Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
الدخان
Ad-Dukhan
The Smoke · Meccan · 59 ayahs
44:1–8Page 496
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
By the clear Book,
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣
Indeed, We sent it down during a blessed night.1 Indeed, We were to warn [mankind].
فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤
Therein [i.e., on that night] is made distinct1 every precise matter -
أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥
[Every] matter [proceeding] from Us. Indeed, We were to send [a messenger]
رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦
As mercy from your Lord. Indeed, He is the Hearing, the Knowing,
رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧
Lord of the heavens and the earth and that between them, if you would be certain.
لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨
There is no deity except Him; He gives life and causes death. [He is] your Lord and the Lord of your first forefathers.
(p-٢٤٤)سُورَةُ الدُّخانِ
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي والقُرْآنِ المُبِينِ، فَأقْسَمَ بِهِ، وفي قَسَمِهِ بِـ ﴿حم﴾ وجْهانِ مِنَ اخْتِلافِهِمْ في تَأْوِيلِهِ.
﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا.
﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ; قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ.
(p-٢٤٥)رَوى قَتادَةُ عَنْ وائِلَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ وأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ الإنْجِيلُ لِثَمانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ.
وَأُنْزِلَ القُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ» وفي تَسْمِيَتِها مُبارَكَةً وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِما يَنْزِلُ فِيها مِنَ الرَّحْمَةِ.
الثّانِي: لِما يُجابُ فِيها مِنَ الدُّعاءِ.
﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ بِالقُرْآنِ مِنَ النّارِ.
وَيَحْتَمِلُ: ثالِثًا: مُنْذِرِينَ بِالرُّسُلِ مِنَ الضَّلالِ.
﴿فِيها﴾ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ.
﴿يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وفي يُفْرَقُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يُقْضى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: يُكْتَبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ سِنانٍ.
وَفِي تَأْوِيلِ ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: الآجالُ والأرْزاقُ والسَّعادَةُ والشَّقاءُ مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: كُلَّ ما يُقْضى مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ، إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ فَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لا يُغَيَّرُ ولا يُبَدَّلُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّالِثُ: كُلُّ ما يُقْضى مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ إلّا الحَياةَ والمَوْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: بَرَكاتُ عَمَلِهِ مِنَ انْطِلاقِ الألْسُنِ بِمَدْحِهِ، وامْتِلاءِ القُلُوبِ مِن هَيْبَتِهِ، قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ.
الحَكِيمُ هُنا هو المُحْكِمُ.
وَلَيْلَةُ القَدْرِ باقِيَةٌ ما بَقِيَ الدَّهْرُ، وهي في شَهْرِ رَمَضانَ (p-٢٤٦)فِي العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ.
وَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ إنَّها رُفِعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا لِقَوْلِ مَن جَوَّزَها في جَمِيعِ السَّنَةِ لِأنَّ الخَبَرَ والأثَرَ والعَيانَ يَدْفَعُهُ.
واخْتُلِفَ في مَحِلِّها مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ عَلى أقاوِيلَ ذَكَرَها في سُورَةِ القَدْرِ أوْلى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأمْرَ هو القُرْآنُ أنْزَلَهُ اللَّهُ مِن عِنْدِهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: أنَّهُ ما قَضاهُ اللَّهُ في اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ مِن أحْوالِ عِبادِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ: ثالِثًا: أنَّهُ إرْسالُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُرْسِلِينَ الرُّسُلَ لِلْإنْذارِ.
الثّانِي: مُنْزِلِينَ ما قَضَيْناهُ عَلى العِبادِ.
الثّالِثُ: مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ.
وَفِي ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها نِعْمَةُ اللَّهِ بِبَعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ.
الثّانِي: أنَّها رَأْفَتُهُ بِهِدايَةِ مَن آمَنَ بِهِ.
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِقَوْلِهِمْ ﴿العَلِيمُ﴾ بِفِعْلِهِمْ.
44:9–16Page 496
بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ ٩
But they are in doubt, amusing themselves.
فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠
Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke
يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١
Covering the people; this is a painful torment.
رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢
[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣
How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.
ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤
Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥
Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].
يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦
The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ في ارْتَقِبْ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ فانْتَظِرْ يا مُحَمَّدُ بِهَؤُلاءِ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٤٧)الثّانِي: مَعْناهُ فاحْفَظْ يا مُحَمَّدُ قَوْلَهم هَذا لِتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحافِظُ رَقِيبًا، قالَ الأعْشى
؎ عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حافِظٌ فَقُلْ في امْرِئٍ غِلْقٍ مُرْتَهِنٍ
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: ما أصابَ أهْلَ مَكَّةَ مِن شِدَّةِ الجُوعِ حَتّى صارَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في إبْطائِهِمْ عَنِ الإيمانِ وقَصْدِهِمْ لَهُ بِالأذى، فَقالَ: « (اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ)» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والدُّخانُ الجَدْبُ.
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها الدُّخانُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حَجَبَتِ السَّماءُ الغُيُومَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأعْرَجِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ دُخانٌ يَهِيجُ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْخُذُ المُؤْمِنَ مِنهُ كالزَّكْمَةِ، ويَنْفُخُ الكافِرَ حَتّى يَخْرُجَ مِن كُلِّ مَسْمَعٍ مِنهُ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ الدُّخانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الجُوعُ: قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الثَّلْجُ وهَذا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أوْ في أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ تَكُنْ مَكَّةُ مِن بِلادِ الثَّلْجِ غَيْرَ أنَّهُ مَقُولٌ فَحَكَيْناهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أيْ عائِدُونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ.
الثّانِي: إلى الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
فَلَمّا كُشِفَ ذَلِكَ عَنْهم بِاسْتِسْقاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهم عادُوا إلى تَكْذِيبِهِ. (p-٢٤٨)
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ والبَطْشَةُ الكُبْرى هي العُقُوبَةُ الكُبْرى، وفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القَتْلُ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها قِيامُ السّاعَةِ لِأنَّها خاتِمَةُ بَطَشاتِهِ في الدُّنْيا.
﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ مِن أعْدائِنا.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَ النِّقْمَةِ والعُقُوبَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ العُقُوبَةَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ لِأنَّها مِنَ العاقِبَةِ، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ قَبْلَها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ العُقُوبَةَ قَدْ تَكُونَ في المَعاصِي، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ في خَلْقِهِ لِأجْلِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ العُقُوبَةَ ما تَقَدَّرَتْ، والِانْتِقامُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
44:17–33Page 496
۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧
And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],
أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨
[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"
وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩
And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.
وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠
And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1
وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١
But if you do not believe me, then leave me alone."
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢
And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.
فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣
[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.
وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤
And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."
كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥
How much they left behind of gardens and springs
وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦
And crops and noble sites
وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧
And comfort wherein they were amused.
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨
Thus. And We caused to inherit it another people.
فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩
And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠
And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢
And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣
And We gave them of signs that in which there was a clear trial.
﴿وَجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: كَرِيمٌ في قَوْمِهِ.
الثّالِثُ: كَرِيمُ الأخْلاقِ بِالتَّجاوُزِ والصَّفْحِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أيْ أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ ولا تَسْتَعْبِدُوهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أجِيبُوا عِبادَ اللَّهِ خَيْرًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أدُّوا إلَيَّ يا عِبادَ اللَّهِ ما وجَبَ عَلَيْكم مِن حُقُوقِ اللَّهِ، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أمِينٌ عَلى أنْ أُؤَدِّيهِ لَكم فَلا أتَزَيَّدُ فِيهِ.
الثّانِي: أمِينٌ عَلى ما أسْتَأْدِيهِ مِنكم فَلا أخُونَ فِيهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: لا تَبْغُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرْقُ بَيْنَ البَغْيِ والِافْتِراءِ أنَّ البَغْيَ بِالفِعْلِ، والِافْتِراءَ بِالقَوْلِ.
الثّالِثُ: لا تُعَظِّمُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الرّابِعُ: لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى.
والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْظِيمِ والِاسْتِكْبارِ أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ، والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقِرِ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِعُذْرٍ مُبِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، قالَهُ يَحْيى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَجَأْتُ إلى رَبِّي ورَبِّكم.
الثّانِي: اسْتَغَثْتُ.
والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُلْتَجِئَ مُسْتَدْفِعٌ والمُسْتَغِيثَ مُسْتَنْصِرٌ.
(p-٢٥٠)قَوْلُهُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيْ رَبِّي الَّذِي هو رَبُّكم.
﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: بِالحِجارَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنْ تَقْتُلُونِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنْ تَشْتِمُونِي بِأنْ تَقُولُوا ساحِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ شاعِرٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
﴿وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي وتُصَدِّقُوا قَوْلِي فَخَلُّوا سَبِيلِي وكُفُّوا عَنْ أذايَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: سَمْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يابِسًا، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّالِثُ: سَهْلًا، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الرّابِعُ: طَرِيقًا، قالَهُ كَعْبٌ والحَسَنُ.
الخامِسُ: مُنْفَرِجًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
السّادِسُ: غَرَقًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّابِعُ: ساكِنًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ والأخْفَشُ وقُطْرُبٌ.
قالَ القَطامِيُّ
؎ يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَجا بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ وأرادَ آلُ فِرْعَوْنَ أنْ يَدْخُلُوهُ خَشِيَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُدْرِكُوهُ فَأرادَ أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ طَرِيقًا يابِسًا حَتّى يَدْخُلُوهُ.
﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو النِّيلُ، وكانَ عَرْضُهُ يَوْمَئِذٍ فَرْسَخَيْنِ، قالَ الضَّحّاكُ: كانَ غَرَقُهم بِالقَلْزَمِ وهو بَلَدٌ بَيْنَ مِصْرَ والحِجازِ.
فَإنْ قِيلَ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الأحْوالُ في البَحْرِ مِن فِعْلِ مُوسى ولا إلَيْهِ.
قِيلَ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ ضَرَبَ البَحْرَ بِعَصاهُ ثانِيَةً تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، فَأمَرَهُ أنْ يَكُفَّ عَنْ ضَرْبِهِ حَتّى يُنْفِذَ اللَّهُ قَضاءَهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
(p-٢٥١)وَتَأْوِيلُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿واتْرُكِ البَحْرَ﴾ أيِ اجْعَلِ القَلْبَ ساكِنًا في تَدْبِيرِي ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أيْ إنَّ المُخالِفِينَ قَدْ غَرَقُوا في التَّدْبِيرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ الجَنّاتُ البَساتِينُ.
وَفي العُيُونِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عُيُونُ الماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: عُيُونُ الذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿وَزُرُوعٍ﴾ قِيلَ إنَّهم كانُوا يَزْرَعُونَ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ مِن أوَّلِ مِصْرَ إلى آخِرِها، وكانَتْ مِصْرُ كُلُّها تُرْوى مِن سِتَّةَ عَشَرَ ذِراعًا لِما دَبَّرُوهُ وقَدَّرُوهُ مِن قَناطِرَ وجُسُورٍ.
﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها المَنابِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: المَساكِنُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو والسُّدِّيُّ، لِمُقامِ أهْلِها فِيها.
الثّالِثُ: مَجالِسُ المُلُوكِ لِقِيامِ النّاسِ فِيها.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ مَرابِطُ الخَيْلِ لِأنَّها أكْرَمُ مَذْخُورٍ لِعِدَّةٍ وزِينَةٍ.
وَفِي الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: هو الحَسَنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: هو المُعْطِي لِدَيْهِ كَما يُعْطِي الرَّجُلُ الكَرِيمُ صِلَتَهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ كَرِيمٌ لِكَرَمِ مَن فِيهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ في النِّعْمَةِ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: نِيلُ مِصْرَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: الفَيُّومُ، قالَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ.
الثّالِثُ: أرْضُ مِصْرَ لِكَثْرَةِ خَيْرِها، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الرّابِعُ: ما كاُنُوا فِيهِ مِنَ السَّعَةِ والدَّعَةِ.
وَقَدْ يُقالُ نِعْمَةٌ ونَعْمَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: (p-٢٥٢)أحَدُهُما: أنَّها بِكَسْرِ النُّونِ في المُلْكِ، وبِفَتْحِها في البَدَنِ والدِّينِ; قالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ.
الثّانِي: أنَّها بِالكَسْرِ مِنَ المِنَّةِ وهو الإفْضالُ والعَطِيَّةُ، وبِالفَتْحِ مِنَ التَّنَعُّمِ وهو سَعَةُ العَيْشِ والرّاحَةُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
وَفي ﴿فاكِهِينَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: فَرِحِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ناعِمِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ الفاكِهَ هو المُتَمَتِّعُ بِأنْواعِ اللَّذْةِ كَما يَتَمَتَّعُ الآكِلُ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ﴿فَكِهِينَ﴾ ومَعْناهُ مُعْجَبِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها مُسْتَعْبَدِينَ، فَصَرُوا لَها وارِثِينَ لِوُصُولِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ كَوُصُولِ المِيراثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أهْلَ السَّماءِ وأهْلَ الأرْضِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَبْكِيانِ عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا; قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ أبُو يَحْيى: فَعَجِبْتُ مِن قَوْلِهِ، فَقالَ أتَعْجَبُ؟ وما لِلْأرْضِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ يَعْمُرُها بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟ وما لِلسَّماءِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ لِتَكْبِيرِهِ وتَسْبِيحِهِ فِيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟
الثّالِثُ: أنَّهُ يَبْكِي عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ ومَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
وَتَقْدِيرُهُ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمْ مَصاعِدُ عَمَلِهِمْ مِنَ السَّماءِ ولا مَواضِعَ عِبادَتِهِمْ مِنَ الأرْضِ.
وَهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ.
قالَ: قالَ رَسُولُ (p-٢٥٣)اللَّهِ ﷺ: « (ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ، بابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، وبابٌ يَدْخُلُ مِنهُ كَلامُهُ وعَمَلُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ فَبَكَيا عَلَيْهِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
» وفي بُكاءِ السَّماءِ والأرْضِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كالمَعْرُوفِ مِن بُكاءِ الحَيَوانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ حُمْرَةُ أطْرافِها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَطاءٌ.
وَحَكى جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ قالَ: لَمّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما احْمَرَّ لَهُ آفاقُ السَّماءِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، واحْمِرارُها بُكاؤُها.
الثّالِثُ: أنَّها أمارَةٌ تَظْهَرُ مِنها تَدُلُّ عَلى حُزْنٍ وأسِفٍ.
كَقَوْلِ الشّاعِرِ
؎ والشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرا
﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُؤَخَّرِينَ بِالغَرَقِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لَمْ يُنْظَرُوا بَعْدَ الآياتِ التِّسْعِ حَتّى أُغْرِقُوا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٢٥٤)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ﴾ مَعْناهُ عَلى عَلْمٍ مِنّا بِهِمْ.
وَفي اخْتِيارِهِ لَهم ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: بِاصْطِفائِهِمْ لِرِسالَتِهِ، والدُّعاءِ إلى طاعَتِهِ.
الثّانِي: بِاخْتِيارِهِمْ لِدِينِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.
الثّالِثُ: بِإنْجائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، لِأنَّ لِكُلِّ زَمانٍ عالَمًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى كُلِّ العالَمِينَ بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ.
وَهَذا خاصَّةٌ لَهم ولَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ أنْجاهم مِن عَدُوِّهِمْ وفَلَقَ البَحْرَ لَهم وظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَكُونُ هَذا الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ.
الثّانِي: أنَّها العَصا ويَدُهُ البَيْضاءُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ الفَرّاءِ.
وَيَكُونُ الخِطابَ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهم عَنْهُ والخَيْرُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
وَيَكُونُ الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى الفَرِيقَيْنِ مَعًا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ كَما قالَ تَعالى ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ فَأبْلاهُ خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو.
الثّانِي: عَذابٌ شَدِيدٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: اخْتِيارٌ بَيِّنٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.(p-٢٥٥)
44:34–37Page 497
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤
Indeed, these [disbelievers] are saying,
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥
"There is not but our first death, and we will not be resurrected.
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦
Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ.
﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ بِمَبْعُوثِينَ قِيلَ: إنَّ قائِلَ هَذا أبُو جَهْلٍ قالَ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ صادِقًا في قَوْلِكَ فابْعَثْ لَنا رَجُلَيْنِ مِن آبائِنا
أحَدُهُما قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا صادِقًا، لِنَسْألَهُ عَمّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ وهَذا القَوْلُ مِن أبِي جَهْلٍ مِن أضْعَفِ الشُّبُهاتِ، لِأنَّ الإعادَةَ إنَّما هي لِلْجَزاءِ لا لِلتَّكْلِيفِ.
فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ كُنْتَ صادِقًا في إعادَتِهِمْ لِلْجَزاءِ فَأعِدْهم لِلتَّكْلِيفِ.
وَهو كَقَوْلِ قائِلٍ لَوْ قالَ: إنْ كانَ يَنْشَأُ بَعْدَنا قَوْمٌ مِنَ الأبْناءِ، فَلِمَ لا يَرْجِعُ مَن مَضى مِنَ الآباءِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أهم أظْهَرُ نِعْمَةً وأكْثَرُ أمْوالًا.
الثّانِي: أهم أعَزُّ وأشَدُّ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ.
وَحَكى قَتادَةُ أنَّ تُبَّعًا كانَ رَجُلًا مِن حِمْيَرٍ سارَ بِالجُيُوشِ حَتّى عَبَرَ الحِيرَةَ وأتى سَمَرْقَنْدَ فَهَدَمَها.
وَحُكِيَ لَنا أنَّهُ كانَ إذا كَتَبَ; كَتَبَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَما ومَلَكَ بَرًّا وبَحْرًا وضَحًا ورِيحًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَجاءٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهَ ﷺ قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ.
» وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ شِعْرًا ذَكَرَ أنَّهُ لِتُبَّعٍ وهُوَ: (p-٢٥٦)
؎ مَنَحَ البَقاءَ تَقَلُّبُ الشَّمْسِ وطُلُوعُها مِن حَيْثُ لا تُمْسِي ∗∗∗ وشُرُوقُها بَيْضاءُ صافِيَةٌ ∗∗∗ وغُرُوبُها حَمْراءُ كالوَرْسِ ∗∗∗ وتَشَتُّتِ الأهْواءُ أزْعَجَنِي ∗∗∗ سَيْرًا لِأبْلُغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ∗∗∗ ولَرُبَّ مَطْعَمَةٍ يَعُودُ لَها ∗∗∗ رَأْيُ الحَلِيمِ إلى شَفا لُبْسِ
وَفِي تَسْمِيَتِهِ تُبَّعًا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ تَبِعَ مَن قَبْلَهُ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كَما قِيلَ خَلِيفَةٌ لِأنَّهُ خَلَفَ مَن قَبْلَهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ اسْمٌ لِمُلُوكِ اليَمَنِ.
وَذَمَّ اللَّهُ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، وضَرَبَ بِهِمْ مَثَلًا لِقُرَيْشٍ لِقُرْبِهِمْ مِن دارِهِمْ، وعَظَّمَهم في نُفُوسِهِمْ، فَلَمّا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ ومَن قَبْلَهم - لِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ - كانَ مَن أجْرَمَ مَعَ ضَعْفِ اليَدِ وقِلَّةِ العَدَدِ أحْرى بِالهَلاكِ.
44:38–42Page 497
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
And We did not create the heavens and earth and that between them in play.
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
We did not create them except in truth, but most of them do not know.
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠
Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١
The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢
Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: غافِلِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: لاهِينَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِلْحَقِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِقَوْلِ الحَقِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الفَصْلِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: [إنَّ اللَّهَ] يُفَصِّلُ فِيهِ أُمُورَ عِبادِهِ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المَرْءِ وعَمَلِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences