Ibn 'AtiyyaIbrahim · 14:1–12

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

ابراهيم

Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

14:1–3Page 255

الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١

Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢

Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe [i.e., destruction] to the disbelievers from a severe punishment -

ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٣

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allāh, seeking to make it [seem] deviant. Those are in extreme error.

(p-٢١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ

هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إلى آخَرَ الآيَتَيْنِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، والنَقّاشٌ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"كِتابٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا كِتابٌ، وهَذا عَلى أكْثَرِ الأقْوالِ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وأمّا مَن قالَ فِيها: "إنَّها كِنايَةٌ عن حُرُوفِ المُعْجَمِ"، فَـ "كِتابٌ" مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ: "الر"، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ. وقَوْلُهُ: "أنْزَلْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "الكِتابِ"، قالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ، وأبُو المَعالِي، وغَيْرُهُما: إنَّ الإنْزالَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالكَلامِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ الذاتِ، لَكِنْ بِالمَعانِي الَّتِي أفْهَمَها اللهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الكَلامِ.

(p-٢١٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: "لِتُخْرِجَ" أسْنَدَ الإخْراجَ إلى النَبِيِّ ﷺ مِن حَيْثُ لَهُ فِيهِ المُشارِكَةُ بِالدُعاءِ والإنْذارِ، وحَقِيقَتُهُ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ والهِدايَةِ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وعَمَّ "الناسَ" إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي اقْتَرَنَ بِها ما نُقِلَ تَواتُرًا مِن دَعَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ العالَمَ كُلَّهُ، ومِن بَعْثَتِهِ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، عَلِمَ ذَلِكَ الصَحابَةُ مُشاهَدَةً، ونُقِلَ عنهم تَواتَرًا، فَعُلِمَ قَطْعًا والحَمْدُ لِلَّهِ. واسْتُعِيرَ الظُلُماتُ لِلْكَفْرِ والنُورُ لِلْإيمانِ تَشْبِيهًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ بِهِ وتَمْكِينِهِ لَهم. و"إلى" في قَوْلِهِ: ﴿إلى صِراطِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى النُورِ﴾، أيْ إلى المَحَجَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى طاعَةِ اللهِ والإيمانِ بِهِ ورَحْمَتِهِ، فَأضافَها إلى اللهِ بِهَذِهِ المُتَعَلِّقاتِ، و﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِهَذا المَوْضِعِ، فالعِزَّةُ مِن حَيْثُ الإنْزالِ لِلْكُتُبِ، وما في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ، واسْتِيجابِ الحَمْدِ مِن جِهَةِ بَثِّ هَذِهِ النِعَمِ عَلى العالَمِ في نَصْبِ هِدايَتِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "اللهُ الَّذِي" بِرَفْعِ اسْمِ اللهِ عَلى القَطْعِ والِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "الَّذِي"، ويَصِحُّ رَفْعُهُ عَلى تَقْدِيرِ: "هُوَ اللهُ الَّذِي"، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهاءِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾، ورَوى الأصْمَعِيُّ وحْدَهُ هَذِهِ القِراءَةَ عن نافِعٍ، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عن هَذا بِأنْ قالَ: التَقْدِيرُ: "إلى صِراطِ اللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ثُمَّ قَدَّمَ الصِفاتِ وأبْدَلَ مِنها المَوْصُوفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإذا كانَتْ هَكَذا فَلَيْسَتْ بَعْدُ بِصِفاتٍ عَلى طَرِيقَةِ صِناعَةِ النَحْوِ، وإنْ كانَتْ بِالمَعْنى صِفاتَهُ ذُكِرَ مَعَها أو لَمْ يُذْكَرْ.

(p-٢٢٠)وَقَوْلُهُ: "وَوَيْلٌ" مَعْناهُ: وشِدَّةٌ وبَلاءٌ ونَحْوُهُ، أيْ يَلْقُونَهُ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ يَنالُهُمُ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الدُنْيا، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: "وَوَيْلٌ"، وقالَ بَعْضٌ: "وَيْلٌ" اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا خَبَرٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ، ثُمَّ لَوْ كانَ هَذا لَقَلِقَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابٍ﴾، وإنَّما يَحْسُنُ تَأوَّلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وما أشْبَهَهُ، وأمّا هُنا فَإنَّما يَحْسُنُ في "وَيْلٌ" أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، ورَفْعُهُ عَلى نَحْوِ رَفْعِهِمْ "سَلامٌ عَلَيْكَ" وشَبَهَهُ.

و"الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الكافِرِينَ"، وقَوْلُهُ: "يَسْتَحِبُّونَ" مِن صِفَةِ الكافِرِينَ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم قَبْلُ، والمَعْنى: يُؤْثِرُونَ دُنْياهم وكَفْرَهم وتَرْكَ الإذْعانِ لِلشَّرْعِ عَلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وسُكْنى جَنَّتِهِ. وقَوْلُهُ: "يَصُدُّونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَدّى وأنْ يَقِفَ، والمَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مُسْتَقِلُّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ" و"صَدَّ غَيْرَهُ"، ومِن تَعْدِيَتِهِ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا

و﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ طَرِيقَةُ هُداهُ وشَرْعُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ مِنَ التَأْوِيلِ: أظْهَرُها أنْ يُرِيدَ: ويَطْلُبُونَها في حالَةِ عِوَجٍ مِنهم. ولا يُراعى إنْ كانُوا بِزَعْمِهِمْ عَلى طَرِيقِ نَظَرٍ وبِسَبِيلِ (p-٢٢١)اجْتِهادٍ واتِّباعِ الأحْسَنِ، فَقَدْ وصَفَ اللهُ تَعالى حالَهم تِلْكَ بِالعِوَجِ، وكَأنَّهُ قالَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ الَّتِي هي بِالحَقِيقَةِ نَبِيلَةٌ، ويَطْلُبُونَها عَلى عِوَجٍ في النَظَرِ.

والتَأْوِيلُ الثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَطْلُبُنَّ لَها عِوَجًا يَظْهَرُ فِيها، أيْ: يَسْعَوْنَ عَلى الشَرِيعَةِ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَـ "عِوَجًا" مَفْعُولٌ.

والتَأْوِيلُ الثالِثُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِنَ البَغْيِ عَلى مَعْنى: ويَبْغُونَ عَلَيْها أو فِيها عِوَجًا، ثُمَّ حُذِفَ الجارُ، وفي هَذا بَعْضُ القَلَقِ.

وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُغَةِ: العِوَجُ -بِكَسْرِ العَيْنِ- في الدِينِ والأُمُورِ، وبِالجُمْلَةِ في المَعانِي، والعَوَجُ -بِفَتْحِ العَيْنِ في الأجْرامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُعْتَرَضُ هَذا القانُونُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، وقَدْ تَتَداخَلُ اللَفْظَةُ مَعَ الأُخْرى، ووَصْفُ الضَلالِ بِالبُعْدِ عِبارَةٌ عن تَعَمُّقِهِمْ فِيهِ وصُعُوبَةِ خُرُوجِهِمْ مِنهُ.

14:4–5Page 255

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allāh sends astray [thereby] whom He wills1 and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٥

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days1 of Allāh." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللهُ مِن يَشاءُ ويَهْدِي مِن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾

هَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ وطَعْنٌ عَلى المُسْتَغْرِبِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ، وإنَّما أرْسَلْناكَ لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ عَلى عادَتِنا في رُسُلِنا في أنْ نَبْعَثَهم بِألْسِنَةِ أُمَمِهِمْ لِيَقَعَ التَكَلُّمُ بِالبَيانِ والعِبارَةِ المُتَمَكِّنَةِ، ثُمَّ يَكُونُ تَبايُنُ الناسِ مِن غَيْرِ أهْلِ اللِسانِ عِيالًا في التَبْيِينِ عَلى أهْلِ اللِسانِ الَّذِي يَكُونُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وجَعَلَ اللهُ العِلَّةَ في إرْسالِ الرُسُلِ بِألْسِنَةِ قَوْمِهِمْ طَلَبَ البَيانِ، ثُمَّ قَطَعَ (p-٢٢٢)قَوْلُهُ: "فَيُضِلُّ"، أيْ إنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما غايَتُهُ أنْ يُبَلِّغَ ويُبَيِّنَ، ولَيْسَ فِيما كُلِّفَ أنْ يَهْدِيَ ويُضِلَّ، ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ يُنْفِذُ فِيهِ سابِقَ قَضائِهِ، ولَهُ في ذَلِكَ العِزَّةُ الَّتِي لا تُعارَضُ، والحِكْمَةُ الَّتِي لا تُعَلَّلُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَإنِ اعْتَرَضَ أعْجَمِيٌّ بِأنْ يَقُولَ: مَن أيْنَ يُبَيِّنُ هَذا الرَسُولُ لِي الشَرِيعَةَ وأنا لا أفْهَمُهُ؟ قِيلَ لَهُ: أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللِسانِ يُعَبِّرُونَ لَكَ، وفي ذَلِكَ كِفايَتُكَ، وإنْ قالَ: ومَن أيْنَ تَتَبَيَّنُ لِي المُعْجِزَةَ وأفْهَمُ الإعْجازَ وأنا لا أفْهَمُ اللُغَةَ؟ قِيلَ لَهُ: الحُجَّةُ عَلَيْكَ إذْعانُ أهْلِ الفَصاحَةِ والَّذِينَ كانُوا يُظَنُّ بِهِمْ أنَّهم قادِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، وبِإذْعانِهِمْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلى البَشَرِ، كَما قامَتِ الحُجَّةُ في مُعْجِزَةِ مُوسى بِإذْعانِ السَحَرَةِ، وفي مُعْجِزَةِ عِيسى بِإذْعانِ الأطِبّاءِ.

و"اللِسانُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- يُرادُ بِهِ اللُغَةُ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "بِلِسْنِ قَوْمِهِ" بِسُكُونِ السِينِ دُونَ ألْفٍ، كَرِيشٍ ورِياشٍ، ونَقُولُ: لِسْنٌ ولِسانٌّ في "اللُغَةِ"، فَأمّا العُضْوُ فَلا يُقالُ فِيهِ: لِسْنٌ بِسُكُونِ السِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى﴾ الآيَةُ. آياتُ اللهِ هي العَصا، واليَدُ، وسائِرُ التِسْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾، تَقْدِيرُهُ: بِأنْ أخْرِجْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأمّا "الظُلُماتُ والنُورُ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وهَذا عَلى ظاهِرِ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهم كانُوا قَبْلَ بَعْثِ مُوسى (p-٢٢٣)فِيهِمْ أشْياعًا مُتَفَرِّقِينَ في الدِينِ فَفَرْعٌ مَعَ القِبْطِ في عِبادَةِ فِرْعَوْنَ، وكُلُّهم عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وهَذا مَذْهَبُ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإنَّ صَحَّ أنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ونَحْوَ هَذا فالظُلُماتُ: الذُلُّ والعُبُودِيَّةُ، والنُورُ: العِزَّةُ بِالدِينِ والظُهُورُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وأكْثَرُ الآياتِ في رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّها إنَّما كانَتْ إلى بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً في مَعْنى الشَرْعِ لَهُمْ، وأمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ بِفُرُوعِ الدِيانَةِ، وإلى فِرْعَوْنَ وأشْرافِ قَوْمِهِ في أنْ يَنْظُرُوا ويَعْتَبِرُوا في آياتِ مُوسى فَيُقِرُّوا بِاللهِ تَعالى ويُؤْمِنُوا بِهِ وبِمُوسى وبِمُعْجِزَتِهِ، ويَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَهُ، ويُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا يَتَرَتَّبُ هَذا مِنهم إلّا بِإيمانٍ بِهِ.

وأمّا أنْ تَكُونَ رِسالَتُهُ إلَيْهِمْ لِمَعْنى اتِّباعِهِ والدُخُولِ في شَرْعِهِ فَلَيْسَ هَذا بِظاهِرِ القِصَّةِ، ولا كَشَفَ الغَيْبُ ذَلِكَ، ألّا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَ عنهم بِبَنِي إسْرائِيلَ فَلَوْ لَمْ يُتْبَعْ لَمَضى بِأُمَّتِهِ؟ وألّا تَرى أنَّهُ لَمْ يَدْعُ القِبْطَ بِجُمْلَتِهِمْ وإنَّما كانَ يُحاوِرُ أُولِي الأمْرِ؟ وأيْضًا فَلَيْسَ دُعاؤُهُ لَهم عَلى حَدِّ دُعاءِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ- أُمَمَهم في مَعْنى كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، بَلْ في الِاهْتِداءِ والتَزَكِّي وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ لَوْ كانَتْ دَعْوَتُهُ لِفِرْعَوْنَ والقِبْطِ عَلى حُدُودِ دَعْوَتِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَلِمَ كانَ يَطْلُبُ بِأمْرِ اللهِ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ كانَ يَطْلُبُ أنْ يُؤْمِنَ الجَمِيعُ ويَتَشَرَّعُوا بِشَرْعِهِ ويَسْتَقِرَّ الأمْرُ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ مَبْعُوثًا إلى القِبْطِ لَرَدَّهُ اللهُ إلَيْهِمْ حِينَ غَرِقَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، ولَكِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَّتَهُ لَهُ فَلَمْ يُرِدَّ إلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واحْتَجَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بُعِثَ إلى جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ آيَةٍ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣]، و﴿إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢] واللهُ أعْلَمُ.

(p-٢٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللهِ﴾ الآيَةُ. أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى أنْ يَعِظَ قَوْمَهُ بِالتَهْدِيدِ بِنِقَمِ اللهِ الَّتِي أحَلَّها بِالأُمَمِ الكافِرَةِ قَبْلَهُمْ، وبِالتَعْدِيدِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في المَواطِنِ المُتَقَدِّمَةِ، وعَلى غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِهِ، لِيَكُونَ جَرْيُهم عَلى مِنهاجِ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهَرَبُهم مِن طَرِيقِ الَّذِينَ حَلَّتْ بِهِمُ النَقَماتُ، وعَبَّرَ عَنِ النِعَمِ والنِقَمِ بِالأيّامِ إذْ هي في أيّامٍ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَعْظِيمُ هَذِهِ الكَوائِنِ المُذَكَّرِ بِها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُمْ: يَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ عَبُوسٌ، ويَوْمٌ بَسّامٌ، وإنَّما الحَقِيقَةُ وصْفُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الشِدَّةِ أوِ السُرُورِ، وحَكى الطَبَرِيَّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: أيّامُ اللهِ: نِعَمُهُ، وعن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: أيّامُ اللهِ: نِقَمُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَفْظَةُ "الأيّامِ" تَعُمُّ المَعْنَيَيْنِ، لِأنَّ التَذْكِيرَ يَقَعُ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ إنَّما أرادَ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ناظِرٍ لِنَفْسِهِ، فَأخَذَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِ صِفَتَيْنِ تَجْمَعانِ أكْثَرَ الخِصالِ، وتَعُمّانِ أجْمَلَ الأفْعالِ.

14:6–9Page 256

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٦

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to his people, "Remember the favor of Allāh upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy."

أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and ʿAad and Thamūd and those after them? No one knows them [i.e., their number] but Allāh. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths1 and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ ﴿وَقالَ (p-٢٢٥)مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِعَمِ، وكانَ يَوْمُ الإنْجاءِ عَظِيمًا لِعِظَمِ الكائِنِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وقَصَصُها بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ، غَيْرَ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: "وَيُذَبِّحُونَ" وفي البَقَرَةِ: "يُذَبِّحُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، فَهُناكَ فُسِّرَ (سُوءُ العَذابِ) بِأنَّهُ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ، وهُنا دَلَّ بِـ (سُوءِ العَذابِ) عَلى أنْواعٍ غَيْرِ التَذْبِيحِ والِاسْتِحْياءِ، وعُطِفَ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ عَلَيْها. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَذْبَحُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والباءُ مُخَفَّفَةٌ.

و"البَلاءُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المِحْنَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الِاخْتِبارَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

و(تَأذَّنَ) بِمَعْنى: أذَّنَ، أيْ: أعْلَمَ، وهو مِثْلُ: أكْرَمَ وتَكَرَّمَ، وأوعَدَ وتَوَعَّدَ، وهَذا الإعْلامُ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وقَضاءٍ قَدْ سَبَقَهُ، وما في "تَفَعَّلَ" هَذِهِ مِنَ المُحاوَلَةِ والشُرُوعِ إذا أُسْنِدَتْ إلى البَشَرِ مَنفِيٌّ في جِهَةِ اللهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: تَعَلَّمَ بِمَعْنى: أعْلَمَ، فَمَرْفُوضُ الماضِي عَلى ما ذَكَرَ يَعْقُوبُ، كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ تَعَلَّمْ - أبَيْتَ اللَعْنَ..........................

ونَحْوِهِ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الزِيادَةُ عَلى الشُكْرِ لَيْسَتْ في الدُنْيا، وإنَّما هي مِن نِعَمِ الآخِرَةِ، والدُنْيا أهْوَنُ مِن ذَلِكَ.

(p-٢٢٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وصَحِيحٌ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وأنْ يَزِيدَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ عَلى شُكْرِهِ مِن نِعَمِ الدُنْيا، وأنْ يَزِيدَهُ أيْضًا مِنهُما جَمِيعًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْجِيَةٌ وتَخْوِيفٌ، ومِمّا يَقْضِي بِأنَّ الشُكْرَ مُتَضَمِّنَ الإيمانِ أنَّهُ عادَلَهُ بِالكُفْرِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ كُفْرَ النِعَمِ لا كُفْرَ الجَحْدِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُما قالا: مَعْنى الآيَةِ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ هو قَوِيٌّ حَسَنٌ فَتَأمَّلْهُ،

وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى﴾ الآيَةُ. في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِشَرْطِ كُفْرِهِمْ وتَوْبِيخٌ، وذَلِكَ بَيِّنٌ في الصِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ وصَفَ بِهِما نَفْسَهُ تَبارَكَ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: "لَغَنِيٌّ" يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَهم وعَظَمَتَهُ. وقَوْلُهُ: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ المَحامِدَ كُلَّها دائِمًا كَذَلِكَ في ذاتِهِ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، فَكُفْرُكم أنْتُمْ بِإلَهٍ هَذِهِ حالُهُ غايَةُ التَخَلُّفِ والخِذْلانِ، وفي قَوْلِهِ أيْضًا: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ أنَّهُ ذُو آلاءٍ عَلَيْكم أيُّها الكافِرُونَ بِهِ كانَ يَسْتَوْجِبُ بِها حَمْدَكُمْ، فَكُفْرُكم بِهِ مَعَ ذَلِكَ أذْهَبُ في الضَلالِ، وهَذا تَوْبِيخٌ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الآيَةُ. هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِقَمِ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ﴾ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]، وفي مِثْلِ هَذا قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "كَذَبَ النَسّابُونَ مِن فَوْقِ عَدْنانَ"،» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ زَمَنِ مُوسى وبَيْنَ زَمَنِ نُوحٍ قُرُونٌ ثَلاثُونَ لا يَعْلَمُهم إلّا اللهُ"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا الوُقُوفُ عَلى عِدَّتِهِمْ بِعِيدٌ، ونَفْيُ العِلْمِ بِها جُمْلَةً أصَحُّ، وهو لَفْظُ القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ بِحَسَبِ (p-٢٢٧)احْتِمالِ اللَفْظِ، و"الأيْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى الجَوارِحِ، وقَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى أيْدِي النِعَمِ فِيما ذُكِرَ، عَلى أنَّ "الأيْدِي" هي الجَوارِحُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: رَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ عَضًّا عَلَيْها مِنَ الغَيْظِ عَلى الرُسُلِ، ومُبالَغَةً في التَكْذِيبِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ ابْنٍ عَبّاسٍ: عَجِبُوا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، والعَضُّ مِنَ الغَيْظِ مَشْهُورٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وقالَ الشاعِرُ:

؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا

وقالَ الآخَرُ:

؎ لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ودِقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي

؎ وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عَوَّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ

ومِمّا ذُكِرَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ورَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ الرُسُلِ تَسْكِينًا لَهُمْ، ودَفْعًا في صَدْرِ قَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أشْنَعُ في الرَدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُسُلِ والنَيْلِ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وتَحْتَمِلُ الألْفاظُ مَعْنًى رابِعًا، وهو أنْ يُتَجَوَّزَ في لَفْظِ الأيْدِي، أيْ إنَّهم رَدُّوا أقْوالَهم ومُكافَحَتَهم ومُدافَعَتَهم فِيما قالُوهُ بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَكْذِيبِ، فَكَأنَّ المَعْنى: رَدُّوا (p-٢٢٨)جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ، أيْ في أقْوالِهِمْ، وعَبَّرَ عن جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي إذِ الأيْدِي مَوْضِعٍ لِشَدِّ المُدافَعَةِ والمُرادَّةِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ قَوْلًا ضَعِيفًا، وهو أنَّ المَعْنى: أخَذُوا أيْدِيَ الرُسُلِ فَجَعَلُوها في أفْواهِ الرُسُلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا عِنْدِي لا وجْهَ لَهُ.

ومِمّا ذُكِرَ عَلى أنَّ "الأيْدِي" أيادِي النِعَمِ ما ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وذَلِكَ أنَّهم رَدُّوا مِنَ الرُسُلِ في الإنْذارِ والتَبْلِيغِ بِأفْواهِهِمْ، أيْ بِأقْوالِهِمْ، فَوَصَلَ الفِعْلُ بِـ "فِي" عِوَضَ وُصُولِهِ بِـ "الباءِ"، ورَوِيَ نَحْوُهُ عن مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والمَشْهُورُ جَمْعُ "يَدِ" النِعْمَةِ عَلى "أيادٍ"، ولا يُجْمَعُ عَلى "أيْدٍ"، إلّا أنَّ جَمْعَهُ عَلى "أيْدٍ" لا يَكْسِرُ بابًا ولا يَنْقُضُ أصْلًا وبِحَسْبِنا أنَّ الزَجّاجَ قَدَّرَهُ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ -عَلى هَذا- مَعْنًى ثانِيًا، أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ: رَدُّوا إنْعامَ الرُسُلِ في أفْواهِ الرُسُلِ، أيْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، كَما تَقُولُ لِمَن لا يُعْجِبُكَ كَلامُهُ: أمْسِكْ يا فُلانُ كَلامَكَ في فِيكَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ أيْدِي الرُسُلِ أقْوالًا ساغَ هَذا فِيها، كَما تَقُولُ: كَسَرْتُ كَلامَ فَلانٍ في فَمِهِ، أيْ: رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ وقَطَعْتُهُ بِقِلَّةِ القَبُولِ وبِالرَدِّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: رَدُّوا نِعَمَ الرُسُلِ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ بِالتَكْذِيبِ والنَجْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم شَكُّوا في صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ وأقْوالِهِمْ أو كَذَّبُوها، وتَوَقَّفُوا في إمْضاءِ أحَدِ المُعْتَقَدَيْنِ، ثُمَّ ارْتابُوا بِالمُعْتَقَدِ (p-٢٢٩)الواحِدِ في صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، فَجاءَهم شَكٌّ مُؤَكَّدٌ بِارْتِيابٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرَّفٍ: " مِمّا تَدْعُوَنّا " بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

14:10–12Page 256

۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠

Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."

قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢

And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللهَ وعَلى اللهَ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾

قَوْلُهُ: ﴿أفِي اللهِ﴾ مُقَدَّرٌ فِيهِ ضَمِيرٌ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَحْوِيِّينَ: أفِي إلاهِيَّتِهِ شَكٌّ؟ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أفِي وحْدانِيِّتِهِ شَكٌّ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وزَعَمَ بَعْضُ الناسِ أنَّ أبا عَلِيٍّ إنَّما فَزِعَ إلى هَذِهِ العِبارَةِ حِفْظًا لِلِاعْتِزالِ، وزَوالًا عَمّا تَحْتَمِلُهُ لَفْظَةُ "الإلاهِيَّةِ" مِنَ الصِفاتِ بِحَسْبِ عُمُومِها، ولَفْظَةُ الوَحْدانِيَّةِ مُخَلِّصَةٌ مِن ذَلِكَ الِاحْتِمالِ.

و"الفاطِرُ": المُخْتَرِعُ المُبْتَدِئُ، وسَوْقُ هَذِهِ الصِفَةِ احْتِجاجٌ عَلى الشاكِّينَ، أيِ الشَكِّ فِيمَن هَذِهِ صِفَتُهُ، فَساقَ الصِفَةَ الَّتِي هي مَنصُوبَةٌ لِرَفْعِ الشَكِّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾، ذَهَبَ بَعْضُ النُحاةِ إلى أنَّها زائِدَةٌ، وسِيبَوَيْهِ يَأْبى أنْ تَكُونَ زائِدَةً، ويَراها لِلتَّبْعِيضِ، وهو مَعْنًى صَحِيحٌ، وذَلِكَ أنَّ الوَعْدَ وقَعَ بِغُفْرانِ الشِرْكِ وما مَعَهُ مِنَ المَعاصِي، وبَقِيَ ما يَسْتَأْنِفُهُ أحَدُهم بَعْدَ إيمانِهِ مِنَ المَعاصِي مَسْكُوتًا عنهُ لِيَبْقى مَعَهُ في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، فالغُفْرانُ إنَّما يُقَدِّمُهُ الوَعْدُ في البَعْضِ، فَصَحَّ مَعْنى "مِن".

(p-٢٣٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤] الآيَةُ، وجَلَبْتُ هَذِهِ هُناكَ بِسَبَبِ ما يَظْهَرُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنَ التَعارُضِ، ويَلِيقُ هُنا أنْ نَذْكُرَ مَسْألَةَ المَقْتُولِ: هَلْ قُطِعَ أجَلُهُ أمْ ذَلِكَ هو أجْلُهُ المَحْتُومُ عَلَيْهِ؟ فالأوَّلُ هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، والثانِي قَوْلُ أهْلِ السُنَّةِ، فَتَقُولُ المُعْتَزِلَةُ: "إنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ لَعاشَ، وهَذا سَبَبُ القَوَدِ"، وقالَتْ فَرِقَّةٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ: "لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ لَماتَ حَتْفَ أنْفِهِ"، قالَ أبُو المَعالِي: "وَهَذا كُلُّهُ تَخَبُّطٌ، وإنَّما هو أجْلُهُ الَّذِي سَبَقَ في القَضاءِ أنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ عَلى تِلْكَ الصِفَةِ، فَمُحالٌ أنْ يَقَعَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإنْ فَرَضْنا أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ، وفَرَضْنا مَعَ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى سَبَقَ بِأنَّهُ لا يَقْتُلُهُ بَقِيَ أمْرُهُ في حَيِّزِ الجَوازِ في أنْ يَعِيشَ أو يُقْتَلَ أو كَيْفَ ما كانَ عِلْمُ اللهِ تَعالى يَسْبِقُ فِيهِ.

وقَوْلُ الكَفَرَةِ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فِيهِ اسْتِبْعادٌ لِبِعْثَةِ البَشَرِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: بَلْ أرادُوا إحالَتَهُ، وذَهَبُوا مَذْهَبَ البَراهِمَةِ أو مَن يَقُولُ مِنَ الفَلاسِفَةِ: إنَّ الأجْناسَ لا يَقَعُ فِيها هَذا التَبايُنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وظاهِرُ كَلامِهِمْ لا يَقْتَضِي أنَّهم أغْمَضُوا هَذا الإغْماضَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْتُ أنَّهم طَلَبُوا مِنهُمُ الإتْيانَ بِآيَةٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ، ولَوْ كانَتْ بَعْثَتُهم عِنْدَهم مُحالًا لَما طَلَبُوا مِنهم حُجَّةً، ويُحْتَمَلُ أنَّ طَلَبَهم مِنهُمُ السُلْطانَ إنَّما هو عَلى جِهَةِ التَعْجِيزِ، أيْ: بِعْثَتُكم مُحالٌ وإلّا فَأْتُوا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، أيْ: إنَّكم لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ أبَدًا، فَيَتَقَوّى بِهَذا الِاحْتِمالِ مَنَحاهم إلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، المَعْنى: صَدَقْتُمْ في قَوْلِكُمْ: "إنّا بَشَرٌ" في الأشْخاصِ والخِلْقَةِ، لَكِنْ تَبايَنّا بِفَضْلِ اللهِ تَعالى ومَنِّهِ الَّذِي (p-٢٣١)يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ، فَفارَقُوهم بِالمَعْنى، بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] فَإنَّ ذَلِكَ في المَعْنى لا في الهَيْئَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾، هَذِهِ العِبارَةُ إذا قالَها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، أو قِيلَتْ لَهُ فِيما يَقَعُ تَحْتَ مَقْدُورِهِ فَمَعْناها النَهْيُ والحَظْرُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ فِيما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَمَعْناها نَفْيُ ذَلِكَ الأمْرِ جُمْلَةً، وكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: لَفْظُها لَفْظُ الحَظْرِ ومَعْناها النَفْيُ. واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلْيَتَوَكَّلْ" لامُ الأمْرِ، وقَرَأها الجُمْهُورُ ساكِنَةً، وقَرَأها الحَسَنُ مَكْسُورَةً، وتَحْرِيكُها بِالكَسْرِ هو أصْلُها، وتَسْكِينُها طَلَبٌ لِلتَّخْفِيفِ، ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، ولِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ لامِ كَيِ الَّتِي أُلْزِمَتِ الحَرَكَةُ إجْماعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ﴾ الآيَةُ، وقَفَهُمُ الرُسُلُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى تَعْلِيلٍ في أنْ لا يَتَوَكَّلُوا عَلى اللهِ وهو قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهَداهم طَرِيقَ النَجاةِ، وفَضَّلَهم عَلى خَلْقِهِ، ثُمَّ أقْسَمُوا أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الصَبْرُ عَلى الإذايَةِ في ذاتِ اللهِ تَعالى. و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ما آذَيْتُمُونا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي حَرْفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِانْفِرادِها، إلّا أنَّها اسْمٌ مَعَ ما اتَّصَلَ بِها مِنَ المَصْدَرِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "ما" المَصْدَرِيَّةُ بِانْفِرادِها اسْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونُ في "آذَيْتُمُونا" ضَمِيرٌ عائِدٌ تَقْدِيرُهُ: آذَيْتُمُوناهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُضَمَّ بِهِ بِسَبَبِ إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском