Ан-Насафи · Тафсир · на арабском
الحجرات
Аль-Худжурат
Комнаты · Мединская · 18 аятов
49:1Страница 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١
О те, которые уверовали! Не опережайте Аллаха и Его Посланника и бойтесь Аллаха, ибо Аллах - Слышащий, Знающий.
(p-٣٤٦)سُورَةُ "اَلْحُجُراتِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا﴾، "قَدَّمَهُ"، و"أقْدَمَهُ"، مَنقُولانِ بِتَثْقِيلِ الحَشْوِ، والهَمْزَةِ، مِن "قَدَمَهُ"، إذا تَقَدَّمَهُ، في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ [هود: ٩٨]، وحَذَفَ المَفْعُولَ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما وقَعَ في النَفْسِ مِمّا يُقَدَّمُ مِنَ القَوْلِ، أوِ الفِعْلِ، وجازَ ألّا يُقْصَدَ مَفْعُولٌ، والنَهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْسِ التَقْدِمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أوْ هو مِن "قَدَّمَ"، بِمَعْنى "تَقَدَّمَ"، كَـ "وَجَّهَ"، بِمَعْنى "تَوَجَّهَ"، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وهي الجَماعَةُ المُتَقَدِّمَةُ مِنهُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: "لا تَقَدَّمُوا"، بِحَذْفِ إحْدى تاءَيْ "تَتَقَدَّمُوا"،
﴿بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ﴾، حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: "جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ"، أنْ تَجْلِسَ بَيْنَ الجِهَتَيْنِ المُسامِتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وشِمالِهِ، قَرِيبًا مِنهُ، فَسُمِّيَتِ الجِهَتانِ "يَدَيْنِ"، لِكَوْنِهِما عَلى سَمْتِ اليَدَيْنِ، مَعَ القُرْبِ مِنهُما، تَوَسُّعًا، كَما يُسَمّى الشَيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ، إذا جاوَرَهُ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ المَجازِ الَّذِي يُسَمّى "تَمْثِيلًا"، وفِيهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَصْوِيرُ الهُجْنَةِ، والشَناعَةِ فِيما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، دُونَ الِاحْتِذاءِ عَلى أمْثِلَةِ الكِتابِ والسُنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ (p-٣٤٧)يُجْرى مُجْرى قَوْلِكَ: "سَرَّنِي زَيْدٌ وحُسْنُ حالِهِ"، أيْ: "سَرَّنِي حُسْنُ حالِ زَيْدٍ"، فَكَذَلِكَ هُنا المَعْنى "بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ"، وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ الدَلالَةُ عَلى قُوَّةِ الِاخْتِصاصِ، ولَمّا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اللهِ بِالمَكانِ الَّذِي لا يَخْفى، سَلَكَ بِهِ هَذا المَسْلَكَ، وفي هَذا تَمْهِيدٌ لِما نَقَمَ مِنهُمْ، مِن رَفْعِ أصْواتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ ﷺ، لِأنَّ مَن فَضَّلَهُ اللهُ بِهَذِهِ الأثَرَةِ، واخْتَصَّهُ هَذا الِاخْتِصاصَ، كانَ أدْنى ما يَجِبُ لَهُ مِنَ التَهَيُّبِ، والإجْلالِ، أنْ يُخْفَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ الصَوْتُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ أُناسًا ذَبَحُوا يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَلاةِ، فَنَزَلَتْ، وأمَرَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا آخَرَ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - أنَّها نَزَلَتْ في النَهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَكِّ،
﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، فَإنَّكم إنِ اتَّقَيْتُمُوهُ عاقَتْكُمُ التَقْوى عَنِ التَقْدِمَةِ المَنهِيِّ عَنْها،
﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾، لِما تَقُولُونَ،
﴿عَلِيمٌ﴾، بِما تَعْمَلُونَ، وحَقُّ مِثْلِهِ أنْ يُتَّقى.
49:2Страница 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢
О те, которые уверовали! Не поднимайте ваши голоса над голосом Пророка и не обращайтесь к нему так же громко, как вы обращаетесь друг к другу, а не то ваши деяния окажутся тщетными, и вы даже не почувствуете этого.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إعادَةُ النِداءِ عَلَيْهِمُ اسْتِدْعاءٌ مِنهم لِتَجْدِيدِ الِاسْتِبْصارِ عِنْدَ كُلِّ خِطابٍ وارِدٍ، وتَحْرِيكٌ مِنهُمْ، لِئَلّا يَغْفُلُوا عَنْ تَأمُّلِهِمْ،
﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ﴾ أيْ: إذا نَطَقَ ونَطَقْتُمْ، فَعَلَيْكم ألّا تَبْلُغُوا بِأصْواتِكم وراءَ الحَدِّ الَّذِي يَبْلُغُهُ بِصَوْتِهِ، وأنْ تَغُضُّوا مِنها، بِحَيْثُ يَكُونُ كَلامُهُ عالِيًا لِكَلامِكُمْ، وجَهْرُهُ باهِرًا لِجَهْرِكُمْ، حَتّى تَكُونَ مَزِيَّتُهُ عَلَيْكم لائِحَةً، وسابِقَتُهُ لَدَيْكم واضِحَةً،
﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: إذا كَلَّمْتُمُوهُ، وهو صامِتٌ، فَإيّاكم والعُدُولَ عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، مِن رَفْعِ الصَوْتِ، بَلْ عَلَيْكم ألّا تَبْلُغُوا بِهِ الجَهْرَ الدائِرَ بَيْنَكُمْ، وأنْ تَتَعَمَّدُوا في مُخاطَبَتِهِ القَوْلَ اللَيِّنَ، المُقَرَّبَ مِنَ الهَمْسِ، الَّذِي يُضادُّ الجَهْرَ، أوْ لا تَقُولُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، يا أحْمَدُ، وخاطِبُوهُ بِالنُبُوَّةِ، والسَكِينَةِ، والتَعْظِيمِ، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما كَلَّمَ النَبِيَّ ﷺ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، إلّا كَأخِي السِرارِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ (p-٣٤٨)شَمّاسٍ، وكانَ في أُذُنِهِ وقْرٌ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَوْتِ، وكانَ إذا كَلَّمَ رَفَعَ صَوْتَهُ، ورُبَّما كانَ يُكَلِّمُ النَبِيَّ ﷺ فَيَتَأذّى بِصَوْتِهِ، وكافُ التَشْبِيهِ في مَحَلِّ النَصْبِ، أيْ: لا تَجْهَرُوا لَهُ جَهْرًا مِثْلَ جَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، وفي هَذا أنَّهم لَمْ يُنْهَوْا عَنِ الجَهْرِ مُطْلَقًا، حَتّى لا يَسُوغَ لَهم إلّا أنْ يُكَلِّمُوهُ بِالمُخافَتَةِ، وإنَّما نُهُوا عَنْ جَهْرٍ مَخْصُوصٍ، أعْنِي الجَهْرَ المَنعُوتَ بِمُماثَلَةِ ما قَدِ اعْتادُوهُ مِنهُ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو الخُلُوُّ مِن مُراعاةِ أُبَّهَةِ النُبُوَّةِ، وجَلالَةِ مِقْدارِها،
﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾، مَنصُوبُ المَوْضِعِ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى النَهْيِ، والمَعْنى: "اِنْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ لِحُبُوطِ أعْمالِكُمْ"، أيْ: لِخَشْيَةِ حُبُوطِها، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ،
﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾
49:3Страница 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣
Воистину, сердца тех, которые при Посланнике Аллаха понижают свои голоса, Аллах очистил (или раскрыл) для богобоязненности. Им уготованы прощение и великая награда.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾، تَمَّ اسْمُ "إنَّ"، عِنْدَ "رَسُولِ اللهِ"، والمَعْنى: "يَخْفِضُونَ أصْواتَهم في مَجْلِسِهِ، تَعْظِيمًا لَهُ،
﴿أُولَئِكَ﴾، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾، وتَمَّ صِلَةُ "اَلَّذِينَ"، عِنْدَ قَوْلِهِ: "لِلتَّقْوى"، و"أُولَئِكَ"، مَعَ خَبَرِهِ، خَبَرُ "إنَّ"، والمَعْنى: "أخْلَصَها لِلتَّقْوى"، مِن قَوْلِهِمْ: "اِمْتَحَنَ الذَهَبَ"، و"فَتَنَهُ"، إذا أذابَهُ، فَخَلَّصَ إبْرِيزَهُ مِن خَبَثِهِ، ونَقّاهُ، وحَقِيقَتُهُ: "عامَلَها مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، فَوَجَدَها مُخْلِصَةً"، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "أذْهَبَ الشَهَواتِ عَنْها"، و"اَلِامْتِحانُ": "اِفْتِعالٌ"، مِن "مَحَنَهُ"، وهو اخْتِبارٌ بَلِيغٌ، أوْ بَلاءٌ جَهِيدٌ،
﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾، جُمْلَةٌ أُخْرى، قِيلَ: نَزَلَتْ في الشَيْخَيْنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -، لِما كانَ مِنهُما مِن غَضِّ الصَوْتِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِنَظْمِها الَّذِي رُتِّبَتْ عَلَيْهِ، مِن إيقاعِ الغاضِّينَ أصْواتَهُمُ اسْمًا لِـ "إنَّ"، اَلْمُؤَكِّدَةِ، وتَصْيِيرِ خَبَرِها جُمْلَةً مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ مَعْرِفَتَيْنِ، مَعًا، والمُبْتَدَإ اسمَ الإشارَةِ، واسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ المُسْتَوْدَعَةِ ما هو جَزاؤُهم عَلى عَمَلِهِمْ، وإيرادِ الجَزاءِ نَكِرَةً مُبْهَمًا أمْرُهُ، دالَّةٌ عَلى غايَةِ الِاعْتِدادِ، والِارْتِضاءِ بِفِعْلِ الخافِضِينَ أصْواتَهُمْ، وفِيها تَعْرِيضٌ لِعَظِيمِ ما ارْتَكَبَ الرافِعُونَ أصْواتَهم.
49:4Страница 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤
Воистину, большинство из тех, которые зовут тебя из-за пределов комнат, не разумеют.
(p-٣٤٩)﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾، نَزَلَتْ في وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، أتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقْتَ الظَهِيرَةِ، وهو راقِدٌ، وفِيهِمُ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ونادَوُا النَبِيَّ ﷺ مِن وراءِ حُجُراتِهِ، وقالُوا: اُخْرُجْ إلَيْنا يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، وذَمَّنا شَيْنٌ، فاسْتَيْقَظَ، وخَرَجَ، و"اَلْوَراءُ": اَلْجِهَةُ الَّتِي يُوارِيها عَنْكَ الشَخْصُ بِظِلِّهِ، مِن خَلْفٍ، أوْ قُدّامٍ، و"مِن"، لِابْتِداءِ الغايَةِ، وأنَّ المُناداةَ نَشَأتْ مِن ذَلِكَ المَكانِ، و"اَلْحُجْرَةُ": اَلرُّقْعَةُ مِنَ الأرْضِ، المَحْجُورَةُ بِحائِطٍ يُحَوِّطُ عَلَيْها، وهي "فُعْلَةٌ"، بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"، كَـ "اَلْقُبْضَةُ"، وجَمْعُها "اَلْحُجُراتُ"، بِضَمَّتَيْنِ، و"اَلْحُجَراتُ"، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ "يَزِيدَ"، والمُرادُ "حُجُراتُ نِساءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ"، كانَتْ لِكُلٍّ مِنهُنَّ حُجْرَةٌ، ومُناداتُهم مِن ورائِها، ولَعَلَّهم تَفَرَّقُوا عَلى الحُجُراتِ مُتَطَلِّبِينَ لَهُ، أوْ نادَوْهُ مِن وراءِ الحُجْرَةِ الَّتِي كانَ ﷺ فِيها، ولَكِنَّها جُمِعَتْ إجْلالًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، والفِعْلُ وإنْ كانَ مُسْنَدًا إلى جَمِيعِهِمْ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّاهُ بَعْضُهُمْ، وكانَ الباقُونَ راضِينَ، فَكَأنَّهم تَوَلَّوْهُ جَمِيعًا، "أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ"، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن قُصِدَ اسْتِثْناؤُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَفْيَ العامَّ، إذِ القِلَّةُ تَقَعُ مَوْقِعَ النَفْيِ، ووُرُودُ الآيَةِ عَلى النَمَطِ الَّذِي ورَدَتْ عَلَيْهِ فِيهِ ما لا يَخْفى مِن إجْلالِ مَحَلِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنها التَسْجِيلُ عَلى الصائِحِينَ بِهِ بِالسَفَهِ، والجَهْلِ، ومِنها إيقاعُ لَفْظِ "اَلْحُجُراتِ"، كِنايَةً عَنْ مَوْضِعِ خَلْوَتِهِ، ومَقِيلِهِ مَعَ بَعْضِ نِسائِهِ، ومِنها التَعْرِيفُ بِاللامِ دُونَ الإضافَةِ، ولَوْ تَأمَّلَ مُتَأمِّلٌ مِن أوَّلِ السُورَةِ إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ لَوَجَدَها كَذَلِكَ، فَتَأمَّلْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِإيجابِ أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الَّتِي تَنْتَمِي إلى اللهِ ورَسُولِهِ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُمُورِ كُلِّها، مِن غَيْرِ تَقَيُّدٍ، ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ النَهْيَ عَمّا هو مِن جِنْسِ التَقْدِيمِ، مِن رَفْعِ الصَوْتِ، والجَهْرِ، كَأنَّ الأوَّلَ بِساطٌ لِلثّانِي، ثُمَّ أثْنى عَلى الغاضِّينَ أصْواتَهُمْ، لِيَدُلَّ عَلى عَظِيمِ مَوْقِعِهِ عِنْدَ اللهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما هو أطَمُّ، وهُجْنَتُهُ أتَمُّ، مِنَ الصِياحِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ في حالِ خَلْوَتِهِ مِن وراءِ الجُدُرِ، كَما (p-٣٥٠)يُصاحُ بِأهْوَنِ الناسِ قَدْرًا، لِيُنَبِّهَ عَلى فَظاعَةِ ما جَسَرُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن رَفَعَ اللهُ قَدْرَهُ عَنْ أنْ يُجْهَرَ لَهُ بِالقَوْلِ، كانَ صَنِيعُ هَؤُلاءِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي بَلَغَ في التَفاحُشِ مَبْلَغًا.
49:5Страница 516
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Если бы они потерпели, пока ты выйдешь к ним, это было бы лучше для них. Аллах - Прощающий, Милосердный.
﴿وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا﴾ أيْ: ولَوْ ثَبَتَ صَبْرُهُمْ، ومَحَلُّ "أنَّهم صَبَرُوا"، اَلرَّفْعُ، عَلى الفاعِلِيَّةِ، و"اَلصَّبْرُ": حَبْسُ النَفْسِ عَنْ أنْ تُنازِعَ إلى هَواها، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقَوْلُهُمْ: "صَبَرَ عَنْ كَذا"، مَحْذُوفٌ مِنهُ المَفْعُولُ، وهو النَفْسُ، وقِيلَ: "اَلصَّبْرُ مُرٌّ، لا يَتَجَرَّعُهُ إلّا حُرٌّ"، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ﴾، يُفِيدُ أنَّهُ لَوْ خَرَجَ، ولَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ إلَيْهِمْ، ولِأجْلِهِمْ، لَلَزِمَهم أنْ يَصْبِرُوا إلى أنْ يَعْلَمُوا أنَّ خُرُوجَهُ إلَيْهِمْ،
﴿لَكانَ﴾، اَلصَّبْرُ،
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾، في دِينِهِمْ،
﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، بَلِيغُ الغُفْرانِ والرَحْمَةِ، واسِعُهُما، فَلَنْ يُضَيِّقَ غُفْرانَهُ ورَحْمَتَهُ عَنْ هَؤُلاءِ إنْ تابُوا وأنابُوا.
49:6Страница 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦
О те, которые уверовали! Если нечестивец принесет вам весть, то разузнайте, чтобы не поразить по незнанию невинных людей, а не то вы будете сожалеть о содеянном.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، أجْمَعُوا أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وقَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ، وكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا شارَفَ دِيارَهُمْ، رَكِبُوا مُسْتَقْبِلِينَ إلَيْهِ، فَحَسِبَهم مُقاتِلِيهِ، فَرَجَعَ، وقالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: «قَدِ ارْتَدُّوا، ومَنَعُوا الزَكاةَ، فَبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَوَجَدَهم يُصَلُّونَ، فَسَلَّمُوا إلَيْهِ الصَدَقاتِ، فَرَجَعَ، » وفي تَنْكِيرِ الفاسِقِ، والنَبَإ، شِياعٌ في الفُسّاقِ، والأنْباءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أيُّ فاسِقٍ جاءَكم بِأيِّ نَبَإٍ"،
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، فَتَوَقَّفُوا فِيهِ، وتَطَلَّبُوا بَيانَ الأمْرِ، وانْكِشافَ الحَقِيقَةِ، ولا تَعْتَمِدُوا قَوْلَ الفاسِقِ، لِأنَّ مَن لا يَتَحامى جِنْسَ الفُسُوقِ، لا يَتَحامى الكَذِبَ، الَّذِي هو نَوْعٌ مِنهُ، وفي الآيَةِ دَلالَةُ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ، لِأنّا لَوْ تَوَقَّفْنا في خَبَرِهِ، لَسَوَّيْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاسِقِ، ولَخَلا التَخْصِيصُ بِهِ عَنِ الفائِدَةِ، و"اَلْفُسُوقُ": اَلْخُرُوجُ مِنَ الشَيْءِ، ويُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطَبَةُ عَنْ قِشْرِها"، ومِن مَقْلُوبِهِ: "فَقَسْتُ البَيْضَةَ"، إذا كَسَرْتَها، (p-٣٥١)وَأخْرَجْتَ ما فِيها، ومِن مَقْلُوبِهِ أيْضًا: "قَفَسْتُ الشَيْءَ"، إذا أخْرَجْتُهُ مِن يَدِ مالِكِهِ، مُغْتَصِبًا لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخُرُوجِ عَنِ القَصْدِ، بِرُكُوبِ الكَبائِرِ، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ": "فَتَثَبَّتُوا"، و"اَلتَّثَبُّتُ"، و"اَلتَّبَيُّنُ"، مُتَقارِبانِ، وهُما طَلَبُ الثَباتِ، والبَيانِ، والتَعَرُّفِ،
﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾، لِئَلّا تُصِيبُوا،
﴿بِجَهالَةٍ﴾، حالٌ، يَعْنِي: "جاهِلِينَ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ وكُنْهِ القِصَّةِ"،
﴿فَتُصْبِحُوا﴾، فَتَصِيرُوا،
﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾، "اَلنَّدَمُ": ضَرْبٌ مِنَ الغَمِّ، وهو أنْ تَغْتَمَّ عَلى ما وقَعَ مِنكَ، تَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وهو غَمٌّ يَصْحَبُ الإنْسانَ صُحْبَةً لَها دَوامٌ.
49:7Страница 516
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧
Знайте, что среди вас находится Посланник Аллаха. Если бы он подчинялся вам во многих делах, то вы непременно попали бы в затруднительное положение. Но Аллах привил вам любовь к вере, и представил ее прекрасной вашим сердцам, и сделал ненавистными вам неверие, нечестие и неповиновение. Таковы идущие правым путем
﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ﴾، فَلا تَكْذِبُوا، فَإنَّ اللهَ يُخْبِرُهُ، فَيَنْهَتِكَ سِتْرُ الكاذِبِ، أوْ فارْجِعُوا إلَيْهِ، اطْلُبُوا رَأْيَهُ، ثُمَّ قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، لَوَقَعْتُمْ في الجَهْدِ، والهَلاكِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ زَيَّنُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الإيقاعَ بِبَنِي المُصْطَلِقِ، وتَصْدِيقَ قَوْلِ الوَلِيدِ، وأنَّ بَعْضَهم كانُوا يَتَصَوَّنُونَ، ويَزَعُهم جِدُّهم في التَقْوى عَنِ الجَسارَةِ عَلى ذَلِكَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى، ولَمّا كانَتْ صِفَةُ الَّذِينَ حَبَّبَ اللهُ إلَيْهِمُ الإيمانَ غايَرَتْ صِفَةَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وقَعَتْ "لَكِنَّ"، في حاقِّ مَوْقِعِها مِنَ الِاسْتِدْراكِ، وهو مُخالَفَةُ ما بَعْدَها لِما قَبْلَهُ، نَفْيًا، وإثْباتًا،
﴿وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾، وهو تَغْطِيَةُ نِعَمِ اللهِ، وغَمْطُها بِالجُحُودِ،
﴿والفُسُوقَ﴾، وهو الخُرُوجُ عَنْ مَحَجَّةِ الإيمانِ، بِرُكُوبِ الكَبائِرِ،
﴿والعِصْيانَ﴾، وهو تَرْكُ الِانْقِيادِ لِما أمَرَ بِهِ الشارِعُ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُسْتَثْنَوْنَ هُمُ الراشِدُونَ، يَعْنِي أصابُوا طَرِيقَ الحَقِّ، ولَمْ يَمِيلُوا عَنْ الِاسْتِقامَةِ، و"اَلرُّشْدُ": اَلِاسْتِقامَةُ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، مَعَ تَصَلُّبٍ فِيهِ، مِن "اَلرَّشادَةُ"، وهي الصَخْرَةُ.
49:8Страница 516
فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨
по милосердию и милости Аллаха. Аллах - Знающий, Мудрый.
﴿فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً﴾، اَلْفَضْلُ والنِعْمَةُ بِمَعْنى الإفْضالِ والإنْعامِ، (p-٣٥٢)والِانْتِصابُ عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: حَبَّبَ، وكَرَّهَ لِلْفَضْلِ والنِعْمَةِ،
﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾، بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وما بَيْنَهم مِنَ التَمايُزِ، والتَفاضُلِ،
﴿حَكِيمٌ﴾، حِينَ يُفْضِلُ ويُنْعِمُ بِالتَوْفِيقِ عَلى الأفاضِلِ.
49:9Страница 516
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩
Если две группы верующих сражаются между собой, то примирите их. Если же одна из них притесняет на другую, то сражайтесь против той, которая притесняет, пока она не вернется к повелению Аллаха. Когда же она вернется, то примирите их по справедливости и будьте беспристрастны. Воистину, Аллах любит беспристрастных.
﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾، «وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى مَجْلِسِ بَعْضِ الأنْصارِ، وهو عَلى حِمارٍ، فَبالَ الحِمارُ، فَأمْسَكَ ابْنُ أُبَيٍّ بِأنْفِهِ، وقالَ: خَلِّ سَبِيلَ حِمارِكَ، فَقَدْ آذانا نُتْنُهُ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ: "واللهِ إنَّ بَوْلَ حِمارِهِ لِأطْيَبُ مِن مِسْكِكَ"، ومَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وطالَ الخَوْضُ بَيْنَهُما حَتّى اسْتَبّا، وتَجالَدا، وجاءَ قَوْماهُما، وهُما الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَتَجالَدُوا بِالعِصِيِّ، وقِيلَ: بِالأيْدِي، والنِعالِ، والسَعَفِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ، » ونَزَلَتْ، وجَمَعَ "اِقْتَتَلُوا"، حَمْلًا عَلى المَعْنى، لِأنَّ الطائِفَتَيْنِ في مَعْنى "اَلْقَوْمُ"، و"اَلنّاسُ"، وثَنّى في "فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما"، نَظَرًا إلى اللَفْظِ،
﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾، "اَلْبَغْيُ": اَلِاسْتِطالَةُ، والظُلْمُ، وإباءُ الصُلْحِ،
﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ﴾ أيْ: تَرْجِعَ، و"اَلْفَيْءُ": اَلرُّجُوعُ، وقَدْ سُمِّيَ بِهِ الظِلُّ، والغَنِيمَةُ، لِأنَّ الظِلَّ يَرْجِعُ بَعْدَ نَسْخِ الشَمْسِ، والغَنِيمَةَ ما يَرْجِعُ مِن أمْوالِ الكُفّارِ إلى المُسْلِمِينَ، وحُكْمُ الفِئَةِ الباغِيَةِ وُجُوبُ قِتالِها، ما قاتَلَتْ، فَإذا كَفَّتْ، وقَبَضَتْ عَنِ الحَرْبِ أيْدِيَها، تُرِكَتْ،
﴿إلى أمْرِ اللهِ﴾، اَلْمَذْكُورِ في كِتابِهِ، مِنَ الصُلْحِ وزَوالِ الشَحْناءِ،
﴿فَإنْ فاءَتْ﴾، عَنِ البَغْيِ، إلى أمْرِ اللهِ،
﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾، بِالإنْصافِ،
﴿وَأقْسِطُوا﴾، واعْدِلُوا، وهو أمْرٌ بِاسْتِعْمالِ القِسْطِ، عَلى طَرِيقِ العُمُومِ، بَعْدَ ما أُمِرَ بِهِ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ،
﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾، اَلْعادِلِينَ، و"اَلْقَسْطُ": اَلْجَوْرُ، و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ، والفِعْلُ مِنهُ: "أقْسَطَ"، وهَمْزَتُهُ لِلسَّلْبِ، أيْ: أزالَ القَسْطُ، وهو الجَوْرُ.
49:10Страница 516
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠
Воистину, верующие - братья. Посему примиряйте братьев и бойтесь Аллаха, - быть может, вы будете помилованы.
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾، هَذا تَقْرِيرٌ لِما ألْزَمَهُ مَن تَوَلّى (p-٣٥٣)الإصْلاحَ بَيْنَ مَن وقَعَتْ بَيْنَهُمُ المُشاقَّةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وبَيانُ أنَّ الإيمانَ قَدْ عَقَدَ بَيْنَ أهْلِهِ مِنَ السَبَبِ القَرِيبِ، والنَسَبِ اللاصِقِ، ما إنْ لَمْ يَفْضُلِ الأُخُوَّةَ لَمْ يَنْقُصْ عَنْها، ثُمَّ قَدْ جَرَتِ العادَةُ عَلى أنَّهُ إذا نَشِبَ مِثْلُ ذَلِكَ بَيْنَ الأخَوَيْنِ وِلادًا أُلْزِمَ السائِرُ أنْ يَتَناهَضُوا في رَفْعِهِ، وإزاحَتِهِ، بِالصُلْحِ بَيْنَهُما، فالأُخُوَّةُ في الدِينِ أحَقُّ بِذَلِكَ، "إخْوَتِكُمْ"، "يَعْقُوبُ"،
﴿واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: واتَّقُوا اللهَ، فالتَقْوى تَحْمِلُكم عَلى التَواصُلِ، والِائْتِلافِ، وكانَ عِنْدَ فِعْلِكم ذَلِكَ وُصُولُ رَحْمَةِ اللهِ إلَيْكم مَرْجُوًّا، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ البَغْيَ لا يُزِيلُ اسْمَ الإيمانِ، لِأنَّهُ سَمّاهم "مُؤْمِنِينَ"، مَعَ وُجُودِ البَغْيِ.
49:11Страница 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١
О те, которые уверовали! Пусть одни люди не насмехаются над другими, ведь может быть, что те лучше них. И пусть одни женщины не насмехаются над другими женщинами, ведь может быть, что те лучше них. Не обижайте самих себя (друг друга) и не называйте друг друга оскорбительными прозвищами. Скверно называться нечестивцем после того, как уверовал. А те, которые не раскаются, окажутся беззаконниками.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾، "اَلْقَوْمُ": اَلرِّجالُ خاصَّةً، لِأنَّهُمُ القُوّامُ بِأُمُورِ النِساءِ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وهو في الأصْلِ جَمْعُ "قائِمٌ"، كَـ "صَوْمٌ"، و"زَوْرٌ"، في جَمْعِ "صائِمٌ"، و"زائِرٌ"، واخْتِصاصُ القَوْمِ بِالرِجالِ صَرِيحٌ في الآيَةِ، إذْ لَوْ كانَتِ النِساءُ داخِلَةً في "قَوْمٌ"، لَمْ يَقُلْ: "وَلا نِساءٌ"، وحَقَّقَ ذَلِكَ زُهَيْرٌ في قَوْلِهِ:
؎ وما أدْرِي ولَسْتُ إخالُ أدْرِي... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ
وَأمّا قَوْلُهم في "قَوْمُ فِرْعَوْنَ"، و"قَوْمُ عادٍ"، هُمُ الذُكُورُ، والإناثُ، فَلَيْسَ لَفْظُ القَوْمِ بِمُتَعاطٍ لِلْفَرِيقَيْنِ، ولَكِنْ قُصِدَ ذِكْرُ الذُكُورِ، وتَرْكُ ذِكْرِ الإناثِ، لِأنَّهُنَ تَوابِعُ لِرِجالِهِنَّ، وتَنْكِيرُ القَوْمِ والنِساءِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يُرادَ "لا يَسْخَرْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن بَعْضٍ"، وأنْ يُقْصَدَ إفادَةُ الشِياعِ، وأنْ يَصِيرَ كُلُّ جَماعَةٍ مِنهم مَنهِيَّةً مِنَ السُخْرِيَةِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "رَجُلٌ مِن رَجُلٍ"، ولا "اِمْرَأةٌ مِنَ امْرَأةٍ"، عَلى التَوْحِيدِ، إعْلامًا بِإقْدامِ غَيْرِ واحِدٍ مِن رِجالِهِمْ، وغَيْرِ واحِدَةٍ مِن نِسائِهِمْ، عَلى السُخْرِيَةِ، واسْتِفْظاعًا لِلشَّأْنِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ورَدَ مَوْرِدَ جَوابِ المُسْتَخْبِرِ عَنْ عِلَّةِ النَهْيِ، وإلّا فَقَدَ كانَ حَقُّهُ أنْ يُوصَلَ بِما قَبْلَهُ بِالفاءِ، والمَعْنى وُجُوبُ أنْ يَعْتَقِدَ كُلُّ واحِدٍ أنَّ (p-٣٥٤)المَسْخُورَ مِنهُ رُبَّما كانَ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا مِنَ الساخِرِ، إذْ لا اطِّلاعَ لِلنّاسِ إلّا عَلى الظَواهِرِ، ولا عِلْمَ لَهم بِالسَرائِرِ، والَّذِي يَزِنُ عِنْدَ اللهِ خُلُوصُ الضَمائِرِ، فَيَنْبَغِي ألّا يَجْتَرِئَ أحَدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِمَن تَقْتَحِمُهُ عَيْنُهُ، إذا رَآهُ رَثَّ الحالِ، أوْ ذا عاهَةٍ في بَدَنِهِ، أوْ غَيْرَ لَبِيقٍ في مُحادَثَتِهِ، فَلَعَلَّهُ أخْلَصُ ضَمِيرًا، وأتْقى قَلْبًا مِمَّنْ هو عَلى ضِدِّ صِفَتِهِ، فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَن وقَّرَهُ اللهُ (تَعالى)، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "اَلْبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالقَوْلِ، لَوْ سَخِرْتُ مِن كَلْبٍ لَخَشِيتُ أنْ أُحَوَّلَ كَلْبًا"،
﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، ولا تَطْعَنُوا أهْلَ دِينِكُمْ، و"اَللَّمْزُ": اَلطَّعْنُ، والضَرْبُ بِاللِسانِ، "وَلا تُلَمِّزُوا"، "يَعْقُوبُ وسَهْلٌ"، والمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَإذا عابَ المُؤْمِنُ المُؤْمِنَ، فَكَأنَّما عابَ نَفْسَهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: "لا تَفْعَلُوا ما تُلْمَزُونَ بِهِ"، لِأنَّ مَن فَعَلَ ما اسْتَحَقَّ بِهِ اللَمْزَ فَقَدْ لَمَزَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً،
﴿وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾، اَلتَّنابُزُ بِالألْقابِ: اَلتَّداعِي بِها، و"اَلنَّبْزُ": لَقَبُ السُوءِ، والتَلْقِيبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو ما يَتَداخَلُ المَدْعُوَّ بِهِ كَراهَةٌ، لِكَوْنِهِ تَقْصِيرًا بِهِ، وذَمًّا لَهُ، فَأمّا ما يُحِبُّهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن بَنِي تَمِيمٍ اسْتَهْزَؤُوا بِبِلالٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، فَنَزَلَتْ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - أنَّها كانَتْ تَسْخَرُ مِن زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ، وكانَتْ قَصِيرَةً، وعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "عَيَّرَتْ نِساءُ النَبِيِّ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ بِالقِصَرِ، ورُوِيَ «أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وكانَ بِهِ وقْرٌ، فَكانُوا يُوَسِّعُونَ لَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَسْمَعَ، فَأتى يَوْمًا وهو يَقُولُ: تَفَسَّحُوا، حَتّى انْتَهى إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ لِرَجُلٍ: تَنَحَّ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقالَ: مَن هَذا؟ فَقالَ الرَجُلُ: أنا فُلانٌ، فَقالَ: بَلْ أنْتَ ابْنُ فُلانَةَ، يُرِيدُ أُمًّا كانَ يُعَيَّرُ بِها في الجاهِلِيَّةِ، فَخَجِلَ الرَجُلُ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ ثابِتٌ: لا أفْخَرُ عَلى أحَدٍ في الحَسَبِ بَعْدَها أبَدًا، »﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾، "اَلِاسْمُ"، هَهُنا، بِمَعْنى "اَلذِّكْرُ"، مِن قَوْلِهِمْ: "طارَ اسْمُهُ في الناسِ بِالكَرَمِ، أوْ بِاللُؤْمِ"، وحَقِيقَتُهُ ما سَما مِن ذِكْرِهِ (p-٣٥٥)وارْتَفَعَ بَيْنَ الناسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "بِئْسَ الذِكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ارْتِكابِ هَذِهِ الجَرائِمِ أنْ يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ"، وقَوْلُهُ: "بَعْدَ الإيمانِ"، اِسْتِقْباحٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الإيمانِ، وبَيْنَ الفِسْقِ، الَّذِي يَحْظُرُهُ الإيمانُ، كَما تَقُولُ: "بِئْسَ الشَأْنُ بَعْدَ الكَبْرَةِ الصَبْوَةُ"، وقِيلَ: كانَ في شَتائِمِهِمْ لِمَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ: "يا يَهُودِيُّ، يا فاسِقُ"، فَنُهُوا عَنْهُ، وقِيلَ لَهُمْ: "بِئْسَ الذِكْرُ أنْ تَذْكُرُوا الرَجُلَ بِالفِسْقِ واليَهُودِيَّةِ بَعْدَ إيمانِهِ"،
﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ﴾، عَمّا نُهِيَ عَنْهُ،
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾، وحَّدَ وجَمَعَ لِلَفْظِ "مَن"، ومَعْناهُ.
49:12Страница 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢
О те, которые уверовали! Избегайте многих предположений, ибо некоторые предположения являются грехом. Не следите друг за другом и не злословьте за спиной друг друга. Разве понравится кому-либо из вас есть мясо своего покойного брата, если вы чувствуете к этому отвращение? Бойтесь Аллаха! Воистину, Аллах - Принимающий покаяния, Милосердный.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِّ﴾، يُقالُ: "جَنَّبَهُ الشَرَّ"، إذا أبْعَدَهُ عَنْهُ، وحَقِيقَتُهُ جَعْلُهُ في جانِبٍ، فَيُعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ومُطاوَعَهُ: "اِجْتَنَبَ الشَرَّ"، فَنَقُصَ مَفْعُولًا، والمَأْمُورُ بِاجْتِنابِهِ بَعْضُ الظَنِّ، وذَلِكَ البَعْضُ مَوْصُوفٌ بِالكَثْرَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ﴾، قالَ الزَجّاجُ: هو ظَنُّكَ بِأهْلِ الخَيْرِ سُوءًا، فَأمّا أهْلُ الفِسْقِ فَلَنا أنْ نَظُنَّ فِيهِمْ مِثْلَ الَّذِي ظَهَرَ مِنهُمْ، أوْ مَعْناهُ: "اِجْتِنابًا كَثِيرًا"، أوْ "اِحْتَرِزُوا مِنَ الكَثِيرِ، لِيَقَعَ التَحَرُّزُ عَنِ البَعْضِ، و"اَلْإثْمُ": اَلذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ العِقابَ، ومِنهُ قِيلٌ لِعُقُوبَتِهِ: "اَلْأثامُ"، "فَعالٌ"، مِنهُ، كَـ "اَلنَّكالُ"، و"اَلْعَذابُ"،
﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أيْ: لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، ومَعايِبَهُمْ، يُقالُ: "تَجَسَّسَ الأمْرَ"، إذا تَطَلَّبَهُ، وبَحَثَ عَنْهُ، "تَفَعُّلٌ"، مِن "اَلْجَسُّ"، وعَنْ مُجاهِدٍ: "خُذُوا ما ظَهَرَ، ودَعُوا ما سَتَرَ اللهُ"، وقالَ سَهْلٌ: "لا تَبْحَثُوا عَنْ طَلَبِ مَعايِبِ ما سَتَرَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ"،
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، "اَلْغِيبَةُ": اَلذِّكْرُ بِالعَيْبِ في ظَهْرِ الغَيْبِ، وهي مِن "اَلِاغْتِيابُ"، كَـ "اَلْغِيلَةُ"، مِن "اَلِاغْتِيالُ"، وفي الحَدِيثِ: « "هُوَ أنْ تَذْكُرَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ، فَإنْ كانَ فِيهِ فَهو غِيبَةٌ، وإلّا فَهو بُهْتانٌ"، » وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اَلْغِيبَةُ إدامُ كِلابِ الناسِ"،
﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾، "مَيِّتًا"، "مَدَنِيٌّ"، وهَذا (p-٣٥٦)تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِما يَنالُهُ المُغْتابُ مِن عِرْضِ المُغْتابِ، عَلى أفْحَشِ وجْهٍ، وفِيهِ مُبالَغاتٌ، مِنها الِاسْتِفْهامُ، الَّذِي مَعْناهُ التَقْرِيرُ، ومِنها جَعْلُ ما هو في الغايَةِ مِنَ الكَراهَةِ، مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ، ومِنها إسْنادُ الفِعْلِ إلى "أحَدُكُمْ"، والإشْعارُ بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدِينَ لا يُحِبُّ ذَلِكَ، ومِنها أنْ لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى تَمْثِيلِ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ، حَتّى جُعِلَ الإنْسانُ أخًا، ومِنها أنْ لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى لَحْمِ الأخِ حَتّى جُعِلَ مَيْتًا، وعَنْ قَتادَةَ: "كَما تَكْرَهُ إنْ وجَدْتَ جِيفَةً مُدَوِّدَةً أنْ تَأْكُلَ مِنها، كَذَلِكَ فاكْرَهْ لَحْمَ أخِيكَ وهو حَيٌّ"، وانْتَصَبَ "مَيْتًا"، عَلى الحالِ مِنَ اللَحْمِ، أوْ مِن "أخِيهِ"، ولَمّا قَرَّرَهم بِأنَّ أحَدًا مِنهم لا يُحِبُّ أكْلَ جِيفَةِ أخِيهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أيْ: فَتَحَقَّقَتْ كَراهَتُكم لَهُ بِاسْتِقامَةِ العَقْلِ، فَلْيَتَحَقَّقْ أنْ تَكْرَهُوا ما هو نَظِيرُهُ مِنَ الغِيبَةِ، بِاسْتِقامَةِ الدِينِ،
﴿واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾، "اَلتَّوّابُ": اَلْبَلِيغُ في قَبُولِ التَوْبَةِ، والمَعْنى: واتَّقُوا اللهَ بِتَرْكِ ما أُمِرْتُمْ بِاجْتِنابِهِ، والنَدَمِ عَلى ما وُجِدَ مِنكم مِنهُ، فَإنَّكم إنِ اتَّقَيْتُمْ تَقَبَّلَ اللهُ تَوْبَتَكُمْ، وأنْعَمَ عَلَيْكم بِثَوابِ المُتَّقِينَ التائِبِينَ، ورُوِيَ «أنَّ سَلْمانَ كانَ يَخْدِمُ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَحابَةِ، ويُسَوِّيَ لَهُما طَعامَهُما، فَنامَ عَنْ شَأْنِهِ يَوْمًا، فَبَعَثاهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَبْغِي لَهُما إدامًا، وكانَ أُسامَةُ عَلى طَعامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: ما عِنْدِي شَيْءٌ، فَأخْبَرَهُما سَلْمانُ، فَقالا: لَوْ بَعَثْناهُ إلى بِئْرٍ سُمَيْحَةٍ لَغارَ ماؤُها، فَلَمّا راحا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ لَهُما: "ما لِي أرى خُضْرَةَ اللَحْمِ في أفْواهِكُما؟!"، فَقالا: ما تَناوَلْنا لَحْمًا، قالَ: "إنَّكُما قَدِ اغْتَبْتُما، ومَنِ اغْتابَ مُسْلِمًا فَقَدْ أكَلَ لَحْمَهُ"، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، » وقِيلَ: "غِيبَةُ الخَلْقِ إنَّما تَكُونُ مِنَ الغَيْبَةِ عَنِ الحَقِّ".
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии