Al-MawardiAl‑Ahzab · 33:1–13

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

الأحزاب

Al-Ahzab

The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs

33:1–3Page 418

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١

O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢

And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣

And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

(p-٣٦٩)سُورَةُ الأحْزابِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ مَعْلُومًا مِن حالِهِ فَفي أمْرِهِ بِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَعْنى هَذا الأمْرِ الإكْثارُ مِنِ اتِّقاءِ اللَّهِ في جِهادِ أعْدائِهِ.

الثّانِي: اسْتِدامَةُ التَّقْوى عَلى ما سَبَقَ مِن حالِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ تُوَجَّهُ إلَيْهِ والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِهِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا وهو ما رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا المَدِينَةَ لِيُجَدِّدُوا خِطابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عَهْدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَنَزَلُوا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وائْتَمَرُوا بَيْنَهم وأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أُمُورًا كَرِهَ جَمِيعَها فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ أنْ يَقْتُلُوهم فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ يَعْنِي في نَقْضِ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم إلى المُدَّةِ المَشْرُوطَةِ لَهم.

»

(p-٣٧٠)﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ.

﴿والمُنافِقِينَ﴾ مِن أهْلِ المَدِينَةِ فِيما دَعَوْا إلَيْهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: عَلِيمًا بِسَرائِرِهِمْ حَكِيمًا بِتَأْخِيرِهِمْ.

الثّانِي: عَلِيمًا بِالمَصْلَحَةِ حَكِيمًا في التَّدْبِيرِ.

33:4–5Page 418

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤

Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.

ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥

Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ يَوْمًا يُصَلِّي فَخَطَرَ خَطْرَةً فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ تَكْذِيبًا لَهُمْ;» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ويَكُونُ مَعْناهُ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن جَسَدَيْنِ.

الثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِن بَنِي فِهْرٍ قالَ: إنَّ في جَوْفِي قَلْبَيْنِ أعْقِلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِن عَقْلِ مُحَمَّدٍ وكَذَبَ فَنَزَلَتْ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن عَقْلَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّ جَمِيلَ بْنَ مَعْمَرٍ ويُكَنّى أبا مَعْمَرٍ مِن بَنِي جُمَحٍ كانَ أحْفَظَ النّاسِ لِما يَسْمَعُ وكانَ ذا فَهْمٍ ودَهاءٍ فَقالَتْ قُرَيْشٌ ما يَحْفَظُ جَمِيلٌ ما يَحْفَظُ بِقَلْبٍ واحِدٍ إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وهُزِمُوا أفْلَتَ وفي يَدَيْهِ إحْدى نَعْلَيْهِ والأُخْرى في رِجْلَيْهِ فَلَقِيَهُ أبُو سُفْيانَ بِشاطِئِ البَحْرِ فاسْتَخْبَرَهُ فَأخْبَرَهُ أنَّ قُرَيْشًا قُتِلُوا وسَمّى مَن قُتِلَ مِن (p-٣٧١)أشْرافِهِمْ، قالَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ فَما بالُ نَعْلَيْكَ إحْداهُما في يَدِكَ والأُخْرى في رَجُلِكَ؟ قالَ: ما كُنْتُ أظُنُّها إلّا في رِجْلَيَّ فَظَهَرَ لَهم حالَهُ فَنَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن فَهْمَيْنِ.

الرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا كانَ يَقُولُ إنَّ لِي نَفْسَيْنِ نَفْسًا تَأْمُرُنِي ونَفْسًا تَنْهانِي فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن نَفْسَيْنِ.

الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ حِينَ تَبَنّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أنْ أعْتَقَهُ فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ التَّبَنِّي مُنِعَ مِنِ ادِّعائِهِ ولَدًا ونَزَلَ فِيهِ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ﴾ يَقُولُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن أبَوَيْنِ، كَذَلِكَ لا يَكُونُ لِزَيْدٍ أبَوانِ حارِثَةُ ومُحَمَّدٌ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

وَفِيهِ إثْباتٌ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنْ أبَوَيْنِ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن أبَوَيْنِ.

السّادِسُ: مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكُونُ لِرَجُلٍ قَلْبٌ مُؤْمِنٌ مَعَنا وقَلْبٌ كافِرٌ عَلَيْنا لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ والكُفْرُ في قَلْبٍ واحِدٍ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن دِينَيْنِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وهو أنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهَذا ظِهارٌ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ بِهِ الزَّوْجاتِ ويَجْعَلُونَهُنَّ في التَّحْرِيمِ كالأُمَّهاتِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ بِذَلِكَ أنْ تَصِيرَ مُحَرَّمَةً كالأُمِّ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأُمٍّ وأوْجَبَ عَلَيْهِ بِالظِّهارِ مِنها إذا صارَ فِيهِ عامِدًا كَفّارَةً ذَكَرَها في سُورَةِ المُجادِلَةِ ومَنَعَهُ مِن إصابَتِها حَتّى يُكَفِّرَ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ مِن هَذا الكِتابِ.

﴿وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ أدْعِياءَ النَّبِيِّ.

قالَ مُجاهِدٌ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَكُونُ ذَلِيلًا فَيَأْتِي ذا القُوَّةِ والشَّرَفِ فَيَقُولُ: أنا ابْنُكَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَإذا قَبِلَهُ واتَّخَذَهُ ابْنًا أصْبَحَ أعَزَّ أهْلِهِ وكانَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ مِنهم قَدْ تَبَنّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ما كانَ يَصْنَعُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُلْحِقُوهم بِآبائِهِمْ فَقالَ: ﴿وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ في الإسْلامِ.

(p-٣٧٢)﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أنَّ امْرَأتَهُ بِالظِّهارِ أُمُّهُ وأنَّ دَعِيَّهُ بِالتَّبَنِّي ابْنُهُ ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ في أنَّ الزَّوْجَةَ لا تَصِيرُ في الظِّهارِ أُمًّا والدَّعِيَّ لا يَصِيرُ بِالتَّبَنِّي ابْنًا.

﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ يَعْنِي في إلْحاقِ النَّسَبِ بِالأبِ، وفي الزَّوْجَةِ أنَّها لا تَصِيرُ كالأُمِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ يَعْنِي التَّبَنِّيَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ما كُنّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ فَدَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى حارِثَةَ وعَرِفَ كُلٌّ نَسَبَهُ فَأقَرُّوا بِهِ وأثْبَتُوا نَسَبَهُ.

﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ قَوْلًا وحُكْمًا.

﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: فانْسُبُوهم إلى أسْماءِ إخْوانِكم ومُوالِيكم مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ وعَبْدِ العَزِيزِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: قُولُوا أخُونا فُلانٌ ووَلِيُّنا فُلانٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ قالَ: جَلَسَ نَفَرٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ فَتَفاخَرُوا بِالآباءِ فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَقُولُ أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ حَتّى انْتَهَوْا إلى سَلْمانَ فَقالَ أنا سَلْمانُ ابْنُ الإسْلامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَقالَ: صَدَقَ سَلْمانُ وأنا عُمَرُ بْنُ الإسْلامِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ .

الثّالِثُ: إنَّهُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهم أبٌ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ كانُوا إخْوانًا إنْ كانُوا أحْرارًا، ومَوالِيَ إنْ كانُوا عُتَقاءَ كَما فَعَلَ المُسْلِمُونَ فِيمَن عَرَفُوا نَسَبَهُ وفِيمَن لَمْ يَعْرِفُوهُ فَإنَّ المِقْدادَ بْنَ عَمْرٍو كانَ يُقالُ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، فَرَجَعَ إلى أبِيهِ وسُفْيانُ بْنُ مَعْمَرٍ كانَتْ أُمُّهُ امْرَأةَ مَعْمَرٍ في الجاهِلِيَّةِ فادَّعاهُ ابْنًا ثُمَّ أسْلَمَ سُفْيانُ وشَهِدَ بَدْرًا فَنُسِبَ إلى أبِيهِ ونَسَبِهِ في بَنِي زُرَيْقٍ مِنَ الأنْصارِ.

وَمِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أبٌ سالِمٌ، مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ونُسِبَ إلى ولاءِ أبِي حُذَيْفَةَ.

﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: ما أخْطَأْتُمْ قَبْلَ النَّهْيِ وما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم بَعْدَ النَّهْيِ في هَذا وغَيْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

(p-٣٧٣)الثّانِي: ما أخْطَأْتُمْ بِهِ ما سَهَوْتُمْ عَنْهُ، وما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم ما قَصَدْتُمُوهُ عَنْ عَمْدٍ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.

الثّالِثُ: ما أخْطَأْتُمْ بِهِ أنْ تَدْعُوهُ إلى غَيْرِ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ غَفُورًا عَمّا كانَ في الشِّرْكِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في الإسْلامِ.

33:6Page 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ أوْلى بِهِمْ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِإرْسالِهِ إلَيْهِمْ وفَرْضِ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: أنَّهُ أوْلى بِهِمْ فِيما رَآهُ لَهُ بِأنْفُسِهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في الحَرْفِ الأوَّلِ: هو أبٌ لَهم.

وَكانَ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أرادَ غُزاةَ تَبُوكَ أمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ فَقالَ قَوْمٌ مِنهُمْ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ»، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ أوْلى بِهِمْ في قَضاءِ دُيُونِهِمْ وإسْعافِهِمْ في نَوائِبِهِمْ عَلى ما رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا أنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ.

»

(p-٣٧٤)﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ يَعْنِي مَن ماتَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أزْواجِهِ هُنَّ كالأُمَّهاتِ في شَيْئَيْنِ:

أحَدُهُما: تَعْظِيمُ حَقِّهِنَّ.

الثّانِي: تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ.

وَلَيْسَ كالأُمَّهاتِ في النَّفَقَةِ والمِيراثِ.

واخْتُلِفَ في كَوْنِهِنَّ كالأُمَّهاتِ في المَحْرَمِ وإباحَةِ النَّظَرِ عَلى الوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: هُنَّ مَحْرَمٌ لا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ لِتَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ.

الثّانِي: أنَّ النَّظَرَ إلَيْهِنَّ مُحَرَّمٌ لِأنَّ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ إنَّما كانَ حِفَظًا لِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِنَّ، فَكانَ مِن حِفْظِ حَقِّهِ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ ولِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ إذا أرادَتْ دُخُولَ رَجُلٍ عَلَيْها أمَرَتْ أُخْتَها أسْماءَ أنْ تُرْضِعَهُ لِيَصِيرَ ابْنًا لِأُخْتِها مِنَ الرَّضاعَةِ فَيَصِيرَ مَحْرَمًا يَسْتَبِيحُ النَّظَرَ.

وَأمّا اللّاتِي طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَياتِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ في ثُبُوتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ لَهُنَّ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: تَثْبُتُ لَهُنَّ هَذِهِ الحُرْمَةُ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

الثّانِي: لا يَثْبُتُ لَهُنَّ ذَلِكَ بَلْ هَذِهِ كَسائِرِ النِّساءِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أثْبَتَ عِصْمَتَهُنَّ وقالَ: أزْواجِي في الدُّنْيا هُنَّ أزْواجِي في الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ مَن دَخَلَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهُنَّ ثَبَتَتْ حُرْمَتُها ويُحَرَّمُ نِكاحُها وإنْ طَلَّقَها حِفاظًا لِحُرْمَتِهِ وحِراسَةً لِخَلْوَتِهِ، ومَن لَمْ يَدْخُلْ بِها لَمْ يَثْبُتْ لَها هَذِهِ الحُرْمَةُ، وقَدْ هَمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها النَّبِيُّ ﷺ فَنَكَحَتْ بَعْدَهُ فَقالَتْ: لِمَ هَذا وما ضَرَبَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِجابًا ولا سُمِّيتُ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمًّا، فَكَفَّ عَنْها.

وَإذا كانَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرْناهُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِنَّ هَلْ هُنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِناتِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ.

الثّانِي: أنَّ هَذا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالرِّجالِ المُؤْمِنِينَ دُونَ النِّساءِ لِاخْتِصاصِ الحَظْرِ (p-٣٧٥)والإباحَةِ بِالرِّجالِ دُونَ النِّساءِ.

وَقَدْ رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها يا أُمّاهُ فَقالَتْ لَسْتُ بِأُمٍّ لَكِ أنا أُمُّ رِجالِكم.

﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ قِيلَ إنَّهُ أرادَ بِالمُؤْمِنِينَ الأنْصارَ، وبِالمُهاجِرِينَ قُرَيْشًا.

وَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ هَذا ناسِخٌ لِلتَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ، حَكى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ نَزَلَ في الأنْفالِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ فَكانَ لا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُسْلِمُ مِن قَرِيبِهِ المُهاجِرِ المُسْلِمِ شَيْئًا ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ ناسِخٌ لِلتَّوارُثِ بِالحِلْفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ رَوى هِشامُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ أُنْزِلَ فِينا خاصَّةً مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قَدِمْنا ولا أمْوالَ لَنا فَوَجَدْنا الأنْصارَ نِعْمَ الإخْوانُ فَآخَيْناهم فَأوْرَثُونا وأوْرَثْناهم، فَآخى أبُو بَكْرٍ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ وآخَيْتُ أنا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ فَجِئْتُ فَوَجَدْتُ السِّلاحَ قَدْ أثْقَلَهُ فَواللَّهِ لَقَدْ ماتَ ما ورِثَهُ غَيْرِي حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: في القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَضى أحْوالَ خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ التَّوارُثَ بِالأنْسابِ أوْلى مِنَ التَّوارُثِ بِمُؤاخاةِ المُؤْمِنِينَ وبِهِجْرَةِ المُهاجِرِينَ ما لَمْ يَخْتَلِفْ بِالمُتَناسِبِينَ دِينٌ فَإنِ اخْتَلَفَ بَيْنَهُما الدِّينُ فَلا تَوارُثَ بَيْنِهِما رَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتِينِ» .

(p-٣٧٦)﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ أرادَ الوَصِيَّةَ لِلْمُشْرِكِ مِن ذَوِي الأرْحامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى الوَصِيَّةَ لِلْحُلَفاءِ الَّذِي آخى بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ الَّذِينَ آخَيْتُمْ تَأْتُونَ إلَيْهِمْ مَعْرُوفًا، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَنى وصِيَّةَ الرَّجُلِ لِإخْوانِهِ في الدِّينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: كانَ التَّوارُثُ بِالهِجْرَةِ والمُؤاخاةِ في الكِتابِ مَسْطُورًا قَبْلَ النَّسْخِ.

والثّانِي: كانَ نَسْخُهُ بِمِيراثِ أُولِي الأرْحامِ في الكِتابِ مَسْطُورًا قَبْلَ التَّوارُثِ.

الثّالِثُ: كانَ أنْ لا يَرِثَ مُسْلِمٌ كافِرًا في الكِتابِ مَسْطُورًا.

وَفي الكِتابُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ.

الثّانِي: في الذِّكْرِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الثّالِثُ: في التَّوْراةِ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَصْنَعُوا مِثْلَهُ في بَنِي لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: في القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.(p-٣٧٧)

33:7–8Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: مِيثاقُهم عَلى قَوْمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِيثاقُ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ أنْ يُبَلِّغُوا الرِّسالَةَ إلَيْهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: مِيثاقُ الأنْبِياءِ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ رَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ قالَ (كُنْتُ أوَّلَهم في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ) .»

﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ المِيثاقَ الغَلِيظَ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ.

الثّانِي: يُصَدِّقُ بَعْضُهم بَعْضًا.

الثّالِثُ: أنْ يُعْلِنُوا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُعْلِنُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

وَفي ذِكْرِ مَن سَمّى مِنَ الأنْبِياءِ مَعَ دُخُولِهِمْ في ذِكْرِ النَّبِيِّينَ وجْهانِ:

أحَدُهُما: تَفْضِيلًا لَهم.

الثّانِي: لِأنَّهم أصْحابُ الشَّرائِعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

(p-٣٧٨)أحَدُها: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم، حَكاهُ النَّقّاشُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الرّابِعُ: لِيَسْألَ الأفْواهَ الصّادِقَةَ عَنِ القُلُوبِ المُخْلِصَةِ.

33:9–10Page 419

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي يَوْمَ الأحْزابِ حِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ ثُمَّ بِالنَّصْرِ.

﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: جُنُودُ الأحْزابِ أبُو سُفْيانَ وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ وطَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ وأبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ وبَنُو قُرَيْظَةَ.

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كَفَأتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ)» وكانَ مِن دُعائِهِ يَوْمَ الأحْزابِ « (اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنا وآمِن رَوْعَتَنا)» فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِرِيحِ الصَّبا.

(p-٣٧٩)﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ.

وَفي ما كانَ مِنهم أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: تَفْرِيقُ كَلِمَةِ المُشْرِكِينَ وإقْعادُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.

الثّانِي: إيقاعُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: تَقْوِيَةُ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ أنْ يُقاتِلُوا مَعَهم وأنَّها كانَتْ نَصَرَتْهم بِالزَّجْرِ حَتّى جاوَزَتْ بِهِمْ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَقالَ طَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ بَدَأكم بِالسِّحْرِ فالنَّجاةَ النَّجاةَ.

﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ يَعْنِي مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ والتَّحَرُّزِ مِنَ العَدُوِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن فَوْقِ الوادِي وهو أعْلاهُ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، جاءَ مِنهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ في بَنِي نَضْرٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ في أهْلِ نَجْدٍ، وطَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ في بَنِي أسَدٍ.

﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مِن بَطْنِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ أسْفَلَ أيْ تَحْتًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، جاءَ مِنهُ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ويَزِيدُ بْنُ جَحْشٍ عَلى قُرَيْشٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مَعَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ.

﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: شَخَصَتْ.

الثّانِي: مالَتْ:

﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ زالَتْ عَنْ أماكِنِها حَتّى بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وهي الحَلاقِيمُ واحِدُها حَنْجَرَةٌ.

وَقِيلَ إنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ بِبُلُوغِ القُلُوبِ (p-٣٨٠)الحَناجِرَ وإنْ لَمْ تَزُلْ عَنْ أماكِنِها مَعَ بَقاءِ الحَياةِ.

وَرُوِيَ «عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَأْمُرُ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ فَقالَ: (نَعَمْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنا وآمِن رَوْعَتَنا) قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ فَهُزِمُوا بِها.

»

﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: فِيما وُعِدُوا بِهِ مِن نَصْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ اخْتِلافُ ظُنُونِهِمْ فَظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ وأنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

33:11–13Page 419

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١

There the believers were tested and shaken with a severe shaking.

وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢

And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"

وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣

And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: بِالحَصْرِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: بِالجُوعِ فَقَدْ أصابَهم بِالخَنْدَقِ جُوعٌ شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: امْتُحِنُوا في الصَّبْرِ عَلى إيمانِهِمْ وتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ عَنِ المُنافِقِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَحَكى ابْنُ عِيسى أنَّ ﴿هُنالِكَ﴾ لِلْبُعْدِ مِنَ المَكانِ، وهُناكَ لِلْوَسَطِ وهُنا لِلْقَرِيبِ.

﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اضْطِرابُهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ.

(p-٣٨١)الثّالِثُ: أنَّهُ حَرَّكَهُمُ الأمْرُ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الرّابِعُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَرَضَ النِّفاقُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ حَكى السُّدِّيُّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَحْفِرُ الخَنْدَقَ لِحَرْبِ الأحْزابِ فَبَيْنا هو يَضْرِبُ فِيهِ بِمِعْوَلِهِ إذْ وقَعَ المِعْوَلُ عَلى صَفاةٍ فَطارَ مِنها كَهَيْئَةِ الشِّهابِ مِن نارٍ في السَّماءِ، وضَرَبَ الثّانِي فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، وضَرَبَ الثّالِثَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ فَرَأى ذَلِكَ سَلْمانُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (رَأيْتَ ما خَرَجَ في كُلِّ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتَها؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (تُفْتَحُ لَكم بِيضُ المَدائِنِ وقُصُورُ الرُّومِ ومَدائِنُ اليَمَنِ، قالَ: فَفَشا ذَلِكَ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى قُشَيْرَ بْنَ مُعَتِّبٍ.

وَقالَ غَيْرُهُ قُشَيْرَ بْنَ عَدِيٍّ الأنْصارِيَّ مِنَ الأوْسِ: وعَدَنا مُحَمَّدٌ أنْ تُفْتَحَ لَنا مَدائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُ الرُّومِ وبِيضُ المَدائِنِ وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ؟ هَذا واللَّهِ الغُرُورُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ قِيلَ إنَّهم مِن بَنِي سُلَيْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ مِن قَوْلِ أوْسِ بْنِ فَيْظِيٍّ ومَن وافَقَهُ عَلى رَأْيِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وحَكى السُّدِّيُّ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ.

﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ:

(p-٣٨٢)أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّ المَقامَ بِالفَتْحِ الثَّباتُ عَلى الأمْرِ، وبِالضَّمِّ الثَّباتُ في المَكانِ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ بِالفَتْحِ المَنزِلُ وبِالضَّمِّ الإقامَةُ.

وَفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أيْ لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى دِينِ مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لا مُقامَ لَكم عَلى القِتالِ فارْجِعُوا إلى طَلَبِ الأمانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: لا مُقامَ في مَكانِكم فارْجِعُوا إلى مَساكِنِكم، قالَ النَّقّاشُ.

والمُرادُ بِيَثْرِبَ المَدِينَةُ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ يَثْرِبَ هي المَدِينَةُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ المَدِينَةَ في ناحِيَةٍ مِن يَثْرِبَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَدْ رَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « (مَن قالَ: المَدِينَةُ يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي طابَةُ) ثَلاثَ مَرّاتٍ.

»

﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي اسْتَأْذَنَهُ مِنهم رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي حارِثَةَ، أحَدُهُما أبُو عُرابَةَ بْنُ أوْسٍ، والآخِرُ أوْسُ بْنُ فَيْظِيٍّ.

قالَ الضَّحّاكُ: ورَجَعَ ثَمانُونَ رَجُلًا بِغَيْرِ إذْنٍ.

﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: قاصِيَةٌ مِنَ المَدِينَةِ نَخافُ عَلى عَوْرَةِ النِّساءِ والصِّبْيانِ مِنَ السَّبْيِ، قالَهُ قَتادَةُ.

(p-٣٨٣)الثّانِي: خالِيَةٌ لَيْسَ فِيها إلّا العَوْرَةُ مِنَ النِّساءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدِ اعْوَرَّ الفارِسُ إذا كانَ فِيهِ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ قالَ الشّاعِرُ:

؎ لَهُ الشِّدَّةُ الأُولى إذا القَرْنُ أعَوَرا

الثّالِثُ: مَكْشُوفَةُ الحِيطانِ نَخافُ عَلَيْها السِّراقَ والطَّلَبَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والعَرَبُ تَقُولُ قَدْ أعْوَرَ مَنزِلُكَ إذا ذَهَبَ سَتْرُهُ وسَقَطَ جِدارُهُ وكُلُّ ما كُرِهَ انْكِشافُهُ فَهو عِنْدَهم عَوْرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ بُيُوتَنا عَوِرَةٌ، بِكَسْرِ الواوِ، أيْ مُمْكِنَةُ العَوْرَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ﴾ تَكْذِيبًا لَهم فِيما ذَكَرُوهُ.

﴿إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: فِرارًا مِنَ القَتْلِ.

الثّانِي: مِنَ الدِّينِ.

وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي حارِثَةَ وبَنِي سَلَمَةَ، هَمُّوا أنْ يَتْرُكُوا مَراكِزَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٢] الآيَةَ.

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: واللَّهِ ما سَرَّنا ما كُنّا هَمَمْنا بِهِ إنْ كانَ اللَّهُ ولِيَّنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском