Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:38–87
37:38–49Page 447
إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨
Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,
وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩
And you will not be recompensed except for what you used to do -
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠
But not the chosen servants of Allāh.
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١
Those will have a provision determined -
فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢
Fruits;1 and they will be honored
فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣
In gardens of pleasure
عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٤
On thrones facing one another.
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦
White and delicious to the drinkers;
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩
As if they were [delicate] eggs, well-protected.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ مَعِينٍ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الجارِي; قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، حَكاهُ جُوَيْبِرٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَمْ يُعْصَرْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ الخَمْرُ بِعَيْنِهِ الَّذِي لَمْ يُمْزَجْ بِغَيْرِهِ.
وَفِي المَعِينِ مِنَ الماءِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الظّاهِرُ لِلْعَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: ما مَدَّتْهُ العُيُونُ فاتَّصَلَ ولَمْ يَنْقَطِعْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الجَرْيِ مِن قَوْلِهِمْ أمْعَنَ في كَذا إذا اشْتَدَّ دُخُولُهُ فِيهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الكَثِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَعِينِ وهو الشَّيْءُ الكَثِيرُ.
(p-٤٧)الخامِسُ: أنَّهُ المُنْتَفَعُ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنَ الماعُونِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ بَيْضاءُ اللَّوْنِ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "صَفْراءَ".
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَيْضاءَ الكَأْسِ صَفْراءَ اللَّوْنِ فَيَكُونَ اخْتِلافُ لَوْنِهِما في مَنظَرِهِما قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَكَأنَّ بَهْجَتَها وبَهْجَةَ كَأْسِها نارٌ ونُورٌ قُيِّدا بِوِعاءٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: أيْ لَيْسَ فِيها صُداعٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لَيْسَ فِيها وجَعُ البَّطْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لَيْسَ فِيها أذًى، قالَهُ الفَرّاءُ وعِكْرِمَةُ وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ لِاشْتِقاقِ الغَوْلِ مِنَ الغائِلَةِ.
الرّابِعُ: لَيْسَ فِيها إثْمٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الخامِسُ: أنَّها لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ وهَذا مِنَ الغِيلَةِ أنْ ∗∗∗ يَصْرَعَ واحِدٌ واحِدًا
﴿وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: لا تَنْزِفُ العَقْلَ ولا تُذْهِبُ الحِلْمَ بِالسُّكْرِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا
الثّانِي: لا يَبُولُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى الضَّحّاكُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ والصُّداعُ والقَيْءُ والبَوْلُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَمْرَ الجَنَّةِ فَنَزَّهَها عَنْ هَذِهِ الخِصالِ.
الثّالِثُ: أيْ لا تُفْنى مَأْخُوذٌ مِن نَزْفِ الرَّكِيَّةِ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٤٨)
؎ دَعِينِي لا أبا لَكِ أنْ تُطِيقِي ∗∗∗ لَحاكِ اللَّهُ قَدْ أنْزَفْتِ رِيقِي
وَقَدْ يَخْتَلِفُ هَذا التَّأْوِيلُ بِاخْتِلافِ القِراءَةِ، فَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، يُنْزِفُونَ بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ يُنْزَفُونَ بِفَتْحِ الزّايِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الفَتْحَ مِن نَزَفَ فَهو مَنزُوفٌ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالسُّكْرِ، والكَسْرَ مِن أنْزَفَ فَهو مَنزُوفٌ إذا فَنِيَتْ خَمْرُهُ، وإنَّما صَرَفَ اللَّهُ تَعالى السُّكْرَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ لِئَلّا يَنْقَطِعَ عَنْهُمُ التِذاذُ نَعِيمِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ يَعْنِي بِقاصِراتِ الطَّرْفِ النِّساءَ اللّاتِي قَصَرْنَ أطْرافَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يُرْدِنَ غَيْرَهم مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: قَدِ اقْتَصَرَ عَلى كَذا إذا اقْتَنَعَ بِهِ وعَدَلَ عَنْ غَيْرِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا
وَفِي العِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: الحِسانُ العُيُونِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
الثّانِي: العِظامُ الأعْيُنِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقُطْرُبُ.
﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي اللُّؤْلُؤَ في صَدَفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ وهي بَيْضاءُ مِثْلَ لُؤْلُؤَةِ الغَوّا ∗∗∗ صِ مِيزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنُونٍ
الثّانِي: يَعْنِي البَيْضَ المَعْرُوفَ في قِشْرِهِ، والمَكْنُونُ المَصُونُ.
وَفِي تَشْبِيهِهِمْ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: تَشْبِيهًا بِبَيْضِ النَّعامِ يُكَنُّ بِالرِّيشِ مِنَ الغُبارِ والرِّيحِ فَهو أبْيَضُ إلى الصُّفْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: تَشْبِيهًا بِبَطْنِ البَيْضِ إذا لَمْ تَمَسَّهُ يَدٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
(p-٤٩)الثّالِثُ: تَشْبِيهًا بِبَياضِ البَيْضِ حِينَ يُنْزَعُ قِشْرُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: تَشْبِيهًا بِالسِّحاءِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ القِشْرَةِ العُلْيا ولُبابِ البَيْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.
37:50–61Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤
He will say,1 "Would you [care to] look?"
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦
He will say, "By Allāh, you almost ruined me.
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨
Then, are we not to die
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠
Indeed, this is the great attainment.
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ كَما يَسْألُ أهْلُ النّارِ.
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ كانَ يُغْوِيهِ فَلا يُطِيعُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: شَرِيكٌ لَهُ كانَ يَدْعُوهُ إلى الكُفْرِ فَلا يُجِيبُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُما اللَّذانِ في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ إلى آخِرِ قِصَّتِهِما، فَقالَ المُؤْمِنُ مِنهُما في الجَنَّةِ لِلْكافِرِ في النّارِ.
﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ.
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: لَمُحاسَبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَمُجازُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ مِن قَوْلِهِ: كَما تَدِينُ تُدانُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ وهَذا قَوْلُ صاحِبِ القَرِينِ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ، هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ يَعْنِي في النّارِ.
يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لِاسْتِخْبارِهِ عَنْ جَوازِ الِاطِّلاعِ.
(p-٥٠)الثّانِي: لِمُعايَنَةِ القَرِينِ.
﴿فاطَّلَعَ﴾ يَعْنِي في النّارِ.
﴿فَرَآهُ﴾ يَعْنِي قَرِينَهُ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في وسَطِ الجَحِيمِ، وإنَّما سُمِّيَ الوَسَطُ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ فِيهِ إلى الجَوانِبِ قالَ قَتادَةُ: فَواللَّهِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُ إيّاهُ ما كانَ لِيَعْرِفَهُ، لَقَدْ تَغَيَّرَ حَبْرُهُ وسَبْرُهُ يَعْنِي حُسْنُهُ وتَخْطِيطُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ هَذا قَوْلُ المُؤْمِنِ في الجَنَّةِ لِقَرِينِهِ في النّارِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَتُهْلِكُنِي لَوْ أطَعْتُكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَتُباعِدُنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ يَحْيى.
﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ يَعْنِي بِالإيمانِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ يَعْنِي في النّارِ، لِأنَّ أحْضَرَ لا يُسْتَعْمَلُ مُطْلَقًا إلّا في الشَّرِّ.
37:62–74Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠
So they hastened [to follow] in their footsteps.
وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١
And there had already strayed before them most of the former peoples,
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢
And We had already sent among them warners.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
Then look how was the end of those who were warned -
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٧٤
But not the chosen servants of Allāh.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ والنُّزُلُ العَطاءُ الوافِرُ ومِنهُ إقامَةُ الإنْزالِ، وقِيلَ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ والعَسْكَرِ.
وَشَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي شَجَرَةٌ في النّارِ يَقْتاتُها أهْلُ النّارِ، مُرَّةُ الثَّمَرِ خَشِنَةُ اللَّمْسِ مُنْتِنَةُ الرِّيحِ.
واخْتُلِفَ فِيها هَلْ هي مِن شَجَرِ الدُّنْيا الَّتِي يَعْرِفُها العَرَبُ أوْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
(p-٥١)أحَدُهُما: أنَّها مَعْرُوفَةٌ مِن شَجَرِ الدُّنْيا، ومَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا فِيها فَقالَ قُطْرُبٌ: إنَّها شَجَرَةٌ مُرَّةٌ تَكُونُ بِتِهامَةَ مِن أخْبَثِ الشَّجَرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كُلُّ نَباتٍ قاتِلٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّها لا تُعْرَفُ في شَجَرِ الدُّنْيا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَجَرَةِ الزَّقُّومِ قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: ما نَعْرِفُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ، فَقالَ ابْنُ الزَّبْعَرِي: الزَّقُّومُ بِكَلامِ البَرْبَرِ: الزُّبْدُ والتَّمْرُ فَقالَ أبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: يا جارِيَةُ ابْغِينا تَمْرًا وزُبْدًا ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ تَزَقَّمُوا هَذا الَّذِي يُخَوِّفُنا بِهِ مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ النّارَ تُنْبِتُ الشَّجَرَ، والنّارُ تَحْرِقُ الشَّجَرَ.
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ وهَذا قَوْلُ أبِي جَهْلٍ إنَّما الزَّقُّومُ التَّمْرُ والزُّبْدُ أتَزَقَّمُهُ فَكانَ هَذا هو الفِتْنَةُ لِلظّالِمِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ شِدَّةَ عَذابِهِمْ بِها هي الفِتْنَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ فَكانَ المَقْصُودُ بِهَذا الذِّكْرِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: وصْفُها لَهم لِاخْتِلافِهِمْ فِيها.
الثّانِي: لِيُعْلِمَهم جَوازَ بَقائِها في النّارِ لِأنَّها تَنْبُتُ مِنَ النّارِ.
قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وبَلَغَنِي أنَّها في البابِ السّادِسِ وأنَّها تَحْيا بِلَهَبِ النّارِ كَما يَحْيا شَجَرُكم بِبَرْدِ الماءِ.
﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ يَعْنِي بِالطَّلْعِ الثَّمَرَ، فَإنْ قِيلَ فَكَيْفَ شَبَّهَها بِرُؤُوسِ الشَّياطِينِ وهم ما رَأوْها ولا عَرَفُوها؟ قِيلَ: عَنْ هَذا أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ:
أحَدُها: أنَّ قُبْحَ صُورَتِها مُسْتَقِرٌّ في النُّفُوسِ، وإنْ لَمْ تُشاهَدْ فَجازَ أنْ يَنْسِبَها بِذَلِكَ لِاسْتِقْرارِ قُبْحِها في نُفُوسِهِمْ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ
(p-٥٢)فَشَبَّبَها بِأنْيابِ الأغْوالِ وإنْ لَمْ يَرَها النّاسُ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ رَأْسَ حَيَّةٍ تُسَمّى عِنْدَ العَرَبِ شَيْطانًا وهي قَبِيحَةُ الرَّأْسِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ شَجَرًا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ واليَمَنِ يُسَمّى رُؤُوسَ الشَّياطِينِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ يَعْنِي لَمَزاجًا مِن حَمِيمٍ والحَمِيمُ الحارُّ الدّانِي مِنَ الإحْراقِ قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّ الحَمِيمَ عَلى مَتْنِها ∗∗∗ إذا اغْتَرَفَتْهُ بِأطْساسِها ∗∗∗ جُمانٌ يَجُولُ عَلى فِضَّةٍ ∗∗∗ عَلَتْهُ حَدائِدُ دَوّاسِها
وَمِنهُ سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِقُرْبِهِ مِنَ القَلْبِ، وسُمِّيَ المَحْمُومَ لِقُرْبِ حَرارَتِهِ مِنَ الإحْراقِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ أحَمَّ اللَّهُ ذَلِكَ مِن لِقاءٍ ∗∗∗ آحادَ آحادَ في الشَّهْرِ الحَلالِ
أيْ أدْناهُ فَيُمْزَجُ لَهُمُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ مَرارَةِ الزَّقُّومِ وحَرارَةِ الحَمِيمِ تَغْلِيظًا لِعَذابِهِمْ وتَشْدِيدًا لِبَلاتِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي بِأنَّ مَأْواهم لَإلى الجَحِيمِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّ مُنْقَلَبِهِمْ لَإلى الجَحِيمِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّ مَرْجِعَهم بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ إلى عَذابِ الجَحِيمِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الرّابِعُ: أنَّهم فِيها كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَواضِعِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
37:75–82Page 448
وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥
And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And We saved him and his family from the great affliction.
وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧
And We made his descendants those remaining [on the earth]
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨
And left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩
"Peace upon Noah among the worlds."
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠
Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١
Indeed, he was of Our believing servants.
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٨٢
Then We drowned the others [i.e., disbelievers].
أحَدُهُما: لِيُطَهِّرَ اللَّهُ الأرْضَ مِنَ العُصاةِ.
الثّانِي: لِيَكُونُوا عِبْرَةً يَتَّعِظُ بِها مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ لِنُوحٍ في دُعائِهِ.
الثّانِي: فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ لِمَن دَعا لِأنَّ التَّمَدُّحَ بِعُمُومِ الإجابَةِ أبْلَغُ.
﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانُوا ثَمانِيَةً: نُوحٌ وثَلاثَةُ بَنِينَ ونِساؤُهم، أرْبَعَةُ [أيْ] رِجالٍ وأرْبَعَةُ نِسْوَةٍ.
﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِن غَرَقِ الطُّوفانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مِنَ الأذى الَّذِي كانَ يَنْزِلُ بِهِ مِن قَوْمِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والنّاسُ كُلُّهم بَعْدَ نُوحٍ مِن ذُرِّيَّتِهِ وكانَ بَنُوهُ ثَلاثَةً: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فالعَرَبُ والعَجَمُ أوْلادُ سامٍ، والرُّومُ والتُّرْكُ والصَّقالِبَةُ أوْلادُ يافِثَ والسُّودانُ مِن أوْلادِ حامٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ عَجُوزٌ مِن بَنِي حامِ بْنِ نُوحٍ كَأنَّ جَبِينَها حِجْرُ المَقامِ
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ أبْقى اللَّهُ الثَّناءَ الحَسَنَ في الآخِرِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِسانُ صِدْقٍ لِلْأنْبِياءِ كُلِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: هو قَوْلُهُ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾، قالَهُ الفَرّاءُ.
37:83–87Page 449
۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ ٨٣
And indeed, among his kind was Abraham,
إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ٨٤
When he came to his Lord with a sound heart
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥
[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?
أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦
Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
Then what is your thought about the Lord of the worlds?"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِن أهْلِ دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عَلى مِنهاجِهِ وسُنَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِي أصْلِ الشِّيعَةِ في اللُّغَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأتْباعُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قالَ الخَلِيطُ غَدًا تَصُدُّ عَنّا أوْ شَيْعَهُ أفَلا تُشَيِّعُنا
قَوْلُهُ أوْ شَيْعَهُ أيِ اليَوْمَ الَّذِي يَتْبَعُ غَدًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ الشِّيعَةُ الأعْوانُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّياعِ وهو الحَطَبُ الصِّغارُ الَّذِي يُوضَعُ مَعَ الكِبارِ حَتّى يَسْتَوْقِدَ لِأنَّهُ يُعِينُ عَلى الوَقُودِ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إنَّ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.
الثّانِي: مِن شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
وَفِي إبْراهِيمَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الثّانِي: مُشْتَقٌّ مِنَ البَرْهَمَةِ وهي إدامَةُ النَّظَرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: سَلِيمٌ مِنَ الشَّكِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مُخْلِصٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
(p-٥٥)الرّابِعُ: ألّا يَكُونَ لَعّانًا، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وَيَحْتَمِلُ مَجِيئِهِ إلى رَبِّهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عِنْدَ دُعائِهِ إلى تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ.
الثّانِي: عِنْدَ إلْقائِهِ في النّارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences