Al-MawardiAl-'Ankabut · 29:50–69

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:50–69

29:50–52Page 402

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١

And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢

Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَهُ آياتٍ يَقْتَرِحُونَها عَلَيْهِ كَما كانَ يَفْعَلُهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أنْ يَجْعَلَ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُجْرِيَ بِمَكَّةَ نَهْرًا.

الثّانِي: أنَّهم سَألُوهُ مِثْلَ آياتِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ كَما جاءَ صالِحٌ بِالنّاقَةِ ومُوسى بِالعَصا وعِيسى بِإحْياءِ المَوْتى.

﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُعْطِي ما يَشاءُ مِنَ الآياتِ لِمَن يَشاءُ مِنَ الأنْبِياءِ بِحَسَبِ ما يَرى مِنَ المَصْلَحَةِ ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّفِقْ آياتُ الأنْبِياءِ كُلُّها وإنَّما جاءَ كُلُّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنها.

﴿وَإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَندُوبٌ لِلْإنْذارِ والبَيانِ لا لِما يُقْتَرَحُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ وإنَّما يَلْزَمُ أنْ يَأْتِيَ بِما يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِهِ فَقالَ:

﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ يُتْلى عَلَيْهِمْ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أوَلَمَ يَكْفِهِمْ مِنَ الآياتِ الَّتِي سَألُوها أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ آيَةً لَكَ ودَلِيلًا عَلى صِدْقِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ في نَظْمِهِ وصِدْقِ خَبَرِهِ وصِحَّةِ وعْدِهِ؟ الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى ما رَواهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «أُتِيَ (p-٢٨٩)النَّبِيُّ ﷺ بِكِتابٍ في كَتِفٍ فَقالَ: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى غَيْرِ نَبِيِّهِمْ أوْ كِتابٍ غَيْرِ كِتابِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ .»

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي اسْتِنْقاذَهم مِنَ الضَّلالِ، وبِالذِّكْرى إرْشادُهم إلى الحَقِّ.

﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ الإيمانَ ولا يَقْصِدُونَ العِنادَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ يَعْنِي شَهِيدًا بِالصِّدْقِ والإبْلاغِ، وعَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والعِنادِ.

﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في صِحَّةِ شَهادَتِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِعِلْمِهِ فَلَزِمَهم أنْ يُقِرُّوا بِشَهادَتِهِ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: بِإبْلِيسَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: لِتَكْذِيبِهِمْ بِرُسُلِهِ وجَحْدِهِمْ لِكُتُبِهِ.

الثّانِي: بِما أشْرَكُوهُ مَعَهُ مِنَ الآلِهَةِ وأضافُوهُ إلَيْهِ مِنَ الأوْلادِ والأنْدادِ.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: خَسِرُوا أنْفُسَهم بِإهْلاكِها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّانِي: خَسِرُوا في الآخِرَةِ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِعَذابِ النّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

29:53–55Page 403

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣

And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.

يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤

They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers

يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥

On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

(p-٢٩٠)أحَدُهُما: أنَّ اسْتِعْجالَهم لَهُ شِدَّةُ عِنادِهِمْ لِنَبِيِّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِهْزاؤُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] الآيَةَ.

﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أجَلُ الحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ وأجَلُ المَوْتِ إلى حِينِ البَعْثِ إلَيْهِ بَيْنَ أجَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ.

﴿وَلَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً.

﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لا يَعْلَمُونَ بِنُزُولِهِ بِهِمْ.

رَوى نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقُومُ السّاعَةُ والرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَما تَصِلُ إلى فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» .

29:56–63Page 403

يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦

O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧

Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨

And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

Who have been patient and upon their Lord rely.

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠

And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١

If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢

Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣

And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.

(p-٢٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: أيْ جانِبُوا أهْلَ المَعاصِي بِالخُرُوجِ مِن أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ.

الثّانِي: اطْلُبُوا أوْلِياءَ اللَّهِ إذا ظَهَرُوا بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّالِثُ: جاهِدُوا أعْداءَ اللَّهِ بِالقِتالِ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: إنَّ رَحْمَتِي واسِعَةٌ لَكم، قالَهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الخامِسُ: إنَّ رِزْقِي واسِعٌ لَكم، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُطَرِّفٍ أيْضًا.

﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: فارْهَبُونِ، قالَهُ بِلالُ بْنُ سَعْدٍ.

الثّانِي: فاعْبُدُونِ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: فاعْبُدُونِ بِألّا تُطِيعُوا أحَدًا في مَعْصِيَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ كُلَّ حَيٍّ مَيِّتٌ.

الثّانِي: أنَّها تَجِدُ كُرْبَهُ وشِدَّتَهُ، وفي إعْلامِهِمْ بِذَلِكَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: إرْهابًا بِالمَوْتِ لِيُقْلِعُوا عَنِ المَعاصِي.

الثّانِي: لِيُعْلِمَهم أنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ وإنِ اخْتَصُّوا بِكَرامَتِهِ وتَفَرَّدُوا بِرِسالَتِهِ فَحُلُولُ المَوْتِ بِهِمْ كَحُلُولِهِ بِغَيْرِهِمْ حَتّى لا يَضِلُّوا بِمَوْتِ مَن ماتَ مِنهم، ورَوى جَعْفَرٌ (p-٢٩٢)الصّادِقُ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ «لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَهم آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾، إنَّ في اللَّهِ عَزاءً مَن كُلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ ودَرَكًا مِن كُلِّ فائِتٍ; فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ.

»

﴿ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ في القِيامَةِ بَعْدَ المَوْتِ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لَنَثُوِّيَنَّهم ) بِالثّاءِ مِنَ الثِّواءِ وهو طُولُ المَقامِ وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ مَعْناهُ لِنُسْكِنَنَّهم أعالِيَ البُيُوتِ.

وَإنَّما خَصَّهم بِالغُرَفِ لِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الغُرَفَ لا تَسْتَقِرُّ إلّا فَوْقَ البُيُوتِ فَصارَ فِيها جَمْعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ.

الثّانِي: لِأنَّها أنْزَهُ مِنَ البُيُوتِ لِإشْرافِها وألَذُّ سُكْنى مِنها لِرِياحِها وجَفافِها.

وَقَدْ رَوى أبُو مالِكٍ الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ غُرَفًا يُرى ظاهِرُها مِن باطِنِها، وباطِنُها مِن ظاهِرِها، أعَدَّها اللَّهُ لِمَن أطْعَمَ الطَّعامَ وأطابَ الكَلامَ وتابَعَ الصَّلاةَ والصِّيامَ وقامَ بِاللِّيلِ والنّاسُ نِيامٌ» .

قَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:

(p-٢٩٣)أحَدُها: مَعْناهُ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: تَأْكُلُ لِوَقْتِها ولا تَدَّخِرُ لِغَدِها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: يَأْتِيها مِن غَيْرِ طَلَبٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ ولا يَدَّخِرُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّوابُّ هو كُلُّ ما دَبَّ مِنَ الحَيَوانِ.

وَكُلُّهُ لا يَحْمِلُ رِزْقَهُ ولا يَدَّخِرُ إلّا ابْنُ آدَمَ والنَّمْلُ والفَأْرُ.

﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ أيْ يُسَوِّي بَيْنَ الحَرِيصِ المُتَوَكِّلِ في رِزْقِهِ وبَيْنَ الرّاغِبِ القانِعِ وبَيْنَ الجَلُودِ والعاجِزِ حَتّى لا يَغْتَرَّ الجَلْدُ أنَّهُ رُزِقَ بِجَلَدِهِ ولا يَتَصَوَّرُ العاجِزُ أنَّهُ مَمْنُوعٌ بِعَجْزِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمّا أُذِنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الهِجْرَةِ وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِها خافُوا الضَّيْعَةَ والجُوعَ فَقالَ قَوْمٌ نُهاجِرُ إلى بَلَدٍ لَيْسَ فِيها مَعاشٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَهاجَرُوا.

29:64–66Page 404

وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤

And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.

فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥

And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦

So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1

قَوْلُهُ تَعالى: " إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ " قالَ الضَّحّاكُ: الحَياةُ الدّائِمَةُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَيَوانُ والحَياةُ واحِدٌ.

29:67–69Page 404

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧

Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?

وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩

And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.

(p-٢٩٤)قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هي مَكَّةُ وهم قُرَيْشٌ أمَّنَهُمُ اللَّهُ بِها.

﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا فَأذْكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِيُذْعِنُوا لَهُ بِالطّاعَةِ.

﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أفَبِالشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِإبْلِيسَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: بِعافِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِعَطاءِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الرّابِعُ: بِإطْعامِهِمْ مِن جُوعٍ وأمْنِهِمْ مِن خَوْفٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ، وهَذا تَعَجُّبٌ وإنْكارٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا أوْ ولَدًا.

﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿مَثْوًى﴾ أيْ مُسْتَقَرًّا.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: قاتَلُوا المُشْرِكِينَ طائِعِينَ لَنا.

الثّانِي: جاهَدُوا أنْفُسَهم في هَواها خَوْفًا مِنّا.

الثّالِثُ: اجْتَهَدُوا في العَمَلِ بِالطّاعَةِ والكَفِّ عَنِ المَعْصِيَةِ رَغْبَةً في ثَوابِنا وحَذَرًا مِن عِقابِنا.

الرّابِعُ: جاهَدُوا أنْفُسَهم في التَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِهِمْ.

(p-٢٩٥)﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: يَعْنِي الطَّرِيقَ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: نُوَفِّقُهم لِدِينِ الحَقِّ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ يَهْدِيهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ عَبّاسٌ أبُو أحْمَدَ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ لَنُخَلِّصَنَّ نِيّاتِهِمْ وصَدَقاتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ وصِيامَهم، قالَهُ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ.

﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ في العَوْنِ لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском