Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:109–130
6:109–110Page 141
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩
And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.
وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠
And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ حَلَفُوا بِاللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ اقْتَرَحُوها لَيُؤْمِنُنَّ بِها، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُسْتَهْزِئُونَ.
واخْتُلِفَ في الآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: (p-١٥٦)أحَدُها: أنْ تَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا.
والثّانِي: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ حِينَ أقْسَمُوا لَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: أنْزِلْها عَلَيْنا حَتّى نُؤْمِنَ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِلْها عَلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: ولَيْسَ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَتُهم إلى اقْتِراحِهِمْ لا سِيَّما إذا عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، واخْتُلِفَ في وُجُوبِها عَلَيْهِ إذا عَلِمَ إيمانَهم بِها عَلى قَوْلَيْنِ وقَدْ أخْبَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةٌ لَهم، وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ يُقَلِّبُها في النّارِ.
والثّانِي: في الدُّنْيا بِالحَيْرَةِ حَتّى يُزْعِجَ النَّفْسَ ويَغُمَّها.
والثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّنا نُحِيطُ بِذاتِ الصُّدُورِ وخائِنَةِ الأعْيُنِ مِنهم.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أوَّلُ مَرَّةٍ جاءَتْهُمُ الآياتُ.
والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ أحْوالُهم في الدُّنْيا كُلُّها، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ تَعالى حالَ عَنَتِهِمْ.
6:111Page 142
۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١
And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.
(p-١٥٧)فَقالَ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: (قِبَلًا) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، قَرَأ بِها نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ مُعايَنَةً ومُجاهَرَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِضَمِّ القافِ والباءِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، وفي تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُبُلَ جَمْعُ قَبِيلٍ وهو الكَفِيلُ، فَيَكُونُ مَعْنى (قُبُلًا) أيْ كُفَلاءَ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ قَبِيلَةً قَبِيلَةً وصَفًّا صَفًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ مُقابَلَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ يَعْنِي بِهَذِهِ الآياتِ مَعَ ما اقْتَرَحُوها مِن قَبْلُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يُعِينَهم عَلَيْهِ.
والثّانِي: إلّا أنْ يَشاءَ أنْ يُجْبِرَهم عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَجْهَلُونَ فِيما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ.
والثّانِي: يَجْهَلُونَ أنَّهم لَوْ أُجِيبُوا إلى ما اقْتَرَحُوا لَمْ يُؤْمِنُوا طَوْعًا.
6:112–113Page 142
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢
And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.
وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣
And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أيْ جَعَلْنا لِلْأنْبِياءِ أعْداءً كَما جَعَلْنا لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ أعْداءً.
وَفي ﴿جَعَلْنا﴾ وجْهانِ: (p-١٥٨)أحَدُهُما: مَعْناهُ حَكَمْنا بِأنَّهم أعْداءٌ.
والثّانِي: مَعْناهُ تَرَكْناهم عَلى العَداوَةِ، فَلَمْ نَمْنَعْهم مِنها.
وَفي ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي شَياطِينَ الإنْسِ الَّذِينَ مَعَ الإنْسِ، وشَياطِينَ الجِنِّ الَّذِينَ مَعَ الجِنِّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: شَياطِينُ الإنْسِ كُفّارُهم، وشَياطِينُ الجِنِّ كُفّارُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ مَرَدَتُهم، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ في يُوحِي ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي يُوَسْوِسُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والثّانِي: يُشِيرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَعَبَّرَ عَنِ الإشارَةِ بِالوَحْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١١] و ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الشُّبَهِ في الكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي.
والثّالِثُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] أيْ أمْرٌ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ.
والثّانِي: ما فَعَلُوا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ.
وَفي تَرْكِهِمْ عَلى ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ابْتِلاءً لَهم وتَمْيِيزًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم.
والثّانِي: لا يُلْجِئُهم إلى الإيمانِ فَيَزُولُ التَّكْلِيفُ.
(p-١٥٩)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِ قُلُوبُهم، والإصْغاءُ: المَيْلُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ تَرى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ زَيْغٌ وفِيهِ إلى التَّشْبِيهِ إصْغاءُ
وَتَقْدِيرُ الكَلامِ، يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا لِيُغْرُوهم ولِتُصْغِيَ إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هي لامُ أمْرٍ ومَعْناها الخَبَرُ.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنَّ مَن مالَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ رَضِيَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرْضِيًا.
﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولِيَكْتَسِبُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ما هم مُكْتَسِبُونَ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
والثّانِي: ولِيَكْذِبُوا عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ما هم كاذِبُونَ، وهو مُحْتَمَلٌ.
6:114–115Page 142
أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤
[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.
وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥
And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ هَلْ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَعْدِلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ حَتّى أعْدِلَ عَنْهُ.
والثّانِي: هَلْ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ مَعَ اللَّهِ حَتّى أحْتَكِمَ إلَيْهِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الحَكَمِ والحاكِمِ، أنَّ الحَكَمَ هو الَّذِي يَكُونُ أهْلًا لِلْحُكْمِ فَلا يَحْكُمُ إلّا بِحَقٍّ، والحاكِمُ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِ أهْلِهِ فَيَحْكُمُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَصارَ الحَكَمُ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، والحاكِمُ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ، فَكانَ الحَكَمُ أبْلَغَ في المَدْحِ مِنَ الحاكِمِ.
(p-١٦٠)ثُمَّ قالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا﴾ في المُفَصَّلِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَفْصِيلُ آياتِهِ لِتِبْيانِ مَعانِيهِ فَلا تُشْكِلُ.
والثّانِي: تَفْصِيلُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ.
والثّالِثُ: تَفْصِيلُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، والهُدى مِنَ الضَّلالِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: تَفْصِيلُ الأمْرِ مِنَ النَّهْيِ، والمُسْتَحَبِّ مِنَ المَحْظُورِ، والحَلالِ مِنَ الحَرامِ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا إنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ وإنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وفي تَمامِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ مُحْتَمَلَةٍ: أحَدُها: تَمامُ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ.
والثّانِي: تَمامُ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ.
والثّالِثُ: تَمامُ إنْذارِهِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
والرّابِعُ: تَمامُ كَلامِهِ واسْتِكْمالُ صُوَرِهِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿صِدْقًا وعَدْلا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: صِدْقًا في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعَدْلًا في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّانِي: صِدْقًا فِيما حَكاهُ، عَدْلًا فِيما قَضاهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
وَقَدْ مَضى تَفْسِيرُ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾
6:116–120Page 142
وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦
And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧
Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨
So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩
And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠
And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سِرُّهُ وعَلانِيَتُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: ظاهِرُ الإثْمِ: ما حُرِّمَ مِن نِكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ الآيَةَ.
وَباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ أُولاتُ الرّاياتِ مِنَ الزَّوانِي، والباطِنُ ذَواتُ الأخْدانِ، لِأنَّهُنَّ كُنَّ يَسْتَحْلِلْنَهُ سِرًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ العِرْيَةُ الَّتِي كانُّو يَعْمَلُونَ بِها حِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ ما يَفْعَلُهُ بِالجَوارِحِ، وباطِنُهُ ما يَعْتَقِدُهُ بِالقَلْبِ.
6:121Page 143
وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١
And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُرادُ بِها ذَبائِحُ كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُها لِأوْثانِها، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: أنَّها المَيْتَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ صَيْدُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ، ولا هم مِن أهْلِ التَّسْمِيَةِ، يَحْرُمُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَأْكُلُوهُ حَتّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ صادُوهُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
(p-١٦٢)والرّابِعُ: أنَّهُ ما لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عِنْدَ ذَبْحِهِ.
وَفي تَحْرِيمِ أكْلِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَحْرُمُ [سَواءٌ] تَرَكَها عامِدًا أوْ ناسِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والشّافِعِيُّ.
والثّانِي: يَحْرُمُ إنْ تَرَكَها عامِدًا، ولا يَحْرُمُ إنْ تَرَكَها ناسِيًا، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
والثّالِثُ: يَحْرُمُ سَواءٌ تَرَكَها عامِدًا أوْ ناسِيًا، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وداوُدُ.
﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ المَعْصِيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: المُرادُ بِهِ الإثْمُ.
﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ يَعْنِي المُجادَلَةَ في الذَّبِيحَةِ، وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِالشَّياطِينِ قَوْمًا مِن أهْلِ فارِسَ كَتَبُوا إلى أوْلِيائِهِمْ مِن قُرَيْشٍ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ولا يَأْكُلُونَ ما ذَبَحَ اللَّهُ يَعْنِي المَيْتَةَ، ويَأْكُلُونَ ما ذَبَحُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ قالُوا ذَلِكَ لِأوْلِيائِهِمْ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفي وحْيِهِمْ إلَيْهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها إشارَتُهم.
والثّانِي: رِسالَتُهم.
﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي في أكْلِ المَيْتَةِ، إنَّكم لَمُشْرِكُونَ إنِ اسْتَحْلَلْتُمُوها.
6:122Page 143
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢
And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.
(p-١٦٣)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كانَ مَيْتًا حِينَ كانَ نُطْفَةً فَأحْيَيْناهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ [فِيهِ]، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّانِي: كانَ مَيْتًا بِالكُفْرِ فَأحْيَيْناهُ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والثّالِثُ: كانَ مَيْتًا بِالجَهْلِ فَأحْيَيْناهُ بِالعَمَلِ، أنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ لِبَعْضِ شُعَراءِ البَصْرَةِ:
؎ وفي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ فَأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورٌ ∗∗∗ وإنِ امْرَءًا لَمْ يَحْيى بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورٌ
﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ النُّورَ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي يَهْدِي إلى الرُّشْدِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ حُسْنُ الإيمانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَنْشُرُ بِهِ ذِكْرَ دِينِهِ بَيْنَ النّاسِ في الدُّنْيا حَتّى يَصِيرَ كالماشِي.
والثّانِي: يَهْتَدِي بِهِ بَيْنَ النّاسِ إلى الجَنَّةِ فَيَكُونُ هو الماشِيَ.
﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الظُّلُماتِ الكُفْرُ.
والثّانِي: الجَهْلُ، وشَبَّهَهُ بِالظُّلْمَةِ لِأنَّ صاحِبَهُ في حَيْرَةٍ تُفْضِي بِهِ إلى الهَلَكَةِ كَحَيْرَةِ الماشِي في الظُّلْمَةِ.
واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها عَلى العُمُومِ في كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّها عَلى الخُصُوصِ في مُعَيَّنٍ.
وَفِيمَن تَعَيَّنَ نُزُولُ ذَلِكَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُؤْمِنَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والكافِرَ أبُو جَهْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَمُقاتِلٌ.
(p-١٦٤)والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، والكافِرَ أبُو جَهْلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ.
6:123–124Page 143
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣
And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.
وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤
And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ يَعْنِي عَلامَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ.
﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ نُؤْمِنَ بِالآيَةِ.
والثّانِي: لَنْ نُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ. ﴿حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ.
الثّانِي: مِثْلَ ما أُوتُوا مِنَ النُّبُوَّةِ.
﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ قَصَدَ بِذَلِكَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَفَرُّدُ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ المَصْلَحَةِ فِيمَن يَسْتَحِقُّ الرِّسالَةَ.
والثّانِي: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في سُؤالِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، والمَنعُ مِمّا لا يَجُوزُ أنْ يَسْألُوهُ.
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الصَّغارُ: الذُّلُّ سُمِّيَ صَغارًا لِأنَّهُ يَصْغُرُ إلى الإنْسانِ نَفْسَهُ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحَذَفَ (مِن) إيجازًا.
والثّانِي: أنَّ أنَفَتَهم مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وذُلٌّ إنْ كانَ عِنْدَهم تَكَبُّرًا وعِزًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: صَغارٌ في الآخِرَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.(p-١٦٥)
6:125Page 144
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥
So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَهْدِيهِ إلى نَيْلِ الثَّوابِ واسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ.
(p-١٦٦)والثّانِي: يَهْدِيهِ إلى الدَّلائِلِ المُؤَدِّيَةِ إلى الحَقِّ.
﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ يَعْنِي بِشَرْحِ الصَّدْرِ سِعَتَهُ لِدُخُولِ الإسْلامِ إلَيْهِ وثُبُوتِهِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشَّرْحَ: ١] . رَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ؟ قالَ: (أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ وأحْسَنُهم لِما بَعْدَهُ اسْتِعْدادًا» قالَ: «وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: قالُوا: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (نُورٌ يُقْذَفُ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ) قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ أمارَةٌ يُعْرَفُ بِها؟ قالَ: (الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ» ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَ ذَلِكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُضِلُّهُ عَنِ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ.
والثّانِي: عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ واسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ.
﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ يَعْنِي ضَيِّقًا لا يَتَّسِعُ لِدُخُولِ الإسْلامِ.
﴿حَرَجًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ شَدِيدَ الصَّلابَةِ حَتّى لا يَثْبُتَ فِيهِ شَيْءٌ.
والثّانِي: شَدِيدُ الضِّيقِ حَتّى لا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ مَوْضِعَهُ مُبْيَضٌّ.
﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ كُلِّفَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ في امْتِناعِهِ عَلَيْهِ وبُعْدِهِ مِنهُ.
والثّانِي: كَأنَّهُ لا يَجِدُ مَسْلَكًا لِضِيقِ المَسالِكِ عَلَيْهِ إلّا صُعُودًا في السَّماءِ يَعْجِزُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: كَأنَّهُ قَلَبَهُ بِالنَّبْوِ عَنْهُ والنُّفُورِ مِنهُ صاعِدًا إلى السَّماءِ.
والرّابِعُ: كَأنَّ قَلْبَهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ بِمَشَقَّتِهِ عَلَيْهِ وصُعُوبَتِهِ عِنْدَهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في الرِّجْسِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: السُّخْطُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّ الرِّجْسَ والنَّجَسَ واحِدٌ، وهو قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ، وحَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا دَخَلَ الخَلاءَ قالَ: (p-١٦٧)اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ والنَّجَسِ الهَبِيثِ الخَبِيثِ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» .
6:126–127Page 144
وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ:
؎ شَحَنّا أرْضَهم بِالخَيْلِ حَتّى تَرَكْناهم أذَلَّ مِنَ الصِّراطِ
وَفِيهِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّ الإسْلامَ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: يُرِيدُ أنَّ ما في القُرْآنِ مِنَ البَيانِ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ.
﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بَيَّنّا.
والثّانِي: مَيَّزْنا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وهي الجَنَّةُ، وفي تَسْمِيَتِها دارَ السَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ الدّائِمَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ دارَ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ لِأنَّها أخَصُّ بِهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ أنْ يُنْزِلَهم دارَ السَّلامِ.
﴿وَهُوَ ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وهو ناصِرُهم في الدُّنْيا عَلى إيمانِهِمْ.
والثّانِي: وهو المُتَوَلِّي لِثَوابِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى أعْمالِهِمْ.(p-١٦٨)
6:128Page 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي يَحْشُرُ الجِنَّ والإنْسَ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ بِإغْوائِكم لَهم.
﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِصُحْبَةِ بَعْضٍ في التَّعاوُنِ والتَّعاضُدِ.
والثّانِي: اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فِيما زَيَّنُوهُ مِنِ اتِّباعِ الأهْواءِ وارْتِكابِ المَعاصِي.
والثّالِثُ: أنَّ الِاسْتِمْتاعَ بِهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّعَوُّذِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾، قالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بَعْضُهم بِبَعْضٍ.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّ الإنْسَ اسْتَمْتَعُوا بِالجِنِّ، والجِنُّ اسْتَمْتَعُوا بِالإنْسِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى النَّفْعِ.
﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الحَشْرُ.
﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَنزِلُ إقامَتِكم، لِأنَّ المَثْوى الإقامَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءً ثَوَيْتُهُ تَقْضِي لِباناتٍ وتَسْأمُ سائِمْ
(p-١٦٩)﴿خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ في ( إلاَّ ) في هَذا المَوْضُوعِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى لَكِنْ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى سِوى، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَفي هَذا الِاسْتِثْناءِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ.
أحَدُها: أنَّ مُدَّةَ الِاسْتِثْناءِ هي مُدَّةُ العَرْضِ في القِيامَةِ وذَلِكَ ما بَيْنَ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ إلى حِينِ مَصِيرِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، فَكَأنَّهُ قالَ: النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا هَذِهِ المُدَّةَ الَّتِي ذَكَرَها، فَإنَّهم فِيها غَيْرُ خالِدِينَ في النّارِ.
والثّانِي: مَعْناهُ خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَجْدِيدِ جُلُودِهِمْ بَعْدَ إحْراقِها وتَصْرِيفِهِمْ في أنْواعِ العَذابِ أوْ تَرْكِهِمْ فِيها عَلى حالَتِهِمُ الأُولى، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ في صِفَةِ العَذابِ لا في الخُلُودِ في النّارِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ جَعَلَ أمْرَهم في مَبْلَغِ عَذابِهِمْ ومُدَّتَهُ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ: ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ، ولا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
6:129Page 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وكَذَلِكَ نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ، فَلا نُعِينُهم، ومَن سُلِبَ مَعُونَةَ اللَّهِ كانَ هالِكًا.
(p-١٧٠)والثّانِي: وكَذَلِكَ نَجْعَلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ ولِيًّا عَلى الكُفْرِ.
والثّالِثُ: وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَهم عَذابَ بَعْضٍ في النّارِ.
والرّابِعُ مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم يَتْبَعُ بَعْضًا في النّارِ مِنَ المُوالاةِ وهي المُتابَعَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: تَسْلِيطُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالظُّلْمِ والتَّعَدِّي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
6:130Page 144
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ المَعْشَرُ: الجَماعَةُ التّامَّةُ مِنَ القَوْمِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى أصْنافِ الطَّوائِفِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعَشَرَةِ لِأنَّها تَمامُ العِقْدِ.
﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ اخْتَلَفُوا في الرِّسالَةِ إلى الجِنِّ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ.
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، كَما بَعَثَ إلى الإنْسِ رُسُلًا مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ وهو ظاهِرُ الكَلامِ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، وإنَّما جاءَتْهم رُسُلُ الإنْسِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا يَكُونُ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مانِعًا مِن أنْ يَكُونَ الرُّسُلُ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنَ: ٢٢] وإنَّما هو خارِجٌ مِن أحَدِهِما.
والثّالِثُ: أنَّ رُسُلَ الجِنِّ هُمُ الَّذِينَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ ﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحْقافَ: ٢٩]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الضَّحّاكُ.
(p-١٧١)والثّانِي: أنَّ ثَوابَهم أنْ يُجارُوا مِنَ النّارِ، ثُمَّ يُقالُ لَهم كُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ، حَكاهُ سُفْيانُ عَنْ لَيْثٍ.
﴿وَيُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُنْذِرُونَكم خِذْلانَ بَعْضِكم لِبَعْضٍ وتَبَرُّؤَ بَعْضِكم مِن بَعْضٍ في يَوْمِ القِيامَةِ.
والثّانِي: يُنْذِرُونَكم ما تَلْقَوْنَهُ فِيهِ مِنَ العَذابِ عَلى الكُفْرِ، والعِقابِ عَلى المَعاصِي.
﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إقْرارُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أنْذَرُوهم.
والثّانِي: شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِإنْذارِ الرُّسُلِ لَهم.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ فِيهِ وجْهانِ: (p-١٧٢)أحَدُهُما: وغَرَّتْهم زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا.
والثّانِي: وغَرَّتْهُمُ الرِّياسَةُ في الدُّنْيا.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: وغَرَّتْهم حَياتُهم في الدُّنْيا حِينَ أمْهَلُوا.
﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وفي هَذِهِ الشَّهادَةِ أيْضًا الوَجْهانِ المُحْتَمَلانِ إلّا أنَّ تِلْكَ شَهادَةٌ بِالإنْذارِ وهَذا بِالكُفْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences