Al-MawardiSaba · 34:1–17

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

سبإ

Saba

Sheba · Meccan · 54 ayahs

34:1–2Page 428

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١

[All] praise is [due] to Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and to Him belongs [all] praise in the Hereafter. And He is the Wise, the Aware.

يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ ٢

He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein. And He is the Merciful, the Forgiving.

(p-٤٣١)سُورَةُ سَبَإٍ

مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً مِنها في قَوْلِ الضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سَبَأٍ: ٦] فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الَّذِي خَلَقَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

الثّانِي: الَّذِي يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: هو حَمْدُ أهْلِ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَسُرُورُهم بِحَمْدِهِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّ لَهُ الحَمْدَ في السَّماواتِ وفي الأرْضِينَ لِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ قَبْلَ الأرْضِينَ فَصارَتْ هي الأُولى، والأرْضُونَ هي الآخِرَةُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

(p-٤٣٢)الثّالِثُ: لَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ لِأنَّهُ عَدْلٌ مِنهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ يَعْنِي الحَكِيمَ في أمْرِهِ، الخَبِيرُ بِخَلْقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: ما يَلِجُ في الأرْضِ المَطَرُ، وما يَخْرُجُ مِنها النَّباتُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: ما يَلِجُ فِيها الأمْواتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وما يَخْرُجُ مِنها كُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَعادِنِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: ما يَلِجُ فِيها: البُذُورُ، وما يَخْرُجُ مِنها: الزُّرُوعُ.

﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: المَلائِكَةُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَعْرُجُ فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: القَضاءُ، وما يَعْرُجُ فِيها: العَمَلُ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّالِثُ: ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: المَطَرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وما يَعْرُجُ فِيها: الدُّعاءُ.

وَهو مُحْتَمَلٌ.

34:3–6Page 428

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٣

But those who disbelieve say, "The Hour will not come to us." Say, "Yes, by my Lord, it will surely come to you. [Allāh is] the Knower of the unseen." Not absent from Him is an atom's weight1 within the heavens or within the earth or [what is] smaller than that or greater, except that it is in a clear register -

لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

That He may reward those who believe and do righteous deeds. Those will have forgiveness and noble provision.

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥

But those who strive against Our verses [seeking] to cause failure1 - for them will be a painful punishment of foul nature.

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦

And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ سَعْيَهم فِيها بِالجُحُودِ لَها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِالتَّكْذِيبِ بِها.

(p-٤٣٣)﴿مُعاجِزِينَ﴾ وقُرِئَ "مُعْجِزِينَ" وفي تَأْوِيلِ مُعاجِزِينَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: مُسابِقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُجاهِدِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: مُراغَمِينَ مُشاقِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ.

الرّابِعُ: أيْ لا يُعْجِزُونَنِي هَرَبًا ولا يَفُوتُونَنِي طَلَبًا، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

وَفي تَأْوِيلِ مُعْجِزِينَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُضَعِّفِينَ لِلَّهِ أنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الثّالِثُ: مُعْجِزِينَ مَن آمَنَ وصَدَّقَ بِالبَعْثِ بِإضافَةِ العَجْزِ إلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم نَسَبُوا المُؤْمِنِينَ إلى العَجْزِ عَنِ الِانْتِصارِ لِدِينِهِمْ إمّا بِضَعْفِ الحُجَّةِ وإمّا بِقِلَّةِ القُوَّةِ.

﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .

الثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ قالَ الحَسَنُ هو القُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ.

﴿وَيَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ الأنْصارِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

الثّانِي: إلى طاعَةِ اللَّهِ وسَبِيلِ مَرْضاتِهِ.(p-٤٣٤)

34:7–9Page 428

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧

But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?

أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨

Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.

أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩

Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ.

﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .

﴿يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ يُخْبِرُكم أنَّكم إذا مُتُّمْ فَأكَلَتْكُمُ الأرْضُ أوِ الطَّيْرُ حَتّى صِرْتُمْ عِظامًا ورُفاتًا.

﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ تَحْشُرُونَ وتَبْعَثُونَ.

قِيلَ إنَّ أبا سُفْيانَ ابْنِ حَرْبٍ قالَ هَذا لِأهْلِ مَكَّةَ، فَأجابَ بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ قائِلُ هَذا أنْ يَكُونَ كَذّابًا أوْ مَجْنُونًا فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ قَوْلَهم هَذا بِأنْ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ العَذابُ في الآخِرَةِ، والضَّلالُ البَعِيدُ في الدُّنْيا.

وَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ البَعِيدُ مِنَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّقاءُ الطَّوِيلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَعْناهُ ألَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ والأرْضِ كَيْفَ أحاطَتْ بِهِمْ؟ لِأنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ أوْ شِمالِكَ، أوْ بَيْنَ يَدَيْكَ أوْ خَلْفَكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ، قالَهُ قَتادَةُ، إذْكارًا لَهم بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وإحاطَتِها بِهِمْ، لِأنَّهم لا يَرَوْنَ لِأوَّلِيَّتِهِما ابْتِداءً ولا لِآخِرَتِهِما انْتِهاءً، وإنْ بَعُدُوا شَرْقًا وغَرْبًا.

الثّانِي: يَعْنِي ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ فَمَن أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ في أرْضِهِ ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ في سَمائِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ يَعْنِي كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم.

﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

(p-٤٣٥)أحَدُهُما: أنَّ الكِسَفَ العَذابُ قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ إنْ شاءَ ويُعَذِّبَ بِأرْضِهِ إنْ شاءَ، وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: أنَّهُ المُجِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّهُ المُقْبِلُ بِتَوْبَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ أنابَ إلى قَوْلِي فَأصْبَحْتُ مُرْصِدًا لَهُ بِالمُكافَأةِ المُنِيبَةِ والشُّكْرِ

الثّالِثُ: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ إلى رَبِّهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُخْلِصُ لِلتَّوْحِيدِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

34:10–11Page 429

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠

And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,

أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١

[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: النُّبُوَّةُ.

الثّانِي: الزَّبُورُ.

الثّالِثُ: فَصْلُ القَضاءِ بِالعَدْلِ.

الرّابِعُ: الفِطْنَةُ والذَّكاءُ.

الخامِسُ: رَحْمَةُ الضُّعَفاءِ.

السّادِسُ: حُسْنُ الصَّوْتِ.

السّابِعُ: تَسْخِيرُ الجِبالِ لَهُ والطَّيْرِ.

﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: سَبِّحِي مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: سَيَرى مَعَهُ قالَهُ الحَسَنُ وهو مِنَ السَّيْرِ ما كانَ في النَّهارِ كُلِّهِ أوْ في اللَّيْلِ كُلِّهِ، وقِيلَ: بَلْ هو سَيْرُ النَّهارِ كُلِّهِ دُونَ اللَّيْلِ.

(p-٤٣٦)الثّالِثُ: ارْجِعِي إذا رَجَعَ، قالَ الشّاعِرُ

؎ يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ

أيْ رُجُوعٍ بَعْدَ رُجُوعٍ.

﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ يَعْمَلُ بِهِ كَما يَعْمَلُ بِالطِّينِ لا يُدْخِلُهُ النّارَ ولا يَضْرِبُهُ بِمِطْرَقَةٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أنَّهُ سَهَّلَ لَهُ الحَدِيدَ أنْ يَعْمَلَ مِنهُ ما شاءَ وإنْ كانَ عَلى جَوْهَرِهِ وطَبْعِهِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ لانَ لَكَ فُلانٌ إذا تَسَهَّلَ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أيْ دِرْعًا تامَّةً، ومِنهُ إسْباغُ النِّعْمَةِ إتْمامُها، قالَ الشّاعِرُ

؎ وأكْثَرُهم دُرُوعًا سابِغاتٍ ∗∗∗ وأمْضاهم إذا طَعَنُوا سِنانا

﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: عَدِّلِ المَسامِيرَ في الحَلْقَةِ لا تُصَغِّرِ المِسْمارَ وتُعَظِّمِ الحَلْقَةَ فَيَسْلَسَ، ولا تُعَظِّمِ المِسْمارَ وتُصَغِّرِ الحَلْقَةَ فَتَنْفَصِمَ الحَلْقَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا تَجْعَلْ حَلْقَهُ واسِعَةً فَلا تَقِي صاحِبَها، قالَ قَتادَةُ: وكانَ داوُدُ أوَّلَ مَن عَمِلَها، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ.

وَفِي ﴿السَّرْدِ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ النَّقْبُ الَّذِي في حَلْقِ الدِّرْعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ لَبِيدٌ

؎ وما نُسِجَتْ أسْرادُ داوُدَ وابْنِهِ ∗∗∗ مُضاعِفَةً مِن نَسْجِهِ إذْ يُقاتِلُ

الثّانِي: أنَّهُ المَسامِيرُ الَّتِي في حَلْقِ الدِّرْعِ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَرَدَ الكَلامَ يَسْرُدُهُ إذا تابَعَ بَيْنَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَلاثَةٌ سُرُدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ» . وقالَ الهُذَلِيُّ

؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدَ أوْ صَنَعُ السَّوابِغَ تُبَّعُ

وَحَكى ضَمْرَةُ بْنُ شَوْذَبٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَرْفَعُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا فَيَبِيعُها (p-٤٣٧)بِسِتَّةِ آلافِ دِرْهَمٍ، ألْفانِ لِأهْلِهِ، وأرْبَعَةُ آلافٍ يُطْعِمُ بِها بَنِي إسْرائِيلَ خُبْزَ الحِوارِيِّ.

وَحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ والفَرّاءُ أنَّ لُقْمانَ حَضَرَ داوُدَ عِنْدَ أوَّلِ دِرْعٍ عَمِلَها فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيما يُرِيدُ بِهِ ولا يَدْرِي ما يُرِيدُ، فَلَمْ يَسَلْهُ حَتّى إذا فَرَغَ مِنها داوُدُ قامَ فَلَبِسَها وقالَ: نَعِمَتْ جَنَّةُ الحَرْبِ هَذِهِ، فَقالَ لُقْمانُ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ.

﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: هو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فِعْلُ جَمِيعِ الطّاعاتِ.

﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

34:12–13Page 429

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢

And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.

يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣

They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ.

﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: تَغْدُو مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ فَهي تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.

وَقالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيُقْبِلُ بِإصْطَخْرَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ ويَرُوحُ فَيَبِيتُ بِكابُلَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ.

﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي عَيْنٌ بِأرْضِ اليَمَنِ، قالَ السُّدِّيُّ: سَيَّلْتُ لَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَ عِكْرِمَةُ: سالَ لَهُ القِطْرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن صَنْعاءَ اليَمَنِ كَما يَسِيلُ الماءُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: هي عَيْنٌ بِالشّامِ.

وَفي القِطْرِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

(p-٤٣٨)الثّانِي: الصُّفْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ.

﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنهم مَن سَخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَمَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مِنهم غَيْرَ مُسَخَّرٍ.

﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ أيْ بِأمْرِ رَبِّهِ.

﴿وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَعْنِي عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَمّا يَأْمُرُهُ سُلَيْمانُ، قالَهُ قَتادَةُ: لِأنَّ أمْرَ سُلَيْمانَ كانَ كَأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِن أنْبِيائِهِ.

﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيِ النّارِ المُسَعَّرَةِ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: نُذِيقُهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: في الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسَخِّرُ مِنهم إلّا الكَفّارَ فَإذا آمَنُوا أُرْسِلُوا، قالَ وكانَ مَعَ المُسَخَّرِينَ مِنهم مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن عَذابِ السَّعِيرِ فَإذا خالَفَ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ المَلَكُ بِذَلِكَ السَّوْطِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: أنَّها قُصُورٌ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّانِي: المَساجِدُ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ.

الثّالِثُ: المَساكِنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِحْرابُ الدّارِ أشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيها، ولا يَكُونُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ.

﴿وَتَماثِيلَ﴾ هي الصُّوَرُ، قالَ الحَسَنُ ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمَةً، وفِيها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها مِن نُحاسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِن رُخامٍ وشَبَهٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ طَواوِيسُ وعُقابًا ونُسُورًا عَلى كُرْسِيِّهِ ودَرَجاتِ سَرِيرِهِ لِكَيْ يَهابَ مِن شاهِدِها أنْ يَتَقَدَّمَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

(p-٤٣٩)الثّانِي: صُوَرُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿وَجِفانٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: صِحافٌ.

﴿كالجَوابِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:

أحَدُها: كالحِياضِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: كالحائِطِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: عِظامٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ أثافِيَها مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ثابِتاتٌ لا يَزُلْنَ عَنْ أماكِنِهِنَّ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي لِثُبُوتِها وثُبُوتِ الأرْضِ بِها.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ القُدُورَ بِاليَمَنِ أبْقاها اللَّهُ تَعالى آيَةً وعِبْرَةً.

﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: تَقْوى اللَّهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: صَوْمُ النَّهارِ وقِيامُ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ أبِي زِيادٍ، فَلَيْسَ ساعَةٌ مِن نَهارٍ إلّا وفِيها مِن آلِ داوُدَ صائِمٌ ولا ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ إلّا وفِيها مِن آلِ داوُدَ قائِمٌ.

الرّابِعُ: اعْمَلُوا مِنَ الأعْمالِ ما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ الشُّكْرَ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.

الخامِسُ: اذْكُرُوا أهْلَ البَلاءِ وسَلُوا رَبَّكُمُ العافِيَةَ.

السّادِسُ: ما حَكاهُ الفُضَيْلُ أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ فَقالَ داوُدُ إلَهِي كَيْفَ أشْكُرُكَ والشُّكْرُ نِعْمَةٌ مِنكَ؟ قالَهُ: الآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أنَّ النِّعَمَ مِنِّي.

﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: المُؤْمِنُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

(p-٤٤٠)الثّانِي: المُوَحِّدُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: المُطِيعُ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

الرّابِعُ: ذاكِرُ نِعَمِهِ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (ثَلاثَةٌ مَن أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ آلُ داوُدَ: العَدْلُ في الرِّضا والغَضَبِ، والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنى، وخَشَيَةُ اللَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.

» وفي الفَرْقِ بَيْنَ الشّاكِرِ والشَّكُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ الشّاكِرَ مَن لَمْ يَتَكَرَّرْ شُكْرُهُ والشَّكُورَ مَن تَكَرَّرَ شُكْرُهُ.

الثّانِي: أنَّ الشّاكِرَ عَلى النِّعَمِ والشَّكُورَ عَلى البَلْوى.

الثّالِثُ: أنَّ الشّاكِرَ خَوْفُهُ أغْلَبُ والشَّكُورُ رَجاؤُهُ أغْلَبُ.

34:14Page 429

فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤

And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ الآيَةَ.

رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ سُلَيْمانَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يُصَلِّي صَلاةً إلّا وجَدَ شَجَرَةً ثّابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ لَها: ما اسْمُكِ؟ فَتَقُولُ: كَذا كَذا، فَيَقُولُ لِمَ أنْتِ؟ فَتَقُولُ لِكَذا وكَذا، فَصَلّى يَوْمًا فَإذا شَجَرَةٌ ثابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لَها ما اسْمُكِ؟ فَقالَتِ: الخَرُّوبُ فَقالَ: لِمَ أنْتِ؟ فَقالَتْ لِخَرابِ هَذا البَيْتِ.

»

(p-٤٤١)فَقالَ سُلَيْمانُ اللَّهُمَّ أغُمَّ عَلى الجِنِّ مَوْتِي حَتّى يَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ كانُوا لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، قالَ: فَهَيَّأ عَصًا ثُمَّ تَوَكَّأ عَلَيْها حَوْلًا وهم لا يَعْلَمُونَ، قالَ ثُمَّ أكَلَتْها الأرَضَةُ فَسَقَطَ فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ مَوْتَهُ فَشَكَرَتِ الجِنَّةُ ذَلِكَ لِلْأرَضَةِ فَإنَّما كانُوا يَأْتُونَها بِالماءِ، قالَ السُّدِّيُّ: والطِّينُ، ألَمْ تَرَ إلى الطِّينِ الَّذِي يَكُونُ في جَوْفِ الخَشَبِ فَإنَّما هو مِمّا تَأْتِيها بِهِ الشَّياطِينُ شُكْرًا: قالَ وقَدَّرُوا مِقْدارَ أكْلِها العَصا فَكانَ مِقْدارَ سِنَةٍ.

وَفي ﴿دابَّةُ الأرْضِ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: الأرَضَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَدْ قُرِئَ دابَّةُ الأرَضِ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو واحِدُ الأرَضَةِ.

الثّانِي: أنَّها دابَّةٌ تَأْكُلُ العِيدانَ يُقالُ لَها القادِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والمِنسَأةُ العَصا، قالَ الشّاعِرُ:

؎ إذا دَبَبْتَ عَلى المِنسَأةِ مِن هَرَمٍ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ

وَأصْلُها مَأْخُوذٌ مِن نَسَأْتُ الغَنَمِ إذا سُقْتَها، وقالَ السُّدِّيُّ هي العَصا بِلِسانِ الحَبَشَةِ.

وَفِي دَلالَتِها لِلْجِنَّةِ عَلى مَوْتِهِ قَوْلانِ:

أحَدُها: وهو المَشْهُورُ المَرْفُوعُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ سُلَيْمانَ وقَفَ في مِحْرابِهِ يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ فَماتَ وبَقِيَ عَلى حالِهِ قائِمًا عَلى عَصاهُ سَنَةً والجِنُّ لا تَعْلَمُ بِمَوْتِهِ، وقَدْ كانَ سَألَ اللَّهَ أنْ لا يَعْلَمُوا بِمَوْتِهِ حَتّى مَضى عَلَيْهِ سَنَةً.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ سُؤالِهِ لِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: لِأنَّ الجِنَّ كانُوا يَذْكُرُونَ لِلْإنْسِ أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وهَذا مَأْثُورٌ.

الثّانِي: لِأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أسَّسَ بَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ ماتَ فَبَناهُ سُلَيْمانُ بَعْدَهُ وسَخَّرَ الجِنَّ في عَمَلِهِ، وقَدْ كانَ بَقِيَ مِن إتْمامِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِناءَ سَنَةٍ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ألّا يَعْلَمَ الجِنُّ بِمَوْتِهِ حَتّى يُتِمُّوا البِناءَ فَأتَمُّوهُ.

ثُمَّ دَلَّتْهم دابَّةُ الأرْضِ في أكْلِ مِنسَأتِهِ عَلى مَوْتِهِ بَعْدَ سَنَةٍ مِن مَوْتِهِ لِأنَّهُ سَقَطَ (p-٤٤٢)عَنْها حِينَ أكَلَتْها الأرَضَةُ فَعَلِمَتِ الجِنُّ أنَّهُ قَدْ ماتَ.

والقَوْلُ الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما قَبَضَ نَبِيَّهُ سُلَيْمانَ إلّا عَلى فِراشِهِ وكانَ البابُ في وجْهِهِ مُغْلَقًا عَلى عادَتِهِ في عِبادَتِهِ فَلَمّا كانَ بَعْدَ سَنَةٍ أكَلَتِ الأرَضَةُ العَتَبَةَ فَخَرَّ البابُ ساقِطًا فَتَبَيَّنَتِ الجِنُّ ذَلِكَ.

قالَ: وكانَ سُلَيْمانُ يَعْتَمِدُ عَلى العَتَبَةِ إذا جَلَسَ.

﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ والشَّياطِينُ ومَن كانُوا مُسَخَّرِينَ في العَمَلِ.

﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾

الثّانِي: تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ سَنَةً.

وَرَوى سُفْيانُ عَنْ عُمَرَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ التِّلاوَةَ: (فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ سَنَةً )

الثّالِثُ: أنَّ الجِنَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ شُبْهَةٌ تَوَهَّمُوا بِها أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنُوا أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ.

وَحُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِن مُلْكِهِ واسْتَكْمَلَ بِناءَهُ في السَّنَةِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ مِن مُلْكِهِ وقَرَّبَ بَعْدَ فَراغِهِ مِنهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ ثَوْرٍ ومِائَةً وعِشْرِينَ ألْفَ شاةٍ، واتَّخَذَ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ مِن بِنائِهِ عِيدًا، وقامَ عَلى الصَّخْرَةِ رافِعًا يَدَيْهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ فَقالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ وهَبْتَ لِي هَذا السُّلْطانَ وقَوَّيْتَنِي عَلى بِناءِ هَذا المَسْجِدِ فَأوْزِعْنِي [أنْ] أشْكُرَكَ عَلى ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ، وتَوَفَّنِي عَلى مِلَّتِكَ، ولا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ لِمَن دَخَلَ هَذا المَسْجِدَ خَمْسَ خِصالٍ: لا يَدْخُلُهُ مُذْنِبٌ دَخَلَ لِلتَّوْبَةِ إلّا غَفَرْتَ لَهُ وتُبْتَ عَلَيْهِ، ولا خائِفٌ إلّا أمَّنْتَهُ، ولا سَقِيمٌ إلّا شَفَيْتَهُ، ولا فَقِيرٌ إلّا أُغْنِيَتَهُ، والخامِسُ ألّا تَصْرِفَ نَظَرَكَ عَمَّنْ دَخَلَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، إلّا مَن أرادَ إلْحادًا أوْ ظُلْمًا يا رَبَّ العالَمِينَ.

34:15–17Page 430

لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥

There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."

فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦

But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.

ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧

[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?

(p-٤٤٣)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ﴾ الآيَةَ.

وَقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ في سَبَإٍ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ أرْضٍ بِاليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرِبَ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: اسْمُ قَبِيلَةٍ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا هَلْ هو اسْمُ امْرَأةٍ أوْ رَجُلٍ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ نُسِبَتِ القَبِيلَةُ إلَيْها لِأنَّها أُمُّهم.

الثّانِي: أنَّهُ رَجُلٌ.

رُوِيَ أنَّ فَرْوَةَ الغُطَيْفِيَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبَأٍ ما هُوَ؟ أبْلَدٌ أمْ رَجُلٌ أمِ امْرَأةٌ؟ فَقالَ: (بَلْ رَجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً، فَسَكَنَ اليَمَنَ مِنهم سِتَّةٌ والشّامَ أرْبَعَةٌ أمّا اليَمانِيُّونَ فَمَذْحِجٌ وكِنْدَهُ والأزْدُ والأشْعَرِيُّونَ وأنَمارُ وحِمْيَرُ وأمّا الشّامِيُّونَ فَلَخْمٌ وخِذامُ وغَسّانُ وعامِلَةُ.

وَذَكَرَ أهْلُ النَّسَبِ أنَّهُ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ.

قالَ السُّدِّيُّ: بُعِثَ إلى سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا.

وَأمّا ﴿جَنَّتانِ﴾ فَقالَ سُفْيانُ وُجِدَ فِيهِما قَصْرانِ مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِهِما: نَحْنُ بُنِينا سالِمَيْنِ، في سَبْعِينَ خَرِيفًا دائِبَيْنِ، وعَلى الآخَرِ: نَحْنُ بُنِينا صُرْواحَ، مَقِيلٌ ومَراحُ، وكانَتْ إحْدى الجَنَّتَيْنِ عَنْ يَمِينِ الوادِي والأُخْرى عَنْ شِمالِهِ.

وَفي الآيَةِ الَّتِي لِسَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في قَرْيَتِهِمْ بَعُوضَةٌ قَطُّ ولا ذُبابَةٌ ولا بُرْغُوثٌ ولا حَيَّةٌ ولا (p-٤٤٤)عَقْرَبٌ وإنَّ الرَّكْبَ لَيَأْتُونَ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ والدَّوابُّ فَتَمُوتُ تِلْكَ الدَّوابُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّ الآيَةَ هي الجَنَّتانِ كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها مِكْتَلٌ فَيَمْتَلِئُ وما مَسَّتْهُ بِيَدِها، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي الَّذِي رَزَقَكم مِن جَنَّتِكم.

﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ يَعْنِي عَلى ما رَزَقَكم.

﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.

وَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: لِأنَّ أرْضَها ولَيْسَتْ بِسَبِخَةٍ.

الثّانِي: لِأنَّها لَيْسَ بِها هَوامُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском