Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:30–42
9:30–31Page 191
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠
The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١
They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
أمّا قَوْلُ اليَهُودِ ذَلِكَ فَسَبَبُهُ أنَّ بِخْتَنْصَرَ لَمّا أخْرَبَ بَيْتَ المَقْدِسِ أحْرَقَ التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَبْقَ بِأيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنها، ولَمْ يَكُونُوا يَحْفَظُونَها بِقُلُوبِهِمْ، فَحَزِنُوا لِفَقْدِها وسَألُوا اللَّهَ تَعالى رَدَّها عَلَيْهِمْ، فَقَذَفَها اللَّهُ في قَلْبِ عُزَيْرٍ، فَحَفِظَها وقَرَأها عَلَيْهِمْ فَعَرَفُوها فَلِأجْلِ ذَلِكَ قالُوا إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
واخْتُلِفَ فِيمَن قالَ ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-٣٥٣)والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ طائِفَةٍ مِن سَلَفِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِمَّنْ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. واخْتُلِفَ فِيهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِنْحاصُ وحْدَهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّهم جَماعَةٌ وهم سَلامُ بْنُ مُشْكِمٍ ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى وشاسُ بْنُ قَيْسٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟ قِيلَ: لِأنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُنْكِرْهُ، فَلِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ إضافَةَ جَمْعٍ وإنْ تَلَفَّظَ بِهِ بَعْضُهم.
﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهَذا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خُلِقَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ مِنَ البَشَرِ قالُوا: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأجْلِ مَن أحْياهُ مِنَ المَوْتى وأبْرَأهُ مِنَ المَرْضى.
﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ مَعْنى ذَلِكَ: وإنْ كانَتِ الأقْوالُ كُلُّها مِنَ الأفْواهِ: أنَّهُ لا يَقْتَرِنُ بِهِ دَلِيلٌ ولا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، فَصارَ قَوْلًا لا يَتَجاوَزُ الفَمَ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِهِ.
﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ يُشابِهُونَ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ إذا لَمْ تَحِضْ تَشْبِيهًا بِالرِّجالِ ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: « (أجْرَأُ النّاسِ عَلى اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ يُضاهِئُونَ خَلْقَهُ)» أيْ يُشَبَّهُونَ بِهِ.
وَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يُضاهِي قَوْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ في اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ وأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ يُضاهِي قَوْلَ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم في تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ يُضاهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: (p-٣٥٤)
؎ قاتَلَها اللَّهُ تَلُحّانِي وقَدْ عَلِمَتْ أنِّي لِنَفْسِي إفْسادِي وإصْلاحِي
والثّانِي: مَعْناهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى فِيما أعَدَّهُ لِعَذابِهِمْ وبَيَّنَهُ مِن عَداوَتِهِمُ الَّتِي هي في مُقابَلَةِ عِصْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ كَأنَّهُ مُقاتِلٌ لَهم.
﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مَعْناهُ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الإفْكِ وهو الكَذِبُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أمّا الأحْبارُ مِنهُمُ العُلَماءُ، واحِدُهم حَبْرٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُحَبِّرُ المَعانِي أيْ يُحَسِّنُها بِالبَيانِ عَنْها.
وَأمّا الرُّهْبانُ فَجَمْعُ راهِبٍ، مَأْخُوذٌ مِن رَهْبَةِ اللَّهِ تَعالى وخَشْيَتِهِ، غَيْرَ أنَّهُ صارَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ يَتَناوَلُ نُسّاكَ النَّصارى.
وَقَوْلُهُ: ﴿أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي آلِهَةً لِقَبُولِهِمْ مِنهم تَحْرِيمَ ما يُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ وتَحْلِيلَ ما يُحِلُّونَهُ لَهم، فَلِذَلِكَ صارُوا لَهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا إنَّهم أرْبابٌ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. (p-٣٥٥)
9:32–33Page 192
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣
It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ وفي نُورِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ والإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ آياتُهُ ودَلائِلُهُ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِها كَما يُهْتَدى بِالأنْوارِ.
وَإنَّما خَصَّ ذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ يَقْتَرِنُ بِقَوْلِهِمْ دَلِيلٌ.
﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ولَيْسَ يُرِيدُ تَمامَهُ مِن نُقْصانٍ لِأنَّ نُورَهُ لَمْ يَزَلْ تامًّا.
وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إظْهارُ دَلائِلِهِ.
والثّانِي: مَعُونَةُ أنْصارِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى خَلْقِهِ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ.
وَفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُدى البَيانُ، ودِينَ الحَقِّ الإسْلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّ الهُدى الدَّلِيلُ، ودِينَ الحَقِّ المَدْلُولُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ بِالهُدى إلى دِينِ الحَقِّ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ وإنَّما جَمَعَ بَيْنَهُما تَأْكِيدًا لِتَغايُرِ اللَّفْظَيْنِ.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى إلّا بِالإسْلامِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
(p-٣٥٦)والثّانِي: مَعْناهُ أنْ يُعَلِّمَهُ شَرائِعَ الدِّينِ كُلِّهِ ويُطْلِعَهُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ دَلائِلَهُ وحُجَجَهُ، وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ.
والرّابِعُ: لِيُظْهِرَهُ بِرَغْمِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ وارِدٌ عَلى سَبَبٍ، وهو أنَّهُ كانَ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ رِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ ورِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ والعِراقِ فَلَمّا أسْلَمُوا انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الرِّحْلَتانِ لِلْمُبايَنَةِ في الدِّينِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يَعْنِي في بِلادِ الرِّحْلَتَيْنِ وقَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِما.
والسّادِسُ: أنَّ الظُّهُورَ الِاسْتِعْلاءُ، ودِينُ الإسْلامِ أعْلى الأدْيانِ كُلِّها وأكْثَرُها أهْلًا، قَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ بِالبَرِّ والفاجِرِ والمُسْلِمِ والكافِرِ، فَرَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ بِأقْوامٍ ما لَهم في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ)» .
9:34–35Page 192
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤
O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥
The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ الآيَةَ: في قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ الرِّشا في الحُكْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ مَن أخَذَهُ بِكُلِّ وجْهٍ مُحَرَّمٍ.
وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّ ما يَأْخُذُونَهُ مِن هَذِهِ الأمْوالِ هي أثْمانُ ما يَأْكُلُونَ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى أثْمانِ المَأْكُولِ اسْمُ الأكْلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ ذَرِ الآكِلِينَ الماءَ فَما أرى يَنالُونَ خَيْرًا بَعْدَ أكْلِهِمُ الماءَ
أيْ ثَمَنَ الماءِ.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَهم مِنَ الحَقِّ في الحُكْمِ بِقَبُولِ الرِّشا.
والثّانِي: أنَّهُ مَنَعَهم أهْلُ دِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ.
﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وفي هَذا الكَنْزِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الكَنْزَ كُلُّ مالٍ وجَبَتْ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ، سَواءٌ كانَ مَدْفُونًا أوْ غَيْرَ مَدْفُونٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ والسُّدِّيُّ والشّافِعِيُّ والطَّبَرِيُّ.
والثّانِي: أنَّ الكَنْزَ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، أدَّيْتَ مِنهُ الزَّكاةَ أمْ لَمْ تُؤَدِّ، (p-٣٥٨)قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ قالَ: أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَما دُونَها نَفَقَةٌ، وما فَوْقَها كَنْزٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الكَنْزَ ما فَضَلَ مِنَ المالِ عَنِ الحاجَةِ إلَيْهِ، رَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (تَبًّا لِلذَّهَبِ والفِضَّةِ) قالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: فَأيُّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فَقالَ عُمْرُ بْنُ الخَطّابِ: أنا أعْلَمُ لَكم ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أصْحابَكَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا: فَأيُّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فَقالَ: (لِسانًا ذاكِرًا وقَلْبًا شاكِرًا وزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحَدَكم عَلى دِينِهِ)» . ورَوى قَتادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ «قالَ: ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (كَيَّةٌ) ثُمَّ ماتَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (كَيَّتانِ).» والكَنْزُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ سَواءٌ كانَ ظاهِرًا عَلى الأرْضِ أوْ مَدْفُونًا فِيها، ومِنهُ كَنْزُ البُرِّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ نازِلَهم ∗∗∗ قِرَفَ الحَتى وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزٌ
الحَتى: سَوِيقُ المُقِلِّ.
يَعْنِي وعِنْدِي البُرُّ مَجْمُوعٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ فَذَكَرَ جِنْسَيْنِ ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾ والهاءُ كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى جِنْسٍ واحِدٍ، ولَمْ يَقُلْ: ولا يُنْفِقُونَهُما لِتَرْجِعَ الكِنايَةُ إلَيْهِما.
(p-٣٥٩)فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِنايَةَ راجِعَةٌ إلى الكُنُوزِ، وتَقْدِيرُهُ: ولا يُنْفِقُونَ الكُنُوزَ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلى اشْتِراكِهِما فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ [الجُمُعَةَ: ١١] ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِما، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرِ ∗∗∗ الأسْوَدِ ما لَمْ يُعاصِ كانَ جُنُونًا
وَلَمْ يَقُلْ يُعاصِيا.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى غَلَّظَ حالَ الوَعِيدِ بِما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ وإنَّما غَلَّظَ بِهَذا الوَعِيدِ لِما في طِباعِ النُّفُوسِ مِنَ الشُّحِّ بِالأمْوالِ لِيُسَهِّلَ لَهم تَغْلِيظُ الوَعِيدِ إخْراجَها في الحُقُوقِ.
9:36Page 192
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦
Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ يَعْنِي شُهُورَ السَّنَةِ، وإنَّما كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لِمُوافَقَةِ الأهِلَّةِ ولِنُزُولِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في اثْنَيْ عَشَرَ بُرْجًا يَجْرِيانِ فِيها عَلى حِسابٍ مُتَّفَقٍ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرَّحْمَنَ: ٥] ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا أرْبَعَةً حُرُمًا، يَعْنِي (p-٣٦٠)بِالحُرُمِ تَعْظِيمُ انْتِهاكِ المَحارِمِ فِيها، وهو ما رَواهُ صَدَقَةُ بْنُ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى في وسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ فَقالَ: (أيُّها النّاسُ إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ فَهو اليَوْمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وإنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ.
» ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ ذَلِكَ الحِسابُ الصَّحِيحُ والعَدَدُ المُسْتَوْفِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: يَعْنِي القَضاءَ الحَقَّ المُسْتَقِيمَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلا تَظْلِمُوها بِمَعاصِي اللَّهِ تَعالى في الشُّهُورِ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلِّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فَلا تَظْلِمُوها بِمَعاصِي اللَّهِ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِإحْلالِها بَعْدَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى لَها، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ.
والرّابِعُ: فَلا تَظْلِمُوا فِيها أنْفُسَكم أيْ تَتْرُكُوا فِيها قِتالَ عَدُوِّكم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جَعَلَ بَعْضَ الشُّهُورِ أعْظَمَ حُرْمَةً مِن بَعْضٍ؟ قِيلَ: لِيَكُونَ كَفُّهم فِيها عَنِ المَعاصِي ذَرِيعَةً إلى اسْتِدامَةِ الكَفِّ في غَيْرِها تَوْطِئَةً لِلنَّفْسِ عَلى فِراقِها مَصْلَحَةً مِنهُ في عِبادِهِ ولُطْفًا بِهِمْ.
9:37Page 193
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
(p-٣٦١)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ أمّا النَّسِيءُ في الأشْهُرِ فَهو تَأْخِيرُها، مَأْخُوذٌ مِن بَيْعِ النَّسِيئَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ أيْ نُؤَخِّرُها.
وَفي نَسْءِ الأشْهُرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ السَّنَةَ أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى يَجْعَلُوا المُحَرَّمَ صَفَرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ الحَجَّ في كُلِّ سَنَتَيْنِ شَهْرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: فَحَجَّ المُسْلِمُونَ في ذِي الحِجَّةِ عامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا في المُحَرَّمِ عامَيْنِ: ثُمَّ حَجُّوا في صَفَرٍ عامَيْنِ، ثُمَّ في ذِي القِعْدَةِ عامَيْنِ الثّانِي مِنهُما حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ قَبْلَ حِجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن قابِلٍ في ذِي الحِجَّةِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» وكانَ المُنادِي بِالنَّسِيءِ في المَوْسِمِ: مِن بَنِي كِنانَةَ عَلى ما حَكاهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ شاعِرُهم عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ:
؎ ألَسْنا النّاسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا
واخْتُلِفَ في أوَّلِ مَن نَسَأ الشُّهُورَ مِنهم، فَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ: أوَّلُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ.
وَقالَ أيُّوبُ بْنُ عُمَرَ الغِفارِيُّ: أوَّلُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ القَلَمَّسُ الأكْبَرُ وهو عَدِيُّ بْنُ عامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وآخِرُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ أبُو ثُمامَةَ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ إلى أنْ نَزَلَ هَذا التَّحْرِيمُ سَنَةَ عَشْرٍ وكانَ يُنادِي إنِّي أنْسَأُ الشُّهُورَ في كُلِّ عامٍ، ألّا أنَّ أبا ثُمامَةَ لا يُجابُ ولا يُعابُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَّسِيءَ وجَعَلَهُ زِيادَةً في الكُفْرِ.
(p-٣٦٢)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ لِيُوافِقُوا فَحَرَّمُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ كَما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةَ أشْهُرٍ.
﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها بِالشُّهْرَةِ لَها والعَلامَةِ المُمَيَّزَةِ بِها لِتُجْتَنَبُ.
الثّانِي: أنَّ أنْفُسَهم والشَّيْطانَ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ بِالتَّحْسِينِ والتَّرْغِيبِ لِيُواقِعُوها، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
وَفِي: ﴿سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما قَدَّمَهُ مِن إحْلالِهِمْ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وتَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّهُ اللَّهُ.
الثّانِي: أنَّهُ الرِّياءُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
9:38–39Page 193
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨
O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.
إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: دُعُوا إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ فَتَثاقَلُوا فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم ووَطَنِكم.
والثّانِي: إلى الأرْضِ حِينَ أخْرَجَتِ الثَّمَرَ والزَّرْعَ.
قالَ مُجاهِدٌ: دُعُوا إلى ذَلِكَ أيّامَ إدْراكِ النَّخْلِ ومَحَبَّةِ القُعُودِ في الظِّلِّ.
الثّالِثُ: اطْمَأْنَنْتُمْ إلى الدُّنْيا، فَسَمّاها أرْضًا لِأنَّها فِيها، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي بِمَنافِعِ الدُّنْيا بَدَلًا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ.
(p-٣٦٣)والفَرْقُ بَيْنَ الرِّضا والإرادَةِ أنَّ الرِّضا لِما مَضى، والإرادَةَ لِما يَأْتِي.
﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ لِانْقِطاعِ هَذا ودَوامِ ذاكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ يَعْنِي في الجِهادِ.
﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْتِباسُ القَطْرِ عَنْهم هو العَذابُ الألِيمُ الَّذِي أوْعَدْتُمْ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَذابِ الألِيمِ أنْ يَظْفَرَ بِهِمْ أعْداؤُهم.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَعْنِي مِمَّنْ يَنْفِرُ إذا دُعِيَ ويُجِيبُ إذا أُمِرَ.
﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ النَّفِيرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ولا تَضُرُّوا الرَّسُولَ، لِما تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نُصْرَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
9:40Page 193
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠
If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ يَعْنِي إلّا تَنْصُرُوا أيُّها النّاسُ النَّبِيَّ ﷺ بِالنَّفِيرِ مَعَهُ وذَلِكَ حِينَ اسْتَنْفَرَهم إلى تَبُوكَ فَتَقاعَدُوا فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ.
﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَن يُحامِي عَنْهُ ويَمْنَعُ مِنهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِيُعَلِّمَهم بِذَلِكَ أنَّ نَصْرَهُ نَبِيَّهُ لَيْسَ بِهِمْ فَيَضُرُّهُ انْقِطاعُهم وقُعُودُهم، وإنَّما هو مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَضُرُّهُ قُعُودُهم عَنْهُ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِإرْشادِهِ إلى الهِجْرَةِ حَتّى أغْناهُ عَنْ مَعُونَتِهِمْ.
والثّانِي: بِما تَكَفَّلَ بِهِ مِن إمْدادِهِ بِمَلائِكَتِهِ.
(p-٣٦٤)﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أيْ أحَدَ اثْنَيْنِ، ولِلْعَرَبِ في هَذا مَذْهَبٌ أنْ تَقُولَ خامِسَ خَمْسَةٍ أيْ أحَدُ خَمْسَةٍ.
﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ حِينَ خَرَجا مِن مَكَّةَ دَخَلا غارًا في جَبَلِ ثَوْرٍ لِيَخْفَيا عَلى مَن خَرَجَ مِن قُرَيْشٍ في طَلَبِهِمْ.
والغارُ عُمْقٌ في الجَبَلِ يُدْخَلُ إلَيْهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: «مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الغارِ مَعَ أبِي بَكْرٍ ثَلاثًا.
» قالَ الحَسَنُ: جَعَلَ اللَّهُ عَلى بابِ الغارِ ثُمامَةً وهي شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أُلْهِمَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ عَلى بابِ الغارِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ في غَوامِضِ المَعانِي إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ أيْ في غَيْرَةٍ عَلى ما كانُوا يَرَوْنَهُ مِن ظُهُورِ الكُفْرِ فَغارَ عَلى دِينِ رَبِّهِ.
وَهو خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ يُرِيدُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِصاحِبِهِ أبِي بَكْرٍ «لا تَحْزَنْ» فاحْتَمَلَ قَوْلُهُ ذَلِكَ لَهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَبْشِيرًا لِأبِي بَكْرٍ بِالنَّصْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُ حُزْنٌ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ مِنهُ حُزْنٌ فَقالَ لَهُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا وتَسْلِيَةً.
وَلَيْسَ الحُزْنُ خَوْفًا وإنَّما هو تَألُّمُ القَلْبِ بِما تَخَيَّلَهُ مِن ضَعْفِ الدِّينِ بَعْدَ الرَّسُولِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ أيْ ناصِرُنا عَلى أعْدائِنا.
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِالنَّصْرِ.
وَفي السَّكِينَةِ أرْبَعَةٌ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الرَّحْمَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها الطُّمَأْنِينَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: الوَقارُ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٣٦٥)والرّابِعُ: أنَّها شَيْءٌ يُسْكِنُ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَهم، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.
﴿وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَلائِكَةِ.
والثّانِي: بِالثِّقَةِ بِوَعْدِهِ واليَقِينِ بِنَصْرِهِ.
وَفي تَأْيِيدِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إخْفاءُ أثَرِهِ في الغارِ حِينَ طُلِبَ.
والثّانِي: المَنعُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ حِينَ هاجَرَ.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِانْقِطاعِ الحُجَّةِ.
والثّانِي: جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى بِذُلِّ الخَوْفِ، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا بِعِزِّ الظَّفَرِ.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ بِظُهُورِ الحُجَّةِ.
9:41Page 194
ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١
Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَبابًا وشُيُوخًا، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: في اليُسْرِ والعُسْرِ فُقَراءَ وأغْنِياءَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلِ، قالَهُ الحَكَمُ.
والرّابِعُ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
والخامِسُ: رُكْبانًا ومُشاةً، قالَهُ أبُو عَمْرٍو الأوْزاعِيُّ.
والسّادِسُ: ذا صَنْعَةٍ وغَيْرَ ذِي صَنْعَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: ذا عِيالٍ وغَيْرَ ذِي عِيالٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّامِنُ: أصِحّاءَ وغَيْرَ أصِحّاءَ ومَرْضى، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
(p-٣٦٦)والتّاسِعُ: عَلى خِفَّةِ البَعِيرِ وثِقَلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى والطَّبَرِيُّ.
والعاشِرُ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ.
وَيَحْتَمِلُ حادِيَ عَشَرَ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ.
﴿وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمّا الجِهادُ بِالنَّفْسِ فَمِن فُرُوضِ الكِفاياتِ إلّا عِنْدَ هُجُومِ العَدُوِّ فَيَصِيرُ مُتَعَيِّنًا.
وَأمّا بِالمالِ فَبِزادِهِ وراحِلَتِهِ إذا قَدَرَ عَلى الجِهادِ بِنَفْسِهِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ بَذْلَ المالِ يَلْزَمُ بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ.
وَقالَ جُمْهُورُهُمْ: لا يَجِبُ لِأنَّ المالَ في الجِهادِ تَبَعُ النَّفْسِ إلّا سَهْمَ سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الزَّكاةِ.
﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجِهادَ خَيْرٌ لَكم مِن تَرْكِهِ إلى ما أُبِيحَ مِنَ القُعُودِ عَنْهُ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الخَيْرَ في الجِهادِ لا في تَرْكِهِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَ اللَّهِ تَعالى فِيما وعَدَ بِهِ مِن ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ.
والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الخَيْرَ في الجِهادِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ لَكُمُ الخَيْرَ.
9:42Page 194
لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢
Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.
(p-٣٦٧)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ أيْ لَوْ كانَ الَّذِي دُعِيتُمْ إلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالعَرَضِ ما يَعْرِضُ مِنَ الأُمُورِ السَّهْلَةِ.
والثّانِي: يَعْنِي الغَنِيمَةَ.
﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ أيْ سَهْلًا مُقْتَصِدًا.
﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ مَعَكَ.
﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ والشُّقَّةُ هي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي يَشُقُّ رُكُوبُها عَلى صاحِبِها لِبُعْدِها.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَوِ اسْتَطَعْنا فِراقَ أوْطانِنا وتَرْكَ ثِمارِنا.
والثّانِي: لَوِ اسْتَطَعْنا مالًا نَسْتَمِدُّهُ ونَفَقَةً نَخْرُجُ بِها لَخَرَجْنا مَعَكم في السَّفَرِ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ فَتَأخَّرُوا عَنْهُ وهو غَزْوَةُ تَبُوكَ.
ثُمَّ جاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَحْلِفُونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى وتَصْحِيحًا لِرِسالَةِ نَبِيِّهِ ﷺ. ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِاليَمِينِ الكاذِبَةِ.
والثّانِي: يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِالتَّأخُّرِ عَنِ الإجابَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences