Ibn 'AtiyyaAl‑Isra · 17:1–7

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

الإسراء

Al-Isra

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

17:1Page 282

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١

Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4

(p-٤٣٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ

هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ: قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]، نَزَلَتْ حِينَ جاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وفْدُ ثَقِيفَ، وحِينَ قالَتِ اليَهُودُ: "لَيْسَتْ هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ"، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] الآيَةُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "إنَّهُنَّ مِنَ العَتاقِ، الأُوَلِ، وهُنَّ مَنَّ تِلادِي"، يُرِيدُ أنَّهُنَّ مِن قَدِيمِ كَسْبِهِ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنَ آياتِنا إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ﴾

لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أسْرى بِعَبْدِهِ، وهو مُحَمَّدٌ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٤٣٤)مَعْناهُ: سَرى بِعَبْدِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ "أسْرى" مُعَدّاةٌ بِالهَمْزِ إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أسْرى المَلائِكَةُ بِعَبْدِهِ، وذَلِكَ لَأنَّهُ يُقْلِقُ أنْ يُسْنَدَ "أسْرى" -وَهُوَ بِمَعْنى "سَرى"- إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، إذْ هو فِعْلٌ يُعْطِي النَقْلَةَ كَمَشى وجَرى وأحْضَرَ وانْتَقَلَ، فَلا يَحْسُنُ إسْنادُ شَيْءٍ مِن هَذا ونَحْنُ نَجِدُ مَندُوحَةً، فَإذا صَرَّحَتِ الشَرِيعَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذا النَحْوِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحَدِيثِ: « "أتَيْتُهُ سَعْيًا، وأتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"» حُمِلَ ذَلِكَ بِالتَأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ المُخَلِّصِ مِن نَفْيِ الحَوادِثِ، و"أسْرى" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- تَخْرُجُ فَصِيحَةً كَما ذَكَرْنا، ولا تَحْتاجُ إلى تَجَوُّزِ قَلَقٍ في مِثْلِ هَذا اللَفْظِ، فَإنَّهُ ألْزَمُ لِلنَّقْلَةِ مَن "أتَيْتُهُ" و﴿فَأتى اللهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦]. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أسْرى" بِمَعْنى: "سَرى" عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. ووَقَعَ الإسْراءُ في جَمِيعِ مُصَنَّفاتِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عَنِ الصَحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، فَهو مِنَ المُتَواتِرِ بِهَذا الوَجْهِ. وذَكَرَ النَقّاشُ مِمَّنْ رَواهُ عِشْرِينَ صَحابِيًّا، فَرَوى جُمْهُورُ الصَحابَةِ، وتَلَقّى جُلُّ العُلَماءِ مِنهم أنَّ الإسْراءَ كانَ بِشَخْصِهِ ﷺ، وأنَّهُ رَكِبَ البُراقُ مِن مَكَّةَ ووَصَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ. ورَوى حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَنْزِلْ عَنِ البُراقِ في بَيْتِ المَقْدِسِ ولا دَخَلَهُ، - قالَ حُذَيْفَةُ: ولَوْ صَلّى فِيهِ لَكُتِبَتْ عَلَيْكُمُ الصَلاةُ فِيهِ- وأنَّهُ رَكِبَ البُراقَ بِمَكَّةَ ولَمْ يَنْزِلْ عنهُ (p-٤٣٥)حَتّى انْصَرَفَ إلى بَيْتِهِ إلّا في صُعُودِهِ إلى السَماءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُعاوِيَةُ: إنَّما أُسْرِيَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولَمْ يُفارِقْ شَخْصُهُ مَضْجَعَهُ، وإنَّها كانَتْ رُؤْيا رَأى فِيها الحَقائِقَ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وجَوَّزَهُ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والحَدِيثُ مُطَوَّلٌ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا نَصَّهُ في هَذا الكِتابِ، ورُكُوبُ البُراقِ عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ يَكُونُ مِن جُمْلَةِ ما رُئِيَ في النَوْمِ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: البُراقُ هو دابَّةُ إبْراهِيمَ الَّذِي كانَ يَزُورُ عَلَيْهِ البَيْتَ الحَرامَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدانِ: يَجِيءُ مِن يَوْمِهِ ويَرْجِعُ، وذَلِكَ مِن مَسْكَنِهِ بِالشامِ. والصَحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، ولَوْ كانَتْ مَنامَةً ما أمْكَنَ قُرَيْشًا أنْ تُشَنِّعَ، ولا فُضِّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالتَصْدِيقِ، ولا قالَتْ لَهُ أمْ هانِيءٍ: لا تُحَدِّثُ الناسَ بِهَذا فَيُكَذِّبُوكَ، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الدَلائِلِ.

واحْتَجَّ لِقَوْلِ عائِشَةَ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا يَحْتَمِلُ القَوْلَ الآخَرَ؛ لَأنَّهُ يُقالُ لِرُؤْيَةِ العَيْنِ: رُؤْيا. واحْتَجَّ أيْضًا بِأنْ في بَعْضِ الأحادِيثِ: « "فاسْتَيْقَظْتُ وأنا في المَسْجِدِ الحَرامِ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَرُدَّ مِنَ الإسْراءِ إلى نَوْمٍ. واعْتُرِضَ قَوْلُ عائِشَةَ بِأنَّها كانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تُشاهِدْ ولا حَدَّثَتْ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا مُعاوِيَةُ فَكانَ كافِرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، غَيْرَ مُشاهِدٍ لِلْحالِ، صَغِيرًا، ولَمْ يُحَدِّثْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سُبْحانَ" مَصْدَرٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ؛ لَأنَّهُ لا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ، ولِمَ يَجِيءْ مِنهُ فَعَلَ، وسَبَّحَ مَعْناهُ: قالَ سُبْحانَ اللهِ، فَلَمْ تُسْتَعْمَلْ سَبَّحَ إلّا إشارَةً إلى سُبْحانَ، ولَمْ يَتَصَرَّفْ لَأنَّ في آخِرِهِ زائِدَتَيْنِ، وهو مَعْرِفَةٌ (p-٤٣٦)بِالعَلَمِيَّةِ وإضافَتُهُ لا تَزِيدُهُ تَعْرِيفًا، هَذا كُلُّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُهُ عَلى النِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: يا سُبْحانَ الَّذِي أسْرى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ. «وَرَوى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الفَيّاضُ أحَدُ العَشْرَةِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟ فَقالَ: "تَنْزِيهٌ لِلَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ"،» والعامِلُ فِيهِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي هو مِن مَعْناهُ لا مِن لَفْظِهِ إذْ يَجُرُّ مِن لَفْظِهِ فَعَلَ، وذَلِكَ مِثْلَ: "قَعَدَ القُرْفُصاءَ واشْتَمَلَ الصَمّاءَ"، فالتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: أُنَزِّهُ اللهَ تَنْزِيهًا، فَوَقَعَ "سُبْحانَ" مَكانَ قَوْلِكَ: تَنْزِيهًا.

وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أسْرى" فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، عَدّاهُ هُنا بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: أسَرى الرَجُلُ وسَرى إذا سارَ بِاللَيْلِ بِمَعْنى. وقَدْ ذَكَرْتُ ما يَظْهَرُ في اللَفْظِ مِن جِهَةِ العَقِيدَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾. قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ المَسْجِدَ المُحِيطَ بِالكَعْبَةِ نَفْسِها، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ: هو الَّذِي يُعْرَفُ إذا ذُكِرَ هَذا الِاسْمُ، ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "بَيْنَما أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النائِمِ واليَقْظانِ"،» وذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الكَشِّيِّ في تَفْسِيرِهِ، عن سُفْيانَ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: (p-٤٣٧)أُسْرِيَ بِالنَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المَسْجِدِ الحَرامِ" مَكَّةُ كُلُّها، واسْتَنَدُوا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وعَظُمَ المَقْصِدُ هُنا إنَّما هو مَكَّةُ. ورَوى بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ عن أُمِّ هانِئٍ أنَّها قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ في بَيْتِي، ورُوِيَ بَعْضُها عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "خَرَجَ سَقْفُ بَيْتِي"،» وهَذا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللهُ عنها.

وكانَ الإسْراءُ فِيما قالَ مُقاتِلٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: بِعامٍ ونِصْفٍ، قالَهُ عُرْوَةُ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وكانَ ذَلِكَ في رَجَبٍ، وقِيلَ: في لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، والنَبِيُّ ﷺ ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، والمُتَحَقِّقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ شَقِّ الصَحِيفَةِ، وقِيلَ: بَيْعَةُ العَقَبَةِ، ووَقَعَ في الصَحِيحَيْنِ لِشَرِيكِ بْنِ أبِي نَمْرٍ وهُمٌ في هَذا المَعْنى، فَإنَّهُ رَوى حَدِيثَ الإسْراءِ فَقالَ فِيهِ: "وَذَلِكَ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ". ولا خِلافَ بَيْنِ المُحَدِّثِينَ أنَّ هَذا وهُمٌ مِن شَرِيكٍ.

و"المَسْجِدِ الأقْصى" مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وسَمّاهُ "الأقْصى" أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ أقْصى بُيُوتِ اللهِ الفاضِلَةِ مِنَ الكَعْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأقْصى": البَعِيدُ، دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ، ويَكُونُ المَقْصِدُ إظْهارَ العَجَبِ في الإسْراءِ إلى هَذا البُعْدِ في لَيْلَةٍ.

(p-٤٣٨)والبَرَكَةُ حَوْلَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما النُبُوَّةُ والشَرائِعُ والرُسُلُ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ القُطْرِ وفي نَواحِيهِ ونَوادِيهِ، والأُخْرى النِعَمُ مِنَ الأشْجارِ والمِياهِ والأرْضِ المُفِيدَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ الشامَ بِها، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ بارَكَ فِيما بَيْنُ العَرِيشِ إلى الفُراتِ، وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَقْدِيسِ".»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ يُرِيدُ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا بِعَيْنِهِ آياتِنا في السَماواتِ، والمَلائِكَةِ، والجَنَّةِ، والسِدْرَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا رَآهُ تِلْكَ اللَيْلَةَ مِنَ العَجائِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ آيَةً، أيْ: يَكُونُ النَبِيُّ ﷺ آيَةً في أنْ يَصْنَعَ اللهُ لِبَشَرٍ هَذا الصُنْعَ، وتَكُونُ الرُؤْيَةُ -عَلى هَذا- رُؤْيَةَ قَلْبٍ.

ولا خِلافَ أنَّ في هَذا الإسْراءِ فُرِضَتِ الصَلَواتُ الخَمْسُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ﴾ وعِيدٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ الإسْراءِ، فَهي إشارَةٌ لَطِيفَةٌ بَلِيغَةٌ إلى ذَلِكَ، أيْ: هو السَمِيعُ لِما تَقُولُونَ، البَصِيرُ بِأفْعالِكم.

17:2–4Page 282

وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤

And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾

عَطَفَ قَوْلَهَ تَعالى: "وَآتَيْنا" عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا وأرَيْناهُ آياتِنا، و"الكِتابَ": التَوْراةُ، والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلى "الكِتابَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى " مُوسى " عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّخِذُوا" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: كَراهِيَةَ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِألا تَتَّخِذُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، كَما قالَ: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾ [ص: ٦]، فَهي في هَذا مَعَ أمْرٍ، وهي في آياتِنا هَذِهِ مَعَ نَهْيٍ، والمَعْنى في هَذِهِ التَقْدِيراتِ: جَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تَتَّخِذُوا يا ذَرِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ذُرِّيَّةَ" مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" زائِدَةً، ويُضْمَرُ في الكَلامِ قَوْلٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَتَّخِذُوا، (p-٤٣٩)وَأمّا أنْ يُضْمَرَ القَوْلُ ولا تَجْعَلَ "أنْ" زائِدَةً فَلا يَتَّجِهُ؛ لَأنَّ ما بَعْدَ القَوْلِ إمّا أنْ يَكُونَ جُمْلَةً تُحْكى، وإمّا أنْ يَكُونَ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لا هو بِعَيْنِهِ، فَيَعْمَلُ القَوْلُ في التَرْجَمَةِ كَما تَقُولُ -لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ-: قُلْتَ حَقًّا، وقَوْلُهُ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "ألّا يَتَّخِذُوا" بِالياءِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ. و"الوَكِيلُ" فَعِيلَ مِنَ التَوَكُّلِ، أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ في الأُمُورِ، فَهو يُؤَلِّهُهُ بِهَذا الوَجْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: "وَكِيلًا": شَرِيكًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُرِّيَّةَ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ عامِرٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، ومُجاهِدٌ أيْضًا بِكَسْرِها، وكُلُّ هَذا بِشَدِّ الراءِ والياءِ، ورُوِيَتْ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ بِفَتْحِ الذالِ وتَسْهِيلِ الراءِ وشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، و"ذُرِّيَّةَ" وزْنُها فَعُولَةٌ، أصْلُها "ذُرُورَةٌ"، أُبْدِلَتِ الراءُ الثانِيَةُ ياءً وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الراءُ لِتُناسِبِ الياءِ، وكُلِّ هَؤُلاءِ قَرَءُوا: "ذُرِّيَّةَ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ بِـ "يَتَّخِذُوا"، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ لا يُتَّخَذَ بَشَرٌ إلَهًا مِن دُونِ اللهِ، وإمّا عَلى النِداءِ، أيْ: يا ذَرِّيَّةَ، فَهي مُخاطَبَةٌ لِلْعالَمِ، قالَ قَوْمٌ: وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ألّا تَتَّخِذُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ولا يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ؛ لَأنَّ الفِعْلَ لِغائِبٍ والنِداءَ لِمُخاطَبٍ، والخُرُوجُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ إنَّما يُسْتَسْهَلُ مَعَ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المُرادِ، وفي النِداءِ لا دَلالَةَ إلّا عَلى غايَةِ التَكَلُّفِ، وإمّا عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ أعْنِي، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "وَكِيلًا"، وهَذا أيْضًا فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ذَرِّيَّةُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "يَتَّخِذُوا"، وهَذا أيْضًا يَتَوَجَّهُ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ، ولا يَجُوزُ عَلى القِراءَةِ بِالتاءِ؛ لَأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مِن ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ، لَوْ قُلْتُ: "ضَرَبْتُكَ زَيْدًا" عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ الناسِ الَّذِينَ عَناهم في الآيَةِ بِحَسْبِ الخِلافِ المَذْكُورِ، ولَأنَّ في هَذِهِ العِبارَةِ تَعْدِيدَ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في الإنْجاءِ المُؤَدِّي إلى وُجُودِهِمْ، ويَقْبُحُ الكُفْرُ والعِصْيانُ مَعَ هَذِهِ النِعْمَةِ، والَّذِينَ حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ وأنْسَلُوا هم بَنُوهُ لِصُلْبِهِ؛ لَأنَّهُ آدَمُ الأصْغَرُ، وكُلُّ مِن عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مَن نَسَلِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَنْسَلْ. قالَ النَقّاشُ: اسْمُ نُوحٍ عَبْدُ الجَبّارِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: اسْمُهُ فَرَجٌ، ووَصَفَهُ بِالشُكْرِ لَأنَّهُ كانَ يَحْمَدُ اللهَ في كُلِّ حالٍ، وعَلى كُلِّ نِعْمَةٍ، عَلى (p-٤٤٠)المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والبِرازِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ﷺ. قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي مَرْيَمَ، وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى "قَضَيْنا" فَرَغْنا، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: "قَضَيْنا" هُنا بِمَعْنى: أخْبَرْنا، وحُكِيَ عن آخَرِينَ أنَّهم قالُوا: "قَضَيْنا" مَعْناهُ: في أُمِّ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنَّما يُلْبِسُ في هَذا المَكانِ تَعْدِيَةُ "قَضَيْنا" بِـ "إلى"، وتَلْخِيصُ الكَلامِ عِنْدِي أنَّ هَذا الأمْرَ هو مِمّا قَضاهُ اللهُ تَعالى في أُمِّ الكِتابِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وألْزَمَهم إيّاهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِهِ في التَوْراةِ عَلى لِسانِ مُوسى، فَلَمّا أرادَ هُنا الإعْلامَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا في إيجازٍ جَعَلَ "قَضَيْنا" دالَّةً عَلى النُفُوذِ في أُمِّ الكِتابِ، وقَرَنَ بِها "إلى" دالَّةً عَلى إنْزالِ الخَيْرِ بِذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى المَقْصُودُ مَفْهُومٌ خِلالَ هَذِهِ الألْفاظِ، ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَرَّةً بِأنْ قالَ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَعْناهُ: أعْلَمْناهُمْ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ و"الكِتابِ" هُنا التَوْراةُ؛ لَأنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لَتُفْسِدُنَّ" غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ مَعَ أنْ يُجْعَلَ "الكِتابُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ الرَياحِيِّ: "فِي الكُتُبِ" عَلى الجَمْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ الناسِ عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَتُفْسِدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ "لَتَفْسُدُنَّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ السِينِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: "لَتُفْسَدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الدالِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَتَعْلُنَّ" أيْ: لَتَتَكَبَّرُنَّ عن طاعَةِ الآمِرِينَ بِطاعَةِ اللهِ، وتَطْلُبُونَ في الأرْضِ العُلُوَّ والفَسادَ، وتَظْلِمُونَ مَن قَدَرْتُمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، ونَحْوَ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومُقْتَضى هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وطُغْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى عِنْدَهم في الرُسُلِ والكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أمَةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهُمْ، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُهُورِ، فَيَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِعَمِ، والظُلْمُ والقَتْلُ، والكُفْرُ بِاللهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم (p-٤٤١)وَتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، وأعْطى الوُجُودَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذا الأمْرَ كُلَّهُ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ المَرَّتَيْنِ: آخِرُ الأولى وأوَّلُ الثانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَبَّدًا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً.

17:5–7Page 282

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥

So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾

الضَمِيرُ في قَوْلِهِ أُولاهُما عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ وعَبَّرَ عَنِ الشَرِّ بِـ (الوَعْدِ) لَأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ المُعاقَبَةِ، وإذا لَمْ يَجِئِ (الوَعْدُ) مُطْلَقًا فَجائِزٌ أنْ يَقَعَ في الشَرِّ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "عَبِيدًا"، واخْتَلَفَ الناسُ في العَبِيدِ المَبْعُوثِينَ وفي صُورَةِ الحالِ اخْتِلافًا شَدِيدًا مُتَباعِدًا. عُيُونُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَصَوْا وقَتَلُوا زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ فَغَزاهم سَنْحارِيبُ مَلِكُ بابِلَ، كَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَزاهم جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خُرْدُوشُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا قائِدٌ لِخُرْدُوشَ اسْمُهُ هُورْزاذانُ، وكَفَّ عن بَنِي إسْرائِيلَ وسَكَنَ بِرِعايَةِ دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: غَزاهم أوَّلًا صَخّابِينُ مَلِكُ رُومَةَ، وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرُ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفَرَسِ وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ تَعْلَمْهُ الفُرْسُ ؛ لَأنَّهُ كانَ يُداخِلُهُمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ وبَعَثَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتْلَهم وجَلاهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعِهِ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَزاهم بُخْتُنَصَّرُ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ حِينَ عَصَوْا وقَتَلُوا يَحْيى بْنَ (p-٤٤٢)زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وصُورَةُ قَتْلِهِ أنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأتِهِ، فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ عن ذَلِكَ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى امْرَأتِهِ، فَزَيَّنَتْ بِنْتَها وجَعَلَتْها تَسْقِي المَلِكَ الخَمْرَ، وقالَتْ لَها: إذا راوَدَكِ المَلِكُ عن نَفْسِكِ فَتَمْنَعِي حَتّى يُعْطِيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْ، فَإذا قالَ لَكِ: تَمَنَّيْ عَلَيَّ ما أرَدْتِ، فَقُولِي لَهُ: رَأسَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ ذَلِكَ، فَرَدَّها المَلِكُ مَرَّتَيْنِ، وأجابَها في الثالِثَةِ، فَجِيءَ بِالرَأْسِ في طَسْتِ ولِسانُهُ يَتَكَلَّمُ ويَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ، وجَرى دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَجَعَلَ المَلِكُ عَلَيْهِ التُرابَ حَتّى ساوى سُورَ المَدِينَةِ والدَمُ يَنْبَعِثُ، فَلَمّا غَزاهُمُ المَلِكُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ -بِحَسَبِ الخِلافِ فِيهِ- قَتَلَ مِنهم عَلى الدَمِ حَتّى سَكَنَ بَعْدَ قَتْلِ سَبْعِينَ ألْفًا. هَذا مُقْتَضى هَذا الخَبَرِ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، فَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ أشْعِياءَ وعَظَهم وذَكَّرَهُمُ اللهَ ونِعَمَهُ في مَقامٍ طَوِيلٍ نَصَّهُ الطَبَرِيُّ، وذَكَرَ أشْعِياءُ في آخِرِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فابْتَدَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَفَرَّ مِنهُمْ، فَلَقِيَ شَجَرَةً فَتَفَلَّقَتْ لَهُ حَتّى دَخَلَها فالتَأمَتْ عَلَيْهِ، فَعَرَضَ الشَيْطانُ عَلَيْهِمْ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ، فَأخَذُوا مِنشارًا فَنَشَرُوا الشَجَرَةَ وقَطَّعُوهُ في وسَطِها فَقَتَلُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ.

وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ قَصَصًا أنَّ زَكَرِيّا هو صاحِبُ الشَجَرَةِ، وأنَّهم قالُوا لَمّا حَمَلَتْ مَرْيَمُ قالُوا: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ مِنهم حَتّى دَخَلَ في الشَجَرَةِ فَنَشَرُوهُ. ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ حَفِيدَ سَنْحارِيبَ المَلِكِ الأوَّلِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا هو سابُورُ ذُو الأكْتافِ. وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِينَ عادُوا ثَلاثَةَ أمْلاكٍ مِن فارِسٍ: سَنْدابادانِ وشَهْرَيازانِ وآخَرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما جاءَهم في الأُولى عَسْكَرٌ مِن فارِسٍ فَجاسَ خِلالَ الدِيارِ وتَقَلَّبَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ ولا قَتْلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ انْصَرَفَتْ عنهُمُ الجُيُوشُ، وظَهَرُوا وأُمِدُّوا بِالأمْوالِ والبَنِينِ حَتّى عَصَوْا وطَغَوْا، فَجاءَهم في المَرَّةِ الثانِيَةِ مِن قَتَلَهم وغَلَبَهم عَلى بَيْضَتِهِمْ وأهْلَكَهم آخِرَ الدَهْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ﴾، وهي المَنازِلُ والمَساكِنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَرُدُّ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المَرَّةِ (p-٤٤٣)الأُولى غَلَبَةٌ ولا قِتالٌ، وهَلْ يُدْخَلُ المَسْجِدُ إلّا بَعْدَ غَلَبَةٍ وقِتالٍ؟ وقَدْ قالَ مُؤَرِّخٌ. جاسُوا خِلالَ الأزِقَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَصَصًا طَوِيلًا، مِنهُ ما يَخُصُّ الآياتِ، وأكْثَرُهُ لا يَخُصُّ، وهَذِهِ المَعانِي لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَعَثْنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ بَعْثَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البِعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا أُلْقِيَ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي غَزاهم. وقَرَأ الناسُ: "فَجاسُوا" بِالجِيمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَحاسُوا" بِالحاءِ، وهَمّا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والدُخُولِ قَسْرًا، ومِنهُ الحَواسُّ، وقِيلَ لِأبِي السَمالِ: إنَّما القِراءَةُ "جاسُوا" بِالجِيمِ، فَقالَ: جاسُوا وحاسُوا واحِدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَخَيُّرٍ لا عَلى رِوايَةٍ، ولِهَذا لا تَجُوزُ الصَلاةُ بِقِراءَتِهِ وقِراءَةِ نُظَرائِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِلالَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "خَلَلَ"، ونَصْبَهُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الظَرْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ عِبارَةٌ عَمّا قالَ اللهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ، وجَعَلَ "رَدَدْنا" مَوْضِعَ "نَرُدُّ" إذْ وقْتُ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللهِ في غايَةِ الثِقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عن مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، وهَذِهِ الكَرَّةُ هي بَعْدَ الجَلْوَةِ الأُولى كَما وصَفْنا، فَغَلَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ ومَلَكُوا فِيهِ، وحَسُنَتْ حالُهم بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، وأعْطاهُمُ اللهُ الأمْوالَ والأولادَ، وجَعَلَهم إذا نَفَرُوا إلى أمْرِ أكْثَرِ الناسِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وصَيَّرْناكم أكْثَرَ عَدَدٍ نافِرٍ مِنهم. قالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ نَفِيرًا في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"نَفِيرًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفَرٍ، كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ، وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: وجَعَلْناكم أكْثَرَ نافِرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعِنْدِي أنَّ النَفِيرَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ الَّذِي يَنْفِرُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ قالَ تُبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ:

؎ فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وبِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا

(p-٤٤٤)وَقالُوا: "لا في العِيرِ ولا في النَفِيرِ"، يُرِيدُونَ جَمْعَ قُرَيْشٍ الخارِجَ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ.

فَلَمّا قالَ اللهُ تَعالى لَهُمْ: إنِّي سَأفْعَلُ بِكم هَكَذا عَقَّبَ ذَلِكَ بِوَصِيَّتِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ والمَعْنى: إنَّكم بِعَمَلِكم تُؤْخَذُونَ، لا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ولا تَشَرُّعا إلَيْكُمْ، و﴿وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ مَعْناهُ: مِنَ المَرَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، اللامُ لامُ أمْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا، فَهي لامُ "كَيْ" كُلُّها، والضَمِيرُ لِلْعِبادِ أُولِي البَأْسِ الشَدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَسُوءُوا" بِالياءِ، جَمْعٌ وهَمْزَةٌ بَيْنَ واوَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَسُوءَ" بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ -وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِنَسُوءَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لِنَسُوأنَّ" بِنُونٍ خَفِيفَةٍ، وهي لامُ الأمْرِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَسُوأنَّ"، بِفَتْحِ اللامِ وهي لامُ القَسَمِ- والفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لِيُسِيءَ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ، وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: "لِيَسُوءَ وجْهَكُمْ" عَلى (p-٤٤٥)الإفْرادِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ الوُجُوهَ لَأنَّها المَواضِعُ الدالَّةُ عَلى ما بِالإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"المَسْجِدَ": مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ. و"تَبَّرَ" مَعْناهُ: أفْسَدَ وأهْلَكَ بِغَشَمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلَوْا﴾ أيْ: ما تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ ومَلَكُوهُ مِنَ البِلادِ، وقِيلَ: "ما" ظَرْفِيَّةٌ، والمَعْنى: مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ عَلى البِلادِ. و"تَبَّرَ" تَحْرِيرُهُ: رَدُّ الشَيْءِ فُتاتًا كَتِبْرِ الذَهَبِ والحَرِيرِ ونَحْوَهُ، وهو تَفْتِيتُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском