeed we were, [even] before it, Muslims [i.e., submitting to Allāh]."
أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤
Those will be given their reward twice for what they patiently endured and [because] they avert evil through good, and from what We have provided them they spend.
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥
And when they hear ill speech, they turn away from it and say, "For us are our deeds, and for you are your deeds. Peace will be upon you;1 we seek not the ignorant."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي الَّذِينَ آتَيْناهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ هم بِالقُرْآنِ يُؤْمِنُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: الَّذِي آتَيْناهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ هم بِمُحَمَّدٍ يُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَفِيمَن نَزَلَتْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ والجارُودِ العَبْدِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ أسْلَمُوا فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ الإنْجِيلِ كانُوا مُسْلِمِينَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، اثْنانِ وثَلاثُونَ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وقْتَ قُدُومِهِ وثَمانِيَةٌ قَدِمُوا مِنَ الشّامِ.
مِنهم بَحِيرا وأبْرَهَةُ والأشْرافُ وعامِرٌ وأيْمَنُ وإدْرِيسُ ونافِعٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: [بِإيمانِهِمْ] بِالكِتابِ الأوَّلِ وإيمانِهِمْ بِالكِتابِ الآخِرِ.
(p-٢٥٨)وَفِي قَوْلِهِ بِما صَبَرُوا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: بِما صَبَرُوا عَلى الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: عَلى الأذى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: يَدْفَعُونَ بِالحِلْمِ جَهْلَ الجاهِلِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: يَدْفَعُونَ بِالسَّلامِ قُبْحَ اللِّقاءِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ النَّقّاشِ.
الرّابِعُ: يَدْفَعُونَ بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الخامِسُ: يَدْفَعُونَ بِالخَيْرِ الشَّرَّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَدْفَعُونَ بِالتَّوْبَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: يُؤْتُونَ الزَّكاةَ احْتِسابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ وهَذا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكاةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَتَصَدَّقُونَ مِن أكْسابِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا فَكانَ اليَهُودُ يَتَلَقَّوْنَهم بِالشَّتْمِ والسَّبِّ فَيُعْرِضُونَ عَنْهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا فَكانُوا إذا سَمِعُوا ما غَيَّرَهُ اليَهُودُ مِنَ التَّوْراةِ وبَدَّلُوهُ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتِهِ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَرِهُوا تَبْدِيلَهُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ إذا سَمِعُوا الشِّرْكَ أعْرَضُوا عَنْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومَكْحُولٌ.
الرّابِعُ: أنَّهم أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يَهُودًا ولا نَصارى وكانُوا عَلى دِينِ أنْبِياءِ اللَّهِ وكانُوا يَنْتَظِرُونَ بِعْثَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا سَمِعُوا بِظُهُورِهِ بِمَكَّةَ قَصَدُوهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وأسْلَمُوا.
(p-٢٥٩)وَكانَ أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ يَلْقَوْنَهم فَيَقُولُونَ لَهم: أُفٍّ لَكم مِن قَوْمٍ مَنظُورٍ إلَيْكم تَبِعْتُمْ غُلامًا قَدْ كَرِهَهُ قَوْمُهُ وهم أعْلَمُ بِهِ مِنكُمْ، فَإذا قالُوا ذَلِكَ لَهم أعْرَضُوا عَنْهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿قالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَنا دِينُنا ولَكم دِينُكم، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: لَنا حِلْمُنا ولَكم سَفَهُكم.
﴿سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ رَدُّوا خَيْرًا واسْتَكْفَوْا شَرًّا، وفِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: لا نُجازِي الجاهِلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا نَتَّبِعُ الجاهِلِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
28:56–57Page 392
إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَن أحْبَبْتَ هِدايَتَهُ.
الثّانِي: مَن أحْبَبْتَهُ لِقَرابَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ: « "قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ". فَقالَ: لَوْلا أنْ تُعَيِّرَنِي بِها قُرَيْشٌ لَأقْرَرْتُ عَيْنَيْكَ بِها» . ورَوى مُجاهِدٌ أنَّهُ قالَ: يا ابْنَ أخِي مِلَّةَ الأشْياخِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَعْنِي أبا طالِبٍ.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَهُ قَتادَةُ: يَعْنِي العَبّاسَ.
(p-٢٦٠)﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِمَن قُدِّرَ لَهُ الهُدى والضَّلالَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ القُرَشِيِّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ قَوْلَكَ حَقٌّ ولَكِنْ يَمْنَعُنا أنْ نَتَّبِعَ الهُدى مَعَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ مَخافَةَ أنْ يَتَخَطَّفَنا العَرَبُ مِن أرْضِنا يَعْنِي بِمَكَّةَ فَإنَّما نَحْنُ أُكَلَةُ رَأْسِ العَرَبِ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ، فَأجابَ اللَّهُ عَمّا اعْتَلِّ بِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَعَلَهُ آمِنًا بِما طَبَعَ النُّفُوسَ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ إلَيْهِ حَتّى لا يَنْفِرَ مِنهُ الغَزالُ والذِّئْبُ والحَمامُ والحِدَأةُ.
الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ آمِنًا بِالأمْرِ الوارِدِ مِن جِهَتِهِ بِأمانِ مَن دَخَلَهُ ولاذَ بِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
يَقُولُ كُنْتُمْ آمِنِينَ في حَرَمِي تَأْكُلُونَ رِزْقِي وتَعْبُدُونَ غَيْرِي أفَتَخافُونَ إذا عَبَدْتُمُونِي وآمَنتُمْ بِي.
﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ تُجْمَعُ إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ أرْضٍ وبَلَدٍ.
وَحَكى مُجاهِدٌ أنَّ كِتابًا وُجِدَ عِنْدَ المَقامِ فِيهِ: إنِّي أنا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، وضَعْتُها يَوْمَ خَلَقْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وحَرَّمْتُها يَوْمَ خَلَقْتُ السَّماواتِ والأرْضَ، وحَفَفْتُها بِسَبْعَةِ أمْلاكٍ حُنَفاءَ، يَأْتِيها رِزْقُها مِن ثَلاثَةِ سُبُلٍ، مُبارَكُ لِأهْلِها في الماءِ واللَّحْمِ، أوَّلُ مَن يَحِلُّها أهْلُها.
﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ عَطاءً مِن عِنْدِنا.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَعْقِلُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: لا يَتَدَبَّرُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
28:58–59Page 392
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨
And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩
And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.
(p-٢٦١)قَوْلُهُ: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ والبَطَرُ الطُّغْيانُ بِالنِّعْمَةِ.
وَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: يَعْنِي بَطِرَتْ في مَعِيشَتِها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: أبْطَرَتْها مَعِيشَتُها، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: في أوائِلِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في مُعْظَمِ القُرى مِن سائِرِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ أُمَّ القُرى مَكَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences