Al-MawardiAn‑Nisa · 4:82–102

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:82–102

4:82–83Page 91

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢

Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.

وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣

And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ أصْلُ التَّدَبُّرِ الدَّبُّورُ، لِأنَّهُ النَّظَرُ في عَواقِبِ الأُمُورِ.

﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ في الِاخْتِلافِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَناقُضٌ مِن جِهَةِ حَقٍّ وباطِلٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ. (p-٥١١)

والثّانِي: مِن جِهَةِ بَلِيغٍ ومَرْذُولٍ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: يَعْنِي اخْتِلافًا في الأخْبارِ عَمّا يُسِرُّونَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ في المَعْنِيِّ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهم ضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ.

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأُمَراءُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: هم أُمَراءُ السَّرايا.

والثّالِثُ: هم أهْلُ العِلْمِ والفِقْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ نَجِيحٍ، والزَّجّاجِ.

﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُولُو الأمْرِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ أوْ ضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ المَقْصُودُونَ بِأوَّلِ الآيَةِ، ومَعْنى يَسْتَنْبِطُونَهُ: أيْ يَسْتَخْرِجُونَهُ، مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِنْباطِ الماءِ، ومِنهُ سُمِّيَ النَّبَطُ لِاسْتِنْباطِهِمُ العُيُونُ.

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا﴾ في فَضْلِ اللَّهِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ. والثّانِي: القُرْآنُ.

والثّالِثُ: اللُّطْفُ والتَّوْفِيقُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مِنكم فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتْبَعُ الشَّيْطانَ.

والثّانِي: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ إلّا قَلِيلًا مِنكم وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ. (p-٥١٢)

والثّالِثُ: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مَعَ الِاتِّباعِ.

4:84–87Page 91

فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤

So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَسْألَةُ الإنْسانِ في صاحِبِهِ أنْ يَنالَهُ خَيْرٌ بِمَسْألَتِهِ أوْ شَرٌّ بِمَسْألَتِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّ الشَّفاعَةَ الحَسَنَةَ الدُّعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَفي الكِفْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الوِزْرُ والإثْمُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّصِيبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٨] وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُقْتَدِرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: حَفِيظًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزَّجّاجِ. (p-٥١٣)

والثّالِثُ: شَهِيدًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: حَسِيبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ الحَجّاجِ، ويُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والخامِسُ: مُجازِيًا، وأصْلُ المُقِيتِ القُوتُ، فَسُمِّيَ بِهِ المُقْتَدِرُ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعْطاءِ القُوتِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا في كُلِّ مُقْتَدِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن قُوتٍ وغَيْرِهِ، كَما قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:

؎ وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ في المُرادِ بِالتَّحِيَّةِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ بِطُولِ الحَياةِ.

والثّانِي: السَّلامُ تَطَوُّعٌ مُسْتَحَبٌّ، ورَدُّهُ فَرْضٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فَرْضَ رَدِّهِ عامٌّ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في المُسْلِمِينَ دُونَ الكافِرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأحْسَنَ مِنها﴾ يَعْنِي الزِّيادَةَ في الدُّعاءِ.

﴿أوْ رُدُّوها﴾ يَعْنِي بِمِثْلِها، ورَوى الحَسَنُ «أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: (السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وعَلَيْكم (فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَدَدْتَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي وقُلْتَ لِلثّالِثِ: وعَلَيْكم، فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ سَلَّمَ وأبْقى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيْئًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِأحْسَنَ مِمّا جاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثّانِي، وإنَّ الثّالِثَ جاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّها، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ).» (p-٥١٤)

وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرُدُّ بِأحْسَنَ مِنها عَلى أهْلِ الإسْلامِ، أوْ مِثْلِها عَلى أهْلِ الكُفْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ بِالسَّلامِ فَإنْ بَدَءُوكم فَقُولُوا: عَلَيْكم» (. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَفِيظًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: مُحاسِبًا عَلى العَمَلِ لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

والثّالِثُ: كافِيًا، وهو قَوْلُ البَلْخِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وفي تَسْمِيَةِ القِيامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ فِيهِ مِن قُبُورِهِمْ.

والثّانِي: لِأنَّهم يَقُومُونَ فِيهِ لِلْحِسابِ.

4:88–91Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أرادُوا الخُرُوجَ عَنْها نِفاقًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الإفْكِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ رَدَّهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أوْقَعَهم، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أهْلَكَهم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أضَلَّهم، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والخامِسُ: نَكَسَهم، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُسَمُّوهم بِالهُدى وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالضَّلالِ عُقُوبَةً لَهم.

والثّانِي: تَهْدُوهم إلى الثَّوابِ بِمَدْحِهِمْ واللَّهُ قَدْ أضَلَّهم بِذَمِّهِمْ. (p-٥١٦)

﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ يَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم أمانٌ فَلَهم مِنهُ مِثْلُ ما لَكم.

قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الهِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْثَمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.

قالَ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وَقُرَيْشٍ] عَهْدٌ، فَحَرَّمَ اللَّهُ مِن بَنِي مُدْلِجٍ ما حَرَّمَ مِن قُرَيْشٍ.

﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ مَعْنى حَصِرَتْ أيْ ضاقَتْ، ومِنهُ حُصِرَ العَدُوُّ وهو الضِّيقُ ومِنهُ حَصْرُ العُداةِ لِأنَّهم قَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَذاهِبُهم.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِأنَّ صُدُورَهم حَصِرَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ دُعاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ تُحْصَرَ صُدُورُهُمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ.

﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ وفي تَسْلِيطِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ.

والثّانِي: بِالإذْنِ في القِتالِ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ.

﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الصُّلْحُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

والثّانِي: الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم (p-٥١٧)

قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ المُوافَقَةَ لِيَأْمَنُوهُمْ، ولِلْمُسْلِمِينَ الإسْلامَ لِيَأْمَنُوهُمْ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ.

وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ كُلَّما رُدُّوا إلى المِحْنَةِ في إظْهارِ الكُفْرِ رَجَعُوا فِيهِ.

4:92–93Page 93

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.

وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ زَيْدٍ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِأنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ عَيّاشًا مَعَ أبِي جَهْلٍ واخْتُلِفَ أيْنَ قَتَلَهُ؟ فَقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: قَتَلَهُ بِالحَرَّةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ وهو لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: قَتَلَهُ يَوْمَ الفَتْحِ وقَدْ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وهو لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ. (p-٥١٨)

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّرْداءِ حِينَ «قَتَلَ رَجُلًا بِالشِّعْبِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَبَدَرَ فَضَرَبَهُ ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ألا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ)» وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ يَعْنِي وما أذِنَ اللَّهُ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا.

ثُمَّ قالَ: ﴿إلا خَطَأً﴾ يَعْنِي أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ خَطَأً ولَيْسَ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ، وهَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تُظْعِنْ بَعِيدًا ولَمْ تَطَأْ عَلى الأرْضِ إلّا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ

يَعْنِي ولَمْ تَطَأْ عَلى الأرْضِ إلّا أنْ تَطَأ ذَيْلَ البُرْدِ ولَيْسَ البُرْدَ مِنَ الأرْضِ.

﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لا يُجْزِئُ عِتْقُها في الكَفّارَةِ إلّا أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً بالِغَةً قَدْ صَلَّتْ وصامَتْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وإبْراهِيمَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّغِيرَةَ المَوْلُودَةَ مِن أبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ تَكُونُ مُؤْمِنَةً تُجْزِئُ في الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشّافِعِيِّ.

﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ في الدِّيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُجْمَلَةٌ أُخِذَ بَيانُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والثّانِي: أنَّها مَعْهُودَةٌ تَقَدَّمَ العَمَلُ بِها ثُمَّ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْها فَجَعَلَ اللَّهُ الرَّقَبَةَ تَكْفِيرًا لِلْقاتِلِ في مالِهِ والدِّيَةَ بَدَلًا مِن نَفْسِ المَقْتُولِ عَلى عاقِلَتِهِ.

﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ إنْ كانَ قَوْمُهُ كُفّارًا وهو مُؤْمِنٌ فَفي قَتْلِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تُؤَدّى إلَيْهِمْ لِأنَّهم يَتَقَوَّوْنَ بِها. (p-٥١٩)

والثّانِي: مَعْناهُ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم يَعْنِي أهْلَ حَرْبٍ إذا كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ فَقُتِلَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِإيمانِهِ فَفِيهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ سَواءٌ كانَ وارِثُهُ مُسْلِمًا أوْ كافِرًا وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم أهْلُ الذِّمَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، يَجِبُ في قَتْلِهِمُ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ.

والثّانِي: هم أهْلُ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: هم كُلُّ مَن لَهُ أمانٌ بِذِمَّةٍ أوْ عَهْدٌ فَيَجِبُ في قَتْلِهِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ وحْدَها إذا عَدِمَها دُونَ الدِّيَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ والدِّيَةِ جَمِيعًا عِنْدَ عَدَمِها، وهَذا قَوْلُ مَسْرُوقٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في مَقِيسِ بْنِ صُبابَةَ، وقَدْ كانَ رَجُلًا مِن بَنِي فِهْرٍ قَتَلَ أخاهُ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ ﷺ الدِّيَةَ وضَرَبَها عَلى بَنِي النَّجّارِ، فَقَبِلَها، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقِيسَ بْنَ صُبابَةَ ومَعَهُ الفِهْرِيُّ في حاجَةٍ فاحْتَمَلَ مَقِيسٌ الفِهْرِيَّ وكانَ أيِّدًا فَضَرَبَ بِهِ الأرْضَ ورَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ ألْقى يُغَنِّي:

؎ قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَلَتْ عَقْلَهُ ∗∗∗ سَراةُ بَنِي النَّجّارِ أرْبابُ فارِعِ

(p-٥٢٠)فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (أظُنُّهُ أحْدَثَ حَدَثًا، أما واللَّهِ لَئِنْ كانَ فَعَلَ لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا حَرَمٍ فَقُتِلَ عامَ الفَتْحِ)» . ورَوى سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « (وَمَن يَقْتُلْ مَؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) الآيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: وإنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.

قالَ: وأنّى لَهُ التَّوْبَةُ).» قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.

فَنَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الهُدْنَةِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨ ].

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآيَةَ.

قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في «رَجُلٍ كانَتْ مَعَهُ غُنَيْماتٌ لَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُمُ: السَّلامُ عَلَيْكم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَبَدَرَ إلَيْهِ بَعْضُهم فَقَتَلَهُ، فَلَمّا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: (لِمَ قَتَلْتَهُ وقَدْ أسْلَمَ؟ قالَ: إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، قالَ: (هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ثُمَّ حَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ إلى أهْلِهِ ورَدَّ عَلَيْهِمْ غَنَمَهُ).» (p-٥٢١)

واخْتُلِفَ في قاتِلِهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ المِقْدادُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أبُو الدَّرْداءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والخامِسُ: هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ اللَّيْثِيُّ.

وَيُقالُ: إنَّ القاتِلَ لَفِظَتْهُ الأرْضُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِنهُ ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لَكم عِبْرَةً، ثُمَّ أمَرَ بِأنْ تُلْقى عَلَيْهِ الحِجارَةُ)» . ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ كُفّارًا مِثْلَهم.

﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ.

4:95–100Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -

فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩

For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.

۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠

And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ في المُراغَمِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.

وَمِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ:

؎ كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ

والثّانِي: مَطْلَبُ المَعِيشَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ

والثّالِثُ: أنَّ المُراغَمُ المُهاجَرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: يَعْنِي بِالمُراغَمِ مَندُوحَةً عَمّا يَكْرَهُ.

والخامِسُ: أنْ يَجِدَ ما يُرْغِمُهم بِهِ، لِأنَّ كُلَّ مَن شَخِصَ عَنْ قَوْمِهِ رَغْبَةً عَنْهم فَقَدْ أرْغَمَهم، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

وَأصْلُ ذَلِكَ الرُّغْمُ وهو الذُّلُّ.

والرَّغامُ: التُّرابُ لِأنَّهُ ذَلِيلٌ، والرُّغامُ بِضَمِّ الرّاءِ ما يَسِيلُ مِنَ الأنْفِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( وسَعَةً ) ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَعَةٌ في الرِّزْقِ وهو قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: سَعَةٌ في إظْهارِ الدِّينِ.

4:101Page 94

وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ سِرْتُمْ، لِأنَّهُ يَضْرِبُ الأرْضَ (p-٥٢٣)

بِرِجْلِهِ في سَيْرِهِ كَضَرْبِهِ بِيَدِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ السَّفَرُ في الأرْضِ ضَرْبًا.

﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اخْتُلِفَ في هَذا القَصْرِ المَشْرُوطِ بِالخَوْفِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَصْرُ أرْكانِها إذا خافَ، مَعَ اسْتِيفاءِ أعْدادِها فَيُصَلِّي عِنْدَ المُسايَفَةِ والتِحامِ القِتالِ كَيْفَ أمْكَنَهُ قائِمًا وقاعِدًا ومُومِيًا، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٩] وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَصْرُ أعْدادِها مِن أرْبَعٍ إلى ما دُونَها، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا مَشْرُوطٌ بِالخَوْفِ مِن أرْبَعٍ إلى رَكْعَتَيْنِ، فَإنْ كانَ آمِنًا مُقِيمًا لَمْ يَقْصُرْ، وهَذا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وداوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.

والثّانِي: أنَّهُ قَصْرانِ، فَقَصْرُ الأمْنِ، مِنَ الأرْبَعِ إلى رَكْعَتَيْنِ، وقَصْرُ الخَوْفِ مِن رَكْعَتَيْنِ إلى رَكْعَةٍ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ.

وَقَدْ رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ في الحَضَرِ أرْبَعًا وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً.

» والثّالِثُ: أنَّهُ يَقْصُرُ في سَفَرٍ خائِفًا وآمِنًا مِن أرْبَعٍ إلى رَكْعَتَيْنِ لا غَيْرُ.

رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَّبِيُّ ﷺ فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ؟ فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في أثَرِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ.

» (p-٥٢٤)

4:102Page 95

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢

And when you [i.e., the commander of an army] are among them and lead them in prayer,1 let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allāh has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في الخَوْفِ بِأصْحابِهِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِ هَلْ خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لَهُ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ أنْ يُصَلِّيَ في الخَوْفِ كَصَلاتِهِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ عَزَمُوا عَلى الإيقاعِ بِالمُسْلِمِينَ إذا اشْتَغَلُوا بِصَلاتِهِمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى سَرائِرِهِمْ وأمَرَهُ بِالتَّحَرُّزِ مِنهم، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ إسْلامِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، فَلِذَلِكَ صارَ هَذا خاصًّا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا القَوْلُ مَحْكِيٌّ عَنْ أبِي يُوسُفَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عامٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ إذا كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِ في خَوْفِهِ، لِأنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ الَّذِي هو الخَوْفُ يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَيْهِ مَتى وُجِدَ كَما فَعَلَ الصَّحابَةُ بَعْدَهُ حِينَ خافُوا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ يَعْنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّلاةِ، وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَأْمُورِينَ بِأخْذِ السِّلاحِ هُمُ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: هُمُ الَّذِينَ بِإزاءِ العَدُوِّ يَحْرُسُونَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥٢٥)

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ يَعْنِي فَإذا سَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَكَ في الصَّلاةِ.

﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ يَعْنِي بِإزاءِ العَدُوِّ.

واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ورائِكُمْ﴾ هَلْ ذَلِكَ بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ وتَمامِها بِالرَّكْعَةِ الَّتِي أدْرَكُوها مَعَهُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَدْ تَمَّتْ بِالرَّكْعَةِ حَتّى يُصَلُّوا مَعَها بَعْدَ فَراغِ الإمامِ رَكْعَةً أُخْرى، وهَذا قَوْلُ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِ الخَوْفَ رَكْعَتَيْنِ.

وَمَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا هَلْ يُتِمُّونَ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ وُقُوفِهِمْ بِإزاءِ العَدُوِّ أوْ بَعْدَهُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَبْلَ وُقُوفِهِمْ بِإزاءِ العَدُوِّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: بَعْدَهُ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ يُرِيدُ الطّائِفَةَ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ تَأْتِي فَتُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ، وتَمْضِي الطّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ فَتَقِفُ مَوْضِعَها بِإزاءِ العَدُوِّ.

وَإذا صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ عَلَيْهِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ فَرْضُها وتُسَلِّمُ بِسَلامِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ فَرْضَهُ في الخَوْفِ رَكْعَةً.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عَلَيْها رَكْعَةً أُخْرى، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ فَرْضَهُ في الخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ كالأمْنِ، فَعَلى هَذا مَتى تُفارِقُهُ؟ فَعَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَبْلَ تَشَهُّدِهِ.

والثّانِي: بَعْدَهُ، وقَدْ رَوى القَوْلَيْنِ مَعًا سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. (p-٥٢٦)

وَهَلْ تُتِمُّ رَكْعَتَها الباقِيَةَ قَبْلَ وُقُوفِها بِإزاءِ العَدُوِّ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: تُتِمُّها قَبْلَ الوُقُوفِ بِإزائِهِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: تَقِفُ بِإزائِهِ قَبْلَ إتْمامِها حَتّى إذا أتَمَّتِ الطّائِفَةُ الأُولى رَكْعَتَها عادَتْ فَوَقَفَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ خَرَجَتْ هَذِهِ فَأتَمَّتْ رَكْعَتَها، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

وَهَذِهِ الصَّلاةُ هي نَحْوُ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِذاتِ الرِّقاعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском