Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:30–60
30:30–32Page 407
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠
So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.
۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١
[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢
[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَصْدَكَ.
الثّانِي: دِينَكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: عَمَلَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: مُسْلِمًا، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والثّانِي: مُخْلِصًا، وهَذا قَوْلُ خُصَيْفٍ.
الثّالِثُ: مُتَّبِعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: مُسْتَقِيمًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الخامِسُ: حاجًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: مُؤْمِنًا بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ.
(p-٣١٢)﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ فِيها تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: صَنْعَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النّاسَ عَلَيْها، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: دِينَ اللَّهِ الَّذِي فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ يُرِيدُ بِهِ الإسْلامَ وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ السُّواكُ)» ومِن قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ
؎ إنْ تَقْتُلُونا فَدِينُ اللَّهِ فِطْرَتُنا والقَتْلُ في الحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَفْضِيلُ
﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: لا تَغْيِيرَ لِخَلْقِ اللَّهِ مِنَ البَهائِمِ أنْ يُخْصِيَ فَحُولَها، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: لا تَبْدِيلَ خالِقٍ غَيْرَ اللَّهِ فَيَخْلُقُ كَخَلْقِ اللَّهِ، لِأنَّهُ خالِقٌ يَخْلُقُ، وغَيْرُهُ مَخْلُوقٌ لا يَخْلُقُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا، لا يَشْقى مَن خَلَقَهُ سَعِيدًا ولا يَسْعَدُ مَن خَلَقَهُ شَقِيًّا.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: ذَلِكَ الحِسابُ البَيِّنُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الثّانِي: ذَلِكَ القَضاءُ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أنَّ لَهم خالِقًا مَعْبُودًا وإلَهًا قَدِيمًا:
(p-٣١٣)قَوْلُهُ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: مُقْبِلِينَ إلَيْهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ والفَرّاءُ.
الثّانِي: داعِينَ إلَيْهِ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ يَعْلى.
الثّالِثُ: مُطِيعِينَ لَهُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: تائِبِينَ إلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ فَإنْ تابُوا فَإنَّ بَنِي سُلَيْمٍ ؎ وقَوْمَهُمُ هَوازِنُ قَدْ أنابُوا
وَفِي أصْلِ الإنابَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ القَطْعُ ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ النّابِ لِأنَّهُ قاطِعٌ فَكَأنَّ الإنابَةَ هي الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالطّاعَةِ.
الثّانِي: أنَّ أصْلَهُ الرُّجُوعُ مَأْخُوذٌ مِن نابَ يَنُوبُ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ومِنهُ النَّوْبَةُ لِأنَّها الرُّجُوعُ إلى عادَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أيْ أوْقَعُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ حَتّى صارُوا فِرَقًا وقُرِئَ ( فارَقُوا دِينَهم ) أيْ تَرَكُوهُ وقَدْ قَرَأ بِذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ مَعْمَرٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ الخَوارِجُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ ورَواهُ أبُو أُمامَةَ مَرْفُوعًا.
الرّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ الأهْواءِ والبِدَعِ، رَوَتْهُ عائِشَةُ مَرْفُوعًا.
(p-٣١٤)﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فِرَقًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أدْيانًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم أنْصارُ الأنْبِياءِ وأتْباعُهم.
﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ أيْ فِرْقَةٍ.
﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أيْ بِما عِنْدَهم مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿فَرِحُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَسْرُورُونَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: مُعْجَبُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: مُتَمَسِّكُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
30:33–37Page 408
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤
So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
(p-٣١٥)قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: يَعْنِي كِتابًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: عُذْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: بُرْهانًا، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ وعَطاءٍ.
الرّابِعُ: رَسُولًا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى مُحْتَمَلًا.
﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ يُخْبِرُ بِهِ.
الثّانِي: يَحْتَجُّ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العافِيَةُ والسَّعَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: النِّعْمَةُ والمَطَرُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
وَيُحْتَمَلُ أنَّها الأمْنُ والدَّعَةُ.
﴿فَرِحُوا بِها﴾ أيْ بِالرَّحْمَةِ.
﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها الخَوْفُ والحَذَرُ.
﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِذُنُوبِهِمْ.
﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُنُوطَ اليَأْسُ مِنَ الرَّحْمَةِ والفَرَجِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّ القُنُوطَ تَرْكُ فَرائِضِ اللَّهِ في اليُسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
30:38–40Page 408
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.
(p-٣١٦)قَوْلُهُ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم قَرابَةُ الرَّجُلِ، أنْ يَصِلَ رَحِمَهم بِمالِهِ ونَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهم ذَوُو قُرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى آلِهِ وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ يُعْطَوْنَ حَقَّهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿والمِسْكِينَ﴾ هو الَّذِي لا يَجِدُ كِفايَتَهُ.
﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُسافِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ فَإنْ كانَ مُحْتاجًا فَحَقُّهُ في الزَّكاةِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْتاجٍ فَبِرًّا وصِلَةً.
الثّانِي: أنَّهُ الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ، فَإنْ أطْعَمَهُ كانَ بِرًّا وصِلَةً ولَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مِنَ الزَّكاةِ مُحْتاجًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْتاجٍ.
وَإنْ دَفَعْتَ إلَيْهِ مالًا جازَ إذا كانَ فَقِيرًا أنْ يَكُونَ مِنَ الزَّكاةِ، ولَمْ يَجُزْ إنْ كانَ غَنِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الرَّجُلُ يَهْدِي هَدِيَّةً لِيُكافَأ عَلَيْها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ في رَجُلٍ صَحِبَهُ في الطَّرِيقِ فَخَدَمَهُ فَجَعَلَ لَهُ المَخْدُومُ بَعْضَ الرِّبْحِ مِن مالِهِ جَزاءً لِخِدْمَتِهِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ في رَجُلٍ يَهَبُ لِذِي قَرابَةِ لَهُ مالًا لِيَصِيرَ بِهِ غَنِيًّا ذا مالٍ ولا يَفْعَلُهُ طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ فَلا يَكُونُ لَهُ ثَوابٌ عِنْدَ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما رِبَوانِ أحَدُهُما حَلالٌ والآخِرُ حَرامٌ، فَما تَعاطَيْتُمْ بَيْنَكم حَلالٌ ولا يَصِلُ إلى اللَّهِ.
(p-٣١٧)﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ ثَوابَ اللَّهِ، وفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وهو الظّاهِرُ.
الثّانِي: أنَّها الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تُضاعَفُ لَهُمُ الحَسَناتُ لِأنَّ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: تُضاعَفُ أمْوالُهم في الدُّنْيا بِالزِّيادَةِ فِيها، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يَقِلُّ مالُ رَجُلٍ مِن زَكاةٍ.
30:41–42Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
قَوْلُهُ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ في ﴿الفَسادُ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ارْتِكابُ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: فَسادُ البِرِّ: قَتْلُ ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وفَسادُ البَحْرِ: أخْذُ السَّفِينَةِ غَصْبًا.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ ظُهُورَ الفَسادِ وُلاةُ السُّوءِ.
﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّ البَرَّ الفَيافِي والبَحْرَ القُرى، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأمْصارَ البِحارَ.
(p-٣١٨)الثّانِي: البَرُّ أهْلُ العَمُودِ والبَحْرُ أهْلُ القُرى والرِّيفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ البَرَّ بادِيَةُ الأعْرابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والبَحْرَ الجَزائِرَ; قالَهُ عَطاءٌ.
الرّابِعُ: أنَّ البَرَّ ما كانَ مِنَ المُدُنِ والقُرى عَلى غَيْرِ نَهْرٍ، والبَحْرَ ما كانَ عَلى شَطِّ نَهْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَلِلْمُتَعَمِّقِينَ في غَوامِضِ المَعانِي وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ البَرَّ النَّفْسُ والبَحْرَ القَلْبُ.
الثّانِي: أنَّ البَرَّ اللِّسانُ والبَحْرَ القَلْبُ.
لِظُهُورِ ما عَلى اللِّسانِ وخَفاءِ ما في القَلْبِ.
وَهو بَعِيدٌ.
﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: بِما عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واكْتَسَبُوا مِنَ الخَطايا.
﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ مِنَ المَعاصِي جَزاءً مُعَجَّلًا في الدُّنْيا وجَزاءً مُؤَجَّلًا في الآخِرَةِ فَصارَ عَذابُ الدُّنْيا بَعْضَ الجَزاءِ.
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَرْجِعُونَ عَنِ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: يَرْجِعُونَ إلى حَقٍّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّالِثُ: يَرْجِعُ مِن بَعْدِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
30:43–45Page 409
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أقِمْ وجْهَكَ لِلتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ المُسْتَقِيمِ بِصاحِبِهِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ يَتَفَرَّقُونَ قالَ الشّاعِرُ
؎ وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَهُ يَتَصَدَّعا
(p-٣١٩)أيْ لَنْ يَتَفَرَّقا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُ ما يُصَدِّعُهم يَوْمَ القِيامَةِ مِن أهْوالٍ.
وَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يَتَفَرَّقُونَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَتَفَرَّقُ المُشْرِكُونَ وآلِهَتُهم في النّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القُبُورِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يُوَطِّئُونَ في الدُّنْيا بِالقُرْآنِ وفي الآخِرَةِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
30:46–47Page 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
قَوْلُهُ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: بِالغَيْثِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: بِخِصْبِ الزَّمانِ وصِحَّةِ الأبْدانِ.
وَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّياحِ فَهو رَحْمَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهو عَذابٌ.
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: الرِّيحُ ثَمانِيَةٌ، أرْبَعَةٌ مِنها رَحْمَةٌ وأرْبَعَةٌ مِنها عَذابٌ، فَأمّا الرَّحْمَةُ فالنّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ، وأمّا العَذابُ فالعَقِيمُ والصَّرْصَرُ وهُما في البَرِّ، والعاصِفُ والقاصِفُ وهُما في البَحْرِ.
﴿وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: بَرْدُها وطِيبُها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: المَطَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
﴿وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ.
(p-٣٢٠)﴿بِأمْرِهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِقُدْرَتِهِ في تَسْيِيرِها.
الثّانِي: بِرَحْمَتِهِ لِمَن فِيها.
﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ يَعْنِي ما عَدَّدَهُ مِن نِعَمِهِ فَتُطِيعُوهُ لِأنَّ طاعَةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ في شُكْرِهِ لِنِعْمَتِهِ إذْ لَيْسَ مَعَ المَعْصِيَةِ شُكْرٌ ولا مَعَ كُفْرِ النِّعْمَةِ طاعَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: نَصْرُ الأنْبِياءِ بِإجابَةِ دُعائِهِمْ عَلى المُكَذِّبِينَ لَهم مِن قَوْمِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: نَصْرُ المُؤْمِنِينَ بِإيجابِ الذَّبِّ عَنْ أعْراضِهِمْ، رَوَتْ أُمُّ الدَّرْداءِ، قالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾»
30:48–51Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١
But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1
(p-٣٢١)قَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: قِطَعًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مُتَراكِمًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: في سَماءٍ دُونَ سَماءٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيْ مِن خِلالِ السَّحابِ.
وَقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: مِن خَلَلِهِ، وفي ﴿الوَدْقَ﴾ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ البَرْقُ، حَكاهُ أبُو نُخَيْلَةَ الحِمّانِيُّ عَنْ أبِيهِ.
الثّانِي: أنَّهُ المَطَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضَ أبَقَلَ إبْقالَها
قَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي المَطَرَ.
﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَعْنِي بِالماءِ حَتّى أنْبَتَتْ شَجَرًا ومَرْعى بَعْدَ أنْ كانَتْ بِالجَدْبِ مَواتًا، قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةً إلّا أنْبَتَ بِها في الأرْضِ عُشْبَةً أوْ في البَحْرِ لُؤْلُؤَةً.
﴿إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لِأنَّ القادِرَ عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ قادِرٌ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ اسْتِدْلالًا بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ.
وَتَأوَّلَ مَن تَعَمَّقَ في غَوامِضِ المَعانِي آثارَ رَحْمَةِ اللَّهِ أنَّهُ مَواعِظُ القُرْآنِ وحُجَجُهُ تُحْيِي القُلُوبَ الغافِلَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: فَرَأوُا السَّحابَ مُصْفَرًّا، لِأنَّ السَّحابَ إذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْطِرْ، حَكاهُ عَلِيُّ ابْنُ عِيسى وقِيلَ إنَّها الرِّيحُ الدَّبُّورُ لِأنَّها لا تُلَقَّحُ.
الثّانِي: فَرَأوُا الزَّرْعَ مُصْفَرًّا بَعْدَ اخْضِرارِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ.
﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ومَعْنى ظَلَّ هو أنَّهُ أوْقَعَ الفِعْلَ في صَدْرِ النَّهارِ وهو الوَقْتُ الَّذِي فِيهِ الظِّلُّ، لِأنَّهُ وقْتٌ مُخْتَصٌّ بِأهَمِّ الأُمُورِ لِتَقْدِيمِهِ عَنْ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهم أضْحى يَفْعَلُ، لَكِنْ قَدْ يُعَبِّرُ بِقَوْلِهِمْ ظَلَّ يَفْعَلُ عَنْ فِعْلِ أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ اتِّساعًا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ أضْحى يَفْعَلُ إلّا في صَدْرِ النَّهارِ دُونَ آخِرِهِ.
وَيُحْتَمَلُ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ هُنا وجْهَيْنِ:
(p-٣٢٢)أحَدُهُما: يَشُكُّونَ.
الثّانِي: يَذُمُّونَ.
30:52–53Page 410
فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢
So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].
قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَوْتى الكُفّارُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ وهُمُ الصُّمُّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا عَنِ الهُدى فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، قالَهُيَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ كَما أنَّ المَيِّتَ إذا خُوطِبَ لَمْ يَسْمَعْ والأصَمَّ إذا دُعِيَ لَمْ يَسْمَعْ كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ الوَعْظَ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ أماتَهُ والضَّلالَ قَدْ أصَمَّهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فالأصَمُّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ مُقْبِلًا ولا مُدْبِرًا ولَكِنْ إذا دُعِيَ مُقْبِلًا فَقَدْ يَفْهَمُ الإشارَةَ وإنْ لَمْ يَسْمَعِ الصَّوْتَ، فَإذا دُعِيَ مُدْبِرًا فَهو لا يَفْهَمُ الإشارَةَ ولا يَسْمَعُ الصَّوْتَ فَلِذَلِكَ صارَتْ حالُهُ مُدْبِرًا أسْوَأ، فَذَكَّرَهُ بِأسْوَأِ أحْوالِهِ.
وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
30:54Page 410
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤
Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.
قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن نُطْفَةٍ.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ: شَبابًا.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ يَعْنِي هَرَمًا وشَيْبَةً، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ بَياضَ الشَّعْرِ نَذِيرٌ بِالفَناءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ أُرِيتُ الشَّيْبَ مِن نُذُرِ المَنايا لِصاحِبِهِ وحَسْبَكَ مِن نَذِيرٍ
﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِن قُوَّةٍ وضَعْفٍ.
﴿وَهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ.
﴿القَدِيرُ﴾ عَلى إرادَتِهِ.(p-٣٢٣)
30:55–57Page 410
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥
And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦
But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧
So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُفّارُ.
﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: في الدُّنْيا اسْتِقْلالًا لِأجْلِ الدُّنْيا لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: في قُبُورِهِمْ ما بَيْنَ مَوْتِهِمْ ونَشُورِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ هَكَذا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَصُدُّونَ في الدُّنْيا عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ.
قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أهْلُ الكِتابِ.
﴿والإيمانَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الإيمانُ بِالكِتابِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ لَهُ ولا تَبْدِيلٍ فِيهِ.
الثّانِي: الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: لَقَدْ لَبِثْتُمْ بِما بَيانُهُ في كِتابِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنْ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي ﴿لَبِثْتُمْ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لَبِثُوا في قُبُورِهِمْ.
(p-٣٢٤)الثّانِي: في الدُّنْيا أحْياءٌ وفي قُبُورِهِمْ أمْواتٌ.
﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ يَعْنِي الَّذِي كَذَّبْتُمْ بِهِ في الدُّنْيا.
﴿وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا تَعْلَمُونَ في الدُّنْيا أنَّ البَعْثَ حَقٌّ وقَدْ عَلِمْتُمُ الآنَ أنَّهُ حَقٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ عُذْرُهُمُ الَّذِي اعْتَذَرُوا بِهِ في تَكْذِيبِهِمْ.
﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: لا يُسْتَتابُونَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
الثّالِثُ: لا يَطْلُبُ مِنهُمُ العُتْبى وهو أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا لِيُعْتَبُوا أيْ لِيُؤْمِنُوا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
30:58–60Page 410
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨
And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."
كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩
Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠
So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].
قَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ وعْدَ اللَّهِ في نَصْرِكَ وتَأْيِيدِكَ حَقٌّ.
الثّانِي: أنَّ وعْدَهُ في انْتِقامِهِ مِن أعْدائِكَ حَقٌّ.
﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لا يَسْتَعْجَلَنَّكَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: لا يَسْتَفِزَّنَّكَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: لا يَسْتَنْزِلَنَّكَ، قالَهُ النَّقّاشُ.
﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
(p-٣٢٥)أحَدُهُما: لا يُؤْمِنُونَ.
الثّانِي: لا يُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ رَجُلًا مِنَ الخَوارِجِ قالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وهو خَلْفَهُ في صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآيَةَ.
فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ وهو في الصَّلاةِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences