Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:152–165
6:152–153Page 149
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢
And do not approach the orphan's property except in a way that is best [i.e., intending improvement] until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you speak [i.e., testify], be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allāh fulfill. This has He instructed you that you may remember.
وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣
And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إنَّما خَصَّ مالَ اليَتِيمِ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ مالُ غَيْرِهِ في التَّحْرِيمِ بِمَثابَتِهِ، لِأنَّ الطَّمَعَ فِيهِ لِقِلَّةِ مَراعِيهِ أقْوى، فَكانَ بِالذِّكْرِ أوْلى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حِفْظُ مالِهِ عَلَيْهِ إلى أنْ يَكْبُرَ لِيَتَسَلَّمَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ هو التِّجارَةُ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: هو ألّا يَأْخُذَ مِنَ الرِّبْحِ إذا اتَّجَرَ لَهُ بِالمالِ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: هو أنْ يَأْكُلَ الوَلِيُّ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ إنِ افْتَقَرَ، ويَتْرُكَ إنِ اسْتَغْنى، ولا يَتَعَدّى مِنَ الأكْلِ إلى اللِّباسِ ولا غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ الَّتِي هي أحْسَنُ: حِفْظُ أُصُولِهِ وتَثْمِيرُ فُرُوعِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ والأشُدُّ القُوَّةُ والشَّبابُ.
وَفي حَدِّها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-١٨٨)أحَدُها: أنَّهُ الحُلُمُ حِينَ تُكْتَبُ لَهُ الحَسَناتُ وعَلَيْهِ السَّيِّئاتُ، قالَهُ رَبِيعَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومالِكٌ.
والثّانِي: أنَّ الأشُدَّ ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الأشُدَّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ نَذْكُرُها مِن بَعْدُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ، أُمِرَ في مالِ البائِعِ مِن تَأْدِيَةٍ بِمِثْلِ ما أُمِرَ بِهِ في مالِ اليَتِيمِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ العَدْلُ في الوَزْنِ والكَيْلِ مُسْتَحَقًّا، وكانَ تَحْدِيدُ أقَلِّ القَلِيلِ مُتَعَذِّرًا، كانَ ذَلِكَ عَفْوًا، لِأنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُسْعِ فَلَمْ يُكَلِّفْهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا حَكَمْتُمْ فَأنْصِفُوا.
الثّانِي: إذا شَهِدْتُمْ فاصْدُقُوا.
الثّالِثُ: إذا تَوَسَّطْتُمْ فَلا تَمِيلُوا.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَهْدَ اللَّهِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ وغَيْرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ الحَلِفُ بِاللَّهِ أنْ يَلْزَمَ الوَفاءُ بِهِ إلّا في مَعْصِيَةٍ.
﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الَّذِينَ هادُوا وما أوْصاهم بِهِ في التَّوْراةِ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ وما وصّاهم بِهِ في القُرْآنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ.
والثّانِي: الشَّرْعُ وسُمِّيَ ذَلِكَ صِراطًا، والصِّراطُ هو الطَّرِيقُ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ فَصارَ طَرِيقًا إلَيْها.
﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ يَعْنِي في العَمَلِ بِهِ.
(p-١٨٩)﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ نَسَخَها بِالقُرْآنِ، وهو مُحْتَمَلٌ.
والثّانِي: ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدْيانِ المُتَقَدِّمَةِ نَسَخَها بِالإسْلامِ وهو مُحْتَمَلٌ.
والثّالِثُ: البِدَعُ والشُّبُهاتُ.
﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ يَعْنِي عَنْ طَرِيقِ دِينِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يَكُونَ سَبِيلُهُ نُصْرَةَ دِينِهِ وجِهادَ أعْدائِهِ، فَنَهى عَنِ التَّفَرُّقِ وأمَرَ بِالِاجْتِماعِ.
6:154–155Page 149
ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤
Then1 We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good [i.e., Moses] and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in the meeting with their Lord they would believe.
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥
And this [Qur’ān] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allāh that you may receive mercy.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَمامًا عَلى إحْسانِ مُوسى بِطاعَتِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: تَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُواْ) والثّالِثُ: تَمامًا عَلى إحْسانِ اللَّهِ إلى أنْبِيائِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: تَمامًا لِكَرامَتِهِ في الجَنَّةِ عَلى إحْسانِهِ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والخامِسُ: تَمامًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ لِأنَّهُ مِن ولَدِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
6:156–158Page 149
أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦
[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"
أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ ١٥٧
Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allāh and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨
Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs1 of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ رُسُلًا، يَعْنِي الكُفّارَ الَّذِينَ يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الإيمانِ مَعَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ.
والثّانِي: هَلْ يَنْظُرُونَ يَعْنِي في حُجَجِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمْرُ رَبِّكَ بِالعَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: قَضاءُ رَبِّكَ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَعَ القَمَرِ في وقْتٍ واحِدٍ وقَرَأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القِيامَةَ: ٩] . والثّانِي: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
(p-١٩١)﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ في أوَّلِ آياتِ السّاعَةِ وآخِرِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أوَّلَها الدَّجّالُ، ثُمَّ الدُّخانُ، ثُمَّ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، ثُمَّ الدّابَّةُ، ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ هَذا قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.
والثّانِي: أنَّ أوَّلَها خُرُوجُ الدَّجّالِ، ثُمَّ خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ خُرُوجُ الدّابَّةِ، وهَذا قَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ورَواهُ مَرْفُوعًا.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ألّا يَنْفَعَها إيمانُها بِظُهُورِ أوَّلِ الآياتِ أوْ بِظُهُورِ آخِرِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: إذا خَرَجَ أوَّلُ الآياتِ، طُرِحَتِ الأقْلامُ، وجَلَسَتِ الحَفَظَةُ، وشَهِدَتِ الأجْسادُ عَلى الأعْمالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِخُرُوجِ آخِرِ الآياتِ لِيَكُونَ لَنا فِيها أثَرٌ في الإنْذارِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ أمّا إيمانُها قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَمُعْتَدٌّ بِهِ، وأمّا بَعْدَها فَإنْ لَمْ تَكْسِبْ فِيهِ خَيْرًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وإنْ كَسَبَتْ فِيهِ خَيْرًا فَفي الِاعْتِدادِ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُعْتَدُّ بِهِ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الآياتِ أوْ بَعْدَهُ.
والثّانِي: لا يُعْتَدُّ بِهِ، ويَكُونُ مَعْناهُ: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ وكَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَفي الخَيْرِ الَّذِي تَكْسَبُهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَأْدِيَةُ الفُرُوضِ عَلى أكْمَلِ أحْوالِها.
والثّانِي: التَّطَوُّعُ بِالنَّوافِلِ بَعْدَ الفُرُوضِ.
(p-١٩٢)رَوى مُجاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، فالتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ إلّا مِن ثَلاثَةٍ: مِن إبْلِيسَ رَأْسِ الكُفْرِ، ومِن قابِيلَ قاتِلِ هابِيلَ، ومَن قَتَلَ نَبِيًّا لا تَوْبَةَ لَهُ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ البابِ كالعَكَرِ الأسْوَدِ لا نُورَ لَها حَتّى تَتَوَسَّطَ السَّماءَ ثُمَّ تَرْجِعُ فَيُغْلَقُ البابُ وتُرَدُّ التَّوْبَةُ فَلا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى مَشارِقِها، فَتَطْلُعُ بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ ومِائَةَ سَنَةٍ إلّا أنَّها سُنُونَ تَمُرُّ مَرًّا.
»
6:159Page 150
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩
Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muḥammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allāh; then He will inform them about what they used to do.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: أهْلُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
وَفي تَفْرِيقِهِمُ الَّذِي فَرَّقُوهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَرَّقُوهُ لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ بِاتِّباعِ الشُّبُهاتِ.
والثّانِي: أنَّهُ الكُفْرُ الَّذِي كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا لَهم.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ يَعْنِي فِرَقًا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ الشِّيَعُ المُتَّفِقِينَ عَلى مُشايَعَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهو الأشْبَهُ، لِأنَّهم يَتَمالَأُونَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في غَيْرِهِ.
(p-١٩٣)وَفِي أصْلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الخَبَرُ إذا ظَهَرَ.
والثّانِي: أصْلُهُ الِاتِّباعُ، مِن قَوْلِهِمْ شايَعَهُ عَلى الأمْرِ إذا اتَّبَعَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَسْتَ مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ، ثُمَّ نَسَخَها بِسُورَةِ التَّوْبَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: لَسْتَ مِن مُخالَطَتِهِمْ في شَيْءٍ، نَهْيٌ لِنَبِيِّهِ ﷺ عَنْ مُقارَبَتِهِمْ، وأمْرٌ لَهُ بِمُباعَدَتِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، كَما قالَ النّابِغَةُ:
؎ إذا حاوَلَتْ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي.
6:160Page 150
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦٠
Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.1
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ في الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَسَنَةَ الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ الكُفْرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ أنْ جَعَلَ جَزاءَ الحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها تَفَضُّلًا، وجَعَلَ جَزاءَ السَّيِّئَةِ مِثْلَها عَدْلًا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبْعَدَ اللَّهُ مَن غَلَبَتْ واحِدَتُهُ عَشْرًا» . ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الأعْرابِ إذا جاءَ أحَدُهم بِحَسَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها، فَأمّا غَيْرُهم مِنَ المُهاجِرِينَ فَلِمَن جاءَ مِنهم بِحَسَنَةٍ سَبْعُمِائَةٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
(p-١٩٤)فَأمّا مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها فَلِأنَّ اللَّهَ فَرَضَ عُشْرَ أمْوالِهِمْ، وكانُوا يَصُومُونَ في كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ وهي البِيضُ مِنهُ، فَكانَ آخِرُ العُشْرِ مِنَ المالِ آخِرَ جَمِيعِ المالِ، وآخِرُ الثَّلاثَةِ الأيّامِ آخَرُ جَمِيعِ الشَّهْرِ.
وَأمّا مُضاعَفَةُ ذَلِكَ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البَقَرَةَ: ٢٦١]، فَضاعَفَ اللَّهُ الحَسَنَةَ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ يَقْرَأُ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ بِالتَّنْوِينِ، ووَجْهُهُ في العَرَبِيَّةِ صَحِيحٌ.
وَحَكى ابْنُ بَحْرٍ في الآيَةِ تَأْوِيلًا يَخْرُجُ عَنْ عُمُومِ الظّاهِرِ، وهو أنَّ الحَسَنَةَ اسْمٌ عامٌّ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الإيمانِ ويَنْطَلِقُ عَلى عُمُومِهِ، فَإنِ انْطَلَقَتِ الحَسَنَةُ عَلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنهُ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ إلّا مَثَلٌ واحِدٌ، وإنِ انْطَلَقَتْ عَلى حَسَنَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى نَوْعَيْنِ، كانَ الثَّوابُ عَلَيْها مَثَلَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحَدِيدَ: ٢٨]، والكِفْلُ: النَّصِيبُ كالمَثَلِ، فَجَعَلَ لِمَنِ اتَّقى وآمَنَ بِالرَّسُولِ نَصِيبَيْنِ، نَصِيبًا لِتَقْوى اللَّهِ، ونَصِيبًا لِإيمانِهِ بِرَسُولِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الحَسَنَةَ الَّتِي جَعَلَتْ لَها عَشْرَ أمْثالِها هي الَّتِي جَمَعَتْ عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَسَناتِ، وهو الإيمانُ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ في صِفَتِهِ عَشَرَةَ أنْواعٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحْزابَ: ٣٥]، فَكانَتْ هَذِهِ الأنْواعُ العَشَرَةُ الَّتِي ثَوابُها عَشَرَةُ أمْثالِها، فَيَكُونُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها مِثْلٌ، وهَذا تَأْوِيلٌ فاسِدٌ، لِخُرُوجِهِ عَنْ عُمُومِ الظّاهِرِ، لِما لا يَحْتَمِلُهُ تَخْصِيصُ العُمُومِ، لِأنَّ ما جَمَعَ عَشَرَةَ أنْواعٍ فَهو عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلَيْسَ يُجْزِي عَنْ حَسَنَةٍ إلّا مِثْلُها، وبَطَلَ أنْ يَكُونَ جَزاءُ الحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها.
وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ لَهُ عَشْرَ أمْثالِها في النَّعِيمِ والزِّيادَةِ لا في عَظِيمِ المَنزِلَةِ، لِأنَّ مَنزِلَةَ التَّعْظِيمِ لا تُنالُ إلّا بِالطّاعَةِ، وهَذِهِ مُضاعَفَةُ تَفْضِيلٍ كَما قالَ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرَ: ٣٠]
6:161–163Page 150
قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٦١
Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allāh."
قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢
Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allāh, Lord of the worlds.
لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٦٣
No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."1
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أنْ يَذْكُرَ لِلنّاسِ حالَ عِبادَتِهِ ومَن لَهُ الأمْرُ في حَياتِهِ ومَماتِهِ.
فَقالَ ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ وهي الصَّلاةُ المَشْرُوعَةُ ذاتُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ المُشْتَمِلَةُ عَلى التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ مِن وثَنٍ أوْ بَشَرٍ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَنُسُكِي﴾ وفِيهِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّبِيحَةُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: مَعْناهُ دِينِي، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ عِبادَتِي، قالَهُ الزَّجّاجُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ ناسِكٌ أيْ عابِدٌ، والفَرْقُ بَيْنَ الدِّينِ والعِبادَةِ: أنَّ الدِّينَ اعْتِقادٌ، والعِبادَةَ عَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حَياتَهُ ومَماتَهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا يَمْلِكُ غَيْرُهُ لَهُ حَياةً ولا مَوْتًا، فَلِذَلِكَ كانَ لَهُ مُصَلِّيًا وناسِكًا.
والثّانِي: أنَّ حَياتَهُ لِلَّهِ في اخْتِصاصِها بِطاعَتِهِ، ومَماتِهِ لَهُ في رُجُوعِهِ إلى مُجازاتِهِ.
وَوَجَدْتُ فِيها وجْهًا ثالِثًا: أنَّ عَمَلِي في حَياتِي ووَصِيَّتِي عِنْدَ مَماتِي لِلَّهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مالِكُ العالَمِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ أحَقَّ بِالطّاعَةِ والتَّعَبُّدِ مِن غَيْرِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا شَرِيكَ لَهُ في مِلْكِ العالَمِينَ.
والثّانِي: لا شَرِيكَ لَهُ في العِبادَةِ.
(p-١٩٦)﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ يَعْنِي ما قُدِّمَ ذِكْرُهُ.
﴿وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ يَعْنِي مِن هَذِهِ الأُمَّةِ حَثًّا عَلى اتِّباعِهِ والمُسارَعَةِ بِالإسْلامِ.
6:164Page 150
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ١٦٤
Say, "Is it other than Allāh I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وسَبَبُ [نُزُولِ] ذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى مِلَّةِ آبائِهِ في عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ وِزْرًا فَهو عَلَيْنا دُونَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ.
﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ يَعْنِي إلّا عَلَيْها عِقابُ مَعْصِيَتِها ولَها ثَوابُ طاعَتِها.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا يَتَحَمَّلُ أحَدٌ ذَنْبَ غَيْرِهِ فَيَأْثَمُ بِهِ ويُعاقَبُ عَلَيْهِ، ولا يَحْمِلُ ذَنْبَهُ غَيْرَهُ، فَيَبْرَأُ مِنهُ ويَسْلَمُ مِن عِقابِهِ.
وَفي أصْلِ الوِزْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلُهُ الثِّقَلُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشَّرْحَ: ٢ - ٣] ومِنهُ سُمِّيَ وزِيرُ المَلِكِ لِتَحَمُّلِهِ الثِّقَلَ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ المَلْجَأُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القِيامَةَ: ١١] ومِنهُ سُمِّيَ وزِيرُ المَلِكِ لِأنَّهُ يُلْجَأُ إلَيْهِ في الأُمُورِ.
6:165Page 150
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ ١٦٥
And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.
والثّانِي: أنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَخْلُفُ أهْلَ العَصْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، كُلَّما مَضى أهْلُ عَصْرٍ خَلَفَهُ أهْلُ عَصْرٍ بَعْدَهُ عَلى انْتِظامٍ، حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ عَلى العَصْرِ الأخِيرِ فَلا (p-١٩٧)يُخْلَقُ عَصْرٌ، فَصارَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ خَلَفًا لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ بَعْضَهم خَلِيفَةً لِبَعْضٍ لِيَتَآلَفُوا بِالتَّعاوُنِ.
والرّابِعُ: لِأنَّهم آخِرُ الأُمَمِ وكانُوا خَلَفًا لِمَن تَقَدَّمَهُمْ، قالَ الشَّمّاخُ:
؎ تُصِيبُكم وتُخْطِئُنِي المَنايا وأُخْلَقُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ يَعْنِي ما خالَفَ بَيْنَهم في الغِنى بِالمالِ وشَرَفِ الآباءِ وقُوَّةِ الأجْسامِ، وهَذا، وإنِ ابْتَدَأهُ تَفَضُّلًا مِن غَيْرِ جَزاءٍ ولا اسْتِحْقاقٍ، لِحُكْمِهِ مِنهُ تَضَمَّنَتْ تَرْغِيبًا في الأعْلى وتَرْهِيبًا مِنَ الأدْنى، لِتَدُمْ لَهُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الغِنى والقُوَّةِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَخْتَبِرَكم بِالِاعْتِرافِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جَعَلَهُ سَرِيعًا وهو في الآخِرَةِ.
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلَ: ٧٧] . والثّانِي: إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ في الدُّنْيا لِمَنِ اسْتَحَقَّ مِنهُ تَعْجِيلَ العِقابِ فِيها.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا شاءَ عاقَبَ، فَصارَ عِقابُهُ سَرِيعًا لِأنَّهُ يَقْتَرِنُ بِمَشِيئَتِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ.
﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جَمْعًا مِنهُ بَيْنَ ما يَقْتَضِي الرَّهْبَةَ مِن سُرْعَةِ العِقابِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ مِنَ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ أبْلَغُ في الِانْقِيادِ إلى الطّاعَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعْصِيَةِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences