Al-Mawardi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:37–70
36:37–40Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧
And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.
وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨
And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩
And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.
لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠
It is not allowable [i.e., possible] for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ أيْ نْخُرِجُ مِنهُ النَّهارَ يَعْنِي ضَوْءَهُ، مَأْخُوذٌ مِن سَلْخِ الشّاةِ إذا خَرَجَتْ مِن جِلْدِها.
﴿فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ أيْ في ظُلْمَةٍ لِأنَّ ضَوْءَ النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ فَيُضِيءُ، فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: يَعْنِي لِانْتِهاءِ أمْرِها عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: لِوَقْتٍ واحِدٍ لا تَعْدُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أيْ: أبْعَدِ مَنازِلِها في الغُرُوبِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أدْنى مَنازِلَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُها: والشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَها.
وَتَأْوِيلُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّها تَجْرِي في اللَّيْلِ والنَّهارِ ولا وُقُوفَ لَها ولا قَرارَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَعَلَهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ عَلى مَقَرٍّ لَهُ، يَزِيدُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ حَتّى يُسْتَكْمَلَ ثُمَّ يَنْقُصُ بَعْدَ اسْتِكْمالِهِ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ، وهو مُحْتَمَلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ يَطْلُعُ كُلَّ لَيْلَةٍ في مَنزِلٍ حَتّى يَسْتَكْمِلَ جَمِيعَ المَنازِلِ في كُلِّ شَهْرٍ، ولِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الحُسّابِ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا قَمَرِيًّا.
﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
(p-١٨)أحَدُهُما: أنَّهُ العِذْقُ اليابِسُ إذا اسْتَقْوَسَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى قَيْسٍ:
؎ شَرِقَ المِسْكُ والعَبِيرُ بِها فَهي صَفْراءُ كَعُرْجُونِ القَمَرِ
الثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ إذا انْحَنى مائِلًا، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: أيْ لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُ أحَدِهِما مَعَ ضَوْءِ الآخَرِ، لِأنَّ ضَوْءَ القَمَرِ لَيْلًا وضَوْءَ الشَّمْسِ نَهارًا، فَإذا جاءَ سُلْطانُ أحَدِهِما ذَهَبَ سُلْطانُ الآخَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُما إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنازِلَ لا يَشْتَرِكانِ فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّهُ لا تُدْرِكُ الشَّمْسُ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ خاصَّةً لِأنَّهُ يُبادِرُ بِالمَغِيبِ قَبْلَ طُلُوعِها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ اللَّيْلُ قَبْلَ اسْتِكْمالِ النَّهارِ وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ لا يَأْتِي لَيْلٌ بَعْدَ لَيْلٍ مُتَّصِلٍ حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُما نَهارٌ مُنْفَصِلٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ.
وَمِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ النَّهارَ دُونَ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقِ اللَّيْلُ النَّهارَ واسْتَحالَ اجْتِماعُهُما وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهارُ سابِقًا.
وَهَذا قَوْلٌ يَدْفَعُهُ الشَّرْعُ ويَمْنَعُ مِنهُ الإجْماعُ.
﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قالَ الحَسَنُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ في فَلَكٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرَ مُلْتَصِقَةٍ بِالسَّماءِ، ولَوْ كانَتْ مُلْتَصِقَةً ما جَرَتْ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: يَجْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٩)الثّانِي: يَدُورُونَ كَما يَدُورُ المِغْزَلُ في الفَلْكَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: يَعْمَلُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
36:41–44Page 443
وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١
And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.
وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢
And We created for them from the likes of it that which they ride.
وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣
And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤
Except as a mercy from Us and provision for a time.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: عِبْرَةٌ لَهم لِأنَّ في الآياتِ اعْتِبارًا.
الثّانِي: نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ في الآياتِ إنْعامًا.
الثّالِثُ: إنْذارٌ لَهم لِأنَّ في الآياتِ إنْذارًا.
﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّ الذُّرِّيَّةَ الآباءُ حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ أبانُ بْنُ عُثْمانَ، وسَمّى الآباءَ ذُرِّيَّةً لِأنَّ مِنهم ذَرْءَ الأبْناءِ.
الثّانِي: أنَّ الذُّرِّيَّةَ الأبْناءُ والنِّساءُ لِأنَّهم ذَرْءُ الآباءِ حُمِلُوا في السُّفُنِ، والفُلْكُ هي السُّفُنُ الكِبارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ حَمَلَها اللَّهُ تَعالى في بُطُونِ النِّساءِ تَشْبِيهًا بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِي ﴿المَشْحُونِ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُوقَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المَمْلُوءُ، حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: أنَّهُ خَلَقَ مِثْلَ سَفِينَةِ نُوحٍ مِمّا يَرْكَبُونَها مِنَ السُّفُنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها السُّفُنُ الصِّغارُ خَلَقَها لَهم مِثْلَ السُّفُنِ الكِبارِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الثّالِثُ: أنَّها سُفُنُ الأنْهارِ خَلَقَها لَهم مِثْلَ سُفُنِ البِحارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
(p-٢٠)الرّابِعُ: أنَّها الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَّرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَّحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ.
والعَرَبُ تُشَبِّهُ الإبِلُ بِالسُّفُنِ، قالَ طَرَفَةُ:
؎ كَأنَّ حُدُوجَ المالِكِيَّةِ غُدْوَةً خَلايا سَفِينٍ بِالنَّواصِفِ مِن دَدِ
وَيَجِيءُ عَلى مُقْتَضى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أنَّ الذُّرِّيَّةَ في الفُلْكِ المَشْحُونِ هي النُّطَفُ في بُطُونِ النِّساءِ.
قَوْلٌ خامِسٌ في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾:
أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ: النِّساءُ خُلِقْنَ لِرُكُوبِ الأزْواجِ، لَكَنْ لَمْ أرَهُ مَحْكِيًّا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فَلا مُغِيثَ لَهم، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.
الثّانِي: فَلا مَنَعَةَ لَهم، رَواهُ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ.
﴿وَلا هم يُنْقَذُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الغَرَقِ.
الثّانِي: مِنَ العَذابِ.
﴿إلا رَحْمَةً مِنّا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلّا رَحْمَتَنا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: إلّا نِعْمَةً مِنّا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَمَتاعًا إلى حِينٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلى المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: إلى القِيامَةِ، قالَهُ يَحْيى.
36:45–47Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥
But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧
And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."
أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ: ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، وما خَلْفَكُمْ: ما يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَكم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ: عَذابُ اللَّهِ لِمَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ، وما خَلْفَكم مِن أمْرِ السّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ: ما ظَهَرَ لَكم، وما خَلْفَكُمْ: ما خَفِيَ عَنْكم.
﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ مَعْناهُ لِكَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا.
وَلِهَذا الكَلامِ جَوابٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا قِيلَ لَهم هَذا أعْرَضُوا عَنْهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: مِن آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِن رَسُولٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مِن مُعْجِزٍ، قالَهُ النَّقّاشُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما أُنْذِرُوا بِهِ مِن زَواجِرِ الآياتِ والعِبَرِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ فَقالُوا: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الزَّنادِقَةُ أُمِرُوا فَقالُوا ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ جَعَلُوا لِأصْنامِهِمْ في أمْوالِهِمْ سَهْمًا فَلَمّا سَألَهُمُ الفُقَراءُ أجابُوهم بِذَلِكَ، قالَهُ النَّقّاشُ.
وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ مِنهم وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنْكارُهم وُجُوبَ الصَّدَقاتِ في الأمْوالِ.
الثّانِي: إنْكارُهم عَلى إغْناءِ مَن أفْقَرَهُ اللَّهُ تَعالى ومَعُونَةِ مَن لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٢٢)أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِمَن أمَرَهم بِالإطْعامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم حِينَ رَدُّوا بِهَذا الجَوابِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
36:48–50Page 443
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩
They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.
فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠
And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الظَّفَرِ بِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هي النَّفْخَةُ الأُولى مِن إسْرافِيلَ يَنْتَظِرُها آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ورَوى نُعَيْمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (تَقُومُ السّاعَةُ والرَّجُلانِ قَدْ نَشَرا ثَوْبَهُما يَتَبايَعانِهِ فَما يَطْوِيانِهِ حَتّى تَقُومَ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ فَما يَرْفَعُهُ حَتّى تَقُومَ، والرَّجُلُ يَلِيطُ حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ ماشِيَتَهُ فَما يَسْقِيها حَتّى تَقُومَ، والرَّجُلُ يَرْفَعُ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَما تَصِلُ إلى فِيهِ حَتّى تَقُومَ)» . ﴿وَهم يَخِصِّمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَتَكَلَّمُونَ في مَعايِشِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: يَخِصِّمُونَ في دَفْعِ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِي إلى بَعْضٍ بِما في يَدَيْهِ مِن حَقٍّ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ.
﴿وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمْ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهم أُعْجِلُوا عَنْ ذَلِكَ.(p-٢٣)
36:51–54Page 443
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١
And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢
They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣
It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.
فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤
So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِلنَّشْأةِ وقِيلَ إنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً.
رَوى المُبارَكُ بْنُ فُضالَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « (بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ: الأُولى يُمِيتُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها كُلَّ حَيٍّ، والآخِرَةُ يُحْيِي اللَّهُ بِها كُلَّ مَيِّتٍ)»
والنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الآخِرَةِ.
وَفي الأُولى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الدُّنْيا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّها مِنَ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والأجْداثُ القُبُورُ، واحِدُها جَدَثٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَنْسِلُونَ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: يَخْرُجُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَسُلِّي ثِياِبِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِي
الثّانِي: يُسْرِعُونَ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ عَسَلانُ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
الثّالِثُ: يَتَخَلَّصُونَ مِنَ السُّلُوِّ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ قَتادَةُ: هي النَّوْمَةُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ لا يَفْتُرُ عَنْهم عَذابُ القَبْرِ إلّا فِيها.
وَفي تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ يُجِيبُونَ أنْفُسَهم فَيَقُولُونَ:
(p-٢٤)﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ الكُفّارِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .
وَفِي قائِلِ ذَلِكَ لَهم قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ لَهم عِنْدَ قِيامِهِمْ مِنَ الأجْداثِ مَعَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي هَذا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى المَرْقَدِ تَمامًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾ وعَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ.
الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ فَيَكُونُ إشارَةً إلى الوَعْدِ ويَكُونُ الوَقْفُ قَبْلَهُ والِابْتِداءُ مِنهُ.
36:55–58Page 444
إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥
Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -
هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦
They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.
لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧
For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]
سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨
[And] "Peace," a word from a Merciful Lord.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: في افْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: في ضَرْبِ الأوْتارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُسافِعُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ.
الثّالِثُ: في نِعْمَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: في شُغُلٍ مِمّا يَلْقى أهْلُ النّارِ، قالَهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ.
وَرُوِيَ بِضَمِّ الغَيْنِ وقُرِئَ بِتَسْكِينِها وفِيها وجْهانِ:
(p-٢٥)أحَدُهُما: أنَّ الشُّغُلَ بِالضَّمِّ المَحْبُوبُ.
الثّانِي: الشُّغْلُ بِالإسْكانِ يَعْنِي المَرْوَةَ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ بِالإسْكانِ في أهْلِ الجَنَّةِ ولا يُقْرَأ بِالضَّمِّ في أهْلِ النّارِ.
﴿فاكِهُونَ﴾ ويُقْرَأُ: فَكِهُونَ، بِغَيْرِ ألِفٍ.
وَفي اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها سَواءٌ ومَعْناهُما واحِدٌ يُقالُ: فاكِهٌ وفَكِهٌ كَما يُقالُ: حاذِرٌ وحَذِرٌ قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما في اللُّغَةِ مُخْتَلِفٌ فالفَكِهُ الَّذِي يَتَفَكَّهُ بِأعْراضِ النّاسِ.
والفاكِهُ ذُو الفاكِهَةِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ وأنْشَدَ:
؎ فَكِهٌ إلى جَنْبِ الخِوانِ إذا عَدَتُ نَكْباءُ تَقْلَعُ ثابِتَ الأطْنابِ
وَفِيهِ هاهُنا أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَرِحُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ناعِمُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مُعْجَبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: ذُو فاكِهَةٍ كَما يُقالُ شاحِمٌ لاحِمٌ أيْ ذُو شَحْمٍ ولَحْمٍ، وكَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ وغَرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ∗∗∗ لابِنٌ بِالصَّيْفِ تامِرُ
أيْ: ذُو لَبَنٍ وتَمْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: وأزْواجُهم في الدُّنْيا مِمَّنْ وافَقَهم عَلى إيمانِهِمْ.
الثّانِي: أزْواجُهُمُ اللّاتِي زَوَّجَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِنَّ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ.
﴿فِي ظِلالٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: (p-٢٦)أحَدُهُما: في ظِلالِ النَّعِيمِ.
الثّانِي: في ظِلالِ تَسَتُّرِهِمْ مِن نَظَرِ العُيُونِ إلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: ما يَشْتَهُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: ما يَسْألُونَ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: ما يَتَمَنَّوْنَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الرّابِعُ: ما يَدَّعُونَهُ فَيَأْتِيهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّعاءِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ما يَدَّعُونَ أنَّهُ لَهم فَهو لَهم لا يُدْفَعُونَ عَنْهُ، وهم مَصْرُوفُونَ عَنْ دَعْوى ما لا يَسْتَحِقُّونَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ سَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إكْرامًا لَهم، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَبْشِيرُ اللَّهِ تَعالى لَهم بِسَلامَتِهِمْ.
36:59–62Page 444
وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩
[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قالَهُ الكَلْبِيُّ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ يُحْشَرُونَ مَعَ رُسُلِهِمْ فَلِذَلِكَ يُؤْمَرُونَ بِالِامْتِيازِ.
الثّانِي: يَمْتازُ المُجْرِمُونَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَيَمْتازُ اليَهُودُ فِرْقَةً، والنَّصارى فِرْقَةً، والمَجُوسَ فِرْقَةً، والصّابِئُونَ فِرْقَةً، وعَبَدَةَ الأوْثانِ فِرْقَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الِامْتِيازُ عِنْدَ الوُقُوفِ.
الثّانِي: عِنْدَ الِانْكِفاءِ إلى النّارِ.
(p-٢٧)قالَ داوُدُ بْنُ الجَرّاحِ: فَيَمْتازُ المُسْلِمُونَ مِنَ المُجْرِمِينَ إلّا صاحِبَ الهَوى فَيَكُونُ مَعَ المُجْرِمِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: جُمُوعًا كَثِيرَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أُمَمًا كَثِيرَةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: خَلْقًا كَثِيرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُطَرِّفٌ.
وَحَكى الضَّحّاكُ أنَّ الجِبِلَّ الواحِدَ عَشَرَةُ آلافٍ، والكَثِيرُ ما لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
36:63–67Page 444
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.
وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦
And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1
وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧
And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَنَعَها مِنَ الكَلامِ هو الخَتْمُ عَلَيْها.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَتْمًا يُوضَعُ عَلَيْها فَيَرى ويُمْنَعُ مِنَ الكَلامِ.
وَفِي سَبَبِ الخَتْمِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِأنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَخَتَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ حَتّى نَطَقَتْ جَوارِحُهم، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.
الثّانِي: لِيَعْرِفَهم أهْلُ المَوْقِفِ فَيَتَمَيَّزُونَ مِنهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: لِأنَّ إقْرارَ غَيْرِ النّاطِقِ أبْلَغُ في الإلْزامِ مِن إقْرارِ النّاطِقِ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الإعْجازِ وإنْ كانَ يَوْمًا لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإعْجازِ.
الرّابِعُ: لِيَعْلَمَ أنَّ أعْضاءَهُ الَّتِي كانَتْ لَهم أعْوانًا في حَقِّ نَفْسِهِ صارَتْ عَلَيْهِ شُهُودًا في حَقِّ رَبِّهِ.
(p-٢٨)﴿وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفي كَلامِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ يَظْهَرُ مِنها سِمَةٌ تَقُومُ [مَقامَ] كَلامِها كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ وقَدْ قالَتِ العَيْنانِ سَمْعًا وطاعَةً وحَدَّرَتا كالدُّرِّ لَمّا يُثَقَّبِ
الثّانِي: أنَّ المُوَكَّلِينَ بِها يَشْهَدُونَ عَلَيْها.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيها ما يَتَهَيَّأُ مَعَهُ الكَلامُ مِنها.
رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (يُقالُ لِأرْكانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ).»
فَإنْ قِيلَ فَلِمَ قالَ: ﴿وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ فَجَعَلَ ما كانَ مِنَ اليَدِ كَلامًا، وما كانَ مِنَ الرِّجْلِ شَهادَةً؟
قِيلَ: لِأنَّ اليَدَ مُباشِرَةٌ لِعَمَلِهِ والرِّجْلُ حاضِرَةٌ، وقَوْلُ الحاضِرِ عَلى غَيْرِهِ شَهادَةٌ، وقَوْلُ الفاعِلِ عَلىَ نَفْسِهِ إقْرارٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَمّا صَدَرَ مِنَ الأيْدِي بِالقَوْلِ، وعَمّا صَدَرَ مِنَ الأرْجُلِ بِالشَّهادَةِ.
وَقَدْ رَوى شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (أوَّلُ عَظْمٍ مِنَ الإنْسانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلى الأفْواهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ اليُسْرى).»
فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ الفَخِذِ بِالكَلامِ عَلى سائِرِ الأعْضاءِ لِأنَّ لَذَّةَ مَعاصِيهِ يُدْرِكُها بِحَواسِّهِ الَّتِي في الشَّطْرِ الأعْلى مِن جَسَدِهِ، وأقْرَبُ أعْضاءِ الشَّطْرِ الأسْفَلِ مِنها الفَخِذُ، فَجازَ لِقُرْبِهِ مِنها أنْ يَتَقَدَّمَ في الشَّهادَةِ عَلَيْها، وتَقَدَّمَتِ اليُسْرى لِأنَّ الشَّهْوَةَ في (p-٢٩)مَيامِنِ الأعْضاءِ أقْوى مِنها في مَياسِرِها، فَلِذَلِكَ تَقَدَّمَتِ اليُسْرى عَلى اليُمْنى لِقِلَّةِ شَهْوَتِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَأعْمَيْنا أبْصارَ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا فَضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَلا يُبْصِرُونَ عُقُوبَةً لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لَأعْمَيْنا قُلُوبَهم فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ الأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: المَطْمُوسُ هو الَّذِي لا يَكُونُ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شِقٌّ مَأْخُوذٌ مِن طَمْسِ الرِّيحِ الأثَرَ.
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: لَأقْعَدْناهم عَلى أرْجُلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: لَأهْلَكْناهم في مَساكِنِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: لَغَيَّرْنا خَلْقَهم فَلا يَنْقَلِبُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فَما اسْتَطاعُوا لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ أنْ يَتَقَدَّمُوا ولا يَتَأخَّرُوا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا في الدُّنْيا، ولا رُجُوعًا فِيها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
36:68–70Page 444
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ في قَوْلِهِ ﴿نُعَمِّرْهُ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: بُلُوغُ ثَمانِينَ سَنَةً، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّانِي: هو الهَرِمُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: نَرُدُّهُ في الضَّعْفِ إلى حالِ الضَّعْفِ فَلا يَعْلَمُ شَيْئًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
(p-٣٠)الثّانِي: نُغَيِّرُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ وقُوَّتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَ ﴿فِي الخَلْقِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمِيعُ الخَلْقِ ويَكُونُ مَعْناهُ: ومَن عَمَّرْناهُ مِنَ الخَلْقِ نَكَّسْناهُ في الخَلْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَنى خَلْقَهُ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: مَن أطَلْنا عُمُرَهُ نَكَّسْنا خَلْقَهُ، فَصارَ مَكانَ القُوَّةِ الضَّعْفُ، ومَكانَ الشَّبابِ الهَرَمُ، ومَكانَ الزِّيادَةِ النُّقْصانُ.
﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ مَن فَعَلَ هَذا بِكم قادِرٌ عَلى بَعْثِكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أيْ: لَيْسَ الَّذِي عَلَّمْناهُ مِنَ القُرْآنِ شِعْرًا.
الثّانِي: أيْ لَمْ نُعَلِّمْ رَسُولَنا أنْ يَقُولَ الشِّعْرَ.
﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: وما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ شِعْرًا.
الثّانِي: وما يَنْبَغِي لَنا أنْ نُعَلِّمَهُ شِعْرًا.
﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنْ عَلَّمْناهُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا مُبِينًا.
الثّانِي: إنْ هَذا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكم إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لِتُنْذِرَ يا مُحَمَّدُ مَن كانَ حَيًّا، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالتّاءِ.
الثّانِي: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ مَن كانَ حَيًّا، وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالياءِ.
وَفِي ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ هاهُنا أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: مَن كانَ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَن كانَ حَيَّ القَلْبِ حَيَّ البَصَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَن كانَ مُؤْمِنًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
(p-٣١)الرّابِعُ: مَن كانَ مُهْتَدِيًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ مَعْناهُ: ويَجِبُ العَذابُ عَلى الكافِرِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences