Al-MawardiAl‑Baqarah · 2:91–114

Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:91–114

2:91–92Page 14

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١

And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"

۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ.

﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ يَعْنِي بِما بَعْدَهُ.

﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.

﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ مَعْناهُ: فَلِمَ قَتَلْتُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الفِعْلِ الماضِي بِالمُسْتَقْبَلِ، وهَذا يَجُوزُ، فِيما كانَ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيْ ما تَلَتْ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ وإنِّي لَآتِيكم بِشُكْرِ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِحْبابِ ما كانَ في غَدِ

يَعْنِي ما يَكُونُ في غَدٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: فَلِمَ تَرْضَوْنَ بِقَتْلِ أنْبِياءِ اللَّهِ، إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟ (p-١٦١)

2:93Page 14

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣

And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ يَعْنِي بِجِدٍّ واجْتِهادٍ.

﴿واسْمَعُوا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فاعْمَلُوا بِما سَمِعْتُمْ.

الثّانِي: أيِ اقْبَلُوا ما سَمِعْتُمْ، كَما قِيلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَهُ، وقالَ الرّاجِزُ:

؎ السَّمْعُ والطّاعَةُ والتَّسْلِيمُ خَيْرٌ وأعْفى لِبَنِي تَمِيمِ

﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً، ومَعْناهُ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ.

والثّانِي: أنَّهم لَمْ يَقُولُوهُ ولَكِنْ فَعَلُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَقامَ الفِعْلُ مِنهم مَقامَ القَوْلِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي

﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى بَرَدَ العِجْلَ وذَرّاهُ في الماءِ، فَكانَ لا يَشْرَبُهُ أحَدٌ يُحِبُّ العِجْلَ إلّا ظَهَرَتْ نُخالَةُ الذَّهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهم أُشْرِبُوا حُبَّ العِجْلِ في قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ كَذا، قالَ زُهَيْرٌ:

؎ فَصَحَوْتُ عَنْها بَعْدَ حُبٍّ داخِلٍ ∗∗∗ والحُبُّ تُشْرِبُهُ فُؤادَكَ داءُ(p-١٦٢)

2:94–96Page 15

قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٤

Say, [O Muḥammad], "If the home of the Hereafter with Allāh is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."

وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٩٥

But never will they wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٩٦

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allāh. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allāh is Seeing of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن دُونِ النّاسِ كُلِّهِمْ.

والثّانِي: مِن دُونِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَقِيلَ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانَ المَوْتُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، لِما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن نِعَمِ الجَنَّةِ، ويَزُولُ عَنْهُ مِن أذى الدُّنْيا، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ورَأوْا مَقامَهم مِنَ النّارِ)» . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ، وفي تَرْكِهِمْ إظْهارَ التَّمَنِّي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا، كَما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَمَنَّوْهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ صَرَفَهم عَنْ إظْهارِ التَّمَنِّي، لِيَجْعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يَعْنِي المَجُوسَ، لِأنَّ المَجُوسَ هُمُ الَّذِينَ يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ، كانَ قَدْ بَلَغَ مِن حُبِّهِمْ في الحَياةِ أنْ جَعَلُوا تَحِيَّتَهم (عِشْ ألْفَ سَنَةٍ) حِرْصًا عَلى الحَياةِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (أنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ خالِصَةً) أحَبُّ في الحَياةِ مِن جَمِيعِ النّاسِ ومِن هَؤُلاءِ.

﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ بِمُباعِدِهِ مِنَ العَذابِ ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ لِأنَّهُ لَوْ عُمِّرَ ما تَمَنّى، لِما دَفَعَهُ طُولُ العُمْرِ مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى مَعاصِيهِ.

2:97–98Page 15

قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٩٧

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought it [i.e., the Qur’ān] down upon your heart, [O Muḥammad], by permission of Allāh, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨

Whoever is an enemy to Allāh and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allāh is an enemy to the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، «أنَّ ابْنَ صُورِيا وجُمْلَةً مِن يَهُودِ (فَدَكَ)، لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ سَألُوهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، كَيْفَ نَوْمُكَ؟ فَإنَّهُ قَدْ أُخْبِرْنا عَنْ نَوْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يَأْتِي في آخِرِ الزَّمانِ، فَقالَ: (تَنامُ عَيْنايَ وقَلْبِي يَقْظانُ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنا عَنِ الوَلَدِ يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ أوِ المَرْأةِ؟ فَقالَ: (أمّا العِظامُ والعَصَبُ والعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وأمّا اللَّحْمُ والدَّمُ والظُّفْرُ والشَّعْرُ فَمِنَ المَرْأةِ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَما بالُ الوَلَدِ يُشْبِهُ أعْمامَهُ، لَيْسَ فِيهِ مِن شَبَهِ أخْوالِهِ شَيْءٌ، أوْ يُشْبِهُ أخْوالَهُ، لَيْسَ فِيهِ مِن شَبَهِ أعْمامِهِ شَيْءٌ؟ فَقالَ: (أيُّهُما عَلا ماؤُهُ كانَ الشَّبَهُ لَهُ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنا عَنْ رَبِّكَ ما هُوَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-١٦٣)

تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ الآيَةُ: ١] إلى آخِرِ السُّورَةِ، قالَ لَهُ ابْنُ صُورِيا: خَصْلَةٌ إنْ قُلْتَها آمَنتُ بِكَ واتَّبَعْتُكَ، أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ بِما يَقُولُ اللَّهُ؟ قالَ: (جِبْرِيلُ)، قالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، يَنْزِلُ بِالقِتالِ والشِّدَّةِ والحَرْبِ، ومِيكائِيلُ يَنْزِلُ بِالبِشْرِ والرَّخاءِ، فَلَوْ كانَ مِيكائِيلُ هو الَّذِي يَأْتِيكَ آمَنّا بِكَ، فَقالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَإنِّي أشْهَدُ أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإنَّهُ عَدُوٌّ لِمِيكائِيلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» فَأمّا جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ فَهُما اسْمانِ، أحَدُهُما عَبْدُ اللَّهِ والآخَرُ عُبَيْدُ اللَّهِ، لِأنَّ إيلَ هو اللَّهُ، وجَبْرَ هو عَبْدٌ، ومِيكا هو عُبَيْدٌ، فَكانَ جِبْرِيلُ عَبْدَ اللَّهِ، ومِيكائِيلُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ مُخالِفٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ وقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في عُمُومِ المَلائِكَةِ فَلِمَ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما خُصّا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُما وتَمْيِيزًا.

والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، ومِيكائِيلُ ولِيُّنا، خُصّا بِالذِّكْرِ، لِأنَّ اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّهم لَيْسُوا بِأعْداءٍ لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ، لِأنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مَخْصُوصانِ مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، فَنَصَّ عَلَيْهِما لِإبْطالِ ما يَتَأوَّلُونَهُ مِنَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ لَهُمْ، لِأنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلُوا عَنِ العَداوَةِ بِالإيمانِ.(p-١٦٤)

2:99–103Page 15

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ ٩٩

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٠

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when a messenger from Allāh came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allāh [i.e., the Torah] behind their backs as if they did not know [what it contained].

وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣

And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ ذَلِكَ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ويَسْتَخْرِجُونَ السِّحْرَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُلَيْمانَ ابْنَ داوُدَ عَلَيْهِ، فاسْتَخْرَجَهُ مِن أيْدِيهِمْ، ودَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمْ تَكُنِ الجِنُّ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَدْنُوَ مِنَ الكُرْسِيِّ، فَقالَتِ الإنْسُ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ: إنَّ العِلْمَ الَّذِي كانَ سُلَيْمانُ يُسَخِّرُ بِهِ الشَّياطِينَ والرِّياحَ هو تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فاسْتَخْرَجُوهُ وقالُوا: كانَ ساحِرًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَتَعَلَّمُوهُ وعَلَّمُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَراءَةَ سُلَيْمانَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنْ (آصِفَ بْنَ بَرْخِيا) وهو كاتِبُ سُلَيْمانَ واطَأ نَفَرًا مِنَ الشَّياطِينِ عَلى كِتابٍ كَتَبُوهُ سِحْرًا ودَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وقالُوا: هَذا سِحْرُ سُلَيْمانَ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾، وهم ما نَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّهم نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ السِّحْرُ كُفْرًا صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ.

قالَ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَفَرُوا بِما نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ.

والثّانِي: أنَّهم كَفَرُوا بِما اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ السِّحْرِ.

﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: (p-١٦٦)

أحَدُهُما: أنَّهم ألْقَوْهُ في قُلُوبِهِمْ فَتَعَلَّمُوهُ.

والثّانِي: أنَّهم دَلُّوهم عَلى إخْراجِهِ مِن تَحْتِ الكُرْسِيِّ فَتَعَلَّمُوهُ.

﴿وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ وفي ( ما ) هَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي أنْزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى النَّفْيِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ.

وَفي المَلَكَيْنِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ اللّامِ، كانا مِن مُلُوكِ بابِلَ وعُلُوجِها هارُوتُ ومارُوتُ، وهَذا قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِفَتْحِ اللّامِ مِنَ المَلائِكَةِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ سَحَرَةَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ السِّحْرَ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانَ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتُ ومارُوتُ، وهُما رَجُلانِ بِبابِلَ.

والثّانِي: أنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مَلَكانِ، أهْبَطَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى (p-١٦٧)

الأرْضِ، وسَبَبُ ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلى مَعاصِي بَنِي آدَمَ، عَجِبُوا مِن مَعْصِيَتِهِمْ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ أنْعُمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُمْ: أما أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَعَمِلْتُمْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، فَقالُوا: سُبْحانَكَ ما يَنْبَغِي لَنا، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَخْتارُوا مَلَكَيْنِ لِيَهْبِطا إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأحَلَّ لَهُما كُلَّ شَيْءٍ، عَلى ألّا يُشْرِكا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخَمْرَ، ولا يَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، فَعَرَضَتْ لَهُما امْرَأةٌ وكانَ يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ تُخاصِمُ زَوْجَها واسْمُها بِالعَرَبِيَّةِ: الزُّهَرَةُ، وبِالفارِسِيَّةِ: فَنْدَرِخْتُ، فَوَقَعَتْ في أنْفُسِهِما، فَطَلَباها، فامْتَنَعَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا ويَشْرَبا الخَمْرَ، فَشَرِبا الخَمْرَ، وعَبَدا الصَّنَمَ، وواقَعاها، وقَتَلا سابِلًا مَرَّ بِهِما خافا أنْ يُشْهِرَ أمْرَهُما، وعَلَّماها الكَلامَ الَّذِي إذا تَكَلَّمَ بِهِ المُتَكَلِّمُ عَرَجَ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتْ وعَرَجَتْ، ثُمَّ نَسِيَتْ ما إذا تَكَلَّمَتْ بِهِ نَزَلَتْ فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا، قالَ كَعْبٌ: فَواللَّهِ ما أمْسَيا مِن يَوْمِهِما الَّذِي هَبَطا فِيهِ، حَتّى اسْتَكْمَلا جَمِيعَ ما نُهِيا عَنْهُ، فَتَعَجَّبَ المَلائِكَةُ مِن ذَلِكَ.

ثُمَّ لَمْ يَقْدِرْ هارُوتُ ومارُوتُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، فَكانا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ.

وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ نُزُولَهُما كانَ في زَمانِ ( إدْرِيسَ ). وأمّا السِّحْرُ فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْناهُ: فَقالَ قَوْمٌ: يَقْدِرُ السّاحِرُ أنْ يَقْلِبَ الأعْيانَ بِسِحْرِهِ، فَيُحَوِّلُ الإنْسانَ حِمارًا، ويُنْشِئُ أعْيانًا وأجْسامًا.

وَقالَ آخَرُونَ: السِّحْرُ خِدَعٌ ومَعانٍ يَفْعَلُها السّاحِرُ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ بِخِلافِ ما هُوَ، كالَّذِي يَرى السَّرابَ مِن بَعِيدٍ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ ماءٌ، وكَواكِبُ السَّفِينَةِ السّائِرَةِ سَيْرًا حَثِيثًا، يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ ما عايَنَ مِنَ الأشْجارِ والجِبالِ سائِرَةٌ مَعَهُ. (p-١٦٨)

وَقَدْ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِن يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ، حَتّى كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ.

» قالُوا: ولَوْ كانَ في وُسْعِ السّاحِرِ إنْشاءُ الأجْسامِ وقَلْبُ الأعْيانِ عَمّا هي بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الباطِلِ والحَقِّ فَصْلٌ، ولَجازَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأجْسامِ مِمّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَةُ، فَقُلِبَتْ أعْيانُها، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ وقالَ آخَرُونَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ السّاحِرَ قَدْ يُوَسْوِسُ بِسِحْرِهِ فَيُمْرِضُ ورُبَّما قَتَلَ، لِأنَّ التَّخَيُّلَ بَدْءُ الوَسْوَسَةِ، والوَسْوَسَةُ بَدْءُ المَرَضِ، والمَرَضُ بَدْءُ التَّلَفِ.

فَأمّا أرْضٌ بِبابِلَ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-١٦٩)

أحَدُها: أنَّها الكُوفَةُ وسَوادُها، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ حَيْثُ تَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ بِها وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ عَيْنٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها جَبَلُ نَهاوَنْدَ.

وَهي [فَطْرٌ] مِنَ الأرْضِ.

﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ بِما تَتَعَلَّمُهُ مِن سِحْرِنا.

﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: (مِنهُما) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِن هارُوتَ ومارُوتَ.

والثّانِي: مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ.

والثّالِثُ: مِنَ الشَّيْطانِ والمَلَكَيْنِ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ، ومِنَ المَلَكَيْنِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ.

﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِأمْرِ اللَّهِ.

والثّانِي: بِعِلْمِ اللَّهِ.

﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ يَعْنِي ما يَضُرُّهم في الآخِرَةِ، ولا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا.

﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الخَلاقَ النَّصِيبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ. (p-١٧٠)

والثّانِي: أنَّ الخَلاقَ الجِهَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الخَلاقَ الدِّينُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولَبِئْسَ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ في تَعْلِيمِهِ وفِعْلِهِ.

والثّانِي: مِن إضافَتِهِمُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَحْرِيضِهِمْ عَلى الكَذِبِ.

2:104–105Page 16

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤

O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَقُولُوا.

.. وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّانِي: يَعْنِي أرْعِنا سَمْعَكَ، أيِ اسْمَعْ مِنّا ونَسْمَعُ مِنكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

واخْتَلَفُوا لِمَ نُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كَلِمَةٌ كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ والسَّبِّ; كَما قالُوا: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ القائِلَ لَها، كانَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ دُونَ غَيْرِهِ، يُقالُ لَهُ: رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها كَلِمَةٌ، كانَتِ الأنْصارُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُها، فَنَهاهُمُ اللَّهُ في الإسْلامِ عَنْها. (p-١٧١)

﴿وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أفْهِمْنا وبَيِّنْ لَنا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ أمْهِلْنا.

والثّالِثُ: مَعْناهُ أقْبِلْ عَلَيْنا وانْظُرْ إلَيْنا.

﴿واسْمَعُوا﴾ يَعْنِي ما تُؤْمَرُونَ بِهِ.

2:106–107Page 17

۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦

We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allāh is over all things competent?

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧

Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ في (مَعْنى) نَسْخِها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَبْضُها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ تَبْدِيلُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إثْباتُ خَطِّها وتَبْدِيلُ حُكْمِها، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

( أوْ نُنْسِها ) فِيهِ قِراءَتانِ: أحَدُهُما: هَذِهِ، والثّانِيَةُ: ( أوْ نَنْسَأها ) فَمَن قَرَأ: ( أوْ نَنْسَها ) فَفي تَأْوِيلِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى أوْ نُمْسِكُها، وقَدْ ذُكِرَ أنَّها كانَتْ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ما نُمْسِكُ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِيءُ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها وذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كانَ يَقْرَأُ الآيَةَ، ثُمَّ يَنْسى وتُرْفَعُ،» وكانَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ (p-١٧٢)

يَقْرَأُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾، بِمَعْنى الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: أوْ تَنْسى أنْتَ يا مُحَمَّدُ، وقالَ القاسِمُ بْنُ رَبِيعَةَ لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: فَإنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ يَقْرَأُ: ﴿أوْ نُنْسِها﴾، فَقالَ سَعْدٌ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ، ولا عَلى آلِ المُسَيِّبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعْلى: ٦] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكَهْفِ: ٢٤] وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى التَّرْكِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، أيْ تَرَكُوهُ فَتَرَكَهُمْ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ يَعْنِي نَرْفَعُها ونُبَدِّلُها، ﴿أوْ نُنْسِها﴾ أيْ نَتْرُكُها ولا نُبَدِّلُها ولا نَنْسَخُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ قالَ: النّاسِخُ والمَنسُوخُ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى نُنْسِها أيْ نَمْحُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَأمّا مَن قَرَأ: ( أوْ نَنْسَأُها ) فَمَعْناهُ نُؤَخِّرُها، مِن قَوْلِهِمْ: نَسَأْتُ هَذا الأمْرَ، إذا أخَّرْتَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلِهِمْ: بِعْتُ بِنَساءٍ أيْ بِتَأْخِيرٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ أبِي نَجِيحٍ.

﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ خَيْرٍ لَكم في المَنفَعَةِ، وأرْفَقَ بِكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: والثّانِي: أنَّ مَعْنى (خَيْرٍ) مِنها، أيْ أخَفَّ مِنها، بِالتَّرْخِيصِ فِيها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الآيَةِ، ما نُغَيِّرُ مِن حُكْمِ آيَةٍ فَنُبَدِّلُهُ، أوْ نَتْرُكُهُ فَلا نُبَدِّلُهُ، نَأْتِ بِخَيْرٍ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ حُكْمًا مِنها، إمّا بِالتَّخْفِيفِ في العاجِلِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ قِيامِ اللَّيْلِ تَخْفِيفًا، وإمّا بِالنَّفْعِ بِكَثْرَةِ الثَّوابِ في الآجِلِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ صِيامِ أيّامٍ مَعْدُوداتٍ بِشَهْرِ رَمَضانَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِثْلِها﴾ يَعْنِي مِثْلَ حُكْمِها، في الخِفَّةِ والثِّقَلِ والثَّوابِ والأجْرِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وذَلِكَ (p-١٧٣)

مِثْلُهُ في المَشَقَّةِ والثَّوابِ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنْ قِيلَ: أوَكانَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَ عالِمٍ بِأنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ؟ قِيلَ: عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (ألَمْ تَعْلَمْ) بِمَعْنى أعَلِمْتَ.

والثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ، لا مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] خَرَجَ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ لا مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، ألا تَراهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

2:108–110Page 17

أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨

Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠

And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ سَبَبُ نُزُولِها، ما رُوِيَ أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ، مِنهم فِنْحاصُ، وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا إلى دِينِهِما، وقالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، (p-١٧٤)

فَقالَ لَهم عَمّارٌ: وكَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ عِنْدَكُمْ؟ قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ عَمّارٌ: فَإنِّي عاهَدْتُ رَبِّي ألّا أكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ أبَدًا، ولا أتَّبِعَ دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا عَمّارٌ فَقَدْ صَبَأ وضَلَّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، فَكَيْفَ أنْتَ يا حُذَيْفَةُ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: اللَّهُ رَبِّي، ومُحَمَّدٌ نَبِيِّي، والقُرْآنُ إمامِي، أُطِيعُ رَبِّي، وأقْتَدِي بِرَسُولِي، وأعْمَلُ بِكِتابِ رَبِّي.

فَقالا: وإلَهِ مُوسى، لَقَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُكُما حُبَّ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ.

﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لِلْيَهُودِ، أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ صادِقٌ، وأنَّ الإسْلامَ دِينُ حَقٍّ.

﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فاعْفُوا، أيِ اتْرُكُوا اليَهُودَ، واصْفَحُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ يَعْنِي ما أذِنَ بِهِ في (بَنِي قُرَيْظَةَ)، مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، وفي (بَنِي النَّضِيرِ) مِنَ الجَلاءِ والنَّفْيِ.

2:111–113Page 17

وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢

Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣

The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ أمّا المَساجِدُ فَهي مَواضِعُ العِباداتِ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما نُسِبَ إلى التَّعَبُّدِ مِن بُيُوتِ اللَّهِ تَعالى اسْتِعْمالًا لِحَقِيقَةِ الِاسْمِ. (p-١٧٥)

والثّانِي: أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ، أُقِيمَتْ فِيهِ عِبادَةٌ مِن بُيُوتِ اللَّهِ وغَيْرِها مَسْجِدٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: « (جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا)» .وَفِي المانِعِ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ (بُخْتَ نَصَّرَ) وأصْحابُهُ مِنَ المَجُوسِ الَّذِينَ خَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى الَّذِينَ أعانُوا (بُخْتَ نَصَّرَ) عَلى خَرابِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، مَنَعَ مِن كُلِّ مَسْجِدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَعى في خَرابِها﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالمَنعِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ فِيها.

والثّانِي: بِهَدْمِها.

﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: خائِفِينَ بِأداءِ الجِزْيَةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: خائِفِينَ مِنَ الرُّعْبِ، إنْ قُدِّرَ عَلَيْهِمْ عُوقِبُوا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

2:114Page 18

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤

And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: (p-١٧٦)

أحَدُهُما: أنَّهُ قَتْلُ الحَرْبِيِّ وجِزْيَةُ الذِّمِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ فَتْحُ مَدائِنِهِمْ عَمُورِيَّةَ، وقُسْطَنْطِينِيَّةَ، ورُومِيَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هو أشَدُّ مَن كُلِّ عَذابٍ، لِأنَّهم أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском