Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:23–54
3:23–25Page 53
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.
فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥
So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ يَعْنِي حَظًّا لِأنَّهم عَلِمُوا بَعْضَ ما فِيهِ.
﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ في الكِتابِ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، دُعِيَ إلَيْها اليَهُودُ فَأبَوْا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: القُرْآنُ، لِأنَّ ما فِيهِ مُوافِقٌ لِما في التَّوْراةِ مِن أُصُولِ الدِّينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُبُوَّةُ النَّبِيِّ ﷺ. والثّانِي: أمْرُ إبْراهِيمَ وأنَّ دِينَهُ الإسْلامُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ حَدٌّ مِنَ الحُدُودِ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الفَرِيقُ (p-٣٨٣)
المُتَوَلِّي هم زُعَماءُ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ: النُّعْمانُ بْنُ أوْفى، وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرِو بْنِ صُورِيا تَوَلَّوْا عَنْهُ في حَدِّ الزِّنى لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ الرَّجْمُ، ورَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ الزّانِيَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: التَّوَلِّي عَنِ الشَّيْءِ هو الإعْراضُ عَنْهُ، قِيلَ: مَعْناهُ يَتَوَلّى عَنِ الدّاعِي ويُعْرِضُ عَمّا دُعِيَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ هَذا مِن قَوْلِ اليَهُودِ، واخْتَلَفُوا فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأيّامُ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ وهي أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ.
والثّانِي: أنَّها سَبْعَةُ أيّامٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: أنَّها مُتَقَطِّعَةٌ لِانْقِضاءِ العَذابِ فِيها، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هو قَوْلُهُمْ: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
3:26–27Page 53
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦
Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.
تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧
You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٣٨٤)
أحَدُها: يُرِيدُ بِهِ مُلْكَ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والثّانِي: مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: مالِكُ النُّبُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُلْكَ هُنا النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ السُّلْطانُ.
رَوى قَتادَةُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
» ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالطّاعَةِ، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالمَعْصِيَةِ.
والثّانِي: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالنَّصْرِ، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالقَهْرِ.
والثّالِثُ: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالغِنى، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالفَقْرِ.
﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ أيْ أنْتَ قادِرٌ عَلَيْهِ، وإنَّما خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، لِأنَّهُ المَرْغُوبُ في فِعْلِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ تُدْخِلُ نُقْصانَ اللَّيْلِ في زِيادَةِ النَّهارِ، ونُقْصانَ النَّهارِ في زِيادَةِ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ تَجْعَلُ اللَّيْلَ بَدَلًا مِنَ النَّهارِ، وتَجْعَلُ النَّهارَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (المَيِّتَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. (p-٣٨٥)
واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَّخْفِيفِ الَّذِي قَدْ ماتَ، وبِالتَّشْدِيدِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.
وَحَكى أبُو العَبّاسِ عَنْ عُلَماءِ البَصْرِيِّينَ بِأسْرِهِمْ أنَّهُما سَواءٌ، وأنْشَدَ لِابْنِ الرَّعْلاءِ القِلابِيِّ:
؎ لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَن يَعِيشُ كَئِيبًا ∗∗∗ كاسِفًا بالُهُ قَلِيلَ الرَّجاءِ
وَفِي تَأْوِيلِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُخْرِجُ الحَيَوانَ الحَيَّ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، ويُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الحَيَوانِ الحَيِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، ويُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
وَقالَ قَتادَةُ: وإنَّما سَمّى اللَّهُ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا بِيَحْيى لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أحْياهُ بِالإيمانِ.
﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ مَضَتْ.
3:28–34Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩
Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١
Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣
Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -
ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤
Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ في آلِ عِمْرانَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ.
والثّانِي: أنَّهُ المَسِيحُ، لِأنَّ مَرْيَمَ بِنْتُ عِمْرانَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
وَفِيما اصْطَفاهم بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِ دِينِهِمْ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صارُوا ذُرِّيَّةً بِالتَّناصُرِ لا بِالنَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٧] يَعْنِي في الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم في التَّناسُلِ والنَّسَبِ، إذْ جَمِيعُهم مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
3:35–36Page 54
إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥
[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."
فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦
But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."
﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُحَرَّرًا أيْ مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.
والثّانِي: يَعْنِي خادِمًا لِلْبَيْعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: يَعْنِي عَتِيقًا مِنَ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ إنَّما قالَتْ ذَلِكَ اعْتِذارًا مِنَ العُدُولِ عَنْ نَذْرِها لِأنَّها أُنْثى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ راجِعًا إلى اعْتِذارِها بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ، وقَرَأ الباقُونَ بِجَزْمِ التّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَها بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ مِنها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ لِأنَّ الأُنْثى لا تَصْلُحُ لِما يَصْلُحُ لَهُ الذَّكَرُ مِن خِدْمَةِ المَسْجِدِ المُقَدَّسِ، لِما يَلْحَقُها مِنَ الحَيْضِ، ولِصِيانَةِ النِّساءِ عَنِ التَّبَرُّجِ، وإنَّما يَخْتَصُّ الغِلْمانُ بِذَلِكَ.
﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: مِن طَعْنِ الشَّيْطانِ الَّذِي يَسْتَهِلُّ بِهِ المَوْلُودُ صارِخًا، وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
والثّانِي: مَعْناهُ مِن إغْوائِهِ لَها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومَعْنى الرَّجِيمِ المَرْجُومُ بِالشُّهُبِ.
3:37Page 54
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧
So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ رَضِيَها في النَّذْرِ الَّذِي نَذَرَتْهُ بِإخْلاصِ العِبادَةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ.
﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ يَعْنِي أنْشَأها إنْشاءً حَسَنًا في غِذائِها وحُسْنِ تَرْبِيَتِها.
﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ( وكَفَّلَها ) بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ دَفَعَ كَفالَتَها إلى غَيْرِهِ.
وَقَرَأ الباقُونَ: ( كَفَلَها ) بِالتَّخْفِيفِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أخَذَ كَفالَتَها إلَيْهِ.
﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ وهو مَعْرُوفٌ، وأصْلُهُ أنَّهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في المَجْلِسِ.
﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرِّزْقَ الَّذِي أتاها فاكِهَةُ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةُ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها لَمْ تَطْعَمْ ثَدْيًا قَطُّ حَتّى تَكَلَّمَتْ في المَهْدِ، وإنَّما كانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِنَ الجَنَّةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
واخْتُلِفَ في السَّبَبِ الَّذِي يَأْتِيها هَذا الرِّزْقُ لِأجْلِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَأْتِيها بِدَعْوَةِ زَكَرِيّا لَها.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ يَأْتِيها لِنُبُوَّةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَأْتِيها بِالرِّزْقِ.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَ الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ سَخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لَها لُطْفًا مِنهُ بِها حَتّى يَأْتِيَها رِزْقُها.
والأوَّلُ أشْبَهُ. (p-٣٨٩)
﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِ مَرْيَمَ بَعْدَ أنْ قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ أنْ قَطَعَ كَلامَ مَرْيَمَ.
3:38–41Page 55
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨
At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."
فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩
So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠
He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١
He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ دُعائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في المَسْألَةِ لِأنَّ سُؤالَ ما خالَفَ العادَةَ يُمْنَعُ مِنهُ إلّا عَنْ إذْنٍ لِتَكُونَ الإجابَةُ إعْجازًا.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ طَمِعَ في رِزْقِ الوَلَدِ مِن عاقِرٍ.
﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَعْنِي هَبْ لِي مِن عِنْدِكَ ولَدًا مُبارَكًا، وقَصَدَ بِالذُّرِّيَّةِ الواحِدَ.
﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ تُجِيبُ الدُّعاءَ، لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ بَعْدَ سَماعِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ المَلائِكَةُ، وفي مُناداتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ قِيلَ: إنَّما سَمّاهُ (p-٣٩٠)
يَحْيى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ بِالإيمانِ، وسَمّاهُ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ.
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وأهْلِ البَصْرَةِ.
والثّانِي: يَعْنِي المَسِيحَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَهُ بِكَلِمَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ.
والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ في دِينِهِمْ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وَسَيِّدًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الخَلِيفَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّقِيُّ، وهو قَوْلُ سالِمٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرِيفُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الفَقِيهُ العالِمُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
والخامِسُ: سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِالرِّياسَةِ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.
﴿وَحَصُورًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا ماءَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَأْتِي النِّساءَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ. (p-٣٩١)
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَأْتِي بِهِ النِّساءَ، لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ وإنَّما جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: (وَقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الطّالِبِ لَهُ.
﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ أيْ لا تَلِدُ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ راجَعَ بِهَذا القَوْلِ بَعْدَ أنْ بُشِّرَ بِالوَلَدِ، فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجَعَ لِيَعْلَمَ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، بِأنْ يُرَّدَّ هو وامْرَأتُهُ إلى حالِ الشَّبابِ، أمْ عَلى حالِ الكِبَرِ، فَقِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، أيْ عَلى هَذِهِ الحالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِمَقْدُورِ اللَّهِ وتَعَجُّبًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً لِوَقْتِ الحَمْلِ لِيَتَعَجَّلَ السُّرُورَ بِهِ.
﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: الإشارَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: الإيماءُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ لَمْ يُمْنَعْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هي الآيَةُ.
﴿وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ والعَشِيُّ: مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، وأصْلُ العَشِيِّ الظُّلْمَةُ، ولِذَلِكَ كانَ العَشى ضَعْفَ البَصَرِ، فَسُمِّيَ ما بَعْدَ الزَّوالِ عِشاءً لِاتِّصالِهِ بِالظُّلْمَةِ.
وَأمّا الإبْكارُ فَمِن حِينِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وأصْلُهُ التَّعْجِيلُ، لِأنَّهُ تَعْجِيلُ الضِّياءِ.
3:42–44Page 55
وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢
And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.
يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اصْطَفاها عَلى عالِمِي زَمانِها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاها لِوِلادَةِ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
( وطَهَّرَكِ ) فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: طَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: طَهَّرَكِ مِن أدْناسِ الحَيْضِ والنِّفاسِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ بِالتَّكْرارِ.
والثّانِي: أنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ لِلْعِبادَةِ، والِاصْطِفاءَ الثّانِيَ لِوِلادَةِ المَسِيحِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أخْلِصِي لِرَبِّكِ، وهو قَوْلُ سَعِيدٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ أدِيمِي الطّاعَةَ لِرَبِّكِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وفي تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُقَدَّمًا في شَرِيعَتِهِمْ وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا عِنْدَنا.
والثّانِي: أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فاسْتَوى حُكْمُ التَّقْدِيمِ في اللَّفْظِ وتَأْخِيرُهُ، وأصْلُ السُّجُودِ الِانْخِفاضُ الشَّدِيدُ والخُضُوعُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ
وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ إلّا أنَّ السُّجُودَ أكْثَرُ انْخِفاضًا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وافْعَلِي كَفِعْلِهِمْ. (p-٣٩٣)
والثّانِي: يَعْنِي مَعَ الرّاكِعِينَ في صَلاةِ الجَماعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ يَعْنِي ما كانَ مِنَ البُشْرى بِالمَسِيحِ.
﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ وأصْلُ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى إلى صاحِبِهِ، والوَحْيُ إلى الرُّسُلِ الإلْقاءُ بِالإنْزالِ، وإلى النَّحْلِ بِالإلْهامِ، ومِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ بِالإشارَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قالَ العَجّاجُ:
؎ ... ... ... ∗∗∗ ∗∗∗ أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ
﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تَشاجَرُوا عَلَيْها وتَنازَعُوا فِيها طَلَبًا لِكَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها لِأنَّ خالَتَها عِنْدِي، وقالَ القَوْمُ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِأنَّها بِنْتُ إمامِنا وعالِمِنا، فاقْتَرَعُوا عَلَيْها بِإلْقاءِ أقْلامِهِمْ وهي القِداحُ مُسْتَقْبِلَةً لِجِرْيَةِ الماءِ، فاسْتَقْبَلَتْ عَصا زَكَرِيّا لِجِرْيَةِ الماءِ مُصْعِدَةً، وانْحَدَرَتْ أقْلامُهم فَقَرَعَهم زَكَرِيّا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَفَّلَها﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ، والرَّبِيعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم تَدافَعُوا كَفالَتَها لِأنَّ زَكَرِيّا قَدْ كانَ كَفَلَ بِها مِن غَيْرِ اقْتِراعٍ، ثُمَّ لَحِقَهم أزْمَةُ ضَعْفٍ بِها عَنْ حَمْلِ مَؤُونَتِها، فَقالَ لِلْقَوْمِ: لِيَأْخُذْها أحَدُكم فَتَدافَعُوا كَفالَتَها وتَمانَعُوا مِنها، فَأقْرَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَفْسِهِ فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لَهُ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدٍ.
3:45–47Page 55
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥
[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦
He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."
قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧
She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ بِالمَسِيحِ قَوْلانِ: (p-٣٩٤)
أحَدُهُما: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ وفي سَبَبِ كَلامِهِ في المَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَنْزِيهِ أُمِّهِ مِمّا قُذِفَتْ بِهِ.
والثّانِي: لِظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ.
واخْتَلَفُوا: هَلْ كانَ في وقْتِ كَلامِهِ في المَهْدِ نَبِيًّا؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَبِيًّا لِظُهُورِ المُعْجِزَةِ مِنهُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَبِيًّا وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ.
والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ التَّمْهِيدِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَكَهْلا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالكَهْلِ الحَلِيمُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الكَهْلَ في السِّنِّ.
واخْتَلَفُوا: بُلُوغُ أرْبَعٍ وثَلاثِينَ سَنَةً.
والثّانِي: أنَّهُ فَوْقَ حالِ الغُلامِ ودُونَ حالِ الشَّيْخِ، مَأْخُوذٌ مِنَ القُوَّةِ مِن قَوْلِهِمُ: اكْتَهَلَ البَيْتَ إذْ طالَ وقَوِيَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما المَعْنى في الإخْبارِ بِكَلامِهِ كَهْلًا وذَلِكَ لا يُسْتَنْكَرُ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ يُكَلِّمُهم كَهْلًا بِالوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ يَتَكَلَّمُ صَغِيرًا في المَهْدِ كَلامَ الكَهْلِ في السِّنِّ.
3:48–54Page 56
وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨
And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel
وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩
And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.
وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠
And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.
إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"
۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢
But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allāh?" The disciples said, "We are supporters for Allāh. We have believed in Allāh and testify that we are Muslims [submitting to Him].
رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣
Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤
And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: يَعْنِي مَن أنْصارِي مَعَ اللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي إلى نَصْرِ اللَّهِ.
وَواحِدُ الأنْصارِ نَصِيرٌ.
﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِمْ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
وَأصْلُ الحَوارِيِّ: الحَوَرُ وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ الحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ لِشِدَّةِ بَياضِهِ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ.
واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اسْتِنْصارِ المَسِيحِ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: (p-٣٩٦)أحَدُها: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ طَلَبًا لِلْحِمايَةِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا قَتْلَهُ حِينَ أظْهَرَ دَعْوَتَهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ وإظْهارِ الحَقِّ.
والثّالِثُ: لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ المُوافِقِ مِنَ الكافِرِ المُخالِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صِلْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم بِالإخْلاصِ عَلى التَّقْوى.
والثّانِي: أثْبِتْ أسْماءَنا مَعَ أسْمائِهِمْ لِنَنالَ ما نالُوا مِنَ الكَرامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَكَرُوا بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحِيلَةِ عَلَيْهِ في قَتْلِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ في رَدِّهِمْ بِالخَيْبَةِ لِإلْقاءِ شَبَهِ المَسِيحِ عَلى غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: مَكَرُوا بِإضْمارِ الكُفْرِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِمُجازاتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وإنَّما جازَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ وإنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] ولَيْسَ الثّانِي اعْتِداءً، وأصْلُ المَكْرِ: الِالتِفافُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ مَكْرًا، والمَكْرُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الإنْسانِ لِالتِفافِ المَكْرُوهِ بِهِ.
والفَرْقُ بَيْنَ المَكْرِ والحِيلَةِ أنَّ الحِيلَةَ قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ: التَّوَصُّلُ إلى إيقاعِ المَكْرُوهِ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences