Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:139–182
37:139–148Page 451
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩
And indeed, Jonah was among the messengers.
إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠
[Mention] when he ran away to the laden ship.
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١
And he drew lots1 and was among the losers.
فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢
Then the fish swallowed him, while he was blameworthy.1
فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣
And had he not been of those who exalt Allāh,
لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤
He would have remained inside its belly until the Day they are resurrected.1
۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥
But We threw him onto the open shore while he was ill.
وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦
And We caused to grow over him a gourd vine.1
وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧
And We sent him1 to [his people of] a hundred thousand or more.
فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨
And they believed, so We gave them enjoyment [of life] for a time.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يُونُسُ بْنُ مَتّى نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى بَعَثَهُ إلى قَرْيَةٍ يُقالُ لَها نِينَوى عَلى شاطِئِ دِجْلَةَ: قالَ قَتادَةُ: وهي مِن أرْضِ المَوْصِلِ.
﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ والآبِقُ الفارُّ إلى حَيْثُ لا يُعْلَمُ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: فَرَّ مِن قَوْمِهِ وكانَ فِيما عَهِدَ إلَيْهِمْ أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا أتاهُمُ العَذابُ، وجَعَلَ عَلامَةَ ذَلِكَ خُرُوجًا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهُ جاءَتْهم رِيحٌ سَوْداءُ فَخافُوها فَدَعَوُا اللَّهَ بِأطْفالِهِمْ وبَهائِمِهِمْ فَأجابَهم وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم فَخَرَجَ مُكايِدًا لِقَوْمِهِ مُغاضِبًا لِدِينِ رَبِّهِ حَتّى أتى البَحْرَ فَرَكِبَ سَفِينَةً وقَدِ اسْتَوْقَرَتْ حِمْلًا، فَلَمّا اشْتَطَّتْ بِهِمْ خافُوا الغَرَقَ.
وَفِيما خافُوا الغَرَقَ بِهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أمْواجٌ مِن رِيحٍ عَصَفَتْ بِهِمْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٦٧)الثّانِي: مِنَ الحُوتِ الَّذِي عارَضَهم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: فِينا مُذْنِبٌ لا نَنْجُو إلّا بِإلْقائِهِ، فاقْتَرَعُوا فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ فَألْقَوْهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ أيْ قارَعَ بِالسِّهامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِنَ المَقْرُوعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِنَ المَغْلُوبِينَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسٍ
؎ قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
الثّالِثُ: أنَّهُ الباطِلُ الحُجَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ مَأْخُوذٌ مِن دَحْضِ الحُجَّةِ وهو بُطْلانُها فَلَمّا ألْقَوْهُ في البَحْرِ آمَنُوا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى سَمَكَةٍ يُقالُ لَها اللَّخْمُ مِنَ البَحْرِ الأخْضَرِ أنْ شُقِّي البِحارَ حَتّى تَأْخُذِي يُونُسَ، ولَيْسَ يُونُسُ لَكِ رِزْقًا، ولَكِنْ جَعَلْتُ بَطْنَكِ لَهُ سِجْنًا، فَلا تَخْدِشِي لَهُ جِلْدًا ولا تَكْسِرِي لَهُ عَظْمًا، فالتَقَمَهُ الحُوتُ حِينَ أُلْقِيَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: أيْ مُسِيءٌ مُذْنِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى ما صَنَعَ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: يُلامُ عَلى ما صَنَعَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والفَرْقُ بَيْنَ المَلُومِ والمُلِيمِ أنَّ المُلِيمَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، والمَلُومَ إذا لِيمَ عَلَيْهِ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِنَ القائِلِينَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: مِنَ المُصَلِّينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مِنَ العابِدِينَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
(p-٦٨)الرّابِعُ: مِنَ التّائِبِينَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَقِيلَ تابَ في الرَّخاءِ فَنَجّاهُ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَصِيرُ الحُوتُ لَهُ قَبْرًا، وفي مُدَّةِ لُبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: بَعْضُ يَوْمٍ، قالَ الشَّعْبِيُّ: التَقَمَهُ ضُحًى ولَفِظَهُ عَشِيَّةً.
الثّانِي: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: سَبْعَةُ أيّامٍ، قالَهُ جَعْفَرٌ.
الرّابِعُ: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ، وقِيلَ إنَّهُ سارَ بِيُونُسَ حَتّى مَرَّ بِهِ إلى الإيلَةِ ثُمَّ عادَ في دِجْلَةَ إلى نِينَوى.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: بِالسّاحِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِالأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ الضَّحّاكُ: هي أرْضٌ يُقالُ لَهاَ بَلَدٌ.
الثّالِثُ: مَوْضِعٌ بِأرْضِ اليَمَنِ.
الرّابِعُ: الفَضاءُ الَّذِي لا يُوارِيهِ نَبْتٌ ولا شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَهَيْئَةِ الصَبِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: كَهَيْئَةِ الفَرْخِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ رِيشٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأنَّهُ ضَعُفَ بَعْدَ القُوَّةِ، ورَقَّ جِلْدُهُ بَعْدَ الشِّدَّةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ القَرْعُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَجَرَةٍ لَيْسَ فِيها ساقٌ يَبْقى مِنَ الشِّتاءِ إلى الصَّيْفِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّها كُلُّ شَجَرَةٍ لَها ورَقٌ عَرِيضٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٦٩)الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ ما يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ البِّطِّيخِ والقَثّاءِ، رَواهُ القاسِمُ بْنُ أبِي أيُّوبَ.
الخامِسُ: أنَّها شَجَرَةٌ سَمّاها اللَّهُ تَعالى يَقْطِينًا أظَلَّتْهُ رَواهُ هِلالُ بْنُ حَيّانَ.
وَهو تَفْعِيلٌ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ أقامَ إقامَةَ زائِلٍ لا إقامَةَ راسِخٍ كالنَّخْلِ والزَّيْتُونِ، فَمَكَثَ يُونُسُ تَحْتَها يُصِيبُ مِنها ويَسْتَظِلُّ بِها حَتّى تَراجَعَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ فَبَكى حُزْنًا عَلَيْها، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أتَبْكِي عَلى هَلاكِ شَجَرَةٍ ولا تَبْكِي عَلى هَلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ؟ حَكاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا تَساقَطَ ورَقُ الشَّجَرِ عَنْهُ أفْضَتْ إلَيْهِ الشَّمْسُ فَشَكاهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسَ جَزِعْتَ مِن حَرِّ الشَّمْسِ ولَمْ تَجْزَعْ لِمِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تابُوا إلَيَّ فَتُبْتُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بَعْدَما نَبَذَهُ الحُوتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَكانَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ بَعْدَ قَوْمٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ فَآمَنُوا بِشَرِيعَتِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لِلْإبْهامِ كَأنَّهُ قالَ أرْسَلْناهُ إلى أحَدِ العَدَدَيْنِ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلى شَكِّ المُخاطَبِينَ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَدَدٌ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ، مِثْلُهُ قَوْلُهُ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى يَعْنِي بَلْ أدْنى، قالَ جَرِيرٌ:
؎ أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أوْ رَباحًا ∗∗∗ عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا
والمَعْنى أثَعْلَبَةَ بَلْ رَباحًا.
(p-٧٠)واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في قَدْرِ زِيادَتِهِمْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ:
أحَدُها: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَرْفُوعًا.
الثّانِي: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، قالَهُ الحَكَمُ.
الرّابِعُ: بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا رَواهُ سُفْيانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ.
الخامِسُ: سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
37:149–160Page 451
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩
So inquire of them, [O Muḥammad], "Does your Lord have daughters while they have sons?1
أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠
Or did We create the angels as females while they were witnesses?"
أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١
Unquestionably, it is out of their [invented] falsehood that they say,
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢
"Allāh has begotten," and indeed, they are liars.
أَصۡطَفَى ٱلۡبَنَاتِ عَلَى ٱلۡبَنِينَ ١٥٣
Has He chosen daughters over sons?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ١٥٤
What is [wrong] with you? How do you make judgement?
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥
Then will you not be reminded?
أَمۡ لَكُمۡ سُلۡطَٰنٞ مُّبِينٞ ١٥٦
Or do you have a clear authority?1
فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٥٧
Then produce your scripture, if you should be truthful.
وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٥٨
And they have made [i.e., claimed] between Him and the jinn a lineage, but the jinn have already known that they [who made such claims] will be brought [to punishment].
سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩
Exalted is Allāh above what they describe,
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٠
Except the chosen servants of Allāh [who do not share in that sin].
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: عُذْرٌ مُبِينٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: كِتابٌ بَيِّنٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إشْراكُ الشَّيْطانِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: هو قَوْلُ يَهُودِ أصْبَهانَ أنَّ اللَّهَ تَعالى صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن بَيْنِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: هو قَوْلُ الزَّنادِقَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وإبْلِيسَ أخَوانِ، وأنَّ النُّورَ والخَيْرَ (p-٧١)والحَيَوانَ النّافِعَ مِن خَلْقِ اللَّهِ، والظُّلْمَةَ والشَّرَّ والحَيَوانَ الضّارَّ مِن خَلْقِ إبْلِيسَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الرّابِعُ: هو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: فَمَن أُمَّهاتُهُمْ؟ قالُوا: بَناتُ سَرَواتِ الجِنِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِي تَسْمِيَةِ المَلائِكَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ جِنَّةً ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ الجِنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِأنَّهم عَلى الجِنانِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العُيُونِ كالجِنِّ المُسْتَخْفِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ وفي الجِنَّةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِيما عَلِمُوهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنُّهم عَلِمُوا أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ مُحْضَرُونَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: عَلِمُوا أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُحْضَرُونَ، وهو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الجِنَّةَ هُمُ الجِنُّ.
وَفِي قَوْلِهِ مُحْضَرُونَ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: لِلْحِسابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُحْضَرُونَ في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
37:161–169Page 452
فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١
So indeed, you [disbelievers] and whatever you worship,
مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ ١٦٢
You cannot tempt [anyone] away from Him
إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣
Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.1
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤
[The angels say],1 "There is not among us any except that he has a known position.2
وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥
And indeed, we are those who line up [for prayer].
وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡمُسَبِّحُونَ ١٦٦
And indeed, we are those who exalt Allāh."
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ ١٦٧
And indeed, they [i.e., the disbelievers] used to say,1
لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦٨
"If we had a message from [those of] the former peoples,
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٩
We would have been the chosen servants of Allāh."
﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ بِمُضِلِّينَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَرَدَّ بِنِعْمَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَها فاتِنًا
أيْ: مُضِلًّا فَكانُوا مُضِلِّينَ لِمَن يَدْعُونَهُ إلى عِبادَتِها.
﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ في السَّماءِ مَقامٌ مَعْلُومٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: ما حَكاهُ قَتادَةُ قالَ: كانَ يُصَلِّي الرِّجالُ والنِّساءُ جَمِيعًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ فَتَقَدَّمَ الرِّجالُ وتَأخَّرَ النِّساءُ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ.
ثالِثًا: وما مِنّا يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن لَهُ فِيها مَقامٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَقِفُونَ صُفُوفًا في السَّماءِ، قِيلَ حَوْلَ العَرْشِ يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وقِيلَ في الصَّلاةِ مُصْطَفِّينَ.
وَحَكى أبُو نَضْرَةَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: يُرِيدُ اللَّهُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ تَأخَّرْ يا فُلانُ، تَقَدَّمْ يا فُلانُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُكَبِّرُ.
الثّانِي: ما حَكاهُ أبُو مالِكٍ قالَ: «كانَ النّاسُ يُصَلُّونَ مُتَبَدِّدِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَصْطَفُّوا.
»
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٧٣)أحَدُهُما: المُصَلُّونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ أيْ فَكَيْفَ لا تَعْبُدُونَهُ ونَحْنُ نَعْبُدُهُ.
37:170–179Page 452
فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ١٧٠
But they disbelieved in it,1 so they are going to know.
وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١
And Our word [i.e., decree] has already preceded for Our servants, the messengers,
إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢
[That] indeed, they would be those given victory
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣
And [that] indeed, Our soldiers [i.e., the believers] will be those who overcome.1
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٤
So, [O Muḥammad], leave them for a time.
وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٥
And see [what will befall] them, for they are going to see.
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ١٧٦
Then for Our punishment are they impatient?
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٧
But when it descends in their territory, then evil is the morning of those who were warned.
وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٨
And leave them for a time.
وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٩
And see, for they are going to see.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: سَبَقَتْ بِالحُجَجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهم سَيُنْصَرُونَ، قالَ الحَسَنُ: لَمْ يُقْتَلْ مِنَ الرُّسُلِ أصْحابِ الشَّرائِعِ أحَدٌ قَطُّ.
﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: بِالحُجَجِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِالظَّفَرِ إمّا بِالإيمانِ أوْ بِالِانْتِقامِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
وَفِي نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أبْصِرْ ما ضَيَّعُوا مِن أمْرِ اللَّهِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
(p-٧٤)الثّانِي: أبْصِرْهم في وقْتِ النُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما يَحُلُّ بِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أبْصِرْ حالَهم بِقَلْبِكَ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ذَلِكَ في القِيامَةِ.
الرّابِعُ: أعْلِمْهُمُ الآنَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَهُ بِالعَيانِ وهو مَعْنى قَوْلِ ثَعْلَبٍ.
37:180–182Page 452
سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠
Exalted is your Lord, the Lord of might, above what they describe.
وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٨١
And peace upon the messengers.
وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٢
And praise to Allāh, Lord of the worlds.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ رَوى الشَّعْبِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (مَن سَرَّهُ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مالِكِ العِزَّةِ.
الثّانِي: رَبِّ كُلِّ شَيْءٍ مُتَعَزِّزٍ مِن مالِكٍ أوْ مُتَجَبِّرٍ.
﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: سَلامُهُ عَلَيْهِمْ إكْرامًا لَهم.
الثّانِي: قَضاؤُهُ بِسَلامَتِهِمْ بَعْدَ إرْسالِهِمْ فَإنَّهُ ما أمَرَ نَبِيٌّ بِالقِتالِ إلّا حُرِسَ مِنَ القَتْلِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى إرْسالِ الأنْبِياءِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ.
الثّانِي: عَلى جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences