Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:41–88
38:41–44Page 455
وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١
And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."
ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢
[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣
And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.
وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤
[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ قِيلَ هو أيُّوبُ بْنُ حَوْصِ بْنِ رُوعْوَيْلَ وكانَ في زَمَنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ، وتَزَوَّجَ بِنْتَهُ إلْيا بِنْتَ يَعْقُوبَ وكانَتْ أُمُّهُ بِنْتَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ أبُوهُ حَوْصٌ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَسَّ الشَّيْطانِ وسْوَسَتُهُ وتَذْكِيرُهُ بِما كانَ فِيهِ مِن نِعْمَةٍ وماَ صارَ إلَيْهِ مِن مِحْنَةٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: الشَّيْطانُ اسْتَأْذَنَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُسَلِّطَهُ عَلى مالِهِ فَسَلَّطَهُ، ثُمَّ أهْلِهِ ودارِهِ فَسَلَّطَهُ، ثُمَّ جَسَدِهِ فَسَلَّطَهُ، ثُمَّ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يُسَلِّطْهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَهو قَوْلُهُ: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ الآيَةَ.
﴿بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي بِالنُّصْبِ الألَمَ وبِالعَذابِ السُّقْمَ، قالَهُ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ.
الثّانِي: النُّصْبُ في جَسَدِهِ، والعَذابُ في مالِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ النُّصْبَ العَناءُ، والعَذابَ البَلاءُ.
(p-١٠٢)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ قالَ قَتادَةُ هُما عَيْنانِ بِأرْضِ الشّامِ في أرْضٍ يُقالُ لَها الجابِيَةُ.
وَفِيهِما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اغْتَسَلَ مِن إحْداهُما فَأذْهَبَ اللَّهُ تَعالى ظاهِرَ دائِهِ وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى فَأذْهَبَ اللَّهُ باطِنَ دائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ اغْتَسَلَ مِن إحْداهُما فَبَرِئَ، وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى فَرَوِيَ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي المُغْتَسَلِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ المَوْضِعَ الَّذِي يَغْتَسِلُ مِنهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الماءُ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفي مُدَّةِ مَرَضِهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: سَبْعُ سِنِينَ وسَبْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعٌا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ وفِيما أصابَهم ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا مَرْضى فَشَفاهُمُ اللَّهُ.
الثّانِي: أنَّهم غابُوا عَنْهُ فَرَدَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وهَذانِ القَوْلانِ حَكاهُما ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: وهو ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهم كانُوا قَدْ ماتُوا.
فَعَلى هَذا في هِبَتِهِمْ لَهُ ومِثْلِهِمْ مَعَهم خَمْسَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِ أهْلَهُ ووَلَدَهُ ومَواشِيَهُ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى أماتَهم قَبْلَ آجالِهِمِ ابْتِلاءً ووَهَبَ لَهُ مِن أوْلادِهِمْ مِثْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَدَّهم عَلَيْهِ بِأعْيانِهِمْ ووَهَبَ لَهُ مِثْلَهم مِن غَيْرِهِمْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ ثَوابَهم في الجَنَّةِ ووَهَبَ لَهُ مِثْلَهم في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ أهْلَهُ في الجَنَّةِ، وأصابَ امْرَأتَهُ فَجاءَتْهُ بِمِثْلِهِمْ في الدُّنْيا.
الخامِسُ: أنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِنهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ أحَدًا وكانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ابْنًا فَوَهَبَ اللَّهُ (p-١٠٣)تَعالى لَهُ مِن زَوْجَتِهِ الَّتِي هي أُمُّ مَن ماتَ مِثْلَهم فَوَلَدَتْ سِتَّةً وعِشْرِينَ ابْنًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ نِعْمَةً مِنّا.
﴿وَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ عِبْرَةً لِذَوِي العُقُولِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ كانَ أيُّوبُ قَدْ حَلَفَ في مَرَضِهِ عَلى زَوْجَتِهِ أنْ يَضْرِبَها مِائَةَ جَلْدَةٍ.
وَفي سَبَبِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ إبْلِيسَ لَقِيَها في صُورَةِ طَبِيبٍ فَدَعَتْهُ لِمُداواةِ أيُّوبَ، فَقالَ أُداوِيهِ عَلى أنَّهُ إذا بَرِئَ قالَ أنْتَ شَفَيْتَنِي لا أُرِيدُ جَزاءً سِواهُ قالَتْ نَعَمْ، فَأشارَتْ عَلى أيُّوبَ بِذَلِكَ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّها.
الثّانِي: ما حَكاهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّها جاءَتْهُ بِزِيادَةٍ عَلى ما كانَتْ تَأْتِيهِ بِهِ مِنَ الخُبْزِ فَخافَ خِيانَتَها فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّها.
الثّالِثُ: ما حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّ الشَّيْطانَ أغْواها عَلى أنْ تَحْمِلَ أيُّوبَ عَلى أنْ يَذْبَحَ سَخْلَةً لِيَبْرَأ بِها فَحَلَفَ لَيَجْلِدَنَّها فَلَمّا بَرِئَ أيُّوبُ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى بِإيمانِ امْرَأتِهِ أمَرَهُ رِفْقًا بِها وبَرًّا لَهُ يَأْخُذُ بِيَدِهِ ضِغْثًا.
وَفِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ أشْكالُ النَّخْلِ الجامِعِ لِشَمارِيخِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الأثْلُ، حَكاهُ مُجاهِدٌ وقالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: السُّنْبُلُ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: الثُّمامُ اليابِسُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الخامِسُ: الشَّجَرُ الرَّطِبُ، قالَهُ الأخْفَشُ.
السّادِسُ: الحِزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ، قالَهُ قُطْرُبٌ وأنْشَدَ قَوْلَ الكُمَيْتِ
؎ تَحِيدُ شُماسًا إذا ما العَسِيفُ بِضِغْثِ الخَلاءِ إلَيْها أشارا
السّابِعُ: أنَّهُ مُلْءُ الكَفِّ مِنَ القَشِّ أوِ الحَشِيشِ أوِ الشَّمارِيخِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-١٠٤)﴿فاضْرِبْ﴾ فاضْرِبْ بِعَدَدِ ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وهو أنْ يَجْمَعَ مِائَةً مِن عَدَدِ الضِّغْثِ فَيَضْرِبُها بِهِ في دُفْعَةٍ يَعْلَمُ فِيها وُصُولِ جَمِيعِها إلى بَدَنِها فَيَقُومُ ذَلِكَ فِيها مَقامَ مِائَةِ جَلْدَةٍ مُفْرَدَةٍ.
﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ يَعْنِي في اليَمِينِ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِأيُّوبَ خاصَّةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عامٌّ في أيُّوبَ وغَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والَّذِي نَقُولُهُ في ذَلِكَ مَذْهَبًا: إنْ كانَ هَذا في حَدِّ اللَّهِ تَعالى جازَ في المَعْذُورِ بِمَرَضٍ أوْ زَمانَةٍ ولَمْ يَجُزْ في غَيْرِهِ، وإنْ كانَ في يَمِينٍ جازَ في المَعْذُورِ وغَيْرِهِ إذا اقْتَرَنَ بِهِ ألَمُ المَضْرُوبِ، فَإنْ تَجَرَّدَ عَنْ ألَمٍ فَفي بِرِّهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَبِرُّ لِوُجُودِ العَدَدِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: لا يَبِرُّ لِعَدَمِ المَقْصُودِ مِنَ الألَمِ.
﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الطّاعَةِ.
الثّانِي: عَلى البَلاءِ.
﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ يَعْنِي نِعْمَ العَبْدُ في صَبْرِهِ.
﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ إلى رَبِّهِ.
وَفِي بَلائِهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَلْوى اخْتِبارٍ ودَرَجَةُ ثَوابٍ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ عُوقِبَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ بِذَنْبٍ عُوقِبَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ البَلْوى وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ دَخَلَ عَلى بَعْضِ الجَبابِرَةِ فَرَأى مُنْكَرًا فَسَكَتَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ ذَبَحَ شاةً فَأكَلَها وجارُهُ جائِعٌ لَمْ يَطْعَمْهُ.
38:45–48Page 456
وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥
And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.
إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦
Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].
وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧
And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.
وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨
And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.
أحَدُها: أنَّ الأيْدِي القُوَّةُ عَلى العِبادَةِ، والأبْصارَ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ الأيْدِي القُوَّةُ في أمْرِ اللَّهِ، والأبْصارَ العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأيْدِي النِّعْمَةُ رَواهُ الضَّحّاكُ، والأبْصارَ العُقُولُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: الأيْدِي القُوَّةُ في أبْدانِهِمْ، والأبْصارُ القُوَّةُ في أدْيانِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الخامِسُ: أنَّ الأيْدِي العَمَلُ والأبْصارَ العِلْمُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: ذَكَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهم إسْماعِيلَ لِأنَّ إبْراهِيمَ صَبَرَ عَلى إلْقائِهِ في النّارِ، وصَبَرَ إسْحاقُ عَلى الذَّبْحِ، وصَبَرَ يَعْقُوبُ عَلى ذَهابِ بَصَرِهِ ولَمْ يُبْتَلَ إسْماعِيلُ بِبَلْوًى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: نَزَعَ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا وذِكْرِها، وأخْلَصَهم بِحُبِّ الآخِرَةِ وذِكْرِها، قالَهُ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.
الثّانِي: اصْطَفَيْناهم لِأفْضَلِ ما في الآخِرَةِ وأعْطَيْناهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: أخْلَصْناهم بِخالِصَةِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الَّتِي فِيها ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.
الرّابِعُ: أخْلَصْناهم بِالنُّبُوَّةِ وذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الخامِسُ: أخْلَصْناهم مِنَ العاهاتِ والآفاتِ وجَعَلْناهم ذاكِرِينَ الدّارَ الآخِرَةِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
38:49–54Page 456
هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩
This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -
جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠
Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١
Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
﴿أتْرابٌ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: أقْرانٌ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّانِي: أمْثالٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مُتَآخِياتٌ لا يَتَباغَضْنَ ولا يَتَغايَرْنَ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.
الرّابِعُ: مُسْتَوِياتُ الأسْنانِ بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الخامِسُ: أتْرابُ أزْواجِهِنَّ بِأنْ خَلَقَهُنَّ عَلى مَقادِيرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عِيسى: التُّرْبُ اللِّدَةُ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّعِبِ بِالتُّرابِ.
38:55–64Page 456
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠
They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١
They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢
And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1
أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣
Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"
إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤
Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ أيْ مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ والحَمِيمُ الحارُّ، وفي الغَسّاقِ سِتَّةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ البارِدُ الزَّمْهَرِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فَكَأنَّهم عُذِّبُوا بِحارِّ التُّرابِ وبارِدِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِن جُلُودِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ دُمُوعُهُمُ الَّتِي تَسِيلُ مِن أعْيُنِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّها عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حِمَّةُ كُلِّ ذِي حِمَّةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
(p-١٠٧)الخامِسُ: أنَّهُ المُنْتِنُ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
السّادِسُ: أنَّهُ السَّوادُ والظُّلْمَةُ وهو ضِدُّ ما يُرادُ مِن صَفاءِ الشَّرابِ ورِقَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي هَذا الِاسْمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَكاهُ النَّقّاشُ أنَّهُ بِلُغَةِ التُّرْكِ.
الثّانِي: حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ عِيسى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِنَ الغَسَقِ وهو الظُّلْمَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: مِن غَسَقَتِ القُرْحَةُ تَغْسِقُ غَسَقًا.
إذا جَرَتْ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الشّاعِرِ
؎ فالعَيْنُ مَطْرُوقَةٌ لِبَيْنِهِمْ تَغْسِقُ في غُرْبَةِ سِرِّها
وَإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عِيسى.
وَفِي " غَسّاقٌ " قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ وفِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ والمُرادُ بِالتَّخْفِيفِ الِاسْمُ وبِالتَّشْدِيدِ الفِعْلُ وقِيلَ إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: هَذا حَمِيمٌ وهَذا غَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: وآخَرُ مِن شِكْلِ العَذابِ أنْواعٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: وآخَرُ مِن شِكْلِ عَذابِ الدُّنْيا أنْواعٌ في الآخِرَةِ لَمْ تُرَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَفي الأزْواجِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْواعٌ.
الثّانِي: ألْوانٌ.
الثّالِثُ: مَجْمُوعَةٌ.
(p-١٠٨)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ فَوْجٌ بَعْدَ فَوْجٍ أيْ قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ، مُقْتَحِمُونَ النّارَ أيْ يَدْخُلُونَها.
وَفي الفَوْجِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو إبْلِيسَ.
والثّانِي: بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كِلا الفَوْجَيْنِ بَنُو آدَمَ إلّا أنَّ الأوَّلَ الرُّؤَساءُ والثّانِي الأتْباعُ.
وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ الفَوْجَ الأوَّلَ قادَةُ المُشْرِكِينَ ومَطْعُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، والفَوْجُ الثّانِي أتْباعُهم بِبَدْرٍ.
وَفِي القائِلِ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المَلائِكَةُ قالُوا لِبَنِي إبْلِيسَ لَمّا تَقَدَّمُوا في النّارِ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم إشارَةٌ لِبَنِي آدَمَ حِينَ دَخَلُوها.
قالَ بَنُو إبْلِيسَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ﴾ ﴿قالُوا﴾ أيْ بَنُو آدَمَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قالَ لِلْفَوْجِ الأوَّلِ حِينَ أمَرَ بِدُخُولِ الفَوْجِ الثّانِي: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ فَأجابُوهُ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ﴾ فَأجابَهُمُ الفَوْجُ الثّانِي ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ أنْتُمْ شَرَعْتُمُوهُ لَنا وجَعَلْتُمْ لَنا إلَيْهِ قَدَمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: قَدَّمْتُمْ لَنا هَذا العَذابَ بِما أضْلَلْتُمُونا عَنِ الهُدى ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ الدّارُ النّارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنْتُمْ قَدَّمْتُمْ لَنا الكُفْرَ الَّذِي اسْتَوْجَبْنا بِهِ هَذا العَذابَ في النّارِ، حَكاهُ ابْنُ زِيادٍ.
﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا﴾ الآيَةَ.
يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قالَهُ الفَوْجُ الأوَّلُ جَوابًا لِلْفَوْجِ الثّانِي.
الثّانِي: قالَهُ الفَوْجُ تَبَعًا لِكَلامِهِمُ الأوَّلِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِمْ عِنْدَ التَّكْذِيبِ.
وَفي تَأْوِيلِ ﴿مَن قَدَّمَ لَنا هَذا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَن سَنَّهُ وشَرَعَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: مَن زَيَّنَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمَرْحَبُ والرُّحْبُ: السَّعَةُ ومِنهُ سُمِّيَتِ الرَّحْبَةُ (p-١٠٩)لِسِعَتِها ومَعْناهُ لا اتَّسَعَتْ لَكم أماكِنُكُمْ; وأنْشَدَ الأخْفَشُ قَوْلَ أبِي الأسْوَدِ:
؎ إذا جِئْتَ بَوّابًا لَهُ قالَ مَرْحَبًا ∗∗∗ ألا مَرْحَبًا وادِيكَ غَيْرَ مُضَيَّقِ
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالا﴾ الآيَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ هَذا يَقُولُهُ أبُو جَهْلٍ وأشْياعُهُ في النّارِ: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم في الدَّنْيا مِنَ الأشْرارِ لا نَرى عَمّارًا وخَبّابًا وصُهَيْبًا وبِلالًا.
﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ قالَ مُجاهِدٌ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا في الدُّنْيا فَأخْطَأْنا.
﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ فَلَمْ نَعْلَمْ مَكانَهم.
قالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَن كَسَرَ سِخْرِيًّا جَعَلَهُ مِنَ الهُزْءِ، ومَن ضَمَّهُ جَعَلَهُ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ يَعْنِي أهم مَعَنا في النّارِ أمْ زاغَتْ أبْصارُنا فَلا نَراهم وإنْ كانُوا مَعَنا.
38:65–70Page 457
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥
Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1
رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2
قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧
Say, "It is great news
أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨
From which you turn away.
مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩
I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].
إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠
It has not been revealed to me except that I am a clear warner."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامَةُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْبَأنا بِها في كُتُبِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: هو القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ.
﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ أنْتُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ.
قالَ السُّدِّيُّ: يُرِيدُ بِهِ المُشْرِكِينَ.
وَفي تَسْمِيَتِهِ نَبَأً وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ أنْبَأ بِهِ فَعَرَفْناهُ.
الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ أنْباءَ الأوَّلِينَ.
وَفي وصْفِهِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِعِظَمِ قَدْرِهِ وكَثْرَةِ مَنفَعَتِهِ.
(p-١١٠)الثّانِي: لِعَظِيمِ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الزَّواجِرِ والأوامِرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: في قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ الآيَةَ.
فَهَذِهِ الخُصُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما رَواهُ أبُو الأشْهَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (سَألَنِي رَبِّي فَقالَ يا مُحَمَّدُ فِيمَ اخْتَصَمَ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، قالَ وما الكَفّاراتُ؟ قُلْتُ المَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، والتَّعْقِيبُ في المَساجِدِ انْتِظارَ الصَّلَواتِ بَعْدَ الصَّلَواتِ.
قالَ وما الدَّرَجاتُ؟ قُلْتُ إفْشاءُ السَّلامِ وإطْعامُ الطَّعامِ والصَّلاةُ بِلَيْلٍ والنّاسُ نِيامٌ» .
38:71–88Page 457
إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١
[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢
So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣
So the angels prostrated - all of them entirely,
إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١
Until the Day of the time well-known."
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣
Except, among them, Your chosen servants."
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥
[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ ٨٦
Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., the Qur’ān] any payment, and I am not of the pretentious.
إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
It is but a reminder to the worlds.
وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ ٨٨
And you will surely know [the truth of] its information after a time."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: بِقُوَّتِي، قالَهُ عَلِيُّ بُنُّ عاصِمٍ.
الثّانِي: بِقُدْرَتِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرُ:
؎ تَحَمَّلْتُ مِن عَفْراءَ ما لَيْسَ لِي بِهِ ولا لِلْجِبالِ الرّاسِياتِ يَدانِ
الثّالِثُ: لِما تَوَلَّيْتُ خَلْقَهُ بِنَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ عَنِ الطّاعَةِ أمْ تَعالَيْتَ عَنِ السُّجُودِ؟
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنا الحَقُّ، وأقُولُ الحَقَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الحَقُّ مِنِّي والحَقُّ قَوْلِي، رَواهُ الحَكَمُ.
(p-١١٢)الثّالِثُ: مَعْناهُ حَقًّا لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومَن تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ ما أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ أجْرًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما أسْألُكم عَلى ما جِئْتُكم بِهِ مِنَ القُرْآنِ أجْرًا، قالَهُ عَطاءٌ.
﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ لِهَذا القُرْآنِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي.
الثّانِي: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ لِأنْ آمُرَكم بِما لَمْ أُؤْمَرْ بِهِ.
الثّالِثُ: وما أنا بِالَّذِي أُكَلِّفُكُمُ الأجْرَ وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَبَأُ القُرْآنِ أنَّهُ حَقٌّ.
الثّانِي: نَبَأُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ رَسُولٌ.
الثّالِثُ: نَبَأُ الوَعِيدِ أنَّهُ صِدْقٌ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقالَ الحَسَنُ: يا ابْنَ آدَمَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَبْرُ اليَقِينُ.
الثّانِي: يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وعِكْرِمَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences