Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:41–71
8:41Page 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الفَيْءَ في سُورَةِ الحَشْرِ والغَنِيمَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
واخْتَلَفُوا في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الغَنِيمَةَ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ والفَيْءُ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّ الغَنِيمَةَ ما أُخِذَ عَنْوَةً، والفَيْءَ ما أُخِذَ عَنْ صُلْحٍ، قالَهُ الشّافِعِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الفَيْءَ والغَنِيمَةَ سَواءٌ وهو كُلُّ مالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وآيَةُ الفَيْءِ الَّتِي هي في سُورَةِ الحَشْرِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الغَنِيمَةِ الَّتِي في سُورَةِ الأنْفالِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ جَمِيعَ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مُباحٍ حَواهُ المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ.
﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، فَلِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ وما فِيهِما، ومَعْنى الكَلامِ فَأنَّ لِلرَّسُولِ خُمُسَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وقَتادَةُ وإبْراهِيمُ والشّافِعِيُّ، ورَوى نَهْشَلٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا خَمَّسَ الغَنِيمَةَ فَصَرَفَ ذَلِكَ الخُمُسَ في خَمْسَةٍ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ وإنَّما قَوْلُهُ ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مِفْتاحُ كَلامٍ، ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَجَعَلَ سَهْمَ اللَّهِ وسَهْمَ الرَّسُولِ واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ سَهْمَ اللَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِبَيْتِهِ، ومَعْناهُ فَإنَّ لِبَيْتِ اللَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ، وقَدْ رَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتى (p-٣٢٠)بِالغَنِيمَةِ فَيُقَسِّمُها عَلى خَمْسَةٍ تَكُونُ أرْبَعَةَ أخْماسٍ لِمَن شَهِدَها، ثُمَّ يَأْخُذُ الخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ وهو سَهْمُ اللَّهِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ فَيَكُونُ سَهْمٌ لِلرَّسُولِ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ.
» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِفْتاحُ كَلامٍ اقْتَرَنَ بِذِكْرِ اللَّهِ ولَيْسَ لِلرَّسُولِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ كَما لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وأنَّ الخُمُسَ مَقْسُومٌ عَلى أرْبَعَةِ أسْهُمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لِلرَّسُولِ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
واخْتَلَفُوا في سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ لِقَرابَةِ النَّبِيِّ ﷺ إرْثًا، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ النَّبِيَّ مَوْرُوثًا.
والثّالِثُ: أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ ﷺ مَرْدُودٌ عَلى السِّهامِ الباقِيَةِ ويُقَسِّمُ الخُمُسَ عَلى أرْبَعَةٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَصْرُوفٌ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ العامَّةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
والخامِسُ: أنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ في الكُراعِ والسِّلاحِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَواهُ النَّخَعِيُّ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِذِي القُرْبى﴾ فاخْتُلِفَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ كُلُّها، رَوى سَعِيدٌ المَقْرِيُّ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ ذِي القُرْبى، قالَ: فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: كُنّا نَقُولُ إنَّنا هم فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
الثّالِثُ: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ والطَّبَرَيُّ.
واخْتَلَفُوا في سَهْمِهِمُ اليَوْمَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: (p-٣٢١)أحَدُها: أنَّهُ لَهم أبَدًا كَما كانَ لَهم مِن قَبْلُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ القائِمِ بِأُمُورِ الأُمَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إلى الإمامِ يَضَعُهُ حَيْثُ شاءَ.
والرّابِعُ: أنَّ سَهْمَهم وسَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْدُودٌ عَلى باقِي السِّهامِ وهي ثَلاثَةٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
وَأمّا ﴿واليَتامى﴾ فَهم مِنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أحَدُها: مَوْتُ الأبِ وإنْ كانَتِ الأُمُّ باقِيَةً، لِأنَّ يُتْمَ الآدَمِيِّينَ بِمَوْتِ الآباءِ دُونَ الأُمَّهاتِ ويُتْمَ البَهائِمِ بِمَوْتِ الأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ.
والثّانِي: الصِّغَرُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ» . والثّالِثُ: الإسْلامُ لِأنَّهُ مالُ المُسْلِمِينَ.
والرّابِعُ: الحاجَةُ لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْمَصالِحِ.
ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِأيْتامِ أهْلِ الفَيْءِ خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّهُ لِجَمِيعِ الأيْتامِ.
وَأمّا ﴿والمَساكِينِ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَكْفِيهِمْ.
وَأمّا أبْناءُ السَّبِيلِ فَهُمُ المُسافِرُونَ مِن ذَوِي الحاجاتِ، والإسْلامُ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ.
وَهَلْ يَخْتَصُّ بِأهْلِ الفَيْءِ؟ عَلى القَوْلَيْنِ.
وَقالَ مالِكٌ: الخُمُسُ مَوْقُوفٌ عَلى رَأْيِ الإمامِ فِيمَن يَراهُ أحَقَّ بِهِ، وإنَّما ذُكِرَتْ هَذِهِ الأصْنافُ لِصِدْقِ حاجَتِها في وقْتِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ وهو يَوْمُ بَدْرٍ فَرَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
8:42Page 182
إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢
[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي شَفِيرَ الوادِي بِبَدْرٍ، الأدْنى إلى المَدِينَةِ.
﴿وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ يَعْنِي شَفِيرَ الوادِي الأقْصى إلى مَكَّةَ.
وَقالَ الأخْفَشُ: عُدْوَةُ الوادِي هو مِلْطاطُ شَفِيرِهِ الَّذِي هو أعْلى مِن أسْفَلِهِ، وأسْفَلَ مِن أعْلاهُ.
﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي عِيرَ أبِي سُفْيانَ أسْفَلَ الوادِي، قالَ الكَلْبِيُّ: عَلى شاطِئِ البَحْرِ بِثَلاثَةِ أمْيالٍ.
﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَوْ تَواعَدْتُمْ أنْ تَتَّفِقُوا مُجْتَمِعِينَ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ، بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ.
والثّانِي: ولَوْ تَواعَدْتُمْ ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَةُ عَدُوِّكم مَعَ قِلَّةِ عَدَدِكم لَتَأخَّرْتُمْ فَنَقَضْتُمُ المِيعادَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: ولَوْ تَواعَدْتُمْ ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَةُ عَدُوِّكم مِن غَيْرِ مَعُونَةِ اللَّهِ لَكم لَأخْلَفْتُمْ بِالقَواطِعِ والعَوائِقِ في المِيعادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيُقْتَلَ بِبَدْرٍ مَن قُتِلَ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَنْ حُجَّةٍ، ولِيَبْقى مَن بَقِيَ عَنْ قُدْرَةٍ.
والثّانِي: لِيَكْفُرَ مِن قُرَيْشٍ مَن كَفَرَ بَعْدَ الحُجَّةِ بِبَيانِ ما وُعِدُوا، ويُؤْمِنَ مَن آمَنَ بَعْدَ العِلْمِ بِصِحَّةِ إيمانِهِمْ.
8:43–44Page 182
إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣
[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤
And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أرى نَبِيَّهُ ﷺ قِلَّةَ المُشْرِكِينَ عَيانًا، وقَوْلُهُ ﴿فِي مَنامِكَ﴾ يُرِيدُ في عَيْنَيْكَ الَّتِي هي مَحَلُّ النَّوْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ وأراهُ قِلَّتَهم في نَوْمِهِ، وهو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
وَإنَّما أراهُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ لُطْفًا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ، لِيَكُونَ أثْبَتَ لِقُلُوبِهِمْ وأقْدَمَ لَهم عَلى لِقاءِ عَدُوِّهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في نَبِيِّهِ ﷺ. ﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لاخْتَلَفْتُمْ في لِقائِهِمْ أوِ الكَفِّ عَنْهم.
والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَلَّمَ مِنَ الفَشَلِ.
والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ العَدُوِّ.
وَفِيهِ ثالِثٌ: ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أمْرَهُ فِيهِمْ حَتّى نَفَذَ ما حَكَمَ فِيهِمْ بِهِ مِن هَلاكِهِمْ.
8:45–46Page 182
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥
O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦
And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ والفَشَلُ هو التَّقاعُدُ عَنِ القِتالِ جُبْنًا.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُرِيدُ بِالرِّيحِ القُوَّةَ، وضَرَبَ الرِّيحَ لَها مَثَلًا.
والثّانِي: يُرِيدُ بِالرِّيحِ الدَّوْلَةَ.
وَمَعْناهُ فَتَذْهَبَ دَوْلَتُكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: يُرِيدُ رِيحَ النَّصْرِ الَّتِي يُرْسِلُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَصْرِ أوْلِيائِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا، أنَّ الرِّيحَ الهَيْبَةُ، ورِيحُ القَوْمِ هَيْبَتُهُمُ الَّتِي تَتَقَدَّمُهم كَتَقَدُّمِ الرِّيحِ.
وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: فَتَذْهَبَ رِيحُكم وهَيْبَتُكم.
8:47–49Page 183
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨
And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."
إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ﴾ هم قُرَيْشٌ حِينَ خَرَجُوا في حِمايَةِ العِيرِ فَنَجا بِها أبُو سُفْيانَ، فَقالَ لَهم أبُو جَهْلٍ: لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا ونَنْحَرَ جَزُورًا ونَشْرَبَ خَمْرًا وتَعْزِفَ عَلَيْنا القِيانُ، فَكانَ مِن أمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ ما كانَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ظَهَرَ لَهم في (p-٣٢٥)صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ جَعْشَمٍ مِن بَنِي كِنانَةَ فَزَيَّنَ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم.
يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: زَيَّنَ لَهم شِرْكَهم.
والثّانِي: زَيَّنَ لَهم قِتالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهُ زَيَّنَ لَهم قُوَّتَهم حَتّى اعْتَمَدُوها.
﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي أنَّكُمُ الغالِبُونَ دُونَ المُؤْمِنِينَ.
﴿وَإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنِّي مَعَكم.
وَفي جِوارِكم يَنالُنِي ما نالَكم.
الثّانِي: مُجِيرٌ لَكم وناصِرٌ.
فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الجِوارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإجارَةِ.
﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِئَةُ المُسْلِمِينَ وفِئَةُ المُشْرِكِينَ.
والثّانِي: المُسْلِمُونَ ومَن أُمِدُّوا بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
فَكانُوا فِئَتَيْنِ.
﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ والنُّكُوصُ أنْ يَهْرُبَ ذَلِيلًا خازِيًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وما يَنْفَعُ المُسْتَأْخِرِينَ نُكُوصُهم ولا ضَرَّ أهْلَ السّابِقاتِ التَّقَدُّمُ
﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ أمَدَّ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.
﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ خَوْفَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ لِأنَّهُ قَدْ كانَ سَألَ الإنْظارَ إلى قِيامِ السّاعَةِ فَلَمّا رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ بِبَدْرٍ تَصَوَّرُ قِيامِ السّاعَةِ فَخافَ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ في قُلُوبِهِمْ شَكٌّ كانُوا تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وهم بِمَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
(p-٣٢٦)والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مُرْتابُونَ لَمْ يُظْهِرُوا العَداوَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِخِلافِ المُنافِقِينَ.
والمَرَضُ في القَلْبِ كُلِّهِ هو الشَّكُّ، وهو مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ ولا مَرَضًا أتَّقِيهِ إنِّي لَصائِنٌ ∗∗∗ لِعِرْضِي ولِي في الألِيَّةِ مَفْخَرُ
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ.
﴿دِينُهُمْ﴾ يَعْنِي الإسْلامَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ لِيَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ لِيَسْتَهِينُوا بِهِمْ حَتّى أظْفَرَ بِهِمُ المُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا مَن قَتَلُوا وأسَرُوا مَن أسَرُوا.
8:50–51Page 183
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠
And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١
That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ عِنْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: قَتْلُ المَلائِكَةِ لَهم حِينَ قاتَلُوهم يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ تَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا واجَهُوهم، وأدْبارَهم إذا ساقُوهم إلى النّارِ.
وَتَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم بِبَدْرٍ لَمّا قاتَلُوا، وأدْبارَهم لَمّا انْهَزَمُوا.
والثّانِي: أنَّهم جاءُوهم مِن أمامِهِمْ ووَرائِهِمْ، فَمَن كانَ مِن أمامِهِمْ ضَرَبَ وُجُوهَهم، ومَن كانَ مِن ورائِهِمْ ضَرَبَ أدْبارَهم.
8:52–54Page 183
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣
That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ لَهم عَلى أعْدائِهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ.
والثّانِي: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في كَفِّ أعْدائِهِمْ عَنْهم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن طاعَتِهِ والكَفِّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
والثّالِثُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الغِنى والسِّعَةِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ.
مِن تَأْدِيَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ.
والرّابِعُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ في الثَّوابِ والجَزاءِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الإيمانِ.
والخامِسُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الإرْشادِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الِانْقِيادِ.
8:55–57Page 184
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-
ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦
The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.
فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧
So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُصادِفُهم.
والثّانِي: تَظْفَرُ بِهِمْ.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: (p-٣٢٨)أحَدُها: أنْذِرْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، قالَ الشّاعِرُ مِن هُذَيْلٍ:
؎ أُطَوِّفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَ بِي حَكِيمُ
8:58Page 184
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨
If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ يَعْنِي في نَقْضِ العَهْدِ.
﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ أيْ فَألْقِ إلَيْهِمْ عَهْدَهم حَتّى لا يَنْسِبُوكَ إلى الغَدْرِبِهِمْ.
والنَّبْذُ هو الإلْقاءُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَهُنَّ يَنْبِذْنَ مِن قَوْلٍ يُصِبْنَ بِهِ مَواقِعَ الماءِ مِن ذِي الغَلَّةِ الصّادِي
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى سَواءٍ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى مَهْلٍ، قالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ.
والثّانِي: عَلى مُحاجَزَةٍ مِمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّالِثُ: عَلى سَواءٍ في العِلْمِ حَتّى لا يَسْبِقُوكَ إلى فِعْلِ ما يُرِيدُونَهُ بِكَ.
والرّابِعُ: عَلى عَدْلٍ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ:
؎ فاضْرِبْ وُجُوهَ الغَدِ والأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَّواءِ
أيْ إلى العَدْلِ.
والخامِسُ: عَلى الوَسَطِ واسْتَشْهَدَ قائِلُهُ بِقَوْلِ حَسّانَ:
؎ يا ويْحُ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ
وَذَكَرَ مُجاهِدٌ أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ.
8:59–60Page 184
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩
And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠
And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ ذُكُورُ الخَيْلِ، ورِباطُ الخَيْلِ إناثُها، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّانِي: القُوَّةُ السِّلاحُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّالِثُ: القُوَّةُ التَّصافِي واتِّفاقُ الكَلِمَةِ.
والرّابِعُ: القُوَّةُ الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةُ إلَيْهِ.
والخامِسُ: القُوَّةُ الرَّمْيُ.
رَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الهَمَذانِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: «﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا.
» (p-٣٣٠)﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ إناثُها خاصَّةً، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ عَلى العُمُومِ الذُّكُورُ والإناثُ.
وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ فَإنَّ ظُهُورَها لَكم عِزٌّ، وأجْوافَها لَكم كَنْزٌ» . ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَدُوُّ اللَّهِ بِالكُفْرِ وعَدُوُّكم بِالمُبايَنَةِ.
والثّانِي: عَدُوُّ اللَّهِ هو عَدُوُّكم لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ عَدُوٌّ لِأوْلِيائِهِ.
والإرْهابُ: التَّخْوِيفُ.
﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أهْلُ فارِسَ والرُّومِ قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: المُنافِقُونَ; قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.
والخامِسُ: كُلُّ مَن لا تَعْرِفُونَ عَداوَتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
8:61–63Page 184
۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١
And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢
But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣
And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وإنْ مالُوا إلى المُوادَعَةِ فَمِلْ إلَيْها.
(p-٣٣١)والثّانِي: وإنْ تَوَقَّفُوا عَنِ الحَرْبِ مُسالَمَةً لَكَ فَتَوَقَّفْ عَنْهم مُسالَمَةً لَهم.
والثّالِثُ: وإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ فاقْبَلْ مِنهم ظاهِرَ إسْلامِهِمْ وإنْ تَخَلَّفَ باطِنُ اعْتِقادِهِمْ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عامَّةٌ في مُوادَعَةِ كُلِّ مَن سَألَها مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةَ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها في قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ سَألُوا المُوادَعَةَ فَأمَرَ بِإجابَتِهِمْ.
8:64–66Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥
O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are steadfast], they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.
ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦
Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَسْبُكَ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: حَسْبُكَ اللَّهُ أنْ تَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ والمُؤْمِنُونَ أنْ تُقاتِلَ بِهِمْ.
قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ.
(p-٣٣٢)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ يَعْنِي يُقاتِلُوا ألْفًا قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قِتال عَشَرَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ كُلَّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى عَشَرَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن قَبْلُ.
8:67–69Page 185
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧
It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,1 but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨
If not for a decree from Allāh that preceded,1 you would have been touched for what you took by a great punishment.
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩
So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ وهَذا نَزَلَ في أسْرى بِدُرٍّ حِينَ اسْتَقَرَّ رَأْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ بَعْدَ مُشاوَرَةِ أصْحابِهِ عَلى الفِداءِ بِالمالِ، كُلُّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ وأنَّهُ ما كانَ لَهُ أنْ يُفادِيَ الأسْرى.
﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: هو كَثْرَةُ القَتْلِ لِيُعَزَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويُذِلَّ بِهِ المُشْرِكِينَ.
قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي المالَ، سَمّاهُ عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ.
﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي العَمَلَ بِما يُوجِبُ ثَوابَ الآخِرَةِ.
﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي ما أخَذْتُمُوهُ مِنَ المالِ في فِداءِ أسْرى بَدْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنْ يُعَذِّبَهم لَمَسَّهم فِيما أخَذُوهُ مِن فِداءِ أسْرى بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
(p-٣٣٣)والثّانِي: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم في تَعَجُّلِها مِن أهْلِ بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وعُبَيْدَةُ.
والثّالِثُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنْ لا يُؤاخِذَ أحَدًا بِعَمَلٍ أتاهُ عَلى جَهالَةٍ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وهو القُرْآنُ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ المُقْتَضِي غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
«وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ شاوَرَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ في أسْرى بَدْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هم قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ فاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهم، وقالَ عُمَرُ: هم أعْداءُ اللَّهِ وأعْداءُ رَسُولِهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فاضْرِبْ أعْناقَهم، فَمالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْصِرافِهِ عَنْهم إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ وأخَذَ فِداءَ الأسْرى لِيَتَقَوّى بِهِ المُسْلِمُونَ، وقالَ: (أنْتُمْ عالَةٌ بِعَيْنَيِ المُهاجِرِينَ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَوْ عُذِّبْنا في هَذا الأمْرِ يا عُمَرُ لَما نَجا غَيْرُكَ» ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾
8:70–71Page 186
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠
O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allāh knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful."
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١
But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أحَلُّ مِمّا أُخِذَ مِنكم.
الثّانِي: أكْثَرُ مِمّا أُخِذَ مِنكم.
قِيلَ «إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مَعَ أسْرى بَدْرٍ وأخَذَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِداءَ نَفْسِهِ وابْنَيْ أخَوَيْهِ عَقِيلٍ ونَوْفَلٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ (p-٣٣٤)مُسْلِمًا وأُخْرِجْتُ مُكْرَهًا ولَقَدْ تَرَكْتَنِي فَقِيرًا أتَكَفَّفُ النّاسَ.
قالَ: (فَأيْنَ الأمْوالُ الَّتِي دَفَعْتَها إلى أُمِّ الفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُنا ثِقَةً بِنُبُوَّتِكَ.
قالَ العَبّاسُ.
فَصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ فِيما آتانِي وإنَّ لِي لَعِشْرِينَ مَمْلُوكًا كُلُّ مَمْلُوكٍ يَضْرِبُ بِعِشْرِينَ ألْفًا في التِّجارَةِ فَقَدْ أعْطانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنِّي يَوْمَ بَدْرٍ.
»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences